أُهْدَى مِنْ قَطَاة - نجاح إبراهيم

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:08 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفيضان

عادت الحافلة القديمة‏

تحجلُ كبطة فوق الطريق الترابي الأجرد مثقلة بأجساد الحصادين، مخلفةً وراءها امتداداً أصفر، يحمرُّ ببطء شديد ليكون والجلّنار صنوين.‏

امتدادٌ حزينٌ، يجهر للكون أن نهاية النهار قد حانت.‏

تهالك الحصادون في أماكنهم متعبين متهالكين بوجوههم المتصحرة المكتوية بلهيب الهاجرة، وشعورهم المغبرّة.‏

تناثرت بالقرب من أرجلهم، أدواتهم مناجل وصرر تحوي بقايا طعام، وفتات خبز، وعلب التتن. ما إن ألقى سالم جسده الواهن، المتعب على المقعد، حتى زفر بحنقٍ وكآبة قائلاً:‏

-لو قدّر لنا أن نقتني تلك اللعينة!!‏

وصمت متراخياً دون أن يتمّ كلامه الذي فضّل احتباسه في داخله. ردّ خلف بتكاسلٍ بعد أن سحب نفساً من سيجارته الغليظة:‏

-الحال لا يسمح..‏

في حين نطق شيخهم بتروٍّ ووقارٍ:‏

-"الحمد لله يا جماعة، اشكروا المولى". كلام الشيخ حمد إمامُ القرية دائماً ينزل بلسماً، وشفاءً مستجاباً وقاطعاً، في نفوسهم لما له من مكانةٍ رفيعةٍ بينهم، هو رجلٌ عبر الخمسين، له مواقفٌ جريئةٌ وصلبةٌ.‏

كالفراتِ أثناءَ تمرده. ينطوي على لينٍ وقسوةٍ نزقٍ وهدوءٍ، عصيانٍ وانصياعٍ أما شكله الخارجي فجبلٌ لا تهزّه ريحٌ، تجده صامتاً جلوداً ومع هذا تجده في أحايين كثيرة إنساناً، شفافاً، متواضعاً يساعدُ الحصادين في مواسمهم.‏

وعند العشّيات..‏

ينضمّ إلى مجلسه في جامع القرية كلّ الرّجال والصبية، يتداولون أحاديث شتى.‏

تمتم الجميع كتلاميذ، رددوا جملةً وراء معلمهم:‏

-الحمد لله..‏

أخذت "البوسطة" الهرمة تصعد هضاباً، وتنزل أودية، وتتعرج في الدروب الوعرة أفعى مريضةً. بين أعواد الزلّ وكتل الشوك المرميّة على حافة الطرقاتِ دخلَ النهارُ الحزيراني في مساء جديدٍ، وما يزالُ الحرّ ناشراً أسياخه، والفرات ينبسط حلماً يهمس رقةً، وعمقاً، وسلاماً. وأجفان الحصادين المعبأة نعاساً وكدّاً، الناشدة راحةً تتكاسل في إلقاء نظرةٍ أخيرةٍ على النهر المستلقي في سريره طفلاً باسماً.‏

كلّ شيء هادئ. يدعو إلى النعاس والتراخي.‏

ضجر خليل وهو يقود "البوسطة" فأراد قتل الملل، بوضعه شريطاً في آلة تسجيل قديمةٍ، متآكلةٍ. لكنّها تفي بالغرض إذ كثيراً ما آنسته، وذهبت بالوحشة وأطربته. راح المطرب يردحُ بغناءٍ عراقيّ، قريب من قلوب الفراتيين.‏

وما أن طلع بأغنيته:‏

"محيّرني يا البايعني‏

وآني اشتريتك خالي‏

نسمة هوى،‏

زف الجدايل شقرة‏

نسمة فجر، كانت بشفة سمرة‏

قدّح المشمش‏

وإنت من قدّاحه.."‏

حتى هبّ الشيخ من سهوته صارخاً:‏

-أخرس هذه الآلة اللعينة!‏

ومثل لمح البصر، امتدت يد خليل، وشنقت المطرب لحظتئذٍ، وتموسقت آخر كلمة لفظها ثم همد الصوت.‏

قال خليل مداعباً:‏

-إنه سعدون الجابر، أما سمعت به يا شيخ؟!‏

ردّ بترقٍ:‏

-لا، ما سمعت به!‏

وتعالى شخير البعض .‏

وتثاءب آخرون، وران صمتٌ وسكينةٌ اللهمّ إلا هدير عجلات الحافلة كانت تئنّ تعباً وصريراً كصوت رحى تجرشُ الحبّ كانت تتسلق مرتفعات الثرى، وتلاحقُ واطئها. تكشّ من أمامها زواحف البيئة التي خرجت لتوّها تسعى.‏

عينا خليل كعيني صقر تحدّقان بالطريق.‏

فجأةً توقف دون سابق انذار‏

وقد جحظت عيناه، واشرأب عنقه ممطوطاً إلى الأمام. يكاد يخترق الزجاج الأمامي المشروخ. كان يمجّ قبل لحظةٍ من سيجارته الملفوفة بإتقان.‏

لكن بعد أن رفع جزعه للأمام، عافها، ورمى بها من نافذة الحافلة دون وعي، وسحب الفرامل بقوة، فأصدرت العجلات صوتاً جديراً بإيقاظ النيام، ونشر الذعر في جنباتهم. بسمل الشيخ وحوقل، وراحت أصابعه تكرُّ حبّات السبحة بسرعة وتوتر. ومما جعل قلوبهم تطمئن قليلاً ابتسامة خليل التي احتلت وجهه، الأمر الذي دفعهم لأن يمطوا أجسادهم فوق مقاعدهم ليستطلعوا الخبر. لكنّهم بوغتوا جميعاً بقامة امرأة تنتصب داخل الحافلة قائلة بتظرف فراتيٍ غسل الفرات بشرتها ومنحها سمرةً خفيفةً.‏

-بطريقك يا خوي.‏

امرأة فراتيةٌ، جزلةٌ، كحيلةٌ ذات قدّ ممشوقٍ.‏

خبّأ "الزبون" تقاطيعه، وبانت ضفيرتاها المجدولتان مع بعض حبّات الخرز الأزرق، والمحلب ليعطيها رائحةً طيبةً. وعند الجيد تعانقت الجديلتان ثم ارتدتا إلى الخلف مع أذيال "العصبة الحريرية. وعلى الأنف شعّ خزامٌ تتوسطه حبةٌ زرقاء. حينما ألقت التحية، سمعوا صوتاً أنثوياً سرى في دمهم دبيباً متناغماً ووقعُ سلامها كان ريحاً طيبة، منعشةً بل رحمةً في هذا القيظ اللاهب.‏

امرأةٌ تألقت في أنظارهم، فبانت كأنّها تختزل فيها نساءً عدّة.‏

راح كلُّ واحد يتزحزح في مكانه ليؤمن لها مكاناً قربه.‏

يهصرُ جسده في مساحة صغيرة لا تتسع لطفلٍ، ليفسح لها ويتيح جلسةً مريحةً. لكنّ السائق كان له السبق في اختيار المكان المناسب لها.‏

أجلسها وراح يعدّل من جلسته على كرسي القيادة، وداخله غرور شديدٌ.‏

وراحت تشي به حركاته وكأنّه يقود طائرةً بل مركبةً فضائيةً لا حافلةً قديمةً متصدعةً شهدت الحرب العالمية الثانية.‏

آخر من استيقظ عبودُ الأعشى. زمّ عينيه وراح بصعوبةٍ يتبيّن ما حدث.‏

وبغتةً دبّ الذوق فيه، فقال لخليل:‏

-لو سمحت يا أبو الخل أشعل الضوء يا أخي قليلاً.‏

ضحك الجميع، وتعالت أصواتهم.‏

علّق أحدهم:‏

-معذور.. معذور..‏

انقلب حالُ الركاب، ولصقت بهم صفاتٌ، وأفعالٌ غريبةٌ وجديدة لا تخصهم، ولم تكن فيهم قبلاً، وكأنّ المرأةَ هذه استحالت إلى يدٍ كبيرةٍ طوّحت بهم، وقلبتهم رأساً على عقب. ومما أثار التساؤل والحيرة، والدهشة كرم "محيو" الذي هبط عليه من السماء اللحظة، والذي قام من مقعده في آخر الحافلة، وجاء إلى مقدمتها لينثرَ سجائرَ على الموجودين. والمعروف عنه أنه يستلّ دخانه سيجارة إثر أخرى من جيب خفي في "ساكويته" وعند إشعالها يخبئها في كفّه. ولم يشهد له أحدٌ باستضافته إلى بيته لشرب ولوكوب من الشاي طيلة حياته. لكنّ حمود الذي قتله فضوله، والذي كان صفةً لصيقةً به منذ صغره. لم يستطع أن يبتلع سؤاله، ولو ابتلعه لطقّ وانفجر، لذا قال ساخراً.‏

-ما هذا الكرم يا محيو؟ طول عمرك يا زبيبة..!!‏

قال الشيخ كاتماً فرحاً يتخبط في صدره لاوياً رأسه إلى الوراء:‏

-عيب يا حمود، عيب. ثم دنا من خليل هامساً، متلكئاً، مضطرباً:‏

-خليل، ما اسم المطرب الذي كان يغني قبل قليل؟‏

-كتم خليل ضحكة قويةً مجارياً سائله، مقدّراً مكانته:‏

-سعدون الجابر يا شيخ.‏

-دعه يسمعنا ألحاناً.‏

رفع خليل صوته غامزاً بعضهم:‏

-تكرم يا شيخ وها...‏

تكور الشيخ في كرسيه، وراح يميلُ برأسه ببطء يمنةً ويسرةً.‏

يهتزّ مع الألحان، يتمتم بعض المفردات. سرت تعليقات بين الرجال، وشاعت ضحكاتٌ فتهامسوا، غمزوا ولكزوا. فهم الشيخ مارموا إليه فقال:‏

-يقول أبو الفتح محمود الكاتب طيب الله ثراه:‏

"إن كنت تنكر يا حبيب أنّ في الألحان نفعا‏

فانظر إلى الإبل التي لا شك أغلظ منك طبعا‏

تصغي لأصوات الحداة فتقطع الفلوات قطعا".‏

أيّدَه الجميع وبعضهم صفق وصرخ وصفر. قال خليل مخففاً:‏

-مفهوم شيخنا، مفهوم.‏

وراحوا يترنحون نشوةً، ويصفقون انسجاماً وطرباً على أنغام الأغنية.‏

تمور رؤوسهم مثقلة بالحب والطرب واللحن، والمغني بصوته الدفيء، الحزين يشعل قناديل الجوى والغرام والنجوى‏

وقدحت قريحة غنّام بالكلام، وتفتق بقصص ورواياتٍ، ولم يعد يعرف السكوت كان يقول أشياء كالهلوسة:‏

-بيتي مثل قنّ الدجاج فارغ وبلا دجاج ينعق فيه الفراغ كالبوم وليس فيه إلا ديكٌ واحد بحاجة لدجاجة تؤنسه، وتزاول فيه عملها لكن واحسرتاه...." بعضهم سمع جزء مما قال واشتكى، والتقط أطراف الحديث، والبعض الآخر انشغل بنفسه، ورحل بعيداً كطائر النورس فوق مياه النهر. أصواتٌ وهمساتٌ انتشرت داخل الحافلة. وراحت الصدور تزفر زفراتٍ لاهبةً فيها الكثير من الألم والاحتراق.‏

والشفاه أطلقت النفثات، واتقد داخلُ الحافلة دخاناً وثورة وأحلاماً وضوضاء وانفلت من الركاب زمام أنفسهم، فراح كلّ واحدٍ يرجعُ مراهقاً ولهاناً، عاشقاً يسترق النظر إليها خلسة. يدّخنُ بكثافة، ويخرج سعيراً من داخله يمتزج بقوافل الدخان يستذكر صباه، ويستشعر نار العشق في جسده، تلهب أحشاءه ومخيلته، وتدغدغ أحلامه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244