|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:08 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
نصير الأدب كانت الصينية، الفضيّة، اللامعة تهتزّ بين يديه أثناء تقديم الشاي لثلة الأدباء في غرفة مدير القصر الثقافي لا خوفاً وإنما فرحاً وحيوية. فبات كتلةً تفرز الاضطراب، والحفاوة، والفرحة.ترتسم عليه هذه العلامات حينما تكون هناك أمسيةٌ، أو محاضرةٌ. إذ ينقلب حسن تماماً، ويعشوشب جسده غبطةً، واندفاعاً. واليوم بالذات خيّل إليَّ أن الريح حُبست فيه، فجاءت حركاته أكثر سرعةً، وخفةً. ولفتَ نظري ركامُ الابتسامات الذي على فمه. اقترب حسن من الأديب الأول، وبصوته المرحِّب، المهلل قال: -أهلاً بالأديب الكبير، تفضل الشاي يا سِيْدنا. كل الأدباء عنده كبارٌ، وهذه عبارته لهم سواء كان المحتفى به يكتب في أي جنسٍ أدبي، مبتدئاً كان أم محترفاً. يُرحب باستمرار، فائراً حيوية وحركة. ابتساماته العشوائية لا تغادر فمه ذا الأسنان المضطربة. وبعينين حريصتين على التقاط أية نأمة يقوم بها الأديب. يتابعها، يسجلها في ذاكرته. رحتُ أتابعه بتمعن حينما انتقل إلى أديب آخر قائلاً له وهو يقدم الشاي الحار: -أهلاً بكم، أدباء كبار، أهلاً. ثم أخذ يوزع الشاي على باقي الحضور في الغرفة، ومن جملتهم المدير الذي كان يشتعل غيظاً، ويتوهج عصبية من جرّاء تصرفاته، وصوته المرتفع. بعدئذ وضع حسن الصينية، الفارغة تحت إبطه، وشدَّ بنطاله حتى أوصل حزامه إلى صدره، وانطلق ليقف أمام باب الغرفة ينتظر الأوامر، ويراقب تصرفات وحركات الأدباء شأنه شأن كل مرة. فإنْ تحدثوا حملق في أفواههم، وهز رأسه مؤيداً كلامهم بإيماءات طفولية سواء فهم الموضوع الذي يخوضونه أم لا. المهم تأييد الأديب، ونصرته. وإنْ بحث أحدهم في جيبه عن قلم أسرع، ودخل الغرفة كالبرق متجاوزاً الجالسين، وخطف قلمه ((الستيلو)) من جيب سترته الكاكية وقدمه له بكثير من الفخر مع ابتسامة عريضة تنم عن احترام وتقدير عميقين. وإنْ انتهى أحدهم من شرب الشاي أسرع، وأخذ الكأس منه داعياً له بمشروب العافية. هذه الطريقة أزعجت المدير الذي ملأ مركزه، ودعته إلى تنبيه حسن، واضطرته مرة لأن يخرج عن طوره، ويقول له أمام الجميع: -اتركْ كل شيء واخرج. ومرة عاقبه بشكل أقسى. إذ صرفه لخدمة جناحٍ آخر من القصر الثقافي. لكن الأمر لم يطلْ فالمدير لم يستطع الاستغناء عنه كثيراً لتفانيه في العمل ونشاطه علاوة على أنَّ الشاي من يده، ولا أطيب. والحقيقة أن الأمر تعدّى هذا الحد إذ بات حسن مصدر تفاؤل له. حينما يرى ضحكته التي لا تفارقه ينسى همومه. كان يرى فيه الإنسان القانع، السعيد، المندفع، رغم فقره وعجزه عن تأمين متطلبات أسرة كثيرة الأفواه. ما يزال حسن واقفاً عند الباب، تدهشه بطاقة الدعوة، التي حملها المدير ليريها للأدباء. هذه البطاقة، البيضاء ذات الخطوط الذهبية، والتي توزع على الناس، وهي تحمل اسم الأديب، والمحاضِر، كم تمنى لو أن اسمه كُتبَ عليها يوماً، وقرأته العامة. تمتم في سره. -((إيه... كنت والله ملك زماني.)) وفجأة فتح عينيه على اتساعهما، وقال لنفسه: -حقيقة ما أُعطيت. ولا مرة مثل هذه البطاقة لأحضر الأمسيات!. لكنه ما لبث أن فرد حاجبيه ونشر الابتسامة على وجهه من جديد، عدّل من وضع طاقيته وأجاب إجابة أراحته: -أنا من أهل البيت. كان حسن مواظباً على حضور جميع الأمسيات، والفعاليات الثقافية، يُصفّق أكثر من الجميع، ويبتسم أكثر. ومرات عديدة استدعته الحالة عند التصفيق إلى الوقوف، والضغط على كفيه بشدة. جميع من احترمهم تعاطفوا معه، وأحبوه لدروشته. وقدروا حبه، وتشجيعه للأدب حتى أن أحدهم قدّم له كتابه الأول هدية. تلقفه حسن بفرحة لا توصف، وغمرته تغاريد البلابل ابتهاجاً، وانشراحاً، وزُرع قوس قزح في عينيه. وراح يقرأ الكتاب كل يوم من الجِلْدة إلى الجِلْدة. وكان كلما مرَّ به المدير وجده منغمساً، ومشغولاً بقراءته، فمازحه قائلاً: -سأمتحنك به. ردّ حسن بعد أن وقف وضرب سلاماً محيياً: -بصمته يا أستاذ. -ما دام كذلك، لِمَ تعاود قراءته. قال المدير مستفسراً، مندهشاً. ويكتفي حسن برفع كتفه الأيمن وإنزاله مع بسمة عشوائية على الفم. هذا الكتاب جعله يتباهى أمام كل من يراه، داخل وخارج القصر الثقافي، وعرَّف كل رواده، ومن قابلهم حسن بمبدعه الفلاني الذي أهداه الكتاب مع توقيعه الغالي، المشرِّف. وإذا صادف، وارتفعت حواجبهم ساخرة، متسائلة، مستغربة أخرجه من جيب السترة دون أن يحول عينيه عنهم لثقة عظيمة في نفسه. قائلاً: -هذا هو، أديب عظيم لم أقرأ لأحد مثله، اقرؤوا له، تابعوا كتاباته إنه، إنه نابغة. هذا الأمر بالطبع أدى إلى شهرة الأديب، حتى أن بعضهم راسله بعد أن نقل عنوانه من الكتاب. وبالتالي جاءت رسالة شكرٍ إلى حسن من الأديب ذاته. يشكره فيها على تعريف الناس بأدبه، ومجيئهم لزيارته، وشراء كتابه. وحينما يذهب حسن إلى البيت يلقي بقبعته المهترئة ذات اللون الباهت على ((الطراحة)) الممدودة في صدر الغرفة، ويخرج الكتاب وينتشل قلمه، ويضعه قربه وينادي زوجته بأن تُحضر الشاي وتأتي ليقص عليها كل شيء، ويبالغ في وصف الأدباء، والشعراء كأنهم أقرب إلى الآلهة منهم إلى البشر. يُقلد لها طريقة حديثهم، ومقتطفات من حواراتهم. ويحضها على متابعته إن سهت عنه قليلاً، وإن خطر لها أن تكلم صغيرها نهرها منفعلاً: -الآن وقت كلامك مع الصغير؟! يا عمي متى ستتثقفين؟ ترد بشيء من الغنج والسعادة: -إني أسمعك. -لا.. لا أريدك أن تسمعيني فقط بل أن ترينني أيضاً. تقول مداعبة: -أنتَ هُنا في القلب. يزم شفتيه، يدّعي الحزم، يتابع. -اسمعي ما قال الشاعر عبد الغفور حينما سُئل عن الشعر والقصيدة. يصمت، يتذكر. -آ.. أعتقد أنه قال: تعود إشكالية القصيدة الحديثة إلى... إلى... وتخونه الذاكرة ثانية، تنقذه زوجته بلا قصدٍ منها بقولها: -ما معنى إشكالية؟ ينظر إلى سقف الغرفة ذي الأعمدة الخشبية، ويفرقع بالإبهام والوسطى بحَيْرة: -إشكالية.. إشكالية يا بنت الحلال.. يعني ((التشربك)). انفرجت أسارير زوجته، وضحكت بقوة وقالت صارخة: -يا الله يا حسن!! كم أنت مثقف، وصرت تعرف ما معنى هذه الشكلية. والله لو بقيتُ مائة عام لا أعرف معناها، واسم الله عليك حولك وحواليك تشرحها بسرعة. ثم تضع يدها على كتفه، تدفعه إلى الوراء برفقٍ مداعبة قائلة: -الله يخليك قل لي ((شويّة)) شعر مما قاله. يحاول حسن أن يستحضر بعضاً مما سمع، تغيب عيناه في ملكوت وفضاءات رحبة، يعرض عليها مقدمة مناسبة. -يا عزيزتي، قصائد هذا الشاعر ولّدت لدي الرغبة في... في التعمق بمعاني المفردات، أجل المفردات. تشع الفرحة في عيني الزوجة، يحاول أن يستجمع ما عَلِق في الذاكرة يقول: -قال الشاعر طبعاً لحبيبته: صوتُك حلوٌ وعذب رائع كالحلم يهفو. تصفق له مشجعة: -والله، وبيطلع معك يا حسن!! اكتب عني شعراً. يجيبها بثقة: -أفكاري لم تنضج بعْد، لم تختمرْ في ذاتي. وبسرعة تسأل: -يعني الأفكار، تحتاج خميرةً مثل العجين!!؟ يردُّ بعصبية العارف النزق: -لأ... يا فهمانة، ما بدها خميرة. تحتاج لفترة.. لتبقى هنا -ويشير إلى رأسه- لتنضج، ويهرع إلى وضع قلمه، والكتاب تحت الفراش، ويستلقي. بعد أيام قليلة. ناداه المدير، مثل أمامه كخادم مطيع بابتسامته المعهودة وحيويته الدائمة. -خير أستاذ؟ -نظِّف القاعة، وجهِّز كل شيء. اليوم محاضرة الدكتور بهيج عز الدين. أريد القاعة مثل الفل. -حاضر أستاذ. حمل المكنسة، وسلة المهملات، وتوجه إلى الأعلى نحو القاعة. دخلها بهيبة ووقار، ولو تفطّن إلى حذائه لخلعه ودخل. ملأ عينيه بمناظر المقاعد الكثيرة، البيضاء، الناصعة. سار حتى وصل إلى المنبر. مسح الطاولة وما تحتويه بنظرة. تلمّس بقدسية لاقط الصوت. جلس ببطء على الكرسي. طاف بنظره فوق المقاعد. ابتسم بهدوء الحكيم. نقر على اللاقط بسبابته. تنحنح طقَّ فقرات عنقه من توتر خفيف دهمه. ضغط بإبهامه، وسبابة يده اليسرى على أرنبة أنفه. احمر وجهه. أراد النطق فما استطاع. تنحنح ثانية وبصوت متهدج خفيض قال: -آ... مساء الخير، شكراً لمدير الثقافة وحاميها في هذه المدينة على تقديمه الرائع لنا... في الواقع محاضرتي اليوم عن... عن- وصمتَ باحثاً عن عنوان لمحاضرته- بغتةً تهلل الفرح، واندلق بشراسة على محياه. تابع: -عن النظافة، وكيفية المحافظة على بيئتنا. وبدأ يخاطب الجمهور الوهميَّ. محركاً رأسه في كل الاتجاهات يتحدث ثم يصمت. يحكُّ رأسه، يلوي فمه، يقول الحقيقة، يقول، ويقول، ينطقُ بالواقع الراهن، يُكثر من ((بما أن)). يتذكر كل المفردات التي حفظها غيباً خلال الفترة الطويلة التي عاصر بها الشريحة المثقفة. تنتهي المحاضرة. يُصفق الحضور. يثني على إصغاء الجمهور، يشكر الجميع على مداخلاتهم، وأسئلتهم. يحمل أدواته الملقاة على الطاولة، ينحني كلما ازداد التصفيق. تلامس جبهته الأرض. وبين غمرة التصفيق، ونشوة النجاح تنهمر دموعه كوابل على خديه. تسقط على الأرض. يترك المكنسة، ويبحث في جيبه عن منديل. لا يجده. يمسحها بظاهر كفه. من جديد يحمل مكنسته يمشي خطوة. ما يزال ينحني لسيل الهتافات من الحناجر، وتصفيق الأكف من جمهور أُعجب بإجاباته الشافية، وحلوله لكل معضلة. ينزل عن المنبر، يرفع رأسه، تصطدم عيناه الدامعتان بعيني المدير الذي باغته بوجهه. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |