|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:08 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
تموز قادم هواء ساخن، متوهج، يلبد فوق وجهي يثير نزقي، ويلهب الضيق في صدري، ويزيد من تأفف الجثث المرتمية بقربي. أسياخٌ من جهنم كان تموز يقذفنا بها عبر نافذة السيارة التي نركب، فتُشوى وجوهنا، وأهدابنا. والعرق اللزج حفر أخاديد في ظهورنا، ورقابنا، وأصداغنا، فرحنا نمسحه بمناديلنا، وأكمامنا أحياناً. صمت مطبق، جنائزي داخل السيارة يستعمرنا وأحياناً لا يخلو من تأفف وضيق، وحنق، ورغبة في الإقياء. بكسل شديد، ورغبة ميتة، مقتولة. مددت يدي خارج النافذة لأقيس درجة الحرارة، وأعلل النفس بانخفاضها. لكني كمن لسعته أفعى. أُدخلها بسرعة، وأصرخ من فرط احتراقي: -وو.. كأننا في تنّور! بدت المسافات تنزلق تحت عجلات السيارة كسهام نار تخرج من كنانة شيطانية، قاسية، لا تعرف الرحمة، ولا تبدي شفقة. بعض التلال الصغيرة التي علتها الأشواك، والحجارة، ونبات "الحرمل" و"القندريس" اليابس. كنت أمرر نظري فوقها مروراً سريعاً، وامضاً لِما تعانيه من الخطف، والابتلاع. وكنت لا أعيرها اهتماماً كبيراً، ولا يدفعني فضولي الخامل لأستدير وألقي نظرة على مصيرها. ساعات بطيئة. خانقة، رتيبة، قُيِّض لي أن أعيشها على صدر أرض شاسعة، مجدبة، محرقة. ويدهمني العطش كالباقين. عطش شديد شقّق لساننا، وأحرق جوفنا. وتمدَّد السراب أمام ناظري على إسفلت الطريق، يلمع، يبرق، يتمرَّغ بحرية، وجبروت، ويهزأ بي فأضع علامة قريبة بجانبه. وأتابع مجيئه إلي، ورواحي إليه. وحينما أدرك الإمارة يفرُّ اللعين مني ليزيد من عطشي، وتحطبي والاستهزاء بي. يزفر رجل بعد أن حطم الصمت بقوله: -تموز، الماء فيه يغلي بالكوز. زفر آخر بشدة: -معلومة قديمة وسخيفة. لم يسمعه الأول، أو ربما سمعه، وتكاسل في الردِّ عليه واكتفى بشعارٍ "وكفى الله المؤمنين شرَّ القتال". شعار يصلح لهذه الآونة، لذا غلّفه الصمت، والانزواء. المرأة التي بجانبي، المستكينة، الراقدة، فجأة ترفع جسدها إلى أعلى لتستطلع المسافة المتبقية، تساءلت بحسرةٍ وألم: -أما من محطة استراحة يقذفها القدر في طريقنا؟! يدير السائق رأسه الكبير إلينا مبتسماً، وقد فاحت رائحة عرقه ليُطَمْئِن المرأة قائلاً: -اقتربنا. أتمتم بكسل وسخرية: -اقتربنا!! حلم إبليس في الجنة. وران صمتٌ من جديد. وأظلّنا بخيمته. نزعت حذائي من قدمي، وتكوّرت في مكاني كقطة، مؤدبة، خائفة. لا أدري كم مضى من الوقت. حينما أُجفلت بسبب صراخ المرأة، المنتفضة. مططت برأسي لأتبين مسوِّغ صخبها، وعياطها، وإذ بي أمامها تماماً وجهاً لوجه. محطة، راقدة على طرف الطريق تنبسط مسترخية، بوداعة طفل، وخفرِ عذراء. تحيطها الأشجار، ويمرق من وسطها جدول ماء. وخلفها ترتع حقول القمح، فينسال بوح السنابل شفافاً حالماً يُعانق الأفق. ودبّت الحياة في عروقنا. وهرولنا إلى داخل الاستراحة كالفئران المستجيرة، الهاربة من مخالب قطٍّ شرسٍ. صاح أحدهم فرحاً، وغير آبه بالناس: -سأسبح. قال آخر: -سأطفئ لظى أحشائي. قلت في نفسي: "سأغسل شعري، وأرشق الماء على صدري، وأبقى بلا حذاء، وأغمر قدميّ بالماء." اخترتُ طاولة تظللها الأشجار، وزهرات الياسمين تتدلى بقربي. وشربنا المرطبات، وبعضنا ظلَّ جالساً في الجدول ينعم ببرودة الماء. ورحت أمسح المكان بناظري. غير مصدقةٍ بأن قطعة الحطب التي كُنتها داخل السيارة قد ارتوت نميراً، وابتلت عروقها. وأطلقتُ أبعادي تجوب المنطقة، الفضاء، الأفق بارتياح. حطّتْ حمائمُ عينيّ بغتةً على شخصٍ قابعٍ قُبالتي. يتسلحُ بالهدوءِ والابتسامِ. يرنو إليَّ بقداسةٍ. تجاوزتُ المشهدَ إلى أمكنةٍ أُخرى، متذرعةً بالانشغالِ لكنّي عُدتُ بها قسراً لتهدلَ من جديد قربَ ضفافِ القلبِ، ومنبع البخورِ، والعطرِ، وصفاءِ سنابلِ القمحِ. وكان ينظرُ إلى قدميَّ الحافيتين. وكنتُ قد نسيتُ بأني حافية. كان يبتسمُ، ويُومئُ إليهما بنفخِ دخانٍ من سيجارتِهِ. ويطلقُ سحائبَ البخورِ صوبي. دارت حولي، رحتُ أدورُ حول نفسي، أتبعها، وحملتني حافيةً معبّأةً، مُكتنزةً بالوجدِ. وشعّتْ وجنتاي بحرارةٍ رائعةٍ مخمليّةٍ، وأحسستُ بطعمِ الخمرةِ المتعتقةِ. وتألقتْ صورتي في عينيهِ الواسعتينِ. ابتسمُ مزهوّةً، وألفى نفسي إلهةً قديمةً يملؤها الحنانُ، وأشرعتْ نوافذي تستقبلُ بغبطةٍ حفيفَ السنابل ووهج العشقِ. ـ ما رأيكِ بتمّوز؟ خيّل إليَّ أنّه يسألني. ـ تمّوزُ جدّدَ الحياةَ فيّ، وخضّبَ شراييني. أُجيبُ بفرحٍ عامرٍ يغسلني. ـ لِمَ انشطرتِ عني؟! ـ لنتحدَ من جديد. ـ حقولي نضجتْ سنابلُها. ـ سأرشقُ شعري ببعضها. وتعودُ بي سحائبُ البخورِ إلى مكاني. أختلسُ من جديدٍ نظرةً إليهِ، ما يزال يرقبني. يزرعُ ابتساماته في أرضي، وفضاءاتي. أُحِسُّ به جزءاً منّي، وكأنّه وجهي الآخر يكمنُ فيَّ منذ الأزل. أضعته شهوراً، دهوراً لستُ أدري لكنّه عاد إليَّ كالحُلْمِ. آلافُ المرايا انتشرتْ حولي تعكسُ لي صورته واضحةً، مضيئةً شفّافةً. وخرجتْ من داخلي امرأةٌ بهرتني، أدهشتني. امرأةٌ تشعُّ جمالاً وقصائدَ. وراحتْ تتلوى بانسيابيّة بين عبقِ الياسمين تكتحلُ بضياءِ وجهه. امرأةٌ استحالت إلى أنشودةِ حبٍّ مرفوعةٍ إليه. تطلق أروعَ الأناشيدِ، وتتلو عليه أعذبَ المزاميرِ. فينسالُ غناءً، وبوحاً، حفيفاً. يتدفقُ بين سنابلِ القمحِ يرددُ اسمه بعذوبةٍ: ـ تمّوزُ... تمّوز... خرجتْ امرأةٌ من دفءٍ، ونجومٍ، ورغائب أمامَ أسطورةٍ تعبقُ بالمجيء. تقتربُ منه. تطوّقُ خصره، وتغرسُ ألفَ بسمةٍ فوقَ هدبه ثمَّ تتوحّدُ، وتنشتلُ لغةً في حقلٍ حواره. وأمتلكُ الشجاعةَ، وأتجرأُ لمتابعتها، وهي تحنو عليهِ؛ وتهطلُ شروقاً ومواويلَ، وتسافرُ ذراعاه لتلملْمَ من حولها لحظات البروقِ. مازلتُ من موقعي. أقضمُ أظافري توتراً، وفضولاً. أعيشُ أَخصبَ الشهورِ. ما زالا يتطلعان بي هو والمرأة. ثم يخفقانِ بأجنحتهما كعصفورينِ يودّان الانزواءَ. لاحَقَتْهما نظراتي. رحلتُ وراءَهُ. يختبئُ، وأحاولُ اكتشافَ مكمنه. لاحقهما همسي: "تمّوز، تمّوز". وباتَ ندائي ترنيمةً طقسيةٍ في معبد. وهناكَ، انفتحَ قلبُ الرجلِ كصندوقٍ حوى كنزاً فأضاءَ ما بداخله من حكايا قديمةٍ وحديثةٍ. حكى لها عن أسرارهِ، وخفاياه. عن جهاتِهِ وتاريخهِ. عن هدوئه وإعصاره. عن شروقهِ، وأُفوله، عن موته وبعثه. ورأيتهما معاً. يؤديان صلاةً، ويقرّآنِ تراتيلاً، ويزقزقُ كلٌّ منهما للآخرِ. هي تُزقزقُ حالمةً. هو يُزقزقُ فرحاً. ويعودُ بهمسهِ، بكلِّهِ إليَّ. يعودُ من بين الأعشابِ القصيرةِ بعدَ رحْلةِ اختباءٍ. يعودُ من بين الأعشابِ الطويلةِ ليتوَسَّدَ اللقاءَ معي. وتدخلُ المرأةُ عُمقي. تتلبسني. وأنتظرُ انسكابَ تمّوز على أَصابعي، وأحداقي، وفَرحي. يتغلغلُ بوحُهُ في مسامي حينما قطفَ ياسمينةً، وقرَّبها من فمه. وراحَ يَصبُّ كلاماً عذباً على بياضها. يرتعشُ كياني. أُسدلُ أهدابي بخفرٍ، وأتعبأُ وجداً، وحلماً، وانتظاراً. وأَتقِدُّ أملاً وشموعاً. وعَربدتْ جرأةٌ في نفسي، فأجدُني أبتسمُ له، وأرفعُ قدحي إليه ببطءٍ، وأَحتسي شرابي، وعيناي في عينيهِ يحدوني أملٌ أن يشاركني مهرجاني. وتحققَ لي ماكنتُ أرغبُ إذ بهِ يرفعُ قدحاً ليرتشفَ منه. ويشعلُ سيجارةً ويُبقي نارَ ولاعته متقدةً هنيهةً ثم ما يلبثُ يطفئها. تألمتُ حينما انطفأت النارُ. شعرَ بي، فعادَ، وأشعلها ثانيةً، وحامت حولي النجومُ والكواكبُ مساكب وردٍ نبتتْ، وتكوّنت في مسافاتي. وكنتُ ملكةً متوّجةً ترفلُ بالنضوجِ. مثقلة بالحبِّ، ورحتُ أمجِّدُ حَرَّ ولهيبَ تمّوز. وتقتلني كلمة، تغتالني، تقطعني بسكينٍ حاّدةٍ، غادرةٍ وتبعثرني أجزاءً. ـ هيّا لنتابعَ........... ينطقُ بها السائقُ الأرعنُ، وهو يتجهُ نحوَ السيّارةِ. أمتعضُ، أتألمُ، أصرخُ: ـ "يا قاتلَ الروحِ.. شحذتَ مِنْجَلَكَ ولوّحتَ به في وجهينا.". وأجدني أهوي من عليائي، من جنتي، محطمةً، مهيضةً. يرتجفُ قلبي هَلعاً. أتخيّلُ كلَّ من هبَّ واقفاً ليتابعَ رحلته قادماً نحو تمّوزي وفي يده منجلٌ، وسوفَ يحصدُ به رأسه. يقولُ أحدهم: ـ الرجال جاهزون. وبشكلٍ هستيريٍّ محمومٍ أُكملُ: ـ الرجال جاهزون والمناجلُ مسنونةٌ. القمحُ طويلٌ، وقصيرٌ والسيّد يجبُ أن يُحصد رأسه1. أليست هذه أهزوجةَ الحصّادين في موسمِ الحصادِ؟!... وأتخيّلُ سيّد المواسم يُعَزّيني بإنشادِهِ الرقيقِ قائلاً: ـ "ربّما سأموتُ، أتلاشى وأغيبُ. ولكنَّ قلبي جوهرةٌ خضراء. لذا سأعودُ أخضر، كما كنت... ولسوفَ يولدُ البطل كرةً أخرى..".2 وأرغبُ أن أبقى هنا لأدمنَ لحظات اتحادي، لحظات عشقي مع تمّوز، وتفرُّ مني كالماءِ من بينِ الأصابعِ. وأقفُ بصعوبةٍ ألملمُ أجزائي، وشراذمي. ألبسُ حذائي، تجتاحني رغبةٌ قويّةٌ لأقتربَ منه، لأودعه ولأشكره وإذ بهِ يقفُ كتمثالٍ أسطوريٍّ. خطوط حزنٍ رفيعةٍ في وجههِ. يفتحُ بابَ سيّارته، يدلفُ بجسدهِ داخلها. وتدوّي صرختي لتملأ الأفقَ المخضَّبَ بالدمِ. ـ تمّوز قادمٌ.. وتنهشني نظرات الجميع. تلوبُ ثمّ تصبُّ فوقي. تأكلها الدهشة، وتعتصرها الحيرةُ. أرددُ لأؤكدَ لهم أنّ تمّوزَ قادمٌ... تموزَ قادمٌ. وتتجمّعُ النسوةُ حولي، نسوةٌ تجاوزَ عددهن المئات. اقتربنَ بملابسهنَ السوداء، ورحن يندبنَ، ويبكينَ تموز الذي اختطفه الغيبُ. وارتفعَ بكائي، فصار عويلاً، وأَخذتُ ألطمُ وَجهي. وأُمزّقُ ثيابي، وشاركتني النسوةُ بضربهن على صدورهن ونحيبهن المؤلمِ. وكأنَّ ذلك الشاب الذي غادرني، وغادرَ أبعادي هو روحُ النباتِ في الأساطيرِ القديمةِ الذي قُتل وطُحنَ جسده. بين حجري الطاحون، وتناثرتْ أجزاؤُهُ في الهواءِ. شكرتُ النسوةَ، وقبّلتهن على تضامنهن، ورحتُ أبتسمُ لتموز الذي لوّحَ لي بيدهِ وقد انطلقَ غرباً، بينما انطلقتُ شرقاً. 1 العبارة مأخوذة من لغز عشتار. 2 عن لغزِ عشتار. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |