أُهْدَى مِنْ قَطَاة - نجاح إبراهيم

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:09 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

لقاء أشعل المدى

ويدعوني إليهِ .. ورُبَّ وَعْدٍ‏

له نبضٌ... وأعصابٌ.. ورُوحُ...‏

نزار قبّاني.‏

ـ للّقاءِ طعم تتجدّدُ فيه الروحُ.".‏

قالت هذا بعد أن فاضتْ وجداً، وابتساماً، وشعرتْ بنفسها خفيفةً كريشةٍ، حالمةً كفراشةٍ، متجدّدةً كماءِ النبعِ.‏

ينبتُ العُشبُ على حدقتيها، فيضيءُ الكونُ اخضراراً، وترحلُ كمهرةٍ صوبَ الشمسِ.‏

ركبتْ السيّارةَ.‏

وفي البالِ والخاطرِ يلحُّ لقاءٌ، واتجهتْ بكلِّها إليهِ. ترتدي النهارَ النديَّ منساباً في كلِّ مكان، والشمسُ الحيّية تُخَضّرُ لقاءً على ضفّةِ القلبِ.‏

يقطنُ في داخلها.‏

يسكنها زغلولٌ ناعم الملمس. يتكوّرُ بين أضلاعها هاجعاً، وديعاً بهدوءٍ وحذرٍ تسحبُ يدها لتضعها فوقَ زغبهِ وتدثرهِ بأنامل تترصَّعُ حناناً ودفئاً.‏

كان قلبُ العصفور يخفقُ بانتظامٍ، يتزامنُ خفقه مع دقّاتِ قلبها. يتحدان فيؤلفانِ ترنيمةً حميمةً تَعِدُ بمساكب وفيرةٍ من الحبقِ وبساتين كستناء.‏

وحيدة، مبتسمة يبلّلُ مساماتها لقاءٌ سيشعلُ المدى بعد سويعات.‏

ستقتربُ منه ويمدُّ لها يده، فتشعر بها تكبرُ وتكبرُ لتحتضنَ كفّها الرقيق.‏

سيحترقُ الانتظارُ على مبسمهِ، وتلهثُ فراشاتٌ لتحطَّ عند ثنايا قميصهِ الأبيض.‏

تخيّلتْ عينيهِ وهما تتوهجان على ضيقهما مثل شمسِ الأصيلِ المائلة إلى الاحمرار مُخلفةً لوناً أسطورّياً يليقُ به.‏

سيقفُ طويلاً بقامتهِ الفارعة إلى جانبها.‏

رأسها يصلُ إلى صدرهِ، تصغي بشغفٍ إلى نبضِ الحرفِ والوجيبِ. يقفان كعمودين من المرمر. تغمرهما النشوةُ، وترشهما أزرارَ وردٍ تتفتّقُ.‏

ستخبئُ عبير الشوق في جؤنةٍ صغيرةٍ حرصاً من حسدِ الآخرين.‏

وتلملمُ حرارةَ اللقاءِ، وتغزل منها أرجوحةً ترحلُ بها إليه.‏

ويموجُ الكونُ بالكلام.‏

ويبوحُ بأشياءَ زنّرَتْ خَصْرَ الربيعِ بالعطاءِ.‏

ابتسمتْ...‏

ورفّتْ على زاويةِ فمها إشراقةٌ. دارتْ بعينيها تجوسُ المكانَ لعلَّ الذين يجاورونها غافلون عن حزمِ الفرحِ والابتسامِ التي تَنبعثُ من كيانها.‏

تساءلتْ مراراً حينما كانت تلقاهُ ماذا تقول؟..‏

تمتمتْ:‏

ـ ماذا أقولُ؟...‏

يأتيها صوته هادئاً، رقيقاً يطوي البعدَ ليرشَّ الوجودَ بالمجيء:‏

ـ قولي شيئاً..‏

ـ أحبك..‏

ـ قولي أكثر... أريدُ أن أسمعَكِ.‏

ـ ...........‏

ـ قولي سأنتشي، ستروى حقولي، سأغنّي بين سنابلي.‏

بخفر تجيب:‏

ـ سأقولُ أكثر في لقاءاتٍ قادمةٍ.‏

ـ وأنتظرُ لمرّاتٍ قادمة؟ لم تطفئين وَهجي؟!‏

ـ ليستمرَّ ضياؤك.‏

يتلاشى الصوتُ، فتطبقُ السماعةَ ينكسرُ في كرسيه طفلاً مُتْعَباً أسكره صوتها، ووشّحَ لحظته بدفءٍ ونرجسٍ.‏

كثيراتٌ عَبَرنَ حياته دون أن يتركنَ أثراً، أو بصمةً.‏

مررنَ مروراً سريعاً، قتلنَ لحظة الوحشة والغُربة لديهِ وتلاشينَ كالزبْدِ أَمّا هي فقد خيّل إليها أنها تجلسُ مكان الأنثى.‏

واعتقدتْ أنها تقبضُ على كُرةٍ بللّوريةٍ تنظرُ إليها كلّ حين لتُعْلِمَها الكرة أنّه الرّجلُ الوحيدُ الذي تبحثُ عنه منذ بدءِ الخليقةِ إلى اللحظةِ.‏

حينما طوى البعدُ صوته راحتْ تدورُ في غرفتها كراقصة "باليه" بارعة، صارخةً من فرطِ انتشائها:‏

ـ "أحبّك دائرةً من ياسمين بل كرةً أرضية من ندى ولوزٍ وحنين. وصدراً واسعاً يحتويني، أحبّك، ريحاً ممطرةً تأتي بالبروقِ، والخيرِ والمطرِ، تسقي ظمِئي، وتؤطّرُ لوحاتي الكئيبة الملقاة في إحدى زواياي الباردة.‏

تنهمرُ في داخلي تغسلني، وتوقدُ في دمي أهازيجَ ملوّنةً وأسرابَ طيورٍ تأتي في الربيعِ، وتمضي مسرعةً في التغريدِ.‏

أحبّك ألقاً وكلماتٍ أعرفُ كيفَ أدوّنها، وكيف تكونُ شموعاً فوق صفحاتي و......".‏

فجأةً توقفت السيّارةُ في إحدى المحطّاتِ.‏

نزل بعضُ راكبيها لشؤونٍ خاصّةٍ سريعةٍ.‏

لكنّها بقيتْ في كرسيها تنظرُ إلى الطريقِ دون التفاتٍ تحلمُ بلحظةِ اللقاءِ. على مَدِّ بصرها، إلى الأعلى، في السماءِ تربَّعَ مبتسماً.‏

وجهه يعانقُ المدى. يُطرّزُ الوجوهَ بحضورهِ، ويُضيء الجهات.‏

ينظرُ كلّ حين إلى ساعتهِ يتفقّدُ الزمنَ. يزحفُ إليه القلقُ والتوترُ ثمَّ يُكمل حديثه مع الآخرين تقطيعاً للوقتِ وزجراً له.‏

ـ طالَ وقوفُ السيّارةِ!..‏

قالتْ في نفسها، تأففتْ لا تحتمل صبراً، لذا قرّرتْ أن تسافرَ إليهِ مشياً على الأقدامِ، ترحلُ رحيلَ القدماءِ هذا خير من الوقوفِ والانتظارِ.‏

الانتظارِ!! جمرة متقدة تكويها، ونارها تبيدُ الأخضرَ فيها لذا لن تقفَ، وتنتظرَ لأنَّ كل شيءٍ فيها يرحلُ إلى تخومه كلّ ذرّةٍ، كلَّ جارحة تبحرُ نحوه.‏

وشرعتْ تركضُ، ويركضُ معها قلبُها، وفكرها وصوتها.‏

صار لها ساقان طويلتان.‏

تستطيع بهما أن تخطو خطواتٍ أكبر.‏

بهما ستختزلُ الوقتَ، وتصلُ إليه باكراً.‏

صار لها قلبٌ يتسعُ العالمَ بأسرهِ، قلبُ بحجمِ الشمسِ يخفقُ بقوّةٍ.‏

أسرعتْ أكثر علّها تصلُ قبلَ الوقتِ لتأخذَ زينتها.‏

ستضعُ اللونَ الأحمرَ على شفتيها، وترشُّ الأخضرَ فوق عينيها وتسحبُ الميلَ الأسود بين أهدابها، وتسرّحُ شعرها كالملكاتِ.‏

هي جميلةٌ لكنّها تودُّ أن تكون الأجمل والأروعَ لأنّ كلّ مساماتها تنضحُ عشقاً وشوقاً، وصدقاً للقاءِ تموزها.‏

كانت تركضُ كمهرةٍ شوقاً تغتسلُ بأشعّةِ البزوغ، وتتشرّبُ بالضياءِ.‏

يتصاعدُ بخارٌ من أنفها وفمها، ويتطايرُ شعرها ناعماً أحمرَ كالعقيقِ.‏

كانت تصهلُ بحريّةٍ، وينطلقُ صهيلُها غناءً في كلِّ المسافاتِ، يصبغُ الوجودَ وجوداً، ويخرجُ من صدرها سرب من الفراشاتِ الملوّنةِ يُلاحقُ خيوطَ الوهجِ.‏

كانتْ مبتسمةً، عاشقةً، حالمةً ورشيقةً.‏

التفتت حولها حينما هدرتْ السيّارةُ تتابعُ الرحلةَ.‏

فألفتْ نفسها في كرسيها تُراقبُ الشمسَ التي أخذتْ تلوّنُ الأفقَ بألوانٍ قرمزيةٍ رائعةٍ.‏

بقيَ القليلُ لتستظلَّ به.‏

عَسكَرَ فرحٌ في داخلها وكبرت ابتسامتها، وتفتّحتْ عيناها النرجسيتان لتلمّان هيكلَ المدينةِ من بعيد.‏

مدينةٌ ضمّت الرجلَ الذي قطعت أميالاً لتراه.‏

صحيحٌ أنَّ اللقاءَ سيكونُ بين أُناسٍ كثيرين، والمناسبة مناسبة احتفاءٍ بأحدهم لكن يكفي أن تراه.‏

أن تضعَ يدها في كفّهِ وتُلامسَ دفأها.‏

ستتوحّد أنفاسهما حينما يقفان قبالةَ بعضهما.‏

ويسلّمان سلامَ المحبين.‏

سيصلُ رأسها إلى صدرهِ، فتسمعُ خفقَ فؤادهِ ويخرجُ العصفورُ المتكوّرُ من صدرها ليعشش بين أضلاعهِ.‏

وسيحصدُ الرجلُ الحلمُ الحبَّ من عينيها الطافحتين بالشوقِ بمنجلِ الانتظارِ.‏

ويفضي صوتها العذب المسكون بالوجدِ عمّا يختلجُ في داخلها من بوحٍ وصمتٍ وغناء.‏

وربّما حينما تلقاهُ ستلتزمُ الصمتَ لأنّ كلّها يفضحُ ويَشي بحجمِ الحبِّ الذي يسكنها.‏

يهمسُ الرجلُ بحرارةٍ، ويده ما تزال تحتضن يدها:‏

ـ انتظرتك طويلاً..‏

تردُّ بفرحٍ كبيرٍ، وارتعاشٍ:‏

ـ وها أنا جئتُ.‏

تستيقظُ من حلمها تُدركُ أنّها ما زالت قابعة في السيّارة التي وقفت أخيراً عند منزلِ أحد أصدقائها.‏

أخذتْ زينتها، وأكملتْ أناقتها، ورائحة طيبةٌ انبعثت منها.‏

ينتابها توترٌ كلّما نظرتْ إلى ساعتها، ووجدتْ الوقتَ يقتربُ.‏

في السّاعةِ السابعةِ مساءً سيكون واقفاً في بهوِ الصّالةِ كسيفٍ عربيٍّ يبرقُ تحت الأضواء.‏

كلّ مافيه ينتظرُ، عيناه صوبَ الباب ترقبانِ بلهفةٍ قدومها.‏

حديثه مع الآخرين مفكّكٌ يقطعه كلّما دخلت إحداهنّ معتقداً أنّها أُنثاهُ.‏

في السّابعةِ نزلت من السيّارةِ، قلبها يقرعُ كالطبلِ، وعيناها تلوبان بحثاً عن أطولِ قامةٍ، وأرحب صدر.‏

تدخلُ البهوَ وابتسامةٌ زاهيةٌ تسطعُ على الثغرِ.‏

يهرعُ إليها أحدُ معارفها يُرَحّبُ بها، تردُّ بأدبٍ.‏

نظراتها تحلّقُ فوقَ رؤوسِ الجميعِ تبحثُ عنه.‏

يأتيها آخر ليسألها عن أخبارها، ويثني على حضورها.‏

من جديد تبحثُ عن وجهٍ قمريٍّ بين أكوامِ الوجوهِ.‏

وجه منذ فجر التاريخِ كان لصيقاً بها.‏

وهنا بين هذا الركام فقدته.‏

شيءٌ ما بداخلها تكسّر. صار له طعم التشظّي والانشطار ولقامتها طعم الخيبة.‏

لكن سرعان ما زال كل شيء حينما ظهر وشعَّ ضياؤه، وغمرَ الدنيا سطوعاً.‏

خرجَ من غرفةٍ صغيرةٍ بجانب الردهةِ أنيقاً، عظيماً.‏

عادَ الفرحُ إليها شلالاً يهدرُ من أعلى رأسِها إلى أخمصِ قدميها.‏

ينثرُ رذاذاً لطيفاً يداعبُ جلدها.‏

خرجَ برفقةِ امرأةٍ قزمٍ تصلُ حدَّ خصرهِ، يجمعهما حديثٌ ما جعله منهمكاً في الكلامِ، مُكثراً من إشاراتِ يديه.‏

أَحنى رأسَهُ ليصبَّ القولَ في أذنها.‏

بينما كانت تتطلعُ إليهِ بعينينِ صغيرتين فوقهما نظارتان سميكتان ألصقتهما كثيراً بجمجمتها.‏

يرفعُ رأسهُ بغتةً.‏

يتنفّسُ هواءً، يلتمعُ طيفُ مسرّةٍ حينما يراها.‏

أحسّتْ بثقلِ خطواته، وبارتباكٍ خفيفٍ يسري في أوصاله.‏

أبعدت هذا الإحساس مبرّرةً أن مبعثهُ وجود أخرى شوّهت جمالية اللقاء.‏

"إنّها مغسولةٌ في حدقتيهِ، ومخلوقةٌ من ضلعهِ فكيف ينظرُ لأخرى..؟". (قالت لنفسها).‏

دنا منها، مَدَّ يدهُ نحوها.‏

يدٌ ممدودةٌ على طولها، مستقيمةٌ كسكّةِ قطارٍ.‏

"لم يقترب ليلامس رأسي صدرَهُ، فأسمع دقّات قلبه كما حلمتُ!..".‏

اتجهتْ يدها إليه، تركتها في كفّه، سَحَبَ الكفَّ، وراحَ يُعرِّفها على المرأةِ الأخرى.‏

لم تسمعْ ما قال، ولا حفظت الاسم الذي ذكره، إنّما لبسها الجمودُ، والذهولُ حينما وجدتُ نفسها أمامَ مرآةٍ تعكسُ بوضوحٍ ذهولها.‏

وقفت مشدوهةً، واجمةً، مطفأةً.‏

تبحثُ عن خطوطِ وجهٍ جميل مَرَّ بها.‏

مَدّتْ أصابع مرتجفةً، مضطربةً إلى صدرها تتحسّسُ عصفوراً صغيراً له زغبٌ خفيفٌ.‏

وجدته يغطُّ في سُباتٍ، وسكونٍ. أيقظتهُ، وامتلأتْ فرحاً، ولهاثاً، ورغبةً في لقاءٍ يُشعِلُ المدى.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244