|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:09 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
امرأةٌ تجيدُ الانتظار ميناء.. ثمةَ امرأةٌ ذاهلةٌ تقفُ على الشرفةِ المطلّةِ على البحرِ المتماوجِ، تلوّح بيدها لرجلٍ ركبَ السيّارة وتدثَر بالسفرِ. وباليد الأخرى تمسحُ الدمعَ الهادئَ ولقد بانت كصاري لسفينة صمّاءَ تبوحُ بالعجزِ. تكالبتْ عليها الريحُ فتهفهفَ الثوبَ وتثنّى. "ـ هل أنتظرُ ستّة أشهر أخرى ليعود؟.. كلُّ مرَةٍ تذهبُ برفقته إلى الميناء، تزرعُ قبلةً على الخدِّ وتباركُ الرحيلَ. ولا تعودُ حتى تغيبَ السفينةُ عن الأعين ويبتلعها الأفق، وهي تدعو له بالسلامة. تمكث في بيتها النصف الثاني من السنة، وحين يقتربُ موعدُ المجيء تفتحُ النوافذَ والأبوابَ تسهرُ على الشرفة ليال متتاليةٍ، تعَبئ الصدرَ بهواء رطب مُرسل من البحرِ، رافل برذاذ مالح. تستقبل كلّ الجهات التي تصبُّ عند تخومِ شرفتها. "ما الذي جرى يا ترى؟!".. لوداعه هذه المرّة لذوعةٌ في الحلقِ، وزبدٌ يغشي منارةَ الأهدابِ قبل أن تغيّبه السيارة، نظرت في وجهه مليّاً كأنما تراه لأوّل مرّةٍ، وتودُّ من كلّ قلبها المتشاقي أن تخزّنه في ذاكرتها بإتقان، وفي اللحظة التي أصدرت السيارة صوتاً مزعجاً، وانطلقت لتخلفها وراءها، أحسّت المرأةُ بيدها شلاءَ، متحجَرة، وبجمودٍ يستوطنُ الجسدَ، لكن بعد أن ابتعدت لوّحت كثيراً. في المرّات السابقة كانت نظراتها تحملُ من الفرحِ والدعاءِ ما يكفي. كانت عكس نساء البحّارة اللواتي يودعن أزواجهن في كلّ مرة الوداع الأخير. هذه المرّة صارت مثلهن تماماً. تحسُّ به في خضمّ بحرٍ أهوج تتآلبُ عليه الرياحُ تدرسُ المعالمَ، وتطمس الجهاتِ، تراهُ ضائعاً، مذعوراً يسوطه المطرُ والعتمةُ، يحاول استقراء السمات، ويحلم بمرافئ قادمة لها رائحة الدفء والاحتماء. أحسّت بوجهه المتغضّن تفرُّ منه كلُّ الموانئ. حينها ودّت لو تكون لـه ميناء، فتبثّه احتواءً ويأتيها محمَلاً باللجوءِ.. هذه المرّة.... بحثت في وجهه المملوءِ بالنوِّ والموجِ وزعيق الصّواري عن جزيرةٍ يؤمّها. لكن.. لا جزر فيه بل أشباح هاربة، فارّة، ولا سواحل تلمّ ذلك الشريد الطريد. ـ 2 ـ الهواء في الشرفة حارٌّ، لاذعٌ ورطب. يتمدّدُ على السواحلِ المتعرجةِ والشوارعِ، وأرصفةِ الميناءِ سيغيب رجلها طيلة فترة الصيف، وسيجلدُ الانتظارُ المرأةَ، ستمتدُّ أصابعه لتمتصَّ العمرَ ثم تذروه وجعاً، وقلقاً ورماداً على عريّ الإسفلت. ستُّ أشهرٍ ستقضيها مابين الشرفة وغرفة النوم يرافقها فنجانُ القهوةِ راتعاً بين أصابعٍ باردةٍ وسيجارةٌ تتمطّى بلا استحياءٍ من حين لآخر بين شفتيها المسكونتين بالانتظار والرغبة. هواءٌ ساخنٌ يجلدُ الصدرَ، والعينان تحدّقان في البعيدِ، يترنّحُ الغسقُ كطيرٍ ينتفضُ. مازالت وحيدة، حزينة وساهمة في مدى واسع أزرق الجنبات تستعيدُ حواراً جرى بينهما: ـ هل تحملني في رحلاتكِ؟ ـ أنت معي أنى اتجهت. ـ أشتاقك.. ـ 3 ـ تمدُّ يدها المتألقة إلى حافةِ الشفة، تنتابها قشعريرةٌ، فتنطوي على ذاتها، وتلملمُ أطرافها. لم ترتوِ بعد من دفءِ الصدرِ، ولا من حكاياتهِ عن بلاد مرّ بها، عن حوريات جلسنَ على حواف الجزر بأناقةٍ بالغةٍ يوقدن قطوفاً من مرجان وأحلاماً نرجسيّةً. كانت تتلهف لسماع المزيد. تركضُ في الأصقاع التي يتحدّث عنها، تهدل حمامةً من ريحان حين يطيل الوصف تتكئ على أفاريز المدن النائية، تغرقُ في وسائد الضباب الناعمة، تتوحّد في البعد وتترك أنفاسها المتلاحقة بين دهاليز ذاكرةِ الأمكنة. تنهدّت بحرقةٍ، أحسّت بدوار دهمها، استندت إلى جدار الشرفة تبكي بصمتٍ وضعفٍ وألمٍ. انهمر الدمعُ حنوناً على عشب الخد. بدا بكاءً داخليّاً، خاشعاً ثم رافقه صوتٌ واهن ما لبث أن ازدادَ حتى صارَ عويلاً ونشيجاً. كان بكاؤها مزيجاً من لوعةٍ وغربةٍ وقهرٍ. رعفت كلُّ أعضائها بالبكاءِ والارتجافِ حتى أحسّت بقلبها يتصدّع. ـ مع السلامة. تمتمت، ثم انسلّت إلى الداخل، وعند أقرب كرسيٍّ هبطت بجسدها، مطفأةً وساكنة. ـ 4 ـ في هذا المساء الساكن، قادتها قدماها لأن تجوبَ رصيف الميناءِ، فحالة الاختناقِ التي تعيشها تكادُ تقضي عليها، ولا شيء يسرّي عنها سوى المشي والنظر في مياه البحر المتراخي علَّ ذلك يوقظ ذبول الجسد والروح. جابت الشارعَ الطويلَ من أوّلهِ إلى آخرهِ.لم تكترث بالنّاس المتناثرين ولا بالأراجيل في أيديهم، ولا بالمقاعد المغروسةِ بالقرب من الشاطئ. لم تسحرها القوارب الصغيرة البيضاء ولا السفن الكبيرة الرّاسية في الميناء، مادخلت أصوات العمّالِ وهم ينزلّون البضائع أذنيها. كانت شاردة وذاهلة، وكثير من البكاء ما يزال يعصف بداخلها ينتظرُ لحظة انزواءِ ليخرج هادراً عاصفاً وشرساً. قبالة البحر يرقدُ مقهى امتطت درجاته ودلفت إلى بهوه الزجاجي ذي الأضواءِ الملوّنة انزوت جانباً وطلبت قهوة راحت تحتسيها بهدوء. *** ميناء بشري. حين لمحها، انبهر لتلك الكتلة المهدودةِ العائمةِ في ردهةِ الصمتِ. خمّن من تكون؟ ـ أتكون هي؟.. أية ريحٍ دفعتها للخروجِ؟ انسحب من كرسيه واقترب منها. ـ سيدتي. ارتعدت المرأةُ، وتندّى الوجهُ بالمباغتة.. ـ ماجد... ـ خير مابكِ؟ ـ سافر زياد.. ـ ككلْ المرّات فلمَ الحزن؟ ـ لا أعرف. ـ لا مبرر لذلك، إنه بحّار يمتطي البحرَ كفارس يجوب العالم ثم يعود إليك... ـ........... راح ماجدٌ يثرثرُ ، يخلق أحاديثَ مفرحة وماتعة وهي تلوذ بصمتها، كانّ أسواراً من اللا مبالاةِ والجليد تقام بينها وبين الإصغاءِ. لكنّه لم يتعب، أو يداخله يأس، بل ظلَّ يتكلم عسى أن تنفذ كلماته إليها فتجدَ ثغرةً دافئةً تذيب الجليدَ وتنأى بغيمة الحزن. بيد أنها كقطةٍ متفجّعةٍ لطأت في كرسيها، حزينة، راعشة، وعزلاء إلا من حبٍّ عاصفٍ لمن غادرها هذا الصباح. قال ماجد: ـ البحّار ما إن يركب السفينة ويُولي قفاه للميناء ينسى كلّ شيء، المدينة ومن فيها. انتفضت كأنما لُذعت وقالت محتدّة: ـ لا ، هذا غير صحيح. استفزها ماجد بقوله، فأثقل العيار إذ أردفَ: ـ وفي كلّ ميناء له امرأة تنتظره، وربّما أمسكت بيدها ولد راح ينتظرُ أباه أيضاً. ـ ماذا تقول؟ أتعني صديقك زياد بهذا؟... ولم تنتظر جواباً، وإنما وقفت تستجمع حوائجها من فوق الطاولة وحينما مدّت يدها إلى حقيبتها أمسك بها وقال بثقةٍ: ـ أعرفُ زياداً أكثر منك.. شدّت يدها من قبضته ورمقته بعنفٍ وولّت هاربة. *** ميناء قصيّ: كانت امرأة جميلة، فرحة مستبشرة ترقبُ بشغفٍ سفينةً قادمةً من الشرق. على خاصرتها خُطَّ بوضوحٍ اسم "أدونيس". وهي "أفروديت" عاشقة ومنتظرة، نزعت عنها القلقَ وتجلّت بأبهى حللها على رصيف الميناء الإغريقي. نصف عام وهي تنتظر حركة النجوم والأفلاك والأمواج وهاهي تباشير الصيف تلوّحُ، فيأتي معها الحبيب المرتقب، التقى أدونيس بأفروديت في احتفالات "الآدونيا" تعارفا ورقصا ومضيا يداً بيد. في صباحٍ باكرٍ لذلك اليوم الاحتفاليّ، الأسطوريّ كانت أفروديت ككلّ نساء الإغريق الحالمات تصنعُ دُمى من شمعٍ وطينٍ مشويٍّ تمثّلَ الحبيب الغائب. حملت الدمى، ووضعتها عند مداخل البيوت ترمز بذلك لرغبتها الجامحة أن يأتيها رجلها ويجمعهما بيت خاص بهما. ثم تتحلق مع سائر النساء بثياب الحداد حولها وتشرع بالبكاءِ والندبِ على ذكرها الذي قضى نصف سنة في بلاد أخرى قصية. ثم تبدأ بنشيد حزين على أنغام الناي وتبقى طيلة يومها على هذا المنوال إلى أن يطل الحبيب، فتمسك بيده ويذهبان إلى مباءتهما. وهاهو أدونيس الغائب قادم إلى أقبعة الإغواء والخدر يلوّح بيديه، تسبقه ابتساماته وعيناه لمعانقة المرأة المسكونة بالرؤى. *** ميناء له طعم الانتظار: في إحدى الشرفات في المشرق تتسلل امرأة من بين غلالات الوحدة تمسح البحر بعينيها، وتتلمس ما ضاع من العمر في الذبول، ترقب عرائس البحر لتأتي مع تكسرات الموج. تحرق الأيام في انتظار الشتاء وتزداد التصاقاً بالصبر. الرياح تكنس الشوارع وتجلد المارة، والأرض لها رائحة المطر والبرد. والمرأة تجدد سيجارة أحرقت شفتيها، ولبثت تنتظر وتنتظر إنها حقاً تجيد الانتظار ببراعة. الثورة في 29/12/2000. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |