|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:09 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
منصور المهزوم منصور الأول (البداية) هيئة زريةٌ، يستولي التعبُ عليها، شَعرُ رأسٍ مشعّثٍ يندرجُ الإهمالُ فيهِ فبدا متناثراً بشكلٍّ مرعبٍ. لحيةٌ طويلةٌ، وثيابٌ رَثّةٌ، ووجه كاب يميلُ إلى الصفرة. قسماتٌ متوحشةٌ يغلُفها جلدٌ خشنٌ تغلبُ عليهِ أخاديدٌ كثيرةٌ متبعثرةٌ، وفمٌ يابسٌ يلوكُ علقماً. رجلٌ ذو قامةٍ نحيلةٍ يتأبّطُ حيرةً وقلقاً. تسكنه انكساراتٌ ويرافقهُ ذهولٌ، وكلُّ مافيهِ يُعلن عمّا في داخلِهِ من اضطرابٍ وخيبةٍ وشكٍّ. أَسبابٌ مجتمعةٌ تدفعُ المرءَ لأن يتساءَلَ بشراسةٍ: "أين كان هذا الرجلُ؟ أية دهاليزٍ حوته؟ أهو أحدُ أصحابِ الكهفِ، ومن رقادٍ عتيقٍ قامَ، وانزرعَ في هذا الشّارعِ؟".. أخذَ النّاسُ يتقوّلونَ من حولهِ، وانْصَبّت أحاديثُهم، واحتمالاتهم في أُذنهِ خوفاً ونفوراً، وزادته شكّاً واضطراباً. تطلّعَ حوله بريبةٍ، بعثرَ نظره فوقَ وجوهٍ أكلته بلا رحمةٍ. خُيّلَ إليه أنّه تسمَّرَ، ولم يعدْ قادراً على الحراكِ. رَفَعَ رِجلاً تحرّكت معه بصعوبةٍ، حَرّكَ الأُخرى تمتمَ: "آه... الحمدُ للهِ، لقد عشتُ طويلاً كالكسيحِ أصابه الصمم والعمى والخرس كيلا أعايشَ أوغاداً، وزعانفَ، وحشرات. أليسَ كذلك يا زرادشت؟ تبّاً أتبتسم!؟.. ـ يُخيّلُ إليه أن زرادشت يقفُ أمامه ويهزأُ به ـ وتهزُّ برأسك موافقاًِ؟ يُكمِّلُ بقهرٍ وانكسارٍ: ـ "أنا ما اخترتُ لنفسي فَقْدَ حواسي، ولا وضعتُ نفسي موضعاً كهذا، وإِنّما أُجبرتُ على ذلك..". لذا فأنا مقهورٌ حتى انطفائي، مقهورٌ وأشعر بذلٍّ كبيرٍ ينصبُ خيامه في أعماقي، ويستولي على مساحَاتٍ في داخلي.". يُخيّلُ إليه أن زرادشت يُحاورهُ، يتميّزُ منصورُ غيظاً وانشطاراً. يصغي باهتمامٍ لصوتٍ قادمٍ إليه: "آه... يا منصور، عليك أن تصالح نفسكَ عشرمراتٍ في النهارِ لأنّهُ إذا كان في قهرِ النفسِ مرارة فإنّ في بقاءِ الشقاقِ بينك وبينها ما يزعجُ رقادك.".. صَرَخَ منصورٌ مصعوقاً، مستغرباً: ـ أصالحُ نفسي!! سُحقاً سأبتعدُ عنها قَدْرَ ما أستطيع.. سأهربُ منها هروب السرابِ من ملامسةِ أرض الواقعِ إنّكَ.. إنّكَ تطلبُ المحال، ونظرياتكَ لا تهمّني ـ يصرخُ ـ لا تهمّني. ويطلقُ قدميهِ للريحِ. كان منصورُ رجلاً واقفاً، فبات كتلة هروبٍ تفرُّ من ذاتها. راحَ يركضُ بلا هوادة في شارعٍ مزدحمٍ بجثثٍ تتقنُ السيرَ، والاندهاشَ، ولا تملُّ من الفضولِ. يرتفعُ صوته، وهو يركضُ لاهثاً، متعباً، منطفئاً: ـ سأبتعدُ قدرَ ما أستطيع. يسرقُ نظرةً إلى الخلفِ عَلّهُ يقنعُ زرادشت باستحالة المصالحة بينه وبين نفسهِ، لكنه لا يتعثَر إلاّ بتلكِ الجثث التي ترعبهُ، وهي حاملةً أكياساً، وتتجهُ إلى قبورها لتقتاتَ بقيةَ يومها وجزءاً من ليلها. منذ زَمنٍ لم تعرف قدماهُ الركضَ، ولا سيطرَ عليه اللهاثُ، فقد كان مُكبّلاً، مخنوقاً في مساحةٍ صغيرةٍ، مظلمةٍ يعيثُ فيها التعفنُ والجرذانُ، ويجترُّ ضمنَ جدرانها الوحدةَ والانزواءَ. أمّا اليومَ فقد أطلقَ لقدميهِ سراحهما. كسرَ القيدَ وقرّرَ العَدْوَ. سيعدو طويلاً لن يقفَ أبداً مخافةَ أن يخلوَ مع ذاتهِ. لن يقفَ رغم تعبهِ، وعطشهِ، وجوعهِ وانكسارهِ. كان مخنوقاً فَفُكَّ محبسه وأعطيَ حريته، ويقلقهُ أن يجلسَ ويفكّرَ ويستذكرَ. سيظلُّ يركضُ كقطٍّ بريٍّ حتى يغيبَ عن الوعي. وإنْ أفاقَ سيعاود رحلةَ الهروبِ، والفرار إلى ما لا نهاية. في خضمِّ هذه اللحظاتِ تنتابه حالةُ سعالٍ حادّةٍ تُمزّق صدراً ملتهباً وتأكل قسماً من رئتيهِ. لكنه بالرغمِ من كلِّ ذلك يَعْدو.. رغبةٌ دفينةٌ، قديمةٌ يحاول إشباعها. أخذَ يَرسِلُ بيديهِ إيماءاتٍ غير مفهومةٍ، مضطربةٍ، تندلقُ في وجهِ كلِّ من يراه، فيديمُ النظرَ إليه. يهلوسُ بذعرٍ: "ابتعدوا... ابتعدوا من أمامي.".. يصرخُ، وتصرخُ رئتاه ألماً ودماً. أخذ بعضُ المارّةِ يبتعدُ لا شعوريّاً معتقداً أنّه مجنونٌ مما راح يُفسحُ له الطريقَ تلقائياً، والبعضُ الآخر يحاولُ مَدَّ يده لإيقافهِ مدفوعاً بفضولهِ لمعرفةِ ما ألمَّ بهِ. ـ "إيَّاكم أن تقتربوا، لا أريدُ لأحدٍ أن يقتربَ. قد أنفجرُ بأيّةِ لحظةٍ وأدمرّكم.".. زعق منصورٌ لإخافةِ مَنْ في طريقهِ. تراكضَ النّاسُ وتَفرّقوا، وسَرت فيهم عادةُ القطيعِ، وتخبّطوا، واندفعت أرجلهم في حركاتٍ عشوائيةٍ، وراحوا يتدافعون بصخبٍ، ويتلاطمون ويختبئون وراءَ أي شيءٍ يصادفهم. وعلى الفور انبطحَ رجلٌ في حين شدّت امرأةٌ ابنها إلى صدرها ووَلولتْ متَوسلةً: ـ "أرجوك لا تنفجر الآن، ويلتاه.".. وأسرعتْ تتخبّطُ في ركضها، وتتعثّر، وعلا صراخٌ وجلبةٌ، وتوسَّعت الضجّةُ وتشعّبت حتى شملت شوارعَ المدينةِ، وبيوتها، وأزقتها وسكّانها. عَلَّقَ رجلٌ: "هل هو ديناميت!؟".. ردّ آخر: "إنّه مجنونٌ، ألا ترى هيئَتهُ؟"... وازدادَ منصورٌ ألماً، وغصّةً والتمعتْ عيناه مرارةً، وحاولَ الوقوفَ لكنّه ترنّح، وشعرَ بالأرضِ تميدُ من تحتهِ، وكأنَّ زلزالاً قادمٌ من رحمها سيبتلعه، ويُجهزُ عليه. وبُوغِتَ بترنحهِ هذا يودي به إلى وقوفٍ ضعيفٍ، مضطربٍ بعض الشيء بيد أنّه قد منحه القدرةَ على أن يُشيرَ بإصبعهِ إلى ذلك المتفوّهِ الأخيرِ قائلاً: ـ لستُ مجنوناً كما تزعمُ، وإنّما سأتناثرُ شظايا لو مسّني أحدٌ. سأحرقكم، سأفنيكم، سأبيدكم عن بكرةِ أبيكم. وانطلقت تعليقاتٌ وقهقهاتٌ، من هنا وهناك. بينما استمرَّ منصورٌ في الركضِ، وراحت الفُرقةُ واللا مبالاةُ تظهرُ بين الجموعِ، وتعودُ الجثثُ إلى السّيرِ نحو هدفها. باستثناءِ رجلٍ آثرَ اللحاقَ بهِ، ونزلَ كلامُ منصورٍ في عمقهِ سكيناً حادّةً، وغرسَ فيه تصميماً على إتلافِ تلك القنبلةِ الموقوتةِ التي تسكنُ منصوراً. من خلفهِ حاولَ أن يُناديهِ عَلّه يستدير. لكنَّ منصوراً كان يقتلُ نفسَهُ في الركضِ والهَربِ. صرخَ الرجلُ: هِيْ، أنتْ. استدارَ منصورٌ بلا توقف وأشارَ إليهِ أن يرجعَ. ذكّرهُ الرجلُ بأنّ مسافةً تفصلُ بينهما، وإذا خفّفَ من ركضه يستطيع أن يلحقَ به. ليطمئنَ لأنّه سيوازيهِ فقط، ولن يقفا البتّة فيعرقلَ مسعاه. ما عليه سوى التمهّلَ. انزاحَ القلقُ، وانقشعَ عن منصورٍ، وتشرّبَ الطمأنينةَ من كلامِ الرجلِ فخففَ من سرعتهِ، وصارا على بُعدِ نقطتينِ متوازيتَين لكنّهما استمرّا في الركضِ. سألَ الرجل: إلى أين؟.. رَدَّ منصورٌ: لحقتني لتسألني؟!.. قالَ الرجلُ:أينَ نقطةِ وقوفِكَ؟!.. أجابَ منصورٌ لاهثاً: لا أعرفُ. كرّرَ بنزقٍ، وحيرةٍ ـ لا أعرف، لا أعرفُ. سألَ الرجلُ: متّى تُقرِّرُ الوقوفَ؟.. أجابَ منصورٌ: لا أستطيع، كلُّ شيءٍ يدفعني لأن أنكرَ نفسي. انغرسَ الصمتُ واللهاثُ والتعبُ في كلا الرجلين، والسعالُ الشرسُ ينبحُ من رئتي منصور بقوّةٍ. تتقاتل الأفكارُ في رأسيهما، وتتّسعُ الجهاتُ من حولهما. تملُّ المدينةُ من صوتِ نعالهما فتلفظهما خارجَ أسوارِها مطرودين من أجوائها. لكنّ البادية أرحمُ إذ تستقبلهما بترحابٍ فاتحةً صدرها البتول، هاشّةً وباشّةً بهما. لاشيء فيها سوى رملٍ، وترابٍ عذريٍّ، وهواءٍ، وأشواكٍ قصيرةٍ ولا صوت فيها إلا صوت اللهاثِ، والسّعُالِ، والنعالِ. شهقةٌ قويةٌ أطلقها الرجلُ للتوِّ حينما رأى فمَ منصورٍ يُفتحُ ويخرجُ منه مهرٌ، يصهلُ بعذوبةٍ، ويهزُّ رأسه مستمتعاً بهواءٍ نقيٍّ متنعِّماً بشمسٍ تغمرُ جلده. مُهرٌ انطلقَ سريعاً، وابتعدَ عن منصور. تلعثمَ الرجلُ، وقال بصعوبةٍ وهو ما يزال بمحاذاتهِ يركضُ: ـ سبقَ المهرُ!.. ـ ............. "ألحقهُ بسؤالٍ آخر عَلَّهُ يردُّ. ـ إن أردتُ مناداتك فبماذا أُناديكَ؟ ـ منصور.. تفرَّسَ الرجلُ فيه، وابتسمَ خفيةً، وقالَ في سرِّهِ: "منصور، وكلُّ هذه الهزائم، وقبائل الخوفِ والتشرّدِ، وآثار جحافل التتار على جسدك، وأنتَ منصور.. هه يالك من منصور!".. قرأَ منصور مايدورُ في خاطر الرجل وقال بلهجة العارف: ـ تستغربُ اسمي أليسَ كذلك؟ في الحقيقة أنني لستُ منصوراً واحداً وإنّما قافلة من المنصورين، ولكلّ منصور عندي له قصّة. قالَ الرجلُ: ـ لعليّ أناصرك، هلا جَلسنا، وتحدّثنا، فقد نال التعبُ منّا فارحم تعبي. ـ رَدَّ منصورٌ بعصبيّةٍ. ـ ما طلبتُ منكَ مرافقتي. إنْ أحببتَ الرجوعَ فما عليكَ سوى أن تُديرَ لي قفاكَ. ـ إنك تهمّني.. ـ لا تؤثرّ عليّ. ـ ومن الجُبنِ تَستُرِك علىجرحٍ ذي قَيحٍ. ـ أَهْوَنُ من أن أكشفَ سترهُ، فتنتشرُ رائحةٌ عفنةٌ، فيزداد قهري، وتنزّ جراحي. قال الرجلُ وهو يدنو منه ليزرعَ فيه ثقةً، وطمأنينةً: ـ لنقف يا منصور. ونظرَ في عينيه بحبٍّ عميقٍ، فرأى عينيّ منصور تُبشّرانِ بانتصارِ هذا الجرّاحِ الغريبِ الذي سأله على الفورِ: ـ بمَ تشعر؟.. صمتَ منصور قليلاً، ثمّ بكى بحرقةٍ وألمٍ، وحينما هَمَّ أن يجيبَ تعالى نشيجُهُ، فشعرَ الآخرُ به مكسوراً، مكدوداً ومهزوماً. وأخذ يربتُ على كتفهِ، ويبثّه مواساةً، وصبراً. وابتلعَ منصور بكاءَهُ وقال: ـ أشعرُ بقلعةٍ كبيرةٍ في داخلي تتهاوى، وتنهدمُ. كلُّ ذرّةٍ فيَّ ترغبُ بالانطلاقِ والتلاشي، والتبعثرِ، أشعرُ أن قلبي هذا ـ يشيرُ إليه ـ يدقُّ كأنُّه... كأنَّه ذئبٌ، وأنا أخافه بشدّةٍ، يؤكّدُ لي في كلِّ دقّةٍ أنّه بين جانحي يُشهرُ أنياباً حَادةً تحاول افتراسي. أشعرُ بدوّارٍ يلفُّ بي، وأنني متعبٌ، متعبٌ ومهزومٌ. ثمَّ زفرَ زفرّةً طويلةً، وتهاوى على الأرضِ بلا حراكٍ، كتلة هامدة غادرتها الحياة. جَرّهُ الرجلُ حتى أوصلهُ إلى صخرةٍ كبيرةٍ، وضعه في ظلِّها ثم تهاوى بجانبهِ. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |