أُهْدَى مِنْ قَطَاة - نجاح إبراهيم

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:09 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

طير ضعيف

منصور الثّاني‏

[وترى الشمسَ إذا طلعتْ تُزاورُ عن كهفهم ذاتَ اليمينِ، وإذا غربتْ تقرضهم ذات الشمالِ...صدقَ اللهُ العظيم].‏

تحرّكَ منصورٌ من غيبوبتهِ، فتحَ عينيهِ، امتدادٌ واسعٌ، ورمالٌ تُغطي كلَّ شيءٍ.‏

ريحٌ باردةٌ تعصفُ،وذرّاتٌ رمليةٌ تراقصُ الريحَ من حولهِ.‏

ونهارٌ يولدُ بهدوءٍ ووقارٍ من رحمِ الليلِ.‏

قفل المهرُ راجعاً لينامً بقربهما، وحينما أشرقتْ الشمسُ لاحقَ خيوطها بفرحٍ.‏

نظرَ منصورٌ في وجهِ الرجل التعبِ، فرآهُ مُغبّراً. مَدَّ يده ومَسَحَ عنه حُبيبات الرمل،تحرّكَ الرجلُ، وفركَ عينيهِ وقالَ متثائباً:‏

ـ كم لبثنا؟‏

أجابه منصور:‏

ـ لبثنا يوماً أو بعضَ يومٍ.‏

ـ من أين نبدأ؟‏

رَدَّ منصورٌ مُتنهّداً، وقد بدا مستريحاً،هادئاً:‏

ـ لكلِّ شيءٍ بداية، سأبدأُ مُذْ نظرتُ في المرآةِ ذاتَ مرّةٍ ورأيتُ زغباً خفيفاً تحت أنفي، فتحتُ بابَ الغُرفةِ بسرعةٍ وعشوائيةٍ، وزَففتُ الخبرَ لأَبي، الذي كانَ يرممُ سطحَ المنزلِ بكُتَلِ الطينِ، اتقاءَ مطرِ الشتاءِ القادمِ.‏

فَرِحَ وعبّر عن فرحهِ بابتسامةٍ ما أَثنتهُ عن متابعةِ عمله، وَهَزَّ رأسه قائلاً:‏

ـ لقد صرتَ رجلاً وآنَ الأوانُ.‏

لم أفهم أوانَ ماذا قد آن!! في هذه اللحظة تركتْ أمي "طشتَ" الغسيلِ، ووضعتْ يدها فوق فمها، وزغردتْ بعفويةٍ وفرحٍ.‏

بعدَ عِدّةِ مساءاتٍ خريفيةٍ أَدخلوني غرفةً طينيّةً.‏

كانت مستودعاً لجذوعِ الأشجارِ اليابسةِ نحتفظُ بها لتكونَ طعاماً لموقدنا المُزمجرِ في الشتاءاتِ.‏

كما كانت مخبأً لأكياسِ "البرغل والكشكِ"، كانت واطئةَ السقفِ صغيرةَ المساحةِ، نظفتها أمي، وألقتْ في وسطها فراشاً مُزَهّرَاً نام عليهِ معظمُ ضيوفنا الذين يضطرون للمبيتِ.‏

ولجتُ الغرفةَ، والدهشةُ تفترسني، وزغاريدٌ ترافقني وحبات أَرزٍّ تُنْتَثرُ فوقَ رأسي.‏

عَلى طرفِ الفراشِ المزهّرِ قرفصتْ فتاةٌ صغيرةٌ لا تبلغُ الثانية عشرة. بجديلتيها الحمراوين، وبثوبها الطويلِ ذي الأَكمامِ العريضةِ.‏

كانتْ ترتجفُ برداً وخوفاً، وكنتُ أَرتجفُ حيرةً ودهشةً وأُغلقَ البابُ على كلينا، فَسَرَى الخوفُ إليَّ.‏

صمتنا طويلاً، أَحببتُ أن تقول شيئاً، لكنَّها ما نَبستْ ولا نظرتْ إليَّ، فقلتُ بعدَ لأَيٍ بصوتٍ مُترجرجٍ:‏

ـ بإمكانك أن تنامي.‏

ثمّ أخرجتُ كتابَ التاريخِ، وبدأتُ أُحضِّرُ للفحصِ، فقد كنتُ في نهايةِ المرحلةِ الإعداديةِ.‏

في الصباحِ استيقظتُ،وتهيّأتُ للخروجِ لتقديمِ تلك المادةِ، وإذ بأبي يُناديني، ويقذفني بسؤالين اثنين:‏

ـ إلى أين، وهل؟‏

أَجبتُ عليهما بصدقٍ، وبوغِتُّ بلطمةٍ على وجهي، وأَخذَ مني الكتابَ وقال بخشونةٍ:‏

ـ عُدْ إلىغرفتكِ يا كلب، بناتُ النّاسِ لَسنَ لعبة!..‏

وعدتُ كجروٍ مُحْبَطٍ. أَجرُّ خَطوي بانكسارٍ، وأتساءلُ بدهشةٍ ماذا فعلتُ لبناتِ النّاسِ؟!..‏

بعدئذٍ، دخلتُ بامرأتي الصغيرةِ، وشعرتُ بوهْجِ ذلك الصباحِ، وأسكرني البقاءُ معها، واستمتعتُ بالاختباءِ في غُرفتي أيّاماً.‏

ومّرَّ أسبوعٌ، والطعامُ يأتيني على طبقٍ مغطّى بقطعةِ قُماشٍ تطرقُ أمي البابَ بعدَ أن تضعهُ أرضاً وتذهبُ.‏

بعدّ دقائقَ أفتحُ البابَ، وأتناولُ الطبقَ. أكشفُ غطاءَه.‏

فألفي طيب الطعام. أتناول وصغيرتي ما نشتهي، ونسيتُ الفحص وأحلامي و.. و..‏

ومضتْ أيامٌ وأنا على هذه الحال.‏

في صباح أحد الأيام، هزني نداء أبي، لبّيت النداء، وقفت قبالته مبتسماً، وفي داخلي نهر رضا يختلجني شعور مليء بالمسرة فقد عملتُ بنصيحة أبي، أو بالأحرى بأوامره، وانتظرتُ ليبدأ كلامه، وأحصد ثناء وتقديراً.‏

فقال وهو مطرق الرأس:‏

-خُذْ عروسك، وارحل يا منصور.‏

تلقّفتُ الأمر بصعوبة، أذهلني قوله، تطلعت إلى وجهه.‏

كانت قسماته صارمة، جافة. حرتُ ماذا أفعل أو أقول.‏

تجمّدتُ وشعرت بنفسي أختنق وأتلاشى.‏

تلوكني الحيرة وتستبيح قتلي وإتلافي. وجرجرتُ نفسي نحو الباب الخارجي تتبعني طفلة بيدها ((بقجة)) ويمّمتُ شطر المدينة وجهي.‏

استقبلتني المدينة. غولٌ تهتُ في فمه، واحتضنتني عائلة مسنة تفتقر لوجود آخرين حولها.‏

عائلة قامت على تربيتي أنا وزوجتي، إلى أن نلتُ شهادتي الثانوية، وعملت بإحدى الشركات.‏

سأل الرجل:‏

-هل كان الذي طردك وأنت مقصوص الجناح أباك حقاً؟!‏

أجاب منصور:‏

-أجل أبي لسببين أولهما: أنني لا أشك بأمي، ثانيهما: أن أبي فعل ذلك ليشتد عودي، وأعتمد على نفسي، فحينما لُذْتُ بغرفتي أياماً لا أسأل عن أحد، ولا أمدُّ رأسي حتى من الباب، إذ طاب لي الكسل أيقن أبي أنني فاشلٌ ولا ريب.‏

فقد نعمتُ بدفءِ الفراش، لذا فعل كما تفعل العصفورة الأم إذ تدفع بصغيرها من العُشِّ إلى الأرض بقوةٍ وهو ضعيف الجناحين لا يقوى على فردهما ليتعلَّم ويتقن الطيران.‏

لوى الرجل فمه جانباً، وقال:‏

-هكذا إذاً فسّرتَ الأمر؟!‏

أجاب منصور:‏

-هكذا فضّلتُ أن أُفسّره.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244