|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:09 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
منصور الثالث "لعبة الكراسي" في قاعة الاجتماعات، تحلّق الموظفون حول المدير، وهو بشكله الطاووسي قد ملأ الكرسيَّ بقعْدته، وفرش ريشه، وزها بألوانه المتعددة شاغلاً رأس الطاولة الكبيرة، فارضاً هيبة ووقاراً مصطنعين. كنتُ قبالته تماماً. وجهي يقابل وجهه، وعيناه تنظران إليَّ كل حين. وتلهبان نار حرب البسوس التي بيننا. تلك الحرب التي لم يهدأ أوارها أبداً. حربٌ اندلع سعيرها من أيام الطفولة. وقفنا ندّين. كلٌّ منا يمدّها حطباً ووقوداً، وينظر مِنْ بعيدٍ إليها وهي تزحف إلى الآخر، ويمنّي النفس في إحراقه وتدميره، والقضاء عليه. نظراته الخبيثة تجوس المكان لتحطَّ عليّ. رحت أشاغل نفسي بكتابة وهمية لا تعني شيئاً، سخافات على ورقٍ تناثر أمامي. كنت بارد الحركات، ثقيلها، أقبع في مؤخرة الطاولة، يسكنني الخوف، ويجترّني القلق. أنظر إليه حينما يتحدَّث، وأحياناً أرشق ابتسامة على فمي فيظنّ أنني أسخر من كلامه، ويروح ليلغّزَ جمله التي باتت مكشوفة لي أفهم منها ما يرمي إليه. وحينما تلدغني عباراته أعاود النظر إلى الورق، لكنه وبخبثه المعهود كان يجبرني على النظر إليه من جرّاء خبطة لقبضة يده على الطاولة بشكل مفاجئ، أو طرقه بسلسلة المفاتيح. كان الموظفون كلُّهم معه، مع حركاته، ونأماته، وإشاراته. يضعون بهزّةٍ من رؤوسهم النقطة، والفاصلة، وإشارتي التعجب والاستفهام يضعونهما بأعينهم على سطور خطبته أثناء استماعهم إليه. وشربنا الشاي، وتلونا قراراتٍ، وذيلناها بتواقيعنا، وأكلنا ((الكاتو)) ونظرة حضرة المدير تطوفُ فوق الجميع لتحطَّ رحالها عليَّ مراقباً كل نأمة أقوم بها. وكعادتي أكون حذراً ويقظاً في مثل هذه الاجتماعات التي تضمُّ معظم الموظفين، ورؤساء الدوائر تجنباً للإحراج. أما إذا كان الاجتماع يقتصر على كلينا، فالوضع يختلف إذ ألغي من مفهومي أنّه المدير، وأُجردّه من منصبه، وأعود به إلى ساحات القرية طفلاً أمام طفل. فإذا نظر أنظر بحدةٍ، وإن سخر أرد له السخرية بمثلها في موضعٍ آخر، وأطعّم كلامي بمفرداتٍ تُنبئ عن كُرهي له، وحقدي، وخُبثي فأنا أعترف أن الحرب بيننا كلانا مسؤول عنها. أما الآن في اجتماعنا هذا، فأنا حذر للغاية لأن المؤمن لا يلدغ من جحره مرتين هذه حكمتي المفضلة، وقد كتبتها بخطٍّ كبيرٍ على رقعة سوداء ذات إطار مذهب، وعلقتها في مكتبي وكان السيد المدير يمتعض كثيراً كلما مرّ بمكتبي، وقرأ العبارة فيتمتم جاحظاً عينيه في وجهي: ((أنت مؤمنٌ أنت؟! ومن يلدغك يا.. منصور بيك؟)). حينئذ ألتزم الصمت تحسباً من انكشاف أمر العداوة التي بيننا أمام الآخرين. انتهى الاجتماع، ووقفنا دقيقة صمتٍ على روح من حكمنا عليه بالاستغناء. يكللنا الأسى لما حصل له. بعدئذ خرجنا جميعاً إلى البهو الفسيح نضحك ونراقب بعضنا خلسة. كل واحد يحفرُ للآخر إن لم يكن قبراً يكتفي بحفرةٍ تطمّه لحين. وطوبى لمن يمسك على زميله ممسكاً، فتقع روحه في يده يضغط عليها كلما أراد وحينما يحلو له. أثناء ذلك طرح علينا حضرة المدير أن نلهو قليلاً فأبدى الجميع الموافقة لهذه الفكرة التي ستبعث الراحة في نفوسنا بعد عناءِ الاجتماع المبرم. واقترح أن نلعب لعبةً قديمةً قائلاً: -يا جماعة، يضجُّ في صدري حنينٌ لتلك اللعبة، لعبة الكراسي كنا نلعبها ونحن صغارٌ، ورمقني بنظرةٍ حاقدةٍ، عميقةٍ عمق السنوات الطويلة التي تفصلنا عن مدارج الطفولة. نظرة قاسية من زاوية عينه، وراح يتضاحك ثم أكمل: -لعبةٌ تذكرني بأترابٍ لي لعبوها معي، ولم يحصدوا سوى الفشل والهزيمة. أعجبتني الفكرة فهي فرصة أتتني على طبق من ذهب. ضجَّ الانتقام في صدري، وكبر حتى غطى البهو والموظفين، والمديرية بأسرها وراح داخلي المتألم المهزوم يصرخ: ((سأهزمُك، وأكسر أنفك أمام موظفيك، سأجعلك تحصدُ فشلاً ذريعاً، ومتى؟ الآن في لحظةٍ أنت اخترتها.)) خطوتُ خطوتين ورفعتُ صوتي بثقة ليسمعني الجميعُ: -لعبة الكراسي!! حقاً إنها لعبة، والجلوس على الكرسي مجرّد لعبة. تصوّروا ومضة بسيطة وهوب على مَنْ سلف. إيه.. لا تدوم لأحدٍ، الكرسي دوّارٌ، دوّار ها.. ها. وارتفع ضحكي عالياً. كنت أحس بحلقي طعم المرارة، والجبن رغم تظاهري بالقوة. قوافل قلقٍ، واضطراب تقترب من مسافاتي رغم خطوتي الثابتة. ديمة دمعٍ تسكن عينيّ، تنتظر نفحة هواء لتحرّكها. لم يضحك أحد غيري. أنا فقط أضحك من شدة الألم، والخوف والانتقام المعشش في داخلي. حدجني المدير بنظرة قاسيةٍ، ولسان حاله يقول: ((هوب على مَنْ سلف!! وكأنك تعنيني بقولك هذا، سأريك، الله لا يخلّيني إن جعلتك الخلَف)). ثم تنحنح وقال: -هيا يا شباب. جمعنا كراسي المديرية، على عددنا بل نقصتْ واحداً، وجعلناها على شكلٍ دائري تتقابل ظهورها، وتحلقنا حولها، ونادى المدير على المستخدم ليضغط على زرِّ الجرس. بقرارٍ سريعٍ من حضرة المدير أصبح هذا ((الصعلوك)) الآمر، النّاهي. يتحكّم بتصرفاتنا، ويُمسك بأقدارنا. يضغط متى يشاء، ويوقف الرنين متى شاء. وعلينا أن نتراكض للجلوس على الكرسي، ومن يكون له السبق يفوز. أما الأخير الذي يبقى بلا كرسيٍّ، فهو الخاسر يخرج من اللعبة ووجهه كظيم. وهكذا دواليك... يخرج واحدٌ، فينقص عدد الكراسي كرسياً واحداً. وبدأنا. لحظاتٌ حاسمة، متوترة، معبأة اندفاعاً وأمنياتٍ تزخم بالإصرار على اعتلاء الكرسي. لحظاتٌ، فيها تبيض وجوهٌ، وتسوَدّ وجوه، وكأننا في معركةٍ حقيقيّةٍ حيث كرٌّ وفرٌّ، نصرٌ وهزيمةٌ، وتراجعَ أكثرهم وبقيتُ رابحاً حتى الدور الأخير. ويا لسخرية القدر بقي المدير نداً لي. قلبه امتلأ حقداً، وعدوانية وامتلأتُ إصراراً وتصميماً لأثبت لذاتي أنني لست مهزوماً في كل الأوقات. وما عليّ الآن سوى انتهاز فرصةٍ قدِمتْ إليَّ متبخترة، جاهزةً. الجرس يرنُّ يؤجج الحماسة في داخلي، والرغبة في النصر. نظرتُ إليه، رأيت أوداجه قد انتفختْ، والشرر يزأر شرساً من عينيه. ركضتُ حول الكرسي اليتيم في وسط الغرفة، بعزيمةٍ قويّةٍ وركض معي انتقامي يحثّني على النصر. وركض المدير باندفاع. كلّ منا يسبقه إلى الكرسي التحدي والرغبة في الانتقام. التفاتة بسيطة مني، وأكون قاعداً على الكرسي مُشرئب الرأس. أنظر بتعالٍ إليه. أكبر وأكبر بينما يتقزّم هو ويصغرُ. ثانية واحدة تفصل بين النصر والهزيمة. حسبتها قد امتدّت وتطاولتْ، فضغطتُ على نفسي أزيدها تحمّلاً وصبراً، وصوت خفيّ في داخلي يؤكّدُ لي أنني سأنتصر وأمسك بيدي صولجاناً وآمر، وأنهي، وأُلقي بقرارٍ لا يقضُّ عليَّ مضجعي كلَّ ليلةٍ، وربما أتحرر من شبكة العنكبوت التي أحاكها لي، وإنْ كان تحرري هذا يجيءُ نتيجة لعبةٍ سخيفةٍ ذكّرنا بها هذا الحاقد عليّ من أيّام الدراسة، أيام كنتُ أتفوّق عليه بكل شيءٍ. كنت أحظى باهتمامٍ كبيرٍ من قِبَل المعلّم. يخوّلني هذا الاهتمام لأن أكون خلفاً له أثناء غيابه حتى في ضرب التلاميذ. كان المعلّم يقول دوماً: ((منصور له الصلاحية في كل شيء)). وحينما تركتُ المدرسة في المرحلة الإعدادية، واختفيتُ من القرية فوجئ بي كموظفٍ في هذه الشركة، فتجدّدت العداوة وراحتْ تتعرّش على حياتينا، وكبر الحقدُ بدل أن يتلاشى مع الأيام، راح يتشعّب ويتجذّر. كأن نواة صغيرة أُلقيت في تربة طفولتنا؛ نبتتْ، وصارتْ شجرةً نستظلها، ونُحيك بفيئها الضغائن بدل أن نقطعها ونحرقها لعقمها. وها نحنُ الآن نجني ثماراً طعمها مرٌّ، ومع ذلك أصمم على كسر أنفه، والفوز عليه. وحدسي يعود لأسبابٍ كثيرةٍ أهمها رشاقتي، وسرعتي في الركض قياساً ببدانته، وثقل كرشه. وحبستْ الأنفاس، وخيّم صمتٌ رهيبٌ في القاعة. الأنظار كلها تشجّع سيادة المدير، وتدعو لحضرته بالفوز العظيم. لم أرَ الوجوه، وهي تنطق بذلك لأنني كرّستُ جلَّ حواسي للحظة وقوف الرنين، إنما لمحتُ ذلك خطفاً. وفجأةً توقف الرنين. وأسرعتُ بالجلوس، وأسرع هو، ووجدتني بين لحظةٍ وأخرى أقتعد الأرض، بينما سيادته تنصّب على الكرسي، وكرشه يرتفعُ وينخفض بسرعة من شدّة التعب. تربّعت على الأرض، ورحتُ أتضاحك، وأنا ألهثُ، وأحسست بشيءٍ حار يلامس خدي. لم يعرف داخلي بكاء قدر اللحظة. تمزّقتْ نياط قبي بكاء وخوفاً، وقلقاً. واعتراني خجلٌ. عزّيت نفسي بأنها مجرد لعبة، وكلها ضحك بضحك. لكن سؤالاً كبيراً آلمني راح يدور في رأسي، ويحتاج لإجابة شافيةٍ: ((كيف ربحَ هذا الدلفين؟ كيف استطاع الظفر؟)) شغلتُ نفسي عن هذا بهراء آخر أمام الحشد المتعاطف معه وقلتُ: -يا سلام على لعب أيام زمان. بعد أن قلتُ هذا خطفتُ نظرةً إلى وجهه، فرأيت الشرر يتطاير من عينيه، ويكاد يتمزّق غيظاً وحنقاً. مشى إليّ. اقتربتْ خطاه منّي، وأنا ما زلت قاعداً على الأرض، والجميع واقفون. أرسلتُ ابتساماتٍ عجلى لأموّه عني ما أشعر به من حرجٍ واضطرابٍ. اقترب أكثر، وركلني بقدمه. أمسكتُ بها، أوقفتها، فتحتُ عينيّ على اتساعِهما سألته: -ما بك يا سيادة المدير غاضب وقد ربحت؟! -عليك بمبارزتي. -مبارزة؟ لِمَ؟ -... ساعدني على الوقوف شدّه لي من قبّة قميصي بقوّة، وقال بصوتٍ مزمجرٍ أجشٍّ: -كيف تجرؤ على الصمود أمامي كل هذه المدّة؟ ورمى إليّ بسيفٍ، واستلَّ آخر وقال: -هيّا. تطلعتُ بدهشةٍ، وانبهارٍ لبريق سيفه الذي بدا لامعاً في كفِّهِ بينما أخافني لون سيفي الخشبيِّ النخر ذي اللون الأجرب. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |