أُهْدَى مِنْ قَطَاة - نجاح إبراهيم

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:09 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أعْمقُ من الموت منصور الرّابع

بعد سنين، نضجتْ زوجتي على نارٍ هادئةٍ، وأصبحت امرأة بمعنى الكلمة، وقد استطال قدُّها، وتدوّر نهدها، وبات لصوتها رنة ساحرة، ولردفيها رجّة.‏

وصارت تقلّم أظافرها، وتطليها بألوان زاهية.‏

كانت تحبني لدرجةٍ، وتبالغ جداً في إظهار حبّها لي، مما أرَّقني هذا الأمر، وورّث في داخلي عقدة شعور بالذنب كلما رأيتها.‏

وكنت أحاسب نفسي، وأبصق في سرّي عليها، وأقتصّ منها بهذه العبارات:‏

((إنك مقصّرٌ يا منصور، ما عليك أن تفعل لأجلها؟ لأجل هذا الحبِّ الكبير. ألا يكفي أنها لم تُرزق منك بطفلٍ، والمرأة من فمٍ ساكت؟!))‏

وتأكّد لي أنه لو ساحَ دمي من أجلها لم أفِها حقّها، فقد كانت تعشقني بولهٍ، وتصبر على السراء والضراء معي.‏

طفلةٌ صغيرةٌ دخلتْ غرفتي، وتاهت مع جديلتيها في أزقّة العاصمة تبكي حينما تجوع، وتنام على فخذي حينما تنعس، أما الآن فطفلتي نضجتْ وصارتْ امرأة.‏

ذات صباح دقّت الساعة السابعة، ولم أستيقظ كعادتي للذهاب إلى العمل، وإنما تراخيت، وأسبلت يديّ، ولويتُ رأسي وادّعيت الموت، أجل ادّعيت الموت.‏

لا أعرف!! أحببت ممازحتها في ذلك الصباح، وإن كان في مزاحي هذا الكثير من الغلاظة، وثقل الدم.‏

فبمجرد ادعائي الموت يسبب لحبيبتي جلطة قد تقضي عليها.‏

أفاقت هي، وراحت تهزّني برفقٍ وتهمس برقة:‏

-منصور، هيّا استيقظ يا عزيزي.‏

لم أستجب لندائها، وإنّما ازددتُ تراخياً، وموتاً.‏

لكزتني بشكلٍ قويٍّ، فقد اعتقدتْ بأنّي غارقٌ في حلمٍ عميقٍ.‏

ولكن هيهات أن أستجيب لضربات كوعها، ولطمات كفّها على خدّي، وأخذتْ تُحركني أكثر، وتركتُ جسدي ينسابُ كيفما أرادتْ.‏

مدّت أصابعها.وفتحت عيني اليُسرى، فرأتها غائرةً، وحمدتُ الله أنّها لم تضع رأسها على صدري لتسمع دقّات قلبي، أو تضغط على زندي لتتعرّف على نبضي.‏

انتابها بعض جمودٍ.‏

وارتبكتْ قليلاً، وقفتْ متردّدة تُسائِل نفسها بما تفعل.‏

أخذتْ تفكر.‏

عادتْ وحرَّكتني، وكنتُ كخرقةٍ بالية، وعجبتُ كيف لم تشد شعرها، وتخمش وجهها بأظافرها، وتصرخ ملء فمها وتقول ((ولي))‏

تساءلتُ:‏

((لِمَ لمْ تُجلط؟!إيه لِمَ تأخرّتْ في الصراخ؟!.))‏

دارت في أرضِ الغرفة. تبِعَتْها نظراتي، وهي تذهبُ وتجيءُ.‏

ثم رأيتها تبتسم. اللعينة هل كشفت أمر موتي المزيّف؟ هل تدّعي القلق؟ أو فضّلت الاستمرار بالتمثيلية حتى النهاية؟ تباً لها إنها تُجيد التمثيل أكثر مني.‏

تساءلتُ كثيراً، وانتظرتُ ما ستفعله، وخمّنتُ بأن صمتها هذا سيجيء بعاصفةٍ هوجاء إما من البكاء أو الضحك.‏

بعد قليل.‏

خرجتْ من الغرفة مسرعةً، رفعتُ رأسي ألاحقُ خروجها.‏

قاطعه الرجل:‏

-إي.. ماذا فعلتْ؟‏

احتقن وجه منصور، وكزَّ على شفته وقال:‏

-راحتْ تطرقُ باب جارنا بعنفٍ، وتزفُّ له خبر موتي.‏

قالت له: ((جابر.. جابر. افتحْ لقد مات منصور، أقسمُ أنه مات.))‏

قفز الرجل أمام منصور وصرخ:‏

-العمى، أحقاً ما تقول؟‏

وكيف ألغيتَ فكرة موتك؟!‏

قال منصور بانكسارٍ:‏

-أيقظني جرح كان أعمق من الموت.‏

-وراح يضربُ بقبضته على صدري- أتفهم، أيقظني جرحٌ أعمق من الموت.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244