حـدائق عاريــة - حسب الله يحيى

قصص قصيرة جداً - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:12 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أغلى سجادة في العالم

لم يرها إلا ندرة منتخبة من الناس.. هذه النخبة التي تعرف وتنتقي وتختار. تتبارى في معرفة جوهر الندرة من الأشياء.. تسفح من النقود من أجل إثبات درايتها بكل ما هو نادر، مثلما يسفح الفقراء من الماء من أجل ظمأ متوارث يراد له أن يرتوي مرة.. مرة واحدة! السجادة النادرة كانت موضوعة على أرضية قدت من الضوء.. ضوء يجعلها تبدو مسحورة، دخيلة، غريبة على النظر، نظر اكتشف من قبل كل عجيب، لكن عجب هذه السجادة فاق كل ما مضى!‏

نادى المنادي عن ثمن بكر.. الرقم الأول بدا في صميمه العجب. ممنوع أن تلمس. اللمس أقدس من السجادة، لكن اللمس هنا أدنى بكثير من قدسية السجادة.‏

لا يشغلك حجمها، صناعتها، مادتها، منشأها، زمنها.. لكن دون أن تدري.. يشغلك كل هذا.. وعجبك أن يشغلك العجب كله دفعة واحدة، دون أن تعرف ما الذي يشدك إليها، ويسحرك النظر إليها، يرتفع الثمن.. الثمن يعلو، يتخطى كل الأرقام.. حتى لتصبح هذه السجادة العجيبة أثمن من كل الأثمان.. وليس بمقدورك أن تسأل عن السبب، لأنها هي السبب نفسه.. ولا تعجب حتى لعجبك ذاته، لكنك منشد إليها كما المشيمة بالرحم. كما العشبة بالتربة، كما الأوكسجين بالقلب، كما الروح بالجسد..‏

السجادة العجب.. تشدك، تسحرك، تتمناها.. كما الحياة في أحلى تلاوينها، وأعظم بهائها..‏

.. في هذه القمة لأغلى ثمن، لأعظم سجادة في العالم.. في هذا الجمع المغلف بالعجب، المغمور بالسحر.. المغرق بالنشوة والانتباه.. المكلل بالأنظار المبهورة المحكومة والمكتنزة بالغرابة.. في هذا الوقت غير المرتقب، وغير المحتسب.. مرت سحابة، سحابة خفيفة.. أرادت أن تعرف شيئاً عن هذا الحشد.. السحابة مرت.. فإذا.. إذا السجادة العجب تتبدد. تمحى، وإذا الضوء ينطفئ.. وإذا الناس.. الناس جميعاً يسخرون من أنفسهم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244