|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:12 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
حدائق عارية لليوم الثالث من العيد، ظل محاطاً بالمدفأة النفطية وأقداح الشاي. يقرأ ما تيسر له من كتب ومجلات قديمة وحديثة.. ويتأمل وينام.. لا شيء يحول دون هذا الطقس اليومي من أيام العيد. حاول أن يكسر هذا التقليد، توجه إلى التلفزيون.. وأقفل صوره المكررة. تفقّد الحديقة.. وجدها جرداء من برد وخوف ورغبة في إجازة تستريح فيها الأشجار والنباتات. أصغى إلى صوت فيروز، يصله من المذياع الساكن في غرفة مثقلة بأجفان لم تشهد ليلة مريحة.. وجد كل أغاني فيروز.. غير قادرة على انتشاله من أحزانه وعزلته وقرفه من حياة ثرثارة. نادى على أولاده، دعاهم إليه. صاح بأسمائهم. لم يكن هناك أحد. الزوجة.. خرجت من صمت اليوم الثالث للعيد، وتوسلت إليه الذهاب إلى أهلها، والأولاد، التمسوا منه تحقيق أمنياتهم بالخروج عن الدراسة الإلزامية التي فرضها عليهم.. وهكذا بقي لوحده. لم يبق سواه، توجه نحو الهاتف، ظل يطلب أرقاماً لا تجيب، وظل الهاتف كائناً أخرساً يرفض أن يتحدث إلى أحد، ولا أحد يتحدث إليه. استلقى على سريره ينشد النوم.. لكن النوم استعصى عليه.. وراح يحدق في سقف الغرفة.. يرسم لبياض السقف صوراً، ويجعل ذاكرته تستيقظ.. بعد أن كانت ساكنة، مثل جمرة مغطاة برماد، حتى إذا أزيل الرماد.. توهج الجمر. أضاءت جمرة الروح المكان. بدا ضوء خاص يرتسم في قلب ذاكرته، في مكان أثير على مدّ بصره يتعلق في السقف مثل ثريا كريستالية مدلاة.. سمع دقات على الباب. لم يجب. سمع الجرس يضرب. لم يجب.. أدرك أنها دقات الجيران الفضولية.. لكن الجرس والدقات على الباب.. أصرت على النداء.. ألحت عليه أن يشبع فضوله كذلك.. ليعرف من هذا المنادي الذي يرفض أن يصدق.. أن البيت خالٍ، وأن لا أحد سيفتح له الباب ويسأله عنما يريد، عنما نهض وفيه غضب مكتوم وحزن مذاب.. وأنفاس ثقيلة؟ سأل: من بالباب..؟ جاءه الجواب: صديق يحمل إليك رسالة. وأسرع يفتح الباب.. فوجئ بصديق له يهنئه بالعيد، ويمد إليه بمظروف.. قال: -قدّرت أن أياماً ستمضي قبل وبعد العيد.. لا تجيء فيها إلى الدائرة.. وربما تكون هذه الرسالة بحاجة إلى جواب عاجل منك. تسلم الرسالة على عجل، لم تكن هناك إشارة عن مرسلها.. وتنبه إلى أنه قد ترك الرجل.. قال: -عفواً.. تفضل، تفضل. اعتذر الرجل، صافحه، وذهب.. عجّل بفتح الرسالة، كان يعرف صاحبة الخط.. بحث عن اسمها أسفل السطور، هي.. هي.. ليس من أحد سواها يكتب إليه. هذه صورتها، هنا وضعت كلمة، هنا تركت نقطة، هنا توقفت، هنا في هذا الموقف كانت وحيدة وحزينة، هنا.. عند هذا السطر، كانت تشرب القهوة، وتذكر أنه كان يفضل الشاي- كم حزن مرة حين قالت له لقد نفذ الشاي، لم يعد لدينا سوى القهوة- أحست بحزنه وضحكت.. كان الشاي رمزاً لذيذاً وعميقاً بينهما. و.. راح يقرأ بلهفة: "كنت أمشي على شاطئ النهر وحدي.. سارحة، هائمة في هذه الدنيا العجيبة، لا شيء يثير شهيتي للحياة" تذكر.. تذكر أياماً جميلة، كانا فيها أسعد كائنين. كان يقصدها.. علاجاً لصداعه النصفي، لاحتباس أنفاسه.. لخزين من الكلمات والأفكار التي تحتبس في أعماقه، ويبحث عنها حتى يبوح بها، حتى يتخلص من اختناقه. يسيران في غابات شجر يلتحف بالمساء، كأنما يستر علاقة حميمة بينهما، كأنما يريد أن ينضم إلى صداقتهما المذابة بأكسير الحياة. وتوسل إلى السطور.. أن تشرق بالماضي، بالذاكرة السعيدة.. أن تعيد إليها الأمجاد. أن تلتم على مصابيح الشجر، وثمار النجوم مدلاة تنتظر.. قبلات تجيء كالمطر.. كأعذب ما يكون المطر.. وهو يقطّر الجفاف.. قطرة. قطرة.. يواصل قراءة الرسالة: "أريد أن أتخلص من هذه الجبال الضخمة التي أحمل على كتفي، لأحرر قلبي من سجنه الدائم". كان يعرف جيداً أنها سجينة الروح، كان يعرف جبال أحزانها، كان يعرف.. يعرف أن قلبها معه.. أن كلها معه.. غير أنها تبحث هذا الصدام الثقيل بين أن تكون له.. كما تريد، وسواه.. لا كما تريد، تريد أن تخلص من هذا الاشتباك القاسي الذي لا تجد له حلاً، مثلما لا يجد له حلاً. كان يريد.. ما تريد. لكن ما يريده، عصي التنفيذ.. تشتبك فيه أنفسا ثقيلة، من وطأة الكلام والأولاد والرغبات التي لا يدرك أبعادها سواهما.. "بداخلي.. شيء أبيض كنقاء قلبك يلوح لي.. كانت هناك يمامة بيضاء" وكنتِ أنتِ.. كما أنتِ، عصيّة مثل نورس، آمنة، هادئة، حميمية مثل حمامة. كنتُ أخاف النورس فيك، أن يحلق بعيداً عني ولا يعود.. وكنتُ أطمئن قلبي.. بالحمامة التي فيك.. تضمني في دفء جناحيها.. وتبقى، تبقى.. و.. حتى الآن. حتى هذه اللحظة، حتى وأنك سافرت وملأت القلب جراحاً.. وأنك.. كما أنت عصية مثل نورس، وأنك.. بعيدة، وأنك.. وأنك.. ما زلت قريبة. ألمسك في الخفاء والعلانية. أشم عطرك الفطري.. أسافر في تيارات شعرك.. وأغرق في بحار عينيك.. وأبحث عن الورد في شفتيك. فأجدهما بعيدتان كما لا أريد.. وأفتش عن حنان أمي في حرير صدرك، فإذا أمي تعطيني نصف حليب. نصف ما أرغب، نصف ما أحتاج إليه. أعاتب المرأة التي فيك.. نصف دفء.. ووجه بلا شفاه.. لماذا تكون الأشياء بهذا البخل، بهذه السرية و.. وبهذه القطيعة، وبهذا الرحيل.. الرحيل؟! و.. تقول الرسالة: "الحمامة البيضاء.. كانت تحمل نداءك، صوتك الدافئ الحنون في البحث عني بين النجوم، في الوقت الذي كنت فيه.. أبحث عن نفسي، فلا أجدها". الحمامة البيضاء، تبحث عن نفسها.. وهي، هي موجودة، تعرف أنها موجودة هنا، هنا في صميم قلبه، في مكان أعمق من العمق، في دفء مشترك يعرفان أبعاده سوية.. صوت واحد، متوازٍ ومتقاطع وملتحم.. يناديهما معاً، يلزمهما بميثاق الثقة، بعهد يقران به، يقدسانه، يحترمان فيه كل حرف، كل نقطة، كل نسمة، كل همسة، كل لمسة.. كل رغبة.. كل شيء.. يا سيدة كل الأشياء.. كما كان يخاطبها، كما كان يحس ويفكر.. ويتمنى. وتقول، تقول رسالتها: "التهمت كلماتك وحروفك الصادقة الناطقة". كانت حروفه.. وشماً في أعماقها، حتى إذا قرأتها كما قرأها سواها من الناس مكتوبة على وجه كائن خرافي اسمه (الانترنت) منقولة من صحيفة نشر فيها رسالة أدبية.. فوجئت به، مثلما فوجئ هو برسالتها. .. كان قد مضى أكثر من عام.. اختفت أخبارها كلياً.. فكتب إلى قريب لها، كانت قد تركت عنوانها.. عنده. لم يجب القريب، ربما أحس أنه الأقرب منه إليها.. وكتب فيها وعنها وإليها ومنها.. أشياء كثيرة.. ولم يكن يفكر أن واحدة من كتاباته الأدبية سيصل إليها.. وما دام الكائن العاقل والنابه والأليف (الانترنت) غير معروف في بلاده، فليس من المعقول أن يتولى هذا الكائن الغريب.. مهمة إعادة التواصل بينهما. يعيد إليهما جلسات الشاي اللذيذ، والحدائق التي تنتظر دورها عندما يمران بها على الجانبين، والكتب التي يتبادلانها معاً.. وتشرب من قدح مائه سراً، وتقبله سراً، وتضحك منه سراً.. سراً.. كل الأسرار كانت جميلة.. كانت تبدد الصداع النصفي، والحزن العميق، ومشاكسات أيام الغضب والقهر والجنون.. تقول.. رسالتها المطرزة بحروفها تقول: "شاركتك فنجان قهوتك المهيّل وقدح الماء- آه.. آه لو شربنا الشاي معاً، هذا أفضل هذا سرنا الذي لا ينسى- لم أتركك وحيداً لتشربها، شربناها معاً، كما كنا نفعل وأفعل دائماً. لست وحيداً، أنفاسي معك أبداً.. اسأل النجوم.. كنت معك.. وأنت دائماً يا عزيزي في مصالحة مع نفسك. أعرفك.. كنت أغبطك.. اتفقنا أن نعقد مصالحة دائمة مع أنفسنا. أترى.. أنك لست وحيداً. كنا في سماء واحدة.. أنا منك وفيك.. وسأظل نجمة روحك.." ويهمس في أذنيها.. يهمس لها بحس موسيقي فيروزي يعشقانه معاً: "أترين. ألم أقل لك.. من قبل ومن بعد: "أنا وأنت.. لا ننبت إلا في الأرض التي زُرعنا فيها أول مرة.. نحن لا نزهر في كون لا نعرفه، لم نألفه.. وليس بوسعنا أن نزرع فيه أسرارنا العذبة.. يا عذبة الروح..". ينظر الورقة البيضاء.. يرى أحلاماً بيضاء.. تتنورد. يرى في قلب العتمة.. روحاً شفافة تضيء.. يرى العمر يتقطر، يجيء معها.. جاء من قبل، يجيء من بعد.. لا شيء يحول دون المجيء.. الفقر، أما ترين قرص الشمس دائرياً مثل رغيف. المناخات الحرة، أما ترين الأزهار تتنفس بالندى. السكن، أليس الوطن مكان القلب والروح. العمل،.. وهل سدت أبواب الله..؟ كان يراها.. تغرق، تغرق.. وأمامه أن ينقذها من الغرق.. من حضارة كانت تحلم بها، بصورة البهاء فيها.. فإذا بكل ذاك البريق.. ليس بمقدوره احتواء وجودها! عجباً.. أما كان على (الانترنت) أن يجيء معها.. صديقنا الذي ألغى كل المسافات وجمع بيننا حروفاً كانت ضائعة، منشغلة، مهمومة بأيام العذاب اليومي، بالقهر المصحوب بالترقب، بالزمن الذي ما عادت فيه الحدائق تورق، ولا عادت الطرقات سالكة، حتى باتت النسمة تغص من اختناق ومن لهفة ومن رجاء.. ويقرأ.. يقرأ: "عامان من اللااستقرار.. وإقدامنا تحط رحلها هنا.. وهنا.. وهنا.. وهنا باتت المجهول الذي نعرف..". انتابته حالة من القلق، أحس أنه يختنق، أدرك أن المرأة التي توسدت أعماق قلبه.. قد ضاعت، ضاع منها فرحها وابتسامتها ورغباتها المعطلة والمؤجلة والملغاة. تجردت من كل شيء.. صارت مثل حدائق عارية من العطر والخضرة والألق.. مثل فراشة سلبت منها ثروة ألوانها، مثل طفلة قتلت براءتها. مثل بلبل سرقت حنجرته. ظل يقرأ الرسالة، يعيد القراءة.. القراءة التي شكلت ورسمت زهت بها الآمال، الآن.. الآن باتت عصية.. ثمارها في رأسه ضئيل حد.. العدم. .. وفي اليوم الثالث للعيد.. ظل محاطاً بالمدفأة النفطية وأقداح الشاي.. وثمة كائن رائع يسكن هناك.. لوحة جمدها الصقيع وجعلها معلقة الأهداب فوق جدار رطب.. كانت هناك رسالة.. كانت تبعث الروح في الأشياء جميعاً.. كانت تسري حياة جديدة فيه.. كانت حدائقه العارية.. قد بدأت، بدأت تزهر.. وتنتظر ربيعاً يأتي بالعطر، حتى يعطر الكون كله. رن الهاتف، دق جرس الباب.. بدأت فيروز تغني "لما سكّرت الباب لقيتك بيني وبين حالي".. ورأى.. رأى أوراق الرسالة الأربع وقد تحولت إلى حمامات بيضاء.. تملأ سماء الغرفة.. وصورتها الملونة بالأفراح، تلامسه، تسكن روحه.. وترسم قوس قزح مليئاً بالمسرات الآتية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |