حـدائق عاريــة - حسب الله يحيى

قصص قصيرة جداً - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:12 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أمراض...

في الساعات الأولى من النهار، أو في الساعات المتأخرة من عمق الليل.. كنت أرقب كل شيء.‏

فأول النهار أو عمق الليل.. يعني الحاجة الملحة.. والرغبة التي تحول إلى أمنية للحصول على علاج.. إلا أن هذه الأمنية تظل عصية على التحقيق، فلس هناك طبيب متخصص لتشخيص الأمراض، وليست هناك وصفات طبية قابلة للصرف.. كما أنه ليست هناك مختبرات وأشعة وعمليات مستعجلة.. كل الأمراض، كل الوصفات، كل سبل العلاج.. قابلة للتأجيل.. تأجيل إلى وقت معلوم شفاهاً ومجهول الإنجاز إلى مديات لا يعلمها حتى الراسخون في تفاصيل هذا المستشفى المليء بالمعدات الطبية الحديثة والمعطلة عن العمل لأسباب كثيرة.. شأنها شأن الأمراض الكثيرة التي تملأ كل ردهات وممرات وغرف هذا المستشفى.‏

بت أعرف كل مرضى المستشفى على كثرتهم، مثلما أعرف كل مراجعيها المزمنين.. وهم كثرة أيضاً.. إلا أن تكرار الوجوه يومياً أمامي وأنا الطبيب المقيم.. جعلني أعرفهم.. أعرفهم واحداً.. واحداً.. طبيعة أمراضهم، وطريقة تعبيرهم عن أزماتهم ومشكلاتهم المرضية.. ولأنني لم أكن أفلح في فعل شيء لإنقاذهم من أوجاعهم.. كنت أحاول التخفيف عنهم بكلمات رقيقة، وبذلك كنت أجد القبول والارتياح من قبلهم، مثلما أجد نفسي في حالة طيبة من هذا الإجراء.. وإن كان إجراء مفرغاً من العلاج.. ذلك أنه ليس بمقدوري فعل شيء.. ولم أفعله.‏

أنا لا أستطيع أن أعطي علاجاً غير موجود داخل المستشفى ولا في خارجها.. وقد أصف العلاج المتوفر في الصيدليات عندما أكون على معرفة بوجوده بأثمان مرتفعة.. وأن مريضي له قدرة على شرائه، حتى لا أوقعه في محنة جديدة حين لا يكون في مقدوره اقتناء علاجه، الأمر الذي يسبب له مرضاً نفسياً قد يضاعف من مرضه الأسبق..‏

كما أنني لم أكن أفضل اللجوء إلى إيهام المريض بحقنة الماء المقطر، أو الفاليوم.. حتى أجعله يأخذ عني نظرة إيجابية هي بالأساس نتيجة لتضليل مارسته!‏

أنا لا أتفق مع زملائي الأطباء في أمور كثيرة.. فلقد جئت إلى هذه المهنة وبي رغبة شديدة في البحث عن السبل التي تكفل للإنسان الراحة، وعدم المعاناة من آلام الأمراض، ومد الإنسان للتمتع بالحياة إلى مديات عمرية أطول.. وإلى شيخوخة هادئة لا تصاحبها الأمراض والصيدليات الجوالة التي يملأ الجيوب والمناضد القريبة بالأسرة الكسولة.‏

.. ومع أنني كنت أحب زميلة لي، إلا أنني كنت بقدر حبي لها، كنت أخشى عليها من الزواج، من الأمومة وأوجاعها هي أولاً، ومن ثم الطفل الذي ستنجبه ثانياً. لم تكن تصدقني.. وتركتني أعاني من لهفتي إليها، من لهفتي إلى خلودها، إلى خلود طفل يأتي من لذة النطفة.. فإذا به يعاني من تلك اللحظة السحرية.. باحثاً عن لقاحات يحتاجها، وحليب يحفظ له براءة نموه، وفاكهة وأغذية تعزز عافيته.‏

لم أكن أريد أن أضيف إلى معاناة هذه الكثرة من البشر الذين يراجعون المستشفى كل يوم.. معاناة زوجة وطفل، أكون أنا المسؤول الأول والأخير عن إيجاد حلول لأمراض ستلحق بهم وليس بمقدوري فعل شيء.. أي شيء.‏

كنت أقول لنفسي.. إنني أحس بقطرات المطر قبل سقوطها..‏

أقول هذا حسن. هذا إحساس بوطأة الأشياء، والتحسب لها قبل أن تصبح حقيقة وعصية على الحل.‏

نعم.. فإذا لم أحس بالظرف المناسب.. على ألا أتحول إلى إنسان مغامر، لا يدركه الندم إلا بعد فوات الأوان.. بعد أن يكون قد غرق.. ولا سبيل لنجاته من الاختناق.‏

..كنت أخشى من أولئك الذين يزعمون بأنهم يتبرعون بالدم.. لوجه الخير.. كنت أعرفهم. كنت أعرف أن بعضهم قد أصيب بالتسمم نتيجة للتلوث.. فأبدأ بمعالجتهم دون جدوى..‏

وأعرف.. أعرف جيداً بأن كثرة منهم يبيعون دمهم، يرخصون البيع.. بحثاً عن قوت لهم ولأولادهم.. حتى لأرى أن (التبرع) بالدم قد تحول إلى مهنة.. عندما باتت كل المهن معطلة إلا قلة نادرة تتبرع لإنسان ترتبط معه بعلاقة حميمة، أو.. أو.. كسباً.. لموقع لدى مسؤول أو شخصية لها تأثيرها على مستقبله.‏

المتبرعون بالدم.. زاد عددهم.. فالمرضى الذين هم بحاجة إلى الدم.. زاد عددهم.. وثمن قنينة الدم، ارتفع ثمنها.. ولم لا وكل الأشياء في تصاعد دائم.. وبخاصة حين تظهر (تسعيرة) جديدة على شاشة التلفزيون أو تنشر في الصحف.. فإذا سعير الأسعار يتحول إلى نيران يصعب إطفاؤها.. وليس على من يحتاج لابنه أو قريبه.. قنينة دم إلا أن يعد نفسه لمهمة تجارية تحتاج إلى مساومة طويلة.. يكون فيها المريض قد أسلم الروح وأطفأ جذوة الحياة. وتكون قنينة الدم.. بانتظار مريض محظوظ، أو مودعة في مصرف دم.. لا يصرف لأحد!‏

ولأنني شغوف بمعرفة التفاصيل.. تفاصيل كل ما يجري حولي من آلام عصية على العلاج.. في ظروف صار فيها رغيف الخبز.. لا يسهل الحصول عليه بسهولة.. صار أمري. هو المرض الذي لا شفاء منه. ذلك أنني اكتشفت مهنة جديدة في هذه المستشفى.. مهنة رابحة، إنجازها ليس على درجة كبيرة من الصعوبة.. أمرها يحتاج إلى قدر من خفة اليد، قدر من النباهة.. والمساومة المسبقة، والمعرفة بدوافع الحاجة، حجمها، ومدى قدرة صاحب الحاجة على الدفع.. فهناك من يبذل العطاء، لقاء تحقيق أمنية طال أمد انتظاره لجعلها موضع الإنجاز..‏

-كل شيء قابل للتنفيذ، مادمت تحمل النقود.‏

تقول الممرضة لمن يمني نفسه بمولود ذكر في قسم الولادة.‏

ومن كان قد جمع في منزله دزينة من الإناث، أو دزينة من الذكور.. أو العجز، أو الإسقاط، أو التشويه، أو العقم.. كل هذه المحن.. قابلة لئن تقلب على نحو آخر..‏

الدخول إلى صالة العمليات ممنوع.. وفي الممنوع يحدث.. ما لم يكن يحدث من قبل أبداً.. والأمر لا يحتاج إلا إلى حمل المولود ونقله من موقع إلى آخر.. ليصبح الإشكال من محلولاً..‏

..هذه المرة صار لك مولود ذكر.. يا سعادتك.. إدفع..‏

..أنت امرأة تمني نفسها بطفل أو طفلة.. لمرة واحدة، حتى لا يفكر زوجها.. بامرأة أخرى، إدفعي بما تجود به أصابعك.. أنت. أو أنت.. لا معنى للانتظار.. هناك من يريد معرفة الأمنيات التي تحملوها في صدوركم أعواماً طويلة.. حتى يعدوا أنفسهم لخدمتكم وتحقيق أفراحكم.. المهم أن تكون لديكم قدرة على السخاء.. قدرة على تحويل أحلام العمر كله.. إلى حقيقة، بوساطة واحدة.. واحدة حسب، هي النقود.. وأمرها سهل.. مصدرها سهل أيضاً.. ومصدر صرفها كذلك..‏

وأنا أسمع، كأن أذني قد قبلا الجريمة.. لذلك أنحاز إلى الصمت.. صمت.. صمت.‏

صار الصمت يدوي في أذني.. وأضيق بروحي. أختنق.‏

تذكرت كيف كان أخي.. شديد التعلق بالطيور، وكيف كان يقوم باستبدال البيض والفراخ بعد التفقيس.. وهي لا تحس.. وبدافع لا أعرف مصدره، كنت أعيد البيض لأصحابه، والفراخ لأبويها الحقيقيين.. ويعجب أخي للأمر.. يسأل من فعل هذا؟‏

وكنت أنكر.. وكنت أفلح في بقاء البيض أحياناً.. لكن أخي اكتشف أمري ذات مرة.. وراح يضربني بقوة، كأنما ينتقم لكل ما مضى ولكل ما كان.. حتى لا يكون ما كان.. ثانية.‏

أما المجيء بأطفال الآخرين أو استبدالهم.. فمن يتجرأ على كشف حقيقته ما دامت هناك اتفاقات مادية سخية؟‏

كنت أصرف عني سماع مثل هذا. أقول إنها الحاجة تغتال كل القيم.. كل شيء يتحول إلى هشيم.. فمن أكون حتى أوقف هذا الفيضان الجارف.. كل السدود تساقطت.. والموج يدفع بي.. وأنا أسمع وأرى وأحس وأتنبه وبت أدري بكل ما يجري..‏

أدري أن الوجبات الغذائية المخصصة لذوي الأمراض المعدية، باتت تنقص شيئاً فشيئاً.. ثم تسرق بالكامل.. أدري أن صرف الأدوية لهم نادر.. والندرة تجيء بأثمان باهظة عندما تباع.. ولم لا تباع، وهناك من يدفع وهناك من يأخذ حق المرضى بدافع الحاجة..؟‏

كيف يمكن لي إيقاف الحد من الأمراض..؟‏

لم أعد أفلح في شيء. صارت نصائحي وتوجيهاتي مضحكة.. صرت أنا.. أنا نفسي أضحك منها.. حتى صار أمر هروب المرضى من المستشفى مسألة مألوفة.. لا يعترض عليها أحد ولا يتحدث بشأنها أحد..‏

أما أن يغادر المستشفى أصحاب الأمراض المعدية والخطيرة التي من شأنها أن تسبب كارثة عظمى في البلد.. فإن ذاك حال من الخطورة يصعب تجاهله.. أو السكوت عنه. غير أنني كنت أسمع صدى صوتي.. وصوتي لا يتجاوز حدود غرفتي. وغرفتي ضيقة. جدرانها مطلية بصفرة المرض.. والمرض يأكل في جسدي.. وجسدي يستنشق هواء المرض.. وهواء المرض تتسع له كل الأجواء.. وكل الأجواء صارت تعاني من الأمراض. والموت يدق الأبواب.. والأبواب صدئة.. والصدأ ينخر.. ينخر.. إلى ما لا نهاية..‏

- اعتمد القاص في معلوماته الواردة في هذه القصة على ما تنشره الصحف المحلية من تحقيقات ومشكلات وتقارير تتعلق بالوضع الصحي الراهن في ظل الحصار الجائر على قطرنا.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244