|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:12 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
عودة الغائب الدرب المؤدية إلى بيتنا طويلة، آه، كم أتمنى لو تطول أكثر وأكثر.. نعم.. أنا هكذا أكره مواجهة الأمور التي أجهلها، تخيفني وأشعر أمامها دوماً بضعف شديد. إنه هناك الآن، نعم لابد أن لقاءهم كان حميماً، يتبادلون القبلات والعناق والأسئلة الكثيرة. يا إلهي... مشاعر غريبة تنتابني، تلفني كسحابة شتوية مبهمة اللون... أهو حزن أم خوف أم شيء من سعادة باهتة أحسها بصعوبة؟ لا أدري... قد يتغير حالي عندما أراه!!.. منذ زمن طويل.. طويل جداً ونحن نعيش ذكرى ذاك الرجل، الرجل الذي طالما حدثتنا عنه أمي... لكن صورته المعلقة على الجدار، لم تكن لتعني لي الكثير جداً... عينان هادئتان، ملامح قاسية بعض الشيء، شفتان ممتلئتان.. فقط، لا غير... عندما كنت في الرابعة من عمري، اقتيد أبي حيث لا نعلم... ومن يومها... لم نعد نسمع عنه شيئاً... كان أخي أحمد في العاشرة وسلمى في الثالثة... سبعة عشرعاماً مضت، وأمي تنسج صوفها العتيق كل مساء، ينتشر صوتها حزيناً، في أرجاء الغرفة الصغيرة... يتحدث عن الرجل الذي طالما أحبته.. عن ذاك الحلم الحلو الذي اختفى دون رجعة. سبعة عشر عاماً مضت... وفجأة!!... سيعود... سيعود ذاك الرجل من جديد.... لا أعلم كيف حصل هذا؟؟ كيف انقلبت الأمور بهذا الجنون... البارحة وصلت أمي من المعمل قبل موعدها... دخلت غرفتنا، كانت ملامحها غريبة تماماً...نظرت إلينا طويلاً... ثم قالت بهدوء وعيناها غائمتان: اسمعوا... أبوكم سيعود، سيعود غداً.... أطلقت سلمى ضحكتها الساذجة. وبدؤوا يتحدثون.... ربيع وأمي وسلمى... يتحدثون عن شيء ما لم أكن قادرة على سماعه... كنت أفكر بشيء لم يخطر لي من قبل ... ترى كيف سيعود؟؟ كيف سيستطيع العيش معنا بهذه البساطة... بعد غياب سبعة عشر عاماً... ثم... ثم إنني لم أره يوماً... كأبٍ... أب حقيقي ... بل ربما... مجرد شخصية قريبة جداً... لا أكثر من هذا... أتساءل: بماذا شعرت حين قالت أمي: أبوكم سيعود؟؟ لم أكن سعيدة.... كان إحساساً مختلفاً تماماً بعيداً عن السعادة والشوق والعواطف الجياشة تلك... وبدأ ذهني يرسم صوره المجنونة عن الزائر الجديد... لوحة كبيرة، أرضية خضراء باهتة... رجل يجلس مقابل نافذة مشرعة... لا ملامح له، لا شكل محدد.... ودخان كثيف يرسم خطوطه الطائشة حول الرأس الأشيب. سيكون صامتاً... نعم... وفي عينيه الغائرتين... يومض حزن سبعة عشر عاماً يبست في الظلمة... آه... يا إلهي... كيف يحدث هذا؟ كيف تتلاشى مشاعري تجاه ذاك المسكين بهذه القسوة؟؟... ربما كان ينتظر من أولاده شيئاً آخر أكثر دفئاً... لكن ربيع متحمس جداً لعودته ... وسلمى تدور في المنزل وهي تعلق أشلاء زينتها المعتادة هنا وهناك... أما أنا فكعادتي استيقظت صباحاً في السابعة ... ذهبت إلى الجامعة... وخلال المحاضرتين، خلال أربع ساعات كاملة، خطر لي ذاك الرجل مرة واحدة فقط... بنفس الصورة الباهتة التي تخيلت...ولثوان معدودة... ثم... ثم تلاشى كل شيء، ببشاعة... يالي من قذرة، نعم إنني قذرة.... ـ مرحباً ليلى... ـ ها.. أهلاً سمير. ـ كيف حالك... ـ لا بأس... وأنت كيف حالك. ـ جيد.. كنت في الجامعة أليس كذلك. ـ نعم. ـ أنت مرهقة.. هذا واضح... إن دوامكم طويل في كلية الطب... ـ معك حق. ـ تبدين مستعجلة. ـ ماذا؟ أنا أبدو مستعجلة... ـ نعم... ماذا وراءك... إنك تهرولين.. ـ لا.. لابد أنك تمزح... لا أشعر أبداً أنني أمشي بسرعة. ـ لا أعلم بم تشعرين؟ هه... أراك لاحقاً.. ـ إلى اللقاء. ظريف هذا الشاب... لكنه لا يعجبني... إنه يرى الأمور بالمقلوب.. دوامنا في الكلية صعب ومزعج.. لا أدري ما الذي دفعني لدخولها. ثم أنني حتى الآن لا أعلم كيف حصلت ذاك المعدل المرتفع في الثانوية العامة.. كثيراً ما أشعر.. أن أي شيء في حياتي جاء بمحض مصادفة، مصادفة بحتة فقط.. ـ كانت أمي تقول: كان أبوكم طبيباً ماهراً ورجلاً شجاعاً... طبيب ماهر ورجل شجاع... إنها تحبه جداً، تنظر إليه كقديس أو أسطورة قادمة من حيث لا أدري، كثيراً ما تتكلم عنه، بينما أبقى أنا أتأمل ملامح وجهها الذي يتغير بسرعة، وشفتيها المتحركتين دون توقف... كانت تبعث فيَّ رغبة بالضحك: لكن شيئاً ما في داخلي لا أعلم ماهو، أحسه يعتصر بقوة ويستثير دموعي التي أشرقها بصعوبة حتى أصل غرفتي... وهناك... أبكي كثيراً.. أتجه نحو الخزانة القديمة... أفتحها... وأبحث كعادتي في زواياها.... مرة رأيت حقيبة قديمة في أرض الغرفة، كان منظرها مغرياً جداً، بنية اللون كبيرة، ومن جلد جيد النوع.. سحبتها بصعوبة... ووضعتها أمامي على الأرض، فتحتها بهدوء فاحت رائحة قديمة... سماعة، مقياس ضغط، أوراق كثيرة، علب أدوية مبقعة، كتاب أسود اللون... نعم.. لابد أنها أغراضه، تأملّتها طويلاً... لتبدأ تلك الأحاسيس الغائمة تداهم داخلي من جديد. عيناي معلقتان بالحقيبة، جسدي ملتصق بالأرض بقوة، لم أستطع أن ألمس أي شيء... شعرت أن كل شيء موضوع كما يجب أن يكون... لا أدري كم مر علي من الوقت حينها، وأنا أنظر إليها.. لكني أغلقت الحقيبة... ووضعتها في مكانها، ثم خرجت من الغرفة بهدوء... انتهى الأمر.. وكل شيء عاد إلى ما يرام.. وبعد فترة تقدمت بطلبي إلى كلية الطب... بعد أن كنت مصممة على اللغة الفرنسية. ـ لابد أني قد أخطأت الاختيار... إنني متسرعة... إنه فرع صعب، صعب ومزعج على الرغم أن محاضرة الفيزيولوجيا كانت ممتعة اليوم... ثم.. أن .. أوه، كفاني هراء... لقد أصبحت في السنة الثانية وانتهى الأمر.. آه.. كم أنا خائفة، كم أنا خائفة من هذا اللقاء.. بالنسبة لي.. هي أول مرة.. نعم.. إنها أول مرة أقابله فيها.. ترى.. سيضمني؟.. سيقبلني.. ويمسح شعري بيده..؟؟ لا أعلم.. المهم.. يجب أن أفعل شيئاً.. سأرسم الابتسامة ما..سأعانقه سأقول له: اشتقت لك جداً.. لا لن أقول هذا.. سأقول: .. لقد غِبْتَ طويلاً.. كيف كانت أحوالك؟؟ سؤال غبي.. يالي من تافهة... يالي من تافهة. ـ أوه .. وصلت البيت؟ كيف بهذه السرعة؟؟ لابد أن ذهني كان مشغولاً.. ولم أشعر بنفسي طوال الطريق... الأن... بعد قليل سأواجه أصعب لقاء في حياتي.. أشعر بخطواتي ثقيلة جداً.. على الدرج... رأسي مشوش وثقيل... كلمات كثيرة، صور، وأصوات مختلطة تعوم في ذهني.. وذاك الخوف اللعين، يكاد يشل أطرافي... ماذا... لوطرقت الباب، وفتح لي هو؟؟ لن أعرف كيف أتصرف. نعم أكيد... من الأفضل أن أفتح الباب بنفسي... انتشلت المفتاح من جيبي بصعوبة... أدرته في الباب... انفتح بهدوء... وعلى المرآة المقابلة له... ينعكس وجهي في المرآة... يا إلهي أبدو شاحبة... بل كل شيء في الداخل يبدو شاحباً... أنين خافت يتناهى من الغرفة... ماهذا؟ سحبت خطواتي إلى الداخل... يتعالى الأنين. ينقلب نشيجاً مؤلماً... أدخل الغرفة... كل شيء كما هو عليه... نافذة صغيرة... لوحة رجل... مقاعد، تلفاز... آنية زهور قديمة.. وسلمى.. ـ سلمى.. مابك.. لم تجلسين وحيدة في الزاوية؟ سلمى.. أين والدك.. لم تبكين؟!.. قولي... هل عاد؟! هل عاد والدك؟... ارتفعت العينان الباكيتان نحوي: نعم.. عاد.. ـ أين هو؟؟ ـ.......... ـ قولي أين هو؟؟... هل عاد حقاً؟؟ ـ لقد عاد.. عاد ميتاً... يتعالى صوت الأنين... أحس جداراً عالياً يتهاوى في داخلي.......... بقعة ألم كبيرة، كبيرة جداً، ... تمتد تلتهم جسدي، تبتلعه.. استدرت إلى النافذة.. وهناك بعيداً، بعيداً جداً... غرقت عيناي في اللا نهاية المظلمة. 1/3/1997 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |