دوار- سماء سليمان

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:12 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ئدينة التماثيل

أمشي في مدينة موحشة، أشعة شاحبة تتخلل العتمة، أستدير يمنة ويسرة، لا أستطيع تحديد مكان أو زمان..‏

تلوح لي أشباح بيوت مظلمة، وهناك في البعيد تتراءى قصور كبيرة مضيئة، وتتناهى إلى سمعي ألحان وضحكات وقرقعة كؤوس...‏

أخذت أمشي بتردد، ما زالت الأمور غامضة تماماً.. أين أكون؟ وكيف وصلت هنا؟؟.. لم أكن أعلم.‏

عيناي تجولان برهبة هنا وهناك، تماثيل، تماثيل ماهذا؟؟ غريب أمر هذه المدينة، وكأنها مزروعة تماثيلاً!!...‏

وقربي انتصب تمثال غريب... تمثال لرجل قصير، بشاربين كثيفين وثياب رثة إلى حد ما...‏

ترى لمن هذا التمثال، من يكون هذا؟؟ قلت في نفسي..‏

فجأة أسمع صوتاً عميقاً يداهمني: نعم.. قرأت أفكارك..‏

استدرت بخوف وقلت: من؟؟‏

ـ أنا... أنا التمثال الذي بجانبك. تستغربين أليس كذلك؟؟ وانطلقت ضحكة من حيث لا أدري. لا داعي للاستغراب، الناس هنا كثيراً ماتستحيل إلى تماثيل... في الحقيقة نحن لم نتحول تماماً... لا... أنصتي... إن قلبي ينبض.. بل وبشدة أيضاً...‏

ـ لكن.. من تقصد بـ"نحن" تلك؟؟‏

ـ نحن.. نحن!! أستطيع القول.. الطيبون البسطاء الصادقون مع أنفسهم، هناك عدة تعابير يمكن أن أصف بها...‏

ـ اعذرني... حتى الآن.. لا أقدر على فهم ما يدور حولي... أو أن الأمور ما زالت غامضة بعض الشيء...‏

ـ اسمعي.. سأحاول أن أزيل دهشتك... أنت الآن في مدينة التماثيل... لابد أنك لم تسمعي بها من قبل. لابأس... المهم أنه ذات يوم، اجتمع أهل هذي. المدينة... واتفقوا على التَّحول إلى تماثيل..‏

ـ ماذا؟؟‏

ـ نعم... هناك الكثير، الكثير من الأمور السيئة التي تدور من حولنا... ظلم، فقر، ظلمة... أمور كثيرة تجعلنا ننظر للحياة بشكل مختلف تماماً عن أولئك الذين تسمعين قرقعة كؤوسهم هناك...‏

نشعر بذاك الوجع يحاصرنا.. بتلك الظروف اللعينة تلتهمنا، تلتهم أحلامنا الصغيرة وحتى ذاك الأفق الذي يلجأ إليه أحدنا حينما يشعر بالضيق. ويبدأ النخر اللعين رحلته في أجسادنا وأرواحنا ودروبنا ويمتد إلى السماء والشجر وأوردة الأرض يبتلع الخضرة التي تزرع الحقول... والزرقة التي تعانق المدى...‏

نعم قررنا أن نلغي تلك البشرية التي في أجسادنا.. أن نتجرد منها... ونتحول إلى أحجار.‏

ـ لكن... ألا تعتقد أن هذا ضعف؟؟ نوع من الاستسلام لواقع سيء أليس من الأفضل محاولة فعل شيء ما؟؟‏

ـ آه.. كم هي مرّة الهزيمة... قد يكون شعورنا بالانكسار هو ما دفعنا لهذا التحول...‏

تلك القوة الخبيثة اجتاحت كل شيء ووجدنا أنفسنا نندحر بضعف أمامها..‏

نعم.. هذا ما جرى وهذا ما كان سيحدث لو استمرينا في حياتنا السابقة تلك...‏

صمت التمثال... وساد سكون للحظات... وسمعت صوته من جديد يتسلل إلى أعماقي..‏

ـ لم لا تنضمين إلينا... أشعر أنك صادقة، ولابد أنك تشعرين بما أشعر..‏

ـ نعم... نعم... نوعاً ما.. أو ربما نعم أشعر لكن بطريقة مختلفة بعض الشيء...‏

ـ إذاً هيا انضمي إلينا.. صدقيني سوف ترتاحين.. سوف تشعرين بأمان حقيقي مع تلك العزلة ومع ذاك التوحد مع النفس والطبيعة التي تموج حولك.. ثم هناك شيء هام لم أحدثك عنه بعد.. وحدق في عيني بثبات ثم قال: نحن نتحدث دون أن يسمعنا أحد ونقرأ الأفكار الخبيئة... نقرأ أفكار أولئك الناس ونسخر منهم كما شئنا، تعلمين في حياتنا السابقة لم نكن لنفعل ذلك.. نحن الآن نهزأ ونسخر ونضحك دون رقابة... ثم ابتسم بشيء من حنو وحزن وقال: إنهم أغبياء... حتى أنهم لم يلاحظوا كثرة التماثيل في الشوارع....‏

ثم أردف بجدية قائلاً: ها... ماذا قررت؟؟...‏

ـ لا أدري ماذا أقول.. إنها خطوة صعبة، أن تتجرد من بشريتك وتدخل عالماً آخر، عالماً حجرياً غريباً، هذا ليس بالأمر السهل...‏

ـ صدقيني هذا العالم الجديد، سيمنحك الحرية المطلقة.. إنه عالم رائع وسترين بنفسك.‏

اسمعي لن أجبرك... لكني أنصحك...ارم حاجاتك كلها، مزقيها، أحرقيها، اخلعي عنك رداء بشريتك، البسي رداء التحجر، إننا نتحول للاشيء في زمننا هذا، فادخلي قافلتنا، إنها تتسع يوماً بعد يوم وصدقيني ستمنحك البقاء والاستمرار الذي نحلم به جميعاً، انظري كم أنا صلب وقاس.‏

هيا ادخلي معنا وانسي عالمك الخاطئ، اسخطي عليه والعنيه... هيا تعالي... تعالي...‏

يتلاشى الصوت شيئاً فشيئاً... ليلف الصمت المكان، ظلمة تحوطني... وأعين التماثيل تنظر إلي بتساؤل...‏

أشعر في داخلي شيئاً ما مؤلماً... مراً... إنه شعور بحزن عميق وكأنه حزن كل أولئك المرميين في العتمة....‏

أصوات الكؤوس ما زالت ترن في أذني، أضواء الكريستال تومض من بعيد، والبيوت تتلاشى في ظلمتها الدائمة... نعم... إنني أشعر بالهزيمة، بالهزيمة والخزي...‏

أقف في قلب العتمة وتجتاجني رغبة عارمة في التحول........‏

17/2/1993‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244