|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:12 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفم فتح عينيه بتثاقل، رمى بنظرة عابرة إلى النافذة... مازال الوقت مبكراً... إن الضوء في الخارج خافت جداً، تقلب ببطء في فراشه، أغمض عينيه، لكنه لم يستطع النوم، كان ذاك السجن اللعين مرتسماً في داخله كمقبرة، وها هو ذا مقيد هناك على الخشبة الضخمة النتنة وفمه محشو بخرقة قذرة... ويقترب رجل مجهول الهوية، يرفع قبضته المخيفة، يهوي بالسياط على الظهر المحترق ثانية، وتنفجر الصرخة من أعماقه قوية مؤلمة وترتد قاسية في روحه. آه، تلك الخرقة اللعينة، لو أنني استطعت أن أصرخ ولو مرة واحدة... تمتم بألم ونهض من سريره مذعوراً، وزقزقته المزعجة تتابع الحركة الواهنة بسخرية، استوى على حافة الفراش مطرقاً وعلى الحائط هناك تراءى له السيد (.....)، بوجهه المترهل كفاكهة فاسدة وبابتسامته الساخرة ياله من بشع.. يدخل أحمد المكتب الواسع تلفه أضواء،مرايا كثيرة، روائح غريبة جداً... يداه ترتجفان... يتقدم يضع الأوراق على المكتب المذهب......: اعذرني لن أقبل بهذا.... سأرفض تماماً ما كتب هنا... أنت مدرك أنها زائفة.... وأنا لن أتعامل بها مهما كان الثمن... يضحك ذاك القذر، يهتز كرشه المنتفخ أمامه بشدة... وفجأة يظهر شبحان... يقودان أحمد إلى ذاك الباب الخفي الذي طالما تكلم عنه الموظفون برعب... هناك حيث الظلام التام... ينتفض أحمد بألم محاولاً انتشال نفسه من سيل ذكريات قاسية مرعبة وملامحه المتعبة تنم عن ألم عميق.... ثلاثة أيام في الجحيم: قال في نفسه.. وأغمض عينيه لثوان... ـ الساعة تشير إلى السادسة.. تأوه بعمق، مشى إلى المغسلة مترنحاً، الأرض الباردة تلسع قدميه الحافيتين.. كانت تلك الغشاوة ما زالت ملتصقة بعينيه، حتى كاد يصطدم بالحائط وظهره المقرح يشع ألماً... أمام المغسلة، فتح الصنبور ينساب الماء بين يديه بارداً، وتسري القشعريرة في جسده كلمسة صقيع، يرمي على وجهه شيئاً من الماء، يرفع عينيه بآلية ناظراً في المرآة... ماهذا؟... عاد لينظر ثانية، فرك عينيه بشدة، لابد أن الغشاوة ما زالت تغطي عيني، وعاد ليغسل وجهه بعصبية، نظر في المرآة مرة أخرى، بحلق في وجهه المرتسم في المرآة... إن فمه باهت، باهت، كقطعة سراب، ومكان شفتيه شبه فراغ..، وارتسم تحت الأنف خطان واهيان لا يكاد يراهما... غريب... ما الذي جرى.. لابد أنني متعب بعض الشيء... ابتعد أحمد عن المغسلة... أحس شيئاً ما يتلاشى في داخله، تمتم: ماهذا؟؟ كيف يبهت فمي هكذا؟ أمن المعقول أن أكون مريضاً مثلاً..... أوجائعاً... نعم... أعتقد أنني جائع...اندفع نحو المطبخ مسرعاً... توقف فجأة... إنه ليس جائعاً... وليس مريضاً... إذاً ماهذا الذي رآه؟؟؟ بدأ الخوف يتسلل إلى قلبه بخبث، حاول أن يلهي نفسه. دندن أغنية، فتح النافذة، وأخذ يتأمل المدى الناعس هناك في البعيد، لكن قلقه أصبح أعظم من أن يتجاهله، نسي أحمد أي شيء آخر يحيط به، ألمه... قروحه، وهرول نحو المرآة..... اقترب، ونظر في وجهه، شهق... لقد زال فمه نهائياً... صرخ أحمد برعب.... فمي، فمي.... وشيئاً فشيئاً.... أحس أنه لا يستطيع النطق، إن صوته يختنق في داخله. نعم... نعم... قبل بضعة أيام من دخولـه السجن، شعر أنه يتلعثم في كلامه، وأن كلماته أصبحت غريبة.... يشعر بصعوبة شديدة عندما يأكل، لم يعر هذا الموضوع اهتماماً، لكن ما اتضح اليوم... هو أنه واقعٌ في مشكلة كبيرة... أخذ أحمد يدور في الغرفة برعب، انقلب وجهه شاحباً أصفر، عاد، لينظر في المرآة، وتأكد حينها، أن فمه اختفى تماماً، ووقف للحظات مشدوهاً... اكتشف أنه عاجز عن التفكير في أي شيء. وأنه فاقد لإحساسه حتى بذاك الألم الرهيب الذي ينبع من ظهره الملتهب، ارتدى ملابسه.. وعيناه الحمراوان تذرفان الدموع بشدة... ثم حمل حقيبته وخرج... وما إن نزل الشارع حتى وضع يده على فمه، وبدأت التساؤلات المخيفة تضطرب في نفسه، كيف ستتقبله أعين الناس دون فم، وماذا سيفعل... حين يكتشف أحدهم أن فمه قد اختفى؟.... استقل الحافلة ويده المرتجفة ما زالت تغطي تلك المساحة الخالية تحتها، وأخذ يتابع الأعين التي تحدق فيه باستغراب... نعم لقد اكتشفوا أمري، لابدأنهم قد لاحظوا اختفاء فمي... إن يداً واحدة لا تكفي... سأضع الأخرى قال في نفسه.. ترك حقيبته جانباً ووضع يده الثانية، وما إن وصل العمل حتى كانت النظرات تلاحقه بدهشة أكبر وأكبر... شعر أحمد برعب عظيم يعتريه، أحس بحاجة ماسة للبكاء، وفي طريقه إلى الشركة، أخذ يهرول متحاشياً النظر إلى أي كان. وقلبه يرتجف خوفاً.... ما إن وصل مكتبه حتى تهاوى على مقعده، اقتربت منه الآنسة منى، نظرت إليه بتساؤل: ـ صباح الخير أستاذ أحمد، كيف حالك؟؟... ـ .............. ـ كنت أتساءل لم تغيبت الأيام الثلاثة الماضية عن العمل.. ـ ....... نظرات أحمد الهلعة، الممزوجة بالخوف... أرعبتها.. فابتعدت وهي تتمتم: خير إن شاء الله... وانصرفت تاركة أحمد كصنم.. مضت ساعتان... وأحمد مشوشاً فاقداً توازنه، ويداه ملتصقتان بفمه.. النظرات الدهشة تصدمه باستمرار... أخذ زملاؤه يتبادلون النظرات، ... نهض بعصبية من مكانه، واندفع كالمجنون تاركاً وراءه سيول التساؤلات التي تنصب عليه من أعين الجميع... هرع إلى البيت، استقبله السرير المهترئ، هوى عليه بيأس وهو يبكي بحرقة... إنه لا يستطيع فتح فمه، ولو للحظة، ذاك الاختناق سيقتله، غبار كثيف يملأ صدره، قرب المرآة، عاد ليقف ويتأمل فمه الممسوح، كانت ليلة لا تنسى لم يستطع فيها أحمد التفكير سوى بشيء يدعى "فم" وفي غيبوبته تراءت له أفواه كثيرة، حمراء قانية، تغلق وتفتح، ضاحكة، حزينة، واستيقظ من غيبوبته ليجد نفسه غارقاً في عرق بارد رطب وعندما بزغ الفجر، قرر أحمد أن يسافر إلى القرية. سيسافر حيث أمه علها تخفف عنه مصيبته، ارتدى ثيابه على عجل وخرج إلى المحطة، استقل حافلة قديمة، واتجه إلى القرية في الحافلة كانت يداه لا تزالان مصلوبتين على فمه ونظراته المشتتة تجول هنا وهناك. ـ جيد، لا أحد في الحافلة.. رجل واحد فقط... أما السائق فلن ينظر إلي، إنه مشغول بقيادته.. قال: أحمد لنفسه . قدماه تهتزان بشدة وهو يحاول تخيل موقف أمه حين تراه بلا فم. وأخذ الخوف يتدفق في داخله، ينتشر في جسده كنبضات شريرة مزعجة، عيناه تجولان برعب في أرجاء الحافلة... وفجأة يلاحظ أحمد شيئاً غريباً، ذاك الرجل الجالس في المقعد الأمامي يضع يده على عينه... إنه يطبق عليها بشدة ويتحاشى النظر إليه.. تمعن أحمد في الرجل...إنه شاحب ويرتجف كورقة يابسة... لكن... تمتم في سره...هل اختفت عينيه أيضاً كما اختفى فمي؟ آه يا إلهي... نظر برعب... إنني أعرف ذاك الرجل، نعم أعرفه جيداً، لقد كان في الزنزانة المجاورة لزنزانتي...نعم إنه هو... انتفض أحمد في مكانه، كانت صدمة كبيرة...إنه السجن... يلاحقه أينما ذهب... وبدأت نظراته التائهة تجول وتجول ثانية.. تارة تقع على صورة ملصقة بلا مبالاة هنا... أو ستارة مهترئة هناك وكثيراً ماكان ينظر إلى الرجل المقابل... إنه يثير في نفسه رعباً وشفقة شديدين رمى أحمد بنظرة يائسة إلى النافذة.... الطريق طويل، والوقت يمر ثقيلاً... ثقيلاً جداً.. حوَّل أحمد نظره إلى السائق آه ماهذا؟؟ إنه يضع رباطاً سميكاً على إحدى أذنيه يكاد يغطي خده الأيمن بأكمله، تأمل أحمد السائق، وشعر أنه قد رآه من قبل... نعم.. لقد كان هناك في البهو الضيق بين المقادين للتحقيق.. لم يدرك أحمد حينها حقيقة هواجسه وبدأت تدور في ذهنه أفكار وتساؤلات غريبة. قشعريرة باردة تدب في أطرافه، إنه هَلِعٌ، هَلِعٌ تماماً، والخوف ينمو في داخله كشيطان لعين. مرت ثلاث ساعات كاملة، كاد فيها أحمد يفقد صوابه.... وما إن وصل الضيعة، حتى تناول حقيبته وركض كالمجنون إلى البيت... متجاهلاً كل شيء... وجوه أهل القرية، تحياتهم، شجرات الزيتون المتناثرة على الطريق... وصل إلى البيت... أخذ يطرق الباب بقوة... جاءه صوت أمه من الداخل...... وما إن فتحت الباب حتى شهقت بسعادة: غير معقول.... أحمد... وفتحت ذراعيها ضمته إلى صدرها بحب بينما تهاوى في أحضانها كطفل صغير، بقي للحظات، أنفاسه المتلاحقة تكاد تقتله ويداه المرتجفتان مشدودتان إلى فمه.... رفعت أم أحمد رأسها ونظرت في عينيه باستغراب وقالت: مابك يا بني؟؟ هز رأسه بالنفي. إذاً لم تضع يديك على فمك؟؟ لم يستطع أحمد أن ينبس ببنت شفة، إن فمه مقفل تماماً، شدته أمه قائلة: ـ تعال يابني تعال.. لعن الله المدينة وأحوالها، هذا ما تفعله مع المساكين أمثالنا ألم أقل لك اعمل معي هنا في الأرض، خير لك من تلك المدينة الملعونة...؟؟ عنيد يا أحمد عنيد... ثم مالك تبدو شاحباً؟؟ قالت بخوف: ألا تأكل هناك في المدينة؟؟ تعال.... تعال.... وأمسكت به من ذراعه. انتفض أحمد برعب... ـ بسم الله، مابك؟؟ ثم لماذا لا تنزل يديك عن فمك يا بني؟؟ أيوجعك ضرسك؟؟ قرر أحمد أن يعلم أمه بأمره... وأخذ يتضرع إلى الله بخوف. ألا يصيبها بمكروه حين ترى هذه المصيبة التي حلت به... وبتثاقل... رفع أحمد يديه عن فمه ونظراته الكسيرة تجولان بأسى في الزوايا، وأخذ ينتظر شهقة عظيمة باكية من أمه... مرت لحظات ثقيلة كان السكون يلف المكان، ومالبث صوت أمه أن انطلق رقراقاً كعادته: ـ ماذا تنتظر، افتح فمك لأرى ما يؤلمك... نظر إليها أحمد بدهشة... ابتسمت أم أحمد وقالت: غريب أمرك يا بني... افتح فمك!! كان أحمد مشدوهاً تماماً.. ماذا جرى لأمه.. إنها لا تلاحظ اختفاء فمه، لابد أنها مصابة أيضاً بشيء ما. أخذ أحمد يشير بعصبية إلى فمه المختفي، لكن أمه كانت تبادله نظرات ملؤها الحيرة... ماذا بك؟؟ قل يا بني...؟؟ مابها شفتاك؟ أتوجعانك؟؟ ومدت يدها المعروقة تلامس تلك المنطقة المختفية... ابتعد أحمد وعاد ليشير إلى فمه المختفي ثانية... لكن أم أحمد لم تكن لتفهم شيئاً.. حينها تهاوى أحمد... أخذ ينتفض بشدة... يشعر باختناق هائل...يريد أن يصرخ، أن يبكي... يريد أن يفعل شيئاً ما.... إنه جائع ومنهك... منهك تماماً وبعد لحظات... كان غارقاً في غيبوبة طويلة. تراءى له أبو صالح، كضباب غبش بعيد جالساً ـ قرب الموقد... ودخان سيجارته يرتسم خطوطاً متشابكة هنا وهناك. لثوان لم يكن بمقدور أحمد أن يفهم ما يدور حولـه. بعد قليل استطاع أن يسمع صوت أبي صالح جارهم القديم وهو يقول لأم أحمد الباكية: ـ اسمعي يا أم أحمد منذ أن كان ابنك صغيراً... وهو متمرد وشيطان وذو لسان طويل... أتذكرين كيف قفز ذات يوم على سور بيت المختار وسرق الرمان من حديقته؟؟ أتذكرين كيف قاد مظاهرة في ثانوية القرية ضد مدير المنطقة ؟؟ إيه... تنهد أبو صالح بأسى وأردف وعيناه الغائرتان تجولان في قسمات أم أحمد المتعبة: ماذا تنتظرين منه غير هذا..... عندما وصلتني أخباره من "أبو علي" البارحة، لم أستغرب أبداً...رحمك الله يا أبا أحمد... لو كنت حياً.... لمنعت ابنك هذا من الذهاب إلى المدينة... كان أحمد يصغي لكلمات أبي صالح، ونظراته الباهتة تجول بين الوجهين المرتسمين على الموقد.. إنه يشتعل بضراوة، وشعر أنه حار كقطعة جمر... وأن الخدر يسري في عروقه ببطء... تتشابك في رأسه وجوه، أصوات، وصور كثيرة وألم غريب يعتصره... وبعد ثوان كان أحمد مستسلماً لغيبوبة جديدة. 6/11/1994. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |