دوار- سماء سليمان

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:12 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

صندوق جدتي

الغرفة مظلمة ساكنة يحيطها ذاك الغموض الصارخ، ومنذ خمس سنوات حتى الآن، لم يتغير فيها شيء، لا ملامحها، لا ضوءها الخافت، ولا رائحتها الباهتة... دخلتها دون وعي مني، رغم أن أمي حذَّرتني من دخولها، مررت بالقرب من بابها ففاحت رائحة ذكريات قديمة، ذكريات حنونة جداً... بعثت فيَّ إحساساً لا يوصف بالمرارة ووجدت يدي تمتد، لتفتح مقبض الباب العتيق وأدخل...‏

لفحتني العتمة، ولم أستطع بادئ الأمر أن أميز أركان الغرفة التي طالما قضيت فيها أوقاتي ومرت علي لحظات لم أدرك فيها تماماً أنني قد عدت ثانية إلى غرفة جدتي.‏

كان كابوساً مظلماً، يوم أغلقت الغرفة، وامتد الغطاء الأبيض على السرير الحلو إلى الأبد...‏

والتقت نظرات أمي المعفرة بالحزن بنظراتي لتقول لي: لا دخول إلى هذه الغرفة ثانية، ومن يومها، لم أعد أسمع صوت جدتي من الداخل، ولا صوت سعالها الخفيف، ولا حتى أدعيتها الليلية الهادئة... ولم أعد أسمع صوت صندوق الموسيقى...‏

وفجأة... تهيم عيناي في أرجاء الغرفة، لتستقر على الصندوق، هناك فوق المنضدة الكبيرة المرمية قرب النافذة... إنه مايزال هناك، متربعاً، على عرشه المهترئ... صامتاً، وكأن صمته رمز كبرياء غامض، وها أنا أقترب منه، أخترق الظلمة ويشدني بريق صدفاته الصغيرة المتناسقة.. مايزال في مكانه، ينتظر بصبر رهيب، وكأنه ينادي بسكوته أحداً ما ليفك قيده ويخرج ذلك الجني المتقلب في داخله.‏

أمسكته، ففاحت رائحة الجدة، رائحة الحكايات القديمة، واليدين البيضاوين المعطرتين... إيه يا جدتي! أعرف أنني كنت صغيرة جداً على اكتشاف ما وراء عينيك الصغيرتين الصافيتين، أو لأعي تمتماتك الحنونة المسترسلة كشعاع هادئ.‏

الصندوق بين يديّ أحس بأن شيئاً، ما في داخله يتحرك يحاول التنهد أو الصراخ.. أفتحه.. ينبعث منه ذاك اللحن، لحن طفولتي القديمة، يتسلل إلىَّ ذاك الشعور... شعور عميق، شعور حزين يعيدني إلى الوراء طفلة، شقية، حالمة...‏

وهاهو ذا الوجه المستدير يظهر أمامي كلوحة قمر، قمر مضيء حالم... والابتسامة ذاتها تفجر فيّ شعوراً بروح خفية تعتري المكان...‏

أفتح الصندوق، ينتشر اللحن الحلو وتنتشر معه رائحة اليدين والغطاء الوردي الهادئ...‏

وهاهو ذا صوت جدتي يتهادى مع الموسيقى، يقص علي حكايات قديمة، تتقافز في ذهني كنقط ضوء ومازال وجهها مرتسماً مع كل نغمة، يبتسم حيناً، ويغفو حيناً آخر...‏

تمتمات بعيدة تتسلل إلى روحي وصوت خفي يشلني، ينتشر في داخلي كنبضة، إنه الصوت الحنون المرتجف، كلمسة حانية....‏

لم أزل أذكر تلك الأصابع الدقيقة الناعمة، تمسح وجنتيَّ وشعري، تلامس أجفاني برقة ويهمس الصوت الدافئ بأغنية قديمة، وتمتد اليد الرقيقة إلى الصندوق المصدف الجميل... ينفتح، لتنفتح معه ذكريات جدتي القديمة.‏

لم تعد تلك ذكرياتك وحدك يا جدتي! إنها ذكرياتي معك... الصندوق اهترأ ولا أدري ما إذا كانت ذكرياتي ستهترئ معه أيضاً...‏

لكن اللحن ظل كما هو، ينطلق هادئاً، يرسم ألف صورة، وألف نجمة... الصندوق بين يدي، السرير مسجى قرب النافذة، والستائر المغلقة تتهادى مع نغمات اللحن الحزين.‏

وكأنك ما زلت هنا يا جدتي، مستلقية برفق، كجدول صاف، تنظرين إليَّ، تنطقين ببضع كلمات، ثم تغمضين عينيك السماويتين، لينطفئ الضوء، لينطفئ اللحن، والذكريات...‏

وتفوح رائحة حلم جميل، أنت فيه كمَلَك يتماهى مع موجة ضوء، وهمسك العميق يوقد في داخلي شعوراً خبا خمسَ سنوات...‏

نظراتك الهادئة المليئة حباً تفجر في دموعاً تغشي عيني. صندوق الموسيقى يرتعش بين يدي وتختلط مع ألحانه كلمات ، تمتمات خافتة، زرقة وخضرة...‏

وأنتشر في أرجاء الغرفة كسحابة حبيسة اللون ،حبيسة الدماء...‏

يرتفع صوتي قرب السرير، ويعلو النشيج، يتراءى الوجه ثانية ليبتسم، وتتحرك الشفاه الدقيقة لتنطلق بكلمة، بينما أتلاشى أنا كرائحة نبتةٍ، مع لون حزني الباهت.‏

25/6/1994.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244