|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:12 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
العقـــد منذ زمن بعيد، كنت صغيرة، تقتادني أمي معها إلى السوق، السوق الكبير، هناك حيث يبيعون الثياب والأساور والعطور، والأشياء الجميلة التي قد نحلم بها. لم تكن أمي لتشتري الكثير، أو بمعنى أدق لم تكن تشتري شيئاً... تسير في السوق، هكذا!! دون هدف، تطالع الواجهات الملونة والملابس الأنيقة، ومن وراء الزجاج اللامع تنظر بشيء من شغف أو... حزن.. لا أدري لم أكن أستطيع حينها تمييز تلك المشاعر بشكل دقيق. نمضي ساعات طويلة في السوق كغرباء، وكثيراً ما تتوقف أمي قرب أحد المحلات، تشير بيدها إلى فستان ما وتتمتم: موديله جميل، انظري يا أمينة، انظري (الكشاكش) على الكتفين. ـ نعم.. أتصنعين لي مثله؟؟ ـ آه، لمَ لا يا حبيبتي، لمَ لا!!.. تقول أمي وتعود لتتابع ملاحظاتها المتلاحقة.. ذاك الكلام الحلو لم يكن لينطلي علي. كنت أعلم أنني لن أرتدي ثوباً مثله أبداً، وأن أمي لن تخيط لي شبيهه... نعم... إن هذا الثوب الذي أرتديه الآن، سيبقى معي الشتاء كله. أنا وأمي وأخي الصغير، وأبي المسكين كذلك.. لا نشتري ثيابنا من السوق الكبير، إنما من ذاك الدكان الصغير القريب من بيت جدتي... أو بالأحرى جدة أمي /فطمة/. هناك حيث يعلق عمو أبو عدنان ثياباً كثيرة، تفوح منها رائحة ما. لا أدري ماهي رائحة مميزة.. لكنها غير محببة أبداً... أمي تدعوها البالة... وأبي يقول عنها وهو يمضغ ابتسامته المرة: الخرداوات... كنا نرتدي ثياباً عجيبة، باهتة، متنافرة الألوان، ورخيصة، رخيصة جداً.... كم هي جميلة تلك الثياب المعروضة في السوق الكبير، ملونة، زاهية، وتبرق بشدة كأشعة ذهبية تغشي عينيك، وكثيراً ما كنت أفكر: لابد أنهم سعداء جداً أولئك الذين يستطيعون ارتداءها. وهكذا نجول في السوق، نجول ونجول، ثم نعود أدراجنا إلى البيت تدغدغنا في الليل أحلام حلوة ملونة، ثياب جديدة، أشعة وروائح عبقة.. بصراحة... كلما عدت مرة من السوق، كنت أشعر بالحزن.. أرتمي على السرير وأبكي قليلاً.... لا أدري لمَ، لكن ذاك الإحساس المر بالانكسار كان يعذبني جداً... هناك في السوق الكبير، كل المحلات متشابهة، جميعها تعرض أزياء، وأحذية كثيرة وعطوراً... لكن ذاك المحل مختلف، مختلف تماماً... يشدني بشكل غريب، وكلما نزلنا مرة إلى السوق، كنت أسحب أمي من طرف فستانها، بإلحاح، حتى تأخذني باتجاهه، ووراء الواجهة البراقة تلتمع أنواع وأنواع من العقود والخواتم والأقراط الجميلة. أقف أنا وأمي لدقائق قرب الواجهة نتأمل تلك الأشياء. وهناك على الرف الثاني من اليسار، يلتمع ذاك العقد الجميل الذي أحبه.... انظري، انظري يا أمي إلى العقد الفضي هناك... إلى تلك الوردة الحمراء التي تنـتصفه انظري كم هو رقيق. أليس جميلاً...؟؟ اشتريه لي؟.... تشدني أمي من يدي الصغيرة بسرعة... وتقول إنه غال،لا يستحق ثمنه، تعالي نتفرج على أشياء أكثر أهمية... وتكمل أمي ثرثرتها التي لا تنتهي. تغيب كل الواجهات عن عيني، تختفي، ويبقى ذاك العقد في مخيلتي، يلتمع بسكينة ويبدأ الحلم مشواره في داخلي.. أتخيل نفسي أتمشى في إحدى الحدائق... أرتدي فستاناً فضياً رائعاً، ذاك العقد يزين عنقي، وردته الحمراء تومض كنجمة قطب حلوة، وتنتشر حبيباته حول عنقي كقطرات مطر عبقة. يزورني في اليقظة، في الحلم.. يأتي من بعيد كشعاع هادئ.... يعدني بأنه ينتظر، ينتظر قدومي وأنه لن يكون لأحد غيري أبداً... آه، كم كنت أشعر بالحزن... عندما أدرك أن أمي لن تسمح لي بشرائه، أو أنني لست قادرة فعلاً على اقتنائه، عندما تمر إحداهن من قرب الواجهة وتشير بإصبعها إليه... وكم كنت أشعر بالخوف أن يسرقه أحد مني، أن ألمحه صدفة يزين عنق إحدى الحسناوات وأعود للسوق ذات يوم، وأرى عرشه اللامع فارغاً، أو مغتصباً من زائر جديد... كل موسم تتغير زينة المحل، وتدرج عقودٌ وأساور وأقراطٌ جديدة، لكن ذاك العقد لم يتغير لم يبرح مكانه.. ظل ينتظرني، كنت أعلم هذا تماماً... وكلما مررت في السوق، أتفقده بشوق، وفي ركنه المعتاد، أراه يومض لي بحب لا يوصف... ومر زمن طويل.. كبرت، تغيرت الأشياء... وظل العقد في مكانه، ظل براقاً ووردته الحمراء ما زالت نضرة حلوة... وكلما وقفت قرب الواجهة أعود طفلة صغيرة متشبثة بالزجاج.... ويعودني إحساس حميم، حزين، بذاك الوقت الذي انقضى... ذاك الحلم بات يقتحم كل شيء... بات جزءاً لا يتجزأ مني... منذ أيام فقط، قبضت أول مرتب لي... كانت فرحتي لا توصف. عندما استلمت النقود... اليوم سأشتري العقد.. أنا آسفة يا أمي... لقد انتظرت وقتاً طويلاً، وأرغب حقاً بشرائه.. لا بل أتوق لتلك اللحظة التي يعانق فيها عنقي بحنان... سيبقى شيء من المرتب، لا تقلقي. وسأعطيك كل ما تبقى... في طريقي إلى السوق، لم يكن ذاك الذي يعتريني مجرد سعادة فقط، كنت ثملة، ثملة تماماً، أصطدم بالمارين، خطواتي مبعثرة، نشوة غريبة تموج في داخلي، وألوان كثيرة، تزين المدى والوجوه، والحارات. وكأنني في حلم من تلك الأحلام التي طالما راودتني كلما استسلمت لنوم عميق. حلم غامر، قريب جداً من السماء، قريب من تلك البلاد الناصعة الجمال... هاهو السوق يلوح لي... أقترب... أنظر إلى وجوه الناس بثقة.. نزلت السوق الكبير لأشتري. لأشتري العقد حقاً... والنقود هنا في محفظتي.. اليوم مختلف تماماً عن الأيام الأخرى... اليوم لن أحلم، لأنني لن أستطيع النوم أبداً، سأعلق العقد على طرف المرآة.... وسأحكي له حكايتي القديمة، حكاية ذاك العشق القديم الحزين، سأحكي له، كم ذرفت من الدموع وأنا أُجَرُّ بعيداً عن الواجهة الحلوة، وكلمات أمي القاسية تملأ داخلي ألماً غريباً... سأحكي له، كم شدني بريقه الهادئ، وكم شعرت كلما مررت قربه... بشيء ما يعتصر قلبي...حزن، حب... لا أعلم... اليوم سيكون العقد لي... آه... يا إلهي.... لابد أن قلبي لن يتوقف قبل أن أصل الدكان... إنني قريبة جداً... بل ويدي تمسك مقبض الباب... دخلت الدكان، نظرت في عيني البائع بلهفة. لم يفهم.. شعرت أنني لن أستطيع الكلام... وأن عليه أن يعرف ما أريد... ـ لو سمحت أريد... ذاك العقد... العقد الفضي... هناك في الواجهة ... ـ أي واحد منهم؟؟ ـ ذو الوردة الحمراء الجميلة. ـ آه... ذاك العقد، أنا آسف، لقد بعناه اليوم صباحاً فقط... لكن لدي تشكيلة أخرى... ـ ماذا؟! ... لا غير معقول... أنا متأكدة أنه على الواجهة.. متأكدة تماماً، خرجت بسرعة... تسمرت قرب الواجهة... الرف الثاني على اليسار... أنا واثقة أنه هنا... أبحث وأبحث... شيء ما يختطف قلبي ماهذا؟ أشعر بألم عظيم يشلني، يشل أطرافي، وقلبي وعيني... ظلمة حالكة تعتريني.... تنمحق الألوان كلها، تختفي، والعقد يلوح لي هناك في آخر العتمة كقطرة ضوء محتضرة. مكان العقد فارغ تماماً... تماماً... أين اختفى ذاك الحلم؟؟ ذاك الترقب الدائم؟؟؟ هل ذهب؟؟؟... هل ذهب حقاً؟؟ أطرقت بانكسار.... أحس بأن داخلي يتكسر شيئاً فشيئاً، اختناق غريب يكبلني، وخدر ينتشر في جسدي ببطء، استدرت.. أشعر بقدمي ثقيلتين جداً... جداً... أسحب خطواتي... عيناي مثقلتان بالدموع.... وها أنا أبتعد عن الدكان، لتبتلعني أكوام البشر المتراكضين حيث لا أعلم. 15/10/1996 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |