دوار- سماء سليمان

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:12 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الرحيل

ما زلت أذكر كل شيء... كل شيء كما لو كان ماثلاً أمام عيني الآن، يسير، يضطرم.. ثم يخبو وما زالت وجوه كثيرة متشبثة، في داخلي، عالقة بإصرار في أعماقي.‏

الحافلة تسير ببطء على الطريق، بينما تصدح الموسيقى بجنون... أصوات كثيرة تحوم حولي، أغان ضحكات وهتافات ساخرة...‏

يعاودني ذاك الانسلاخ المر ثانية، أشعر وكأنني كائن لزج حزين متفرد، عيناي معلقتان بالنافذة...‏

ضباب كثيف يزرع الحقول، وذاك الجسد المضيء في الأفق ما زال يومض، يصارع العتمة ليشقها ويفترش الأفق، برفق.‏

ـ هيه يا أمل... لم لا تشاركيننا أمعقول هذا؟؟ ثم أنت من اقترحت الرحلة ويجب أن تكوني أول المهللين هيا... /جاءني صوت من مكان ما في الحافلة/...‏

ـ آه... نعم... نعم... آتية... لحظات وأكون معكم.... تمتمت...‏

إيه.. الحقول، ما أجملها!! كم هي مشتاقة للشمس وكأنها ترنو بحنوّ لللأعلى ترتشف الندى وقطرات الضوء... تنتظر شيئاً ما، تدرك تماماً أنه آت لا محالة...‏

آه، تعاودني تلك الذكريات الحزينة...تكاد تخنقني وتحتجز ذاكرتي وروحي، تعتصرني.‏

وذاك الوجع المر يزحف في داخلي،يعذبني ويقهر جسدي بقسوة.‏

ذاك الوجع.. مازلت أجتره منذ أحد عشرعاماً...‏

كم هي سريعة دورة الزمن، وكم هو ثقيل وقع آلامنا...‏

مازلت أذكر نفسي بنتاً صغيرة... وكأنني لم أنسلخ عن الطفولة بعد، ولم أغادر بعد قريتنا الصغيرة... شعري الأشقر منسدل بحنو على كتفي والفستان الأزرق الفاتح، يتمايل مع رياح تشرين الحزينة....‏

مازلت أذكر تلك النشوة العارمة، تموج في داخلي بجنون، أتسلق الصخور المبعثرة على الجبل، أتمرغ بالعشب والأقحوان، أغني، أركض وراء الجبل الكبير، كانت /الواق واق/ تلوح لي بحب، تنتزع المدى من بين ذراعي السماء وصوت بعيد يناديني... أرى سفناً مجنحة...‏

تحلق، بحاراً ورمالاً وعوالم غريبة تدور حولي.....‏

وكنت ملكة... ملكة تلك البقعة من الأرض، أتربع على الصخرة الكبيرة هناك في أعلى الجبل... تمتدُّ القرية من تحتي خضراء حلوة مستسلمة، لآمر الينابيع والشجر والغيم السارح في السماء.‏

وكان يوم من أيام نيسان... انتُشِلت من الفراش، ووجدت نفسي محشورة في سيارة قميئة مكشوفة مع إخوتي الخمسة...‏

كانت الغباشة ما تزال تغطي عيني، وبدا الضباب حزيناً، حزيناً جداً ويترنح أمام عيني بتعب.‏

رُمِيَت الأغراض فوق رؤوسنا... صعدت أمي السيارة بانكسار وتبعها أبي... جلسا قرب السائق... وللحظات ساد صمت ما... لكن بكاء أمي المخنوق، كان يشق السكون برهة، ليختنق في حلقها من جديد...‏

وهكذا هدرت السيارة، طرطقت وزمجرت واندفعت على الدرب... اجتازت غابة السنونو ونبع الصيوان ومن ثم...هاهي ذي غابة الطيون تبتعد، كان الضباب يرتفع ومن خلال الغباشة التمع مزار جدي لبرهة، ثم انطفأ، تماماً وانطفأ الجبل الأخضر أيضاً... اختفى بيتنا، وغابة الطيون، وواق الواق الحلوة.... ابتعدت السيارة، إخوتي نائمون، نحيب أمي يحفر داخلي بقسوة... كانت الدهشة مازالت تكبلني... اختناق يكاد يقتلني. والأنين الحزين يملأ أذني... ذاك الانكسار المر ما زال يحشو فمي وحنجرتي وعيني...‏

ويبدأ الضوء. الباهت رحلته المضنية، بعد أن ارتشف المدى آخر قطعة من درب الضيعة.‏

ـ هيه يا أمل... أين سرحت.. هيا ألن تشاركيننا الغناء... ثم عليك أن تدلي السائق على الطريق...‏

ـ قادمة... نعم... هيا...‏

إيه.. على هذه الدرب كانت السيارة تترنح نحو المدينة.... وها أنذا بعد أحد عشر عاماً أعود من حيث أتيت وعلى نفس الدرب.‏

ها قد أشرقت الشمس، الربيع، يأتي وبهدوء شديد تنسفح الخضرة هنا وهناك وتطالعك الزهور البرية بحب، ترفع رؤوسها للأعلى وترمي بنظراتها الملونة، تخترق روحك، تبرق، تشتعل، وتتسلل داخلك رائحة...ما زلت أذكرها تفوح من بين أصابعك رائحة عشب، مطر، تراب،سماء، ممتدة في اللانهاية، شيء ما يعانقك، يوحدك مع المدى، ويفتح عينيك على سر الغيم والمطر... نعم إنها الأسرار الخبيئة تتكشف كخيوط ذهبية تنسل رويداً رويداً، تُفتَرش الأرض داخلك والسماء تملأ روحك...‏

آه منك أيها الحزن، هاقد عدت ثانية لتطفئ نشوة داخلي...‏

عندما كنت صغيرة، لم أكن أدرك بعد ماهية الأشياء والأفكار... لم أحاول يوماً أن أقترب من أولئك الكبار الذين لم أستلطفهم أبداً... ولم أكن أتخيل يوماً أنني سأصبح كبيرة وستحكمني قوانين سخيفة... كل هذا لم يكن يعجبني... نعم... وعندما قُسِّمت أرضنا، تلك الأرض المحيطة بالمنزل وأخذ أبي قسماً وعمي قسماً وعمي الآخر قسماً... بدأ الإدراك، بدأ رحلته المضنية... وانبثقت جدران من حيث لا أدري... حدود لعينة تحاصرني، وتلك الملكة المتربعة على العرش تهزم..‏

وتهوي بها صخرة الجبل إلى حيث لا تعلم...‏

تلك أرض عمي، وتلك أرض أبي، وهذه أرض عمي الآخر... تصبح الأرض قطعة محدودة الأطراف، سخيفة، ملعونة تلك القطع... ملعونة، وقذرة...‏

وقُسِّم البيت أيضاً... كل شيء.... كل شيء.... ولن نأكل من الآن فصاعداً عرانيس الذرة كيفما نشاء...‏

وفي الحلم تفاجئني دوماً خطوط متشابكة تمتد وتمتد، أشعر بها تهاجمني، تشلني. حزن أبي كثيراً، وكذلك أمي... وهكذا قرّرا أن نهاجر... وهاجرنا... طيور الدنيا كلها تهاجر في الخريف، لتعود ثانية مع ولادة الربيع... أما نحن فهجرتنا مختلفة... نهاجر في الربيع، كي لا نعود أبداً...‏

ـ أمل.. ما بك؟؟ ما بال عينيك حمراوين؟؟؟‏

ـ آه... لا شيء يا سلوى لا شيء... عيناي تؤلماني قليلاً... لم يمض علينا وقت منذ أن انتهينا من الامتحانات وتعلمين تعب الدراسة و القراءة....‏

ـ اسمعي... اسمعي كم هي جميلة تلك الأغنية: "على دلعونا وعلى دلعونا، راحوا الحبايب ما ودعونا"...‏

ـ نعم جميلة، جميلة جداً... إيه... أذكر تلك الأغنية، كم كنا نغنيها على سطوح الدار..‏

كنا صغاراً، صغاراً جداً والشمس تغزل شعاعها الذهبي فوق وجوهنا... وعند سلق الحنطة، تنتشر رائحة الحطب المحترق... تتشربها أنوفنا وثيابنا، وتسري فينا نشوة، نشوة غريبة... نشوة الأرض والشلالات والشمس... تتشابك أيدينا....... ندور وندور... تنعدم الجاذبية ونشعر بأجسادنا، تموج في الفضاء، كرياح شتوية مجنونة.....‏

"على دلعونا وعلى دلعونا بَيْ بَيْ الغربة الوطن حنونا"....الغربة... كنت صغيرة... وكنت أقول"بَيْ بَيْ الغربة"... لم أكن أعلم ماهي الغربة كنت أتصورها حافلة قديمة، كحافلة أبي علي... لكنني فيما بعد أدركتها تماماً. إن الغربة في بيت كبيتنا تأخذ شكلاً آخر...‏

رائحة عفن، حزينة، غرفة صغيرة... صور قديمة متناثرة على الجدران، مدفأة مازوت، سبعة وجوه متشاغلة ومذياع لعين يثرثر ليل نهار...‏

آه، ياللسجن القذر... إنها المدينة...كان ذاك اليوم هو المرة الأولى التي نأتي بها إلى المدينة... أبنية، أبنية وأصوات غريبة... الوجوه، الشجر، لفحات الهواء الساخنة...‏

ماهذا؟.. كان شيئاً مريعاً... وبصقتنا الشاحنة بقرف. لنجد أنفسنا في غرفة لعينة. مظلمة....‏

أقسم أبي ألا يعود، وأقسمت كذلك أمي وهي تبكي... وبقيت أنا قرب النافذة أذرف الدموع على الخضرة التي فقدتها....‏

أحد عشر عاماً مرت.. وذاك الحصار القذر يشلني، وأرى سلاسل تهبط من السماء قيوداً تكبل يدي ورأسي لكن صوت النبع مازال يهدر في داخلي، صوت الرياح، صوت العشب المتمايل. وقع الثلج الهادئ فوق الحقول، الضباب على الدرب، وطرقات المطر على شباك الغرفة الكبيرة.. مازال كل شيء قابعاً هنا.. سجيناً...‏

في ذاكرتي، في جزء من الروح المتململة في داخلي....‏

أحد عشر عاماً مرت... والضوء الخافت يقتحمني، يومض ببطء في داخلي والصورة نفسها تتكرر.... ضباب حزين... عتمة وبكاء مخنوق.........‏

ـ أمل... قومي، كدنا أن نتوه، دلي أبا وليد من أين سنذهب.‏

ـ الآن سوف نمر بضيعة... الدارة نعم الدارة...ثم تكمل طريقك حتى تصل المفرق وهناك تصعد الطريق المؤدية إلى الجبل... حيث الضيعة التي حدثتكم عنها.... استعدوا يا شباب...‏

ـ نعم، نعم.. علا الصراخ والتصفيق.‏

هاهو الجبل يلوح لي من بعيد، نظراتي تموج في البعيد.. آه، يالتلك المشاعر التي تعتريني، قشعريرة باردة تنفض جسدي...بعد أحد عشر عاماً، أعود والجبل الأخضر الحالم ما زال هناك يضم السحاب بحنو ينظر إلي بشوق... صوته الدافئ يدب داخلي... وأشعر بجسدي يكاد يخترق الزجاج، وبأنني قادرة دون شك أن أركض إليه وأركض دون توقف، أشعر بذراعي تتسعان وتتسعان تفترشان المدى، تعانقان الجبل بحنو، وكأنه لي، لي وحدي. آه... نعم.. قد لا تكون واق الواق ملكي الآن، لابد أنها مُلْكُ صغير آخر يرنو إليها بشوق... لكن تلك الأرض ما زالت تناديني، تلك الخضرة العارمة، تجتاحني بقوة، تسكرني، ونشوة غريبة تداهمني...‏

كل الغابات بدأت تقترب، والينابيع أيضاً آه يا إلهي...‏

كأنني لم أُحتَجَز أحد عشر عاماً قط، كأنني لم أغادر قريتنا قط.. وما زلت جالسة على الصخرة الكبيرة، أراقب السنونو وهي ترسم في الفضاء دوائرها المجنونة، وتشق الغيوم باحثة عن دفء ما وراء الأفق.‏

وهاهو مزار جدي، يلتمع من بعيد، تلفه الخضرة، ويرسل هالته الهادئة فوق الأشجار.‏

ـ هيه أمل.. دوماً سرحانة تلك الأمل... من أين سنذهب الآن؟‏

الحافلة تقف...‏

ـ آه.......الآن.... الآن.... يا إلهي..‏

ـ مابك؟؟ قال أحدهم...‏

ـ لاشيء... ألا تشعرون بشيء من البرد يا أصدقائي..‏

ـ أتصدقون نعم...أنا بصراحة أشعر ببرد لذيذ. منطقة رائعة... تبعث في النفس سعادة عظيمة أليس كذلك يا شباب.. قال سامر..‏

ـ نعم ـ نعم... أجاب الجميع.‏

ـ أردف: أليس محظوظاً من يقطن تلك القرية الخضراء هناك... لا أعلم!!! في داخلي شعور ما بأن كل أهلها استحالوا نبتات خضراء برية... تلك الخضرة لابد وأن تفرض نفسها على كل شيء.....‏

ـ آه... ياللهزيمة... لو يعلموا ذاك السر في داخلي... لو يعلموا جميعاً أن تلك القرية لي... ملك هذه الروح المهترئة البائسة...منذ أحد عشر عاماً، لم تطأ قدمي هذه الأرض... أقسم أبي وأمي أن يتناسيا كل شيء لكنهما وفي العتمة يذرفان الكثير من الدموع... نعم كنت أسمعهما جيداً... لا أدري كيف جرني ذاك الشوق العارم... كيف حطَّم قَسَم هذين المسكينين، كيف حطم الخوف، وتلك الرهبة القابعة في داخلي وساقني من جديد...حيث يجب أن أكون....‏

ـ والآن يا أبا وليد اسمعني جيداً... سنصعد في الطريق الطويلة وسنحط رحالنا في تلك القرية الجميلة ما رأيكم... "آه أشعر جيداً" كم هي ابتسامتي قبيحة... ومصنوعة... الأفضل أن أدير وجهي إلى النافذة.....‏

وتصعد الحافلة.. أشعر بشيء ما يكاد يسحق قلبي، حزن، خوف، رهبة..........‏

لا أدري...‏

ترى... أقادرة أنا على مواجهة تلك الخضرة العارمة من جديد... أقادرة على تسلق الجبل واعتلاء الصخرة العظيمة... هل سأستطيع النظر للسماء، للطيور البعيدة التي تحوم هناك....‏

الآن.. أشعر بدموعي حارقة جداً... ذاك الحزن المطمور في داخلي، يثور ينطلق.... يعانق الغابات والينابيع، يحضن الريح، يمازج الألوان والأشياء بحب....‏

توقفت الحافلة..... ترجل الجميع.....‏

ـ هيا يا أمل بما أنك خبيرة بهذه المناطق.. دلينا على مكان ما نجلس فيه.. بصراحة.. أنا أحس بالجوع.. يا أخي جعنا... تنطلق الضحكات... كلمات كثيرة تحيطني، أصوات متداخلة.... لكنني الآن لا أفهم شيئاً... لا أفهم شيئاً أبداً...‏

أترجل من الباص، تطأ قدمي التراب... تغوص فيه بحنو... آه يالتلك الأرض الحبيبة ما زالت تذكرني، وتذكر وقع خطواتي عليها...‏

الغابة قريبة جداً.. وسحرها الهادئ ينتشر في عروقي...يسحبني... وأغوص بين الأشجار... نور بعيد ينادي... والتراب مازال يعانق قدمي... تلك الأشجار تضمني بشوق... تلفني الريح، أصوات الطيور الهائمة... رائحة العشب، ورائحة شيء ما مقدس غريب، سحيق... آه.... تقودني الغابة..حيث سحرها الدفين... أشعر بجسدي ينشدُّ إلى الأسفل...يعانق التربة... يغوص ويغوص.. أحس به الآن يخالط الأرض والينابيع والخضرة... وكأنني مركز كل شيء، وكأن كل شيء يدور الآن حولي وكأن الأشعة كلها تنبثق من روحي.... وطيور الدنيا كلها.... ترتسم دوائرها المجنونة، في الفضاء حولي... وكأن جسدي الآن منبع الخصب والتربة، والمطر، أبكي بحرقة... أبكي وأجهش في البكاء... لابد أنني أكشف من جديد سر الحزن.... سر الرهبة والحب...‏

الأرض تعانقني، تجذبني بقوة... أشعر بأنفاسها تخترق قلبي وبنبضها يسير مع عروقي وأدرك تماماً أنني جئت... ولن أستطيع العودة أبداً...‏

تلك الأرض لن تسمح لي بالرحيل من جديد.... أعلم.... نعم.... أن جسدي يدخل كيمياءه.... يتوحد مع التربة والمياه تجتاحه الخضرة، ويستحيل نبتة ، تلوّح للضوء، للضباب، للريح، ويقطن تلك الأرض التي منها وجد...‏

يعود إليها... يتوحد مع ذراتها ويضمها بحب... حتى.... النهاية...‏

6/أيلول/1996.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244