|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:12 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الغــــياب بتعب شديد، استسلم ذاك الجسد المسجى قربي بسكينة... لم أكن أعلم من أين أبدأ النظر إليه؟! من الوجه، من اليدين، أم من الصدر المتقطع الأنفاس؟؟ كل شي كحلم غريب مؤلم حتى الاعتصار.... أنين خافت يتناهى لسمعي ويتسع في داخلي حزن مرير..... أعرف أنني لا أستطيع فعل أي شيء الآن سوى الانتظار... انتظار ذاك الكائن المجهول القادم من اللامكان، حيث الفراغ الهلامي المبهم...هو المكان بعينه.... في الغرفة المظلمة، صوت الرياح الشتائية الباردة، يبعث إحساساً مخيفاً بالانحسار. الأنين يعلو يهاجم روحي بشراسة، وذاك الاحتراق في داخلي يتصاعد، دخان كثيف يغزو عيني وفمي ورأسي المثقل. أشتت نظراتي في العتمة، تصطدم بالجدران، بالسقف، بالثريا المتدلية باستسلام إلى الأسفل... أبحث عن شيء ما يأخذني قليلاً... لكن تلك الاختلاجات ما زالت هنا، في الداخل، نبضات ذاك القلب المهترئ، أشعر بها قريبة جداً... أستدير نحوها، إنها راقدة... من بين أجفانها المسدلة يطل نور باهت / باهت جداً... أبتسم بألم... ما زالت روحها الحلوة تبرق بعبث... ما زالت هنا قربي... أتحسس اليدين المعروقتين، أدعكهما بين أصابعي...عمتي تريدين شيئاً؟؟ سؤال غبي... وكأنني أنتظر اللاجواب. إنه الصوت.... الصوت أيضاً يغادر يا عمتي.... نعم...أذكر تماماً تلك النبرة العذبة... أذكر كم كانت صافية وحرة.. ما زالت تلك الطفولة تأتيني ملونة بذاك اللحن القروي الحميم... منذ مدة، منذ شهر تقريباً، وأنا أرقب تقلصها اليومي المحموم، تآكلها المفجع، ذاك الوجه الذي طالما كان قريباً مني، يتبدل، تختفي ملامحه، تنطفئ تحت وطأة شيء ما لا أدركه، ربما أعرفهُ، لكني لا أستطيع حتى أن أفكر بماهيته. الجسد، إنه يذوي الآن، يتوجع، يبدل لونه الأبيض، تداهمه الصفرة الرمادية.... ويستسلم... تحاصره الجاذبيات، تشده السماء المفتوحة الذراعين، تسحبه الأرض المظلمة، وذاك الزمن المجهول المبعثر... ينتشله بعنف من زمنه المحدود الضيق.. ذاك الجسد، كم أمقته... أنا أعلم... بل أنا موقنة تماماً أنها في غيبوبتها الآن تغني... أن روحها ما زالت تجول هنا وهناك.... تحلم بتلك الخضرة المترامية الأطراف، بالضباب القابع فوق القمم... لابد أنها تنظر إليَّ بحب الآن، تود أن تقول شيئاً... شيئاً ما ساذجاً... لكن شفتيها لا تطاوعانها ذاك الألم الجسدي يكبلها، وتحزن بعمق... لأن القيد يتعاظم... لأن الروح تبدأ بالتململ، بالضجر، وتبحث عن منفذ، منفذ صغير جداً... تغادر منه زنزانتها القاسية.... كلانا ينتظر يا عمتي... ربما تكونين سعيدة بذاك الانتظار... ربما ستذهبين حقاً إلى تلك الأرض التي طالما حدثتني عنها، أو ربما ستكونين قريبة جداً بعد الرحيل... وتظل روحك البراقة ساكنة عالمي الصغير... لكني أنتظر الآن بحزن... أنتظر الحقيقة التي طالما كانت مؤلمة... أنتظر بشلل انطفاء الضوء الأخير... أنتفض بذعر.. أما زلت هنا؟؟ ترتجف الشفتان ويعود الأنين ليرسم حلقته الواسعة حولي. كثيراً ما فكرت بالموت.. يخيفني، يشعرني بالغربة، بالشفقة على نفسي، على الأرواح البائسة ورحلتها في سرداب المجهول، في حزنها الطويل وترقبها، في خوفها من ذاك النور العظيم المتلألئ في اللانهاية... وتراودني رغبة طفولية في البكاء... كلما ذكرت أن هذا الموت سيبعدني... سيبعدني تماماً، ستلتهمني العوالم الغريبة... لأعود ذاك الجنين الملتصق برحم الغيبوبة. يتعالى الأنين، ينتفض الجسد بإنهاك.. يهتز قلبي، أشعر دموعاً حارة تغطي عينيَّ ووجهي.. ترى...ماذا لوغابت حقاً؟؟ ماذا لو رحلت، لوضاعت روحها في تلك الرحلة الشاقة ماذا لو سقطت من قبة السماء العالية... إلى جحيم التراب المظلم...؟؟؟ أرجوك يا عمتي كُفّي. كُفّي عن هذا... ربما الآن في هذه اللحظة... والجسد قربي يختلج ويختلج... ربما أشعر وكأنني أودّ الهروب... لا أريد أي حقيقة كانت... بل أرغب بشدة أن أغمض... أن أصرخ عالياً: هذا حلم.. مجرد حلم مزعج.. كابوس ثقيل يجثم على صدري لكن اللعبة الموجعة ستنتهي... سيعلو الأنين.. ولن أستطيع حينها المتابعة... وسأعرف فيما بعد.. أن الموت هو الحقيقة الأقوى.. أن الحياة.. هي المازق الأكبر في الوجود... وبعد قليل.. سأكون وحيدة، وحيدة تماماً، وسيكون الجسد قربي... بارداً، متيبساً فارغاً... وسأبكي، سأبكي بشدة، تلك الروح التي تفرُّ من بين أصابعي... بعد قليل يا عمتي سيتلاشى الألم، سيتلاشى الحزن والحلم من ذاك الجسد المترقب، وتبدأ الهجرة في الدرب الطويلة المفتوحة، ويبدأ التكون من جديد، وعلى أرض الولادة العظيمة، سيحط الطائر المهاجر... ***** ما زال النبض المتقطع يسري في جسدي، ينتقل كقطرات ماء ثَلِجة من العروق المهترئة إلى عروقي... سكون يغمر المكان، ومن بعيد يأتيني صوت الرياح الأزلية.. يتسلل من بين الستائر... وأشعر قلبي زهرة برية متجمدة... أحسُّ شيئاً ما يتحول، ورائحة قُدسية محزنة، تفوح في الغرفة...تنتفض اليدان، وتهويان باستسلام في راحتيْ.... إنها الحقيقة... إنها الحقيقة الآن بين هاتين اليدين... لم يبقَ إلا الجسد........ أفتح أجفاني ببطء... لقد انطفأت العينان.... وغاب كل شيء... بين يدي... ضممت حفنة التراب... وبكيت فوقها طويلاً..... طويلاً جداً..... 15/8/1997 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |