|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 02:12 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
أنا وجدِّي قبضته الباردة تمسك يدي بشدة... نعم أشعر بنبضات قوية تسري في عروقه... ما زالت خطواته الواثقة، كخطوات شاب، وفي نظراته تبرق أشياء كثيرة لا أستطيع اكتشافها.... أنا وجدي لانكاد نفترق. كل مساء نخرج سوية... نتمشى على الدرب الموصلة للمدينة، نتدحرج، من بيتنا المرمي على سفح التلة، وتغوص أقدامنا في الطين بنشوة، نتوارى بين أشجار الحور العالية لدقائق، لتنفتح الطريق الواسعة أمام عينينا بهدوء... ونكمل مسيرنا المعتاد... جدي ليس إنساناً عادياً.... نعم...شعره الثلجي... وجهه المضيء، عيناه الصافيتان... يجعلانني أظن دوماً أنه قديس... أو ربما أسطورة قديمة فرت من زمنها.... كل يوم نسير ونسير... تأخذنا أحاديث عدة، يحكي لي الكثير الكثير، تومض عيناه وتجتاحني ذكرياته القديمة.... عدت اليوم متعبة من المعمل... رمتني الحافلة على إحدى المفارق... صعدت السفح... عابرة الطريق الوعرة المزروعة صخوراً وشوكاً برياً أبيض، لألج الحارة الضيقة... بيوت قديمة، أصوات أطفال مزعجين، أسلاك كهرباء متشابكة رائحة برغل عفن، كلها أشياء اعتدت عليها، وأصبحت أفتقدها كلما عدت متأخرة إلى البيت.... فتحت باب الدار، لفحني دفء رقيق في الداخل... كان البيت مظلماً تقريباً، وأمي كانت مازالت تعمل هناك في بيت أحدهم في المدينة... سمعت صوت جدي ينادي: زينب... هل عدت؟؟ ـ نعم، نعم يا جدي.. ـ اصعدي إذاً... جدي يجلس دوماً على السطح، حتى في أيام باردة كهذه، يستهويه الأفق والضباب الحالم، لم يكن يرغب أبداً في الجلوس داخل الدار، حتى عندما تأتي الكهرباء ويصبح بإمكانه الاستماع للمذياع... يمضي ساعاتٍ طويلة هناك... يطل من سطح بيتنا على البيوت الفقيرة، على أشجار الحور التي تلوح من بعيد... حيث يبرق النهر بجسده الفضي ثم يختفي فجأة... ويستسلم لذكريات قديمة... قديمة... صعدت الدرج المؤدي إلى السطح، جلست قربه.. نظر إليَّ بدفء... ـ كيف حالكَ اليوم؟ ـ لابأس... متعبة قليلاً.... ـ لابد أنه كان لديكم عمل كثير... مسكينة يا ابنتي، يوم بارد... انظري الغيوم في البعيد هناك.... إنها تنبئ بثلجة...إيه..عندما كنا صغاراً كان الثلج يرتمي من السماء أبيض رقيقاً... يغطي الدنيا... يفترشها بجنون..... لا أدري لِمَ لمْ يعد الثلج الآن، حلواً ناصعاً كالسابِق... هل أكلت شيئاً. ـ لست جائعة. ـ إذاً تعالي لنتمشى قليلاً على ضفة النهر... أشرقت عيناه فجأة، أمسكَ يدي برفق، ونهضنا سويةً... نعم إنني متعبة بالفعل... لكنني لا أفوّت نزهة جدي أبداً... ومشينا تلفحنا الرياح الكانونية القاسية...إن جدي معتاد على الشتاء، كصنوبرة برية شامخة.. وأنا كذلك أحب الشتاء... أعشقه.... رغم أننا نستحيل في الشتاء فرائس ضعيفة... يلتهمنا الجوع والظلمة... والبرد القارس، جدي ينظر إلى الأفق البعيد ويتمتم:... إنه الشتاء.... التفت إليَّ وقال، "أتشعرين بالبرد؟؟".. ـ لا أدري... أعتقد ذلك.. ـ إذاً خذي معطفي هذا إنه دافئ جداً... ـ ولكن... أنت... بماذا سـ......؟ ـ أنا لا يهمني البرد، عندما كنا صغاراً... كان الثلج يغمرنا حتى ركبنا... وكنا نلعب كثيراً، نغوص في أعماقه ونتدحرج على بساطه الناعم... نعم أذكر يا ابنتي...أذكر تماماً كيف كنا نتسلق الجبل... ونقف على قمته... تطل علينا القرية.... كلحاف أبيض يغطي جسداً مرتعشاً... وهناك... حيث السماء قريبة جداً... نغني، ونصرخ، ونمد أذرعنا لنلمس الغيوم المحمرة... العابرة فوق رؤوسنا... ونصغي بنشوة لأصوات الضباع المتلوية من البرد هناك في مغاراتها الخبيئة... لا أذكر أنني كنت أشعر حينها بالبرد، كنت ألعب مع أولاد الضيعة... وننسى أي شيء آخر.... على كل لم يكن بيتنا أدفأ من البرية، كنا فقراء جداً يا عزيزتي... قال بانقباض.... ـ وما زلنا.... ـ آه... لا... الفرق شاسع جداً بين فقرنا وفقركم... اسمعي... لقد كنا نجوع، نجوع كذئاب برية، ولم يكن بوسعنا أن نأكل كلما نهشنا ذاك الشعور اللعين... لقد أغمي عليَّ مراتٍ عديدة من الجوع... نعم صدقيني، كنت صغيراً وألعب كثيراً أحاول أن أتناسى الكثير الكثير من الأوجاع والأشياء... لكنها في النهاية كانت تقهرني.... أتهاوى كدمية خشبية، يجرني رفاقي إلى المنزل، وتنتحب أمي وتضرب بكفيها وجهها البائس، لم يكن أبي قادراً على عمل أي شيء، اثنا عشر ولداً يسرحون في بيت تشاركنا فيه الدواب.... في كل موسم...كانت العربة الكبيرة تلف على البيوت ويترجل منها رجال.... بسياط أفعوانية بشعة... يأخذون كل شيء... المحصول والضريبة، ويتركون لنا ظلمة البيت، ودماءً باردة على ظهر أبي المسكين... ـ وماذا كنت تفعل؟؟؟ ـ لا شيء..... لا شيء أبداً، كنت طفلاً معدماً .... فقيراً... ضعيفاً حتى الموت.... دمعت عينا جدي الزرقاوين، كانت نظراته ما تزال مسمرة بالمدى، كأنها تبحث عن شيء ما تائه بين الغيوم المطلة كأشرعة ممزقة... مازالت يده الحارة تنشر الدفء في جسدي... وشعرهُ الأبيضُ يتناثرُ على جبهته بجنون.... ثم أردف: وكبرت... لم أعد قادراً على تناسي ذلك الجوع الضاري، وتلك الرعشات الباردة التي تنهك جسدي كل شتاء... هاجرت، تركت القرية، فررت إلى المدينة.... و....أعتقد أنها المرة المئة التي أذكر فيها هذي القصة المملة... ـ لا بأس يا جدي أكمل.... ـ لا شيء يستحق التكملة...أصبحت في السبعين من عمري.... تنهد بعمق.. وكأنني خلقت لأكون عشبة منسية نبتت في إحدى الحقول البعيدة.... لم أستطع تحقيق شيء... وأمضيت عمري باحثاً عن شيء ما لا أعرفه... أقاوم الفقر والجوع بضرواة.... وكما هم البشر....كبرت، تزوجت، أنجبت وقريباً، قريباً جداً سأختفي.... سأختفي دون أن أفعل شيئاً يستحق الذكر.... ـ أنت تقسو على نفسكَ يا جدي... ـ إنها الحقيقة... أعلم تماماً أن في داخلي كوناً، كوناً آخر واسعاً جداً.... لكنني لم أستطع تحريره... كنت أعاني فقط، ولا شيء غير هذا، صمت لبرهة حوَّل عينيه الزرقاوين إلى وجهي... وبدفء وجَّه إلي نظراته الهادئة ثم قال: الشيء الهام الوحيد... الذي قمت به في هذي الحياة.. هو أنكَ الآن هنا... بقربي... أُمسك يدكِ... وكأنَّكِ روحي الثانية، وكأنَّكِ امتداد لكوْنيَ الدفين... وكثيراً ما أشعر بالسعادة،.... لأنكِ لم تعاني ما عانيته أنا... ـ لكنني أعاني الكثير يا جدي... ـ تعانين؟؟ أنت تعانين؟؟ ومن ماذا تعانين؟؟ كنا قد اقتربنا من مشارف المدينة، وأخذت أضواءها اللامعة تتلألأ في قلب العتمة... أعاني... لاأدري ممَ أعاني... ـ أنت محظوظة يا ابنتي... ـ محظوظة؟؟!! نظرت إلى الأضواء المتوهجة الدافئة هناك... بشغف... لكنني كنت أعلم أن بيتنا البعيد البارد ينتظرني... دمعت عيناي... هل أنا محظوظة فعلاً نظرت إلى جدي بأسى. وعدنا أدراجنا بصمت بينما كانت الريح الباردة.. تنسل عبر شقوق ثوبي الأزرق المهترئ... 1995 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |