دوار- سماء سليمان

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:13 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مسارات التعب

عندما تصبح وحيداً، وحيداً تماماً، تأخذ كل الأشياء شكلاً مفرداً مؤلماً... دائرياً ربما؟ تأخذ هيئة أشلاء ضوء.... أو بقعاً متناثرة في كل الأرجاء..‏

تفقد الأشياء هيئتها الواضحة الصلبة... تسري كالهلام في فضاء أسود الانطباع، وفي إغماضة طويلة للعينين المتعبتين... تعود الذكريات كفراش محترق الأجنحة... تعود لتغمر وجهك، تحشو ذاكرتك وحدقتك التي عافت انقباضاتها.‏

كشعاع باهت، تخترق جوف القلب الرطب أشعرها... تتسلل.. ذكرياتي القديمة... تفتح البوابة التي طالما كنت أخشى الاقتراب منها. وتنبعث الآن كل الأصوات التي كنت أردمها خلال عشرين عاماً.... صوت أمي... أبي.. سعال جدتي... بكاء أختي الكبرى الذي لا ينقطع صوت الريح حين كان يهاجم نافذة غرفتي الصغيرة صوت كمان ابن الجيران الوحيد.‏

ثم تبدأ الصور رحلتها عبر مسارات خفية ضمن دماغي المتحجر تعود لتتدفق كدماء في عروق رأسي، تجاهد خثرات الألم التي توضعت في كل جزء من مخيلتي، ترتسم صورة بيتنا القديم؛ حي مفعم بألوان متناقضة، أبي وفي يده كتاب... أمي بثوبها القطني.... ابن جيراننا بيده نوتاته الكثيرة...‏

وأنا في بدلة فتوة عريضة... وشعري المهمل مربوط بلا مبالاةٍ إلى الوراء...‏

ثم.... ثم.... يتغير المسار، وكأن ذاكرتي تقطع الزمن، تفصد وقتاً فاسداً... وترمي به...... خارجي....... وتسير بسرعة ضوئية حيث..... عشت مع والدتي وأختي الصغيرة، وأختي الكبرى الحزينة دوماً....‏

سافر والدي.... بعيداً... وفجأة... بقينا أربع إناث نجتر ألماً مستمراً، فقدت أمي بريق عينيها، قصت شعرها حتى الأذنين، وصار العرق المر يتصبب دوماً من صدغيها..‏

وصرت أصطحب هدى... أختي الكبرى إلى جلسات المعالجة ثم أعود لأبكي مومياء وجهها الميت، أذكر كل شيء بتفاصيل مملة دقيقة متعبة... كل صباح ترتدي أمي ثيابها الغامقة، تبعث ندى إلى مدرستها وتبقى هدى سجينة الجدران المعتمة اللون...‏

أما أنا... فأنتظر انقضاء شطر من الليل... أتقلب في فراشي الشوكي ومع أول شعاع أخرج... أمشي حتى الجامعة... في درب طويل مختلف الطبائع... شجر متدلٍ... شوارع متقاطعة... محلات مغلقة... وجوه ما زال النعاس يصفر في أعينها... ذباب... نحل يحوم بلا هوادة قرب حديقة الزهر الأصفر... ثم أقطع كل هذا... لأسير في طلعة حادة تفضي في نهايتها إلى درب منبسط عريض، هناك حيث جامعتي...‏

وأكون دوماً أول الواصلين... أنتظر بعينين فارغتين... استيقاظ الحراس... يفتحون البوابة الحديدية... أدخل... أمشي... وعلى كرسي في حديقة غريبة... أجلس متعبة من مسير طويل... وحيدةً مطفأة التخيلات...‏

أتأمل كل شيء كما ينبغي أن يكون.... تعرجات الدروب أمامي.... الخضرة التي يتبدل لونها يوماً بعد يوم... الأفق المترع بالحزن... مسير النمل الشاق أصوات بعيدة.... وبشر لا أعرفهم قادمون من حيث لا أعلم...‏

تداهمني ذاكرتي... تخطفني حيث بيتنا... أنتفض ... أبتعد بجهد حيث اقتربت... لا أريد أن أذكر أي شيء... أنا متعبة... متعبة دوماً... ولدمعي تعب قديم... ورثته ربما من جدة جدتي.... من طرق جبلية وعرة... وحلّ وشمس حارقة.‏

يأخذ التعب!.. أبعادي (وككائن بشري) يكبر معي يوماً بعد يوم، يمد ذراعيه ضمن ذراعي... يفرّع أصابعه في أصابعي أشعر قدميه تجسان الأرض بقدمي... يتشعب في رأسي وعيناي السوداوان تصبحان انعكاساً لعينيه. ورغم أنه تعب.... لكنه رفيق حميم... لا يفارقني... يمسح وجهي يُسري النعاس في جسدي نتحاور دوماً ونبكي سوية...قدرنا الرمادي.‏

ـ لماذا خلقتُ تعباً لِمَ لمْ أُخلَق سحابة مثلاً... أو لوناً أو غصن شجرة...‏

ـ لا أعرف... لِمَ تسألنُي... لا أعرف....‏

لِمَ خلقتُ أنا بشراً... لِمَ لمْ أُخلقُ روحاً مثلاً أو قريةً أو نجماً بعيداً؟‏

ونمضي أزمنة من التساؤل... حتى صارت الدهشة وشماً.... وفي هويتي الشخصية... لون الشعر بني... لون العينين غائم.... الطول 162سم..... العلامات الفارقة: دهشة لا تفارق العينين. أحاول رسم شيء ما...‏

كل شيء صعبٌ... مؤلم...كنت أخشى تلك اللحظة التي أقترب فيها من المنزل... يجتاحني حزن مر.... وأبكي بحرقة.... وأنا أصعد السبعين درجة حيث يرقد بعدها بيتنا المطفأ...‏

أحاول رسم شيء ما غير الحزن على وجهي... أفتح الباب.... أمي مستلقية على حصيرتها القديمة تتنفس بجهد‍ إرهاقها اليومي، أختي الصغيرة تأكل.... وهدى هناك حيث مصدر الأنين. أقبل جبين أمي ببرود... وكالعادة تبسم لي بجهد تضع يدها على كتفي.... تتمتم: كيف حالك؟؟؟‏

ـ لا بأس....‏

أدخل غرفتي... حين أفتح الباب... تكون صورة أبي أول ما يقابل عينيَّ... صورة جانبية... نظرة ما زالت حية في عينيه... ظلُّ ابتسامة... وخلفية توحي بالعدم، في كل يوم كنت أفكر أنه لابد أن أنزع الصورة من مكانها، تؤلمني بكل مافيها، بكل تفاصيلها التي تولد يوماً بعد يوم بشكل غزير مداهم، وكأن والدي فيها يغير وضعياته..... ونظرة عينيه.‏

حاولت كثيراً لكنني لم أستطع، شيء ما كان يكبلني يبكيني ويمنعني....‏

وأجرر بقية يومي بين كل الظواهر المتعبة من حولي... أحتسي وأمي فنجان قهوة مسائية مرة، تحدثني عن أمور تصادفها في عملها كل يوم.... تحدثني عن هدى، اليوم أفضل، اليوم أسوأ بكثير... غداً تتحسن..‏

أما ندى... فكانت دوماً تفترش الأرض بصمت... بلوحات بوهيمية غريبة... وجوه بلا ملامح .... أفواه... زهور بأشكال أخطبوطية وشمس سوداء... كنت أعي شيئاً ما... لكنني لا أجرؤُ على التفكير ملياً... ولم أجرؤ يوماً أن أسأل طفلة سبعة الأعوام... لِمَ... ما قصدك؟... وهكذا.... وككل يوم.. كانت كل أيامي... وانقضت أيام الجامعة... لم أدرك كيف استطعت اجتياز مراحلها الصعبة...‏

في كتابي.... تتراكض الأحرف...تهرع بجنون... حيث تقذف نفسها في هوة لا مبالاتي المخيفة... وتبقى الصفحات بيضاء تماماً، تفتح ذراعيها لذاكرتي المجدبة اللون والحبّ والضوء....‏

وفي الصفحات يرتسم لي عالم آخر... أقل بؤساً... أسمع فيه صوت مياه... صوت حجل أو يمامة... صوت عالم خال إلا من الشجر والريح والفضاء المتسع ربما أرى فيه أمي بشكل أحسن حالاً، وفي بعض الحالات... تأخذ هدى موقعاً قصياً تحت شجرة تفاح على وجهها ترتسم علائم رضا... لا أعرف ماهيته... وهكذا.......‏

منذ أن سافر أبي... بعيداً.... أخذ الكون وجهاً آخر... ارتدى وجهه المظلم... غيّر قانونه... فصرنا نسهر في الليل، تبهرنا أشعة القمر.... وفي النهار نختبئ تحت عباءات هروبنا المتواصل... وأفكارنا التي لا تنتهي ونتخذ من الصمت رفيقاً، ومن البسمة المخنوقة وسيلة للتواصل مع البشر، ذات يوم قتل عازف الكمان... دهسته سيارة مسرعة.‏

في تلك الليلة... وتحت المطر خرجت. وأنا أشعر بأن لا شيء غير الفقد يبقيني على قيد الحياة وبكيت كما لم أبكِ يوماً... بكيت صوراً تنمحق في ذاكرتي... تغيب بسرعة... ويكبر فراغي الداخلي... يكبر ويكبر... يبتلع أحشائي كلها، رئتي.... أمعائي.... عروقي....... وأصبح كائناً هلامياً... مسطحاً غير معروف الهيئة، ويحملني التعب بين ذراعيه، يلقيني على مقعد متآكل في حديقة نائية... تنحني فوقي شجرة دلب... تنفخ في وجهي نعاسها الثقيل... وتحت مطر تشرين... أسلمت جسدي لألم آخر...‏

في كل مرة كنت أنتزع نفسي من الغيبوبة.... أقرر أن الحياة... مستمرة...أرى كل شيء قابلاً للتحول..... للتغيير... لكني وفي كل مرة كنت أهزم... وأركع على ركبتي تقديساً للهزيمة.‏

ومع الوقت... مع وقتي الكريه اللزج.... صرت أرى ما وراء العتمة... صرت أعرف ما الذي سوف يحدث دوماً في ذاك الدرب المعاكس للسعادة... أتوقع كل شيء... أرسم للقدر شكلاً محدداً، حقيقياً.... وكلما مددت جسدي في السرير... يرتسم لي الغدِ... وما يخبئه لي... لأختي المسكينة.... ولأمي المتغضنة الروح....‏

ولم أعد أنتظر الكثير.... كل شيء متوقع... معروف.... كل شيء كما لو لم يكن أي شيء...‏

ذات ليلة.... فيروزية... وأرق طويل....‏

أغلقت الكتاب... أطفأت أضوائي كلها.... واستسلمت مفتوحة العينين لنعاس قذر.... كنت أسمع صوت بكاء خافت... لم يكن شيئاً مستغرباً من هدى... لم يكن مستغرباً بأن يحفر صوتها كالدود في جسدي... وأبقى مكتوفة اليدين، أستمع بمضض لموسيقاها التراجيدية... لإيقاع شهقاتها المؤلم...‏

لكن الشهقات انقلبت فجأة صراخاً مؤلماً... ثكلاً شعرتُ بكل شيء يتشقق من حولي، يتهدم يتحطم... ما الذي حدث؟... هرعت إلى الغرفة المجاورة... كانت هدى تتخبط بين يدي أمي ورأسها المشجوج ينزف شيئاً غير الدماء... ينزف ربما شيئاً من روح... أو كينونة تلك الليلة... كانت مبدءاً لمرحلة جديدة... كنت أدرك أنها قادمة.... صارت هدى تتوقع هجوماً مفاجئاً كل مساء... من النافذة أو الأبواب أو الجدران.... صارت ترى شخوصاً غريبة تشاركها السرير والمقعد والمرآة... وينسج الهلع حولها شبكته الحديدية... يعترضها.... وبعد نوبة هستيرية ترتمي أرضاً كحيون جريح....‏

لم أعد أعي ما الوسيلة... أرى... أسمع... أفكر بصمت... دون حلول... دون منافذ. صارت العتمة دوامة صعبة المراس....‏

في العمل.... في المنزل.... كل ليلة.... كل صبح.... ومع كل صوت أتألم....‏

صرت لا أستطيع التطلع في الوجوه أو الشجر... واختفى صوتي تماماً... لم أعد قادرة على الكلام... كان وجهي كافياً ليروي كل شيء....‏

ـ حين قررت الرحيل لم أكن عابثة، لم يكن قراراً مفاجئاً.... كخروجي الهائم ليلاً من المنزل أو كمحاولتي الفاشلة الانتحار..... كنت أدرك أنه مخرج وحيد..... وأن معادلتي صعبة الحل، معقدة..... فرصة عمل جيدة... في بلد ناءٍ..... وفي غمرة حزن سديمية... وبصمت شديد.... وضعت قصاصة الجريدة على صينية القهوة... أمسكتها أمي بتردد.... وبعد ثوان كانت تجهش في بكاء مرير... وفي عيني بدا إصرار مكسور... وكانت تعلم بأنني لن أنثني عن قراري...‏

لملمت ما تبقى لي.... قبلت الجميع دون رغبة.... لم أنظر في وجه أحد... كنت أدرك صور الوجوه جميعها... بتقلصاتها وتشنجها وألمها المحموم... كنت أريد الرحيل دون أن تنطبع في ذهني صورة ملموسة أخيرة مؤلمة...‏

أدرت ظهري... كل شيء يأخذ شكل الغياب المجوف.... اللانهائي.... الزمن الدرب والليل... شرارات كهربائية تتصادم من حولي... هي كل الصور والأحداث كل الأصوات....‏

في اتجاهي الغائم حيث غيبوبة أخرى.... كنت أجتر لحظاتي كلها.... في عالم ضيق مترع حتى الثمالة باليأس....‏

وأردم مع كل خطوة يتقدمها قطاري القديم... أردم ورائي كل أثر يعيدني من حيث أتيت..... وكنت أيقنت أن رحلتي هذه.... هي قراري البطيء المحترق أن أرمي ما ورائي كلّه.... أن امحقه... أن أطمره تحت كثبان تجاهلي المستمر....‏

ولن أذكر بعد هذي الساعات.... أي شيء عن بيتنا... عن وجه أمي وأختي... عن صورة أبي التي ما زالت تنتظر أحداً ما يتأمل في قسماتها....‏

الآن... في عالمي الآخر القصي... غرفة مطلة على شاطئ حزين... أفق ملوث... طيور همجية تحلق في الأرجاء... صوت راديو مشوش ينبثق من الغرفة المجاورة... أغمض.... تنساب دموع حارة... الآن ما عاد شيء ليحشو رأسي.... ربما.....‏

كل الظواهر اختفت، كل الصور...‏

وابدأ الآن دورة وحدة جديدة... دورة عزلتي المجدبة.... دورةً دون ذكرى.... دون ماضٍ أو نظرة للأمام...‏

تنساب دموعي بحرقة... تحفر....وتحفر....‏

في آخر مرة نظرت فيها إلى المرأة... كنت أتوقع... كما توقعت دوماً... أني نسيت حتى ملامح وجهي....‏

دمشق - 20/8/2000.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244