دوار- سماء سليمان

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:13 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

دوار

منذ زمن بعيد، بعيد جداً، وأنا أبحث عن شيء ما لا أدركه...‏

شيء يؤرقني... يشغلني كسِّر عميق منسي.... أجد نفسي حائرة، تائهة في الأزقة أبحث وأبحث عن لون، عن رغبة، عن رائحة ما راودتني ذات يوم في الحلم، وما زالت عالقة هنا في داخلي.... وأتساءل دوماً: عن ذاك الشيء القابع في أعماقي؟؟؟ لم أدركه بعد... وأشعر بقوة أنني لن أستطيع إدراكه أبداً...‏

نعم... كل ما حولي مؤلم، مؤلم حتى الموت، تلك الظلمة المحزنة... ذاك الغبار الكثيف المحشو في الزوايا.... بيوت العناكب الخربة، صورة أبي القابعة هناك منذ.... لا أدري.... ربما أشعر وكأنها معلقة على الجدار منذ قرون....كل شيء مؤلم حتى الحلم، يداهمني بعنف، ينشر ذاك الضباب بقسوة، ويموج في داخلي كحالات انطفاء متواترة... وتعود الرائحة اللعينة... رائحة تلك البطاطا العفنة.... تقتحم جسدي لينبثق الغثيان. أشعر به يسير ببطء، يجتر داخلي، كأنني سأبصق أحشائي على كل ما يحيطني.... تعودني الأسئلة: هل ولدت كي أكون وحيدة، وحيدة تماماً.... وتكون أفكاري غريبة عن الآخرين وكذلك مشاعري التي لا أدركها؟؟!...‏

لكن أهل الحي يصفونني بالجنون، والخاطبة أم أمين تحمل صور جميع بنات الحي، وتدور بها على البيوت، لكنها لا تفكر أبداً بأن تحمل يوماً صورتي....‏

مجنونة!! كم هم أغبياء أولئك الناس... إن هذا يبعث نشوة غريبة في داخلي... كم أتمنى لو كنت كذلك حقاً... لو أنعتق تماماً من تلك الأفكار المتعبة التي تسحق ذاكرتي، من تلك التساؤلات المرهقة... التي لا تكاد تفارق رأسي، لو أدور في الحارات، مشعثة، بثوب فضفاض، فضفاض جداً، أغني، أرقص وأصرخ بأعلى صوتي، أهيم في الشوارع علني أخرج من تلك المقبرة اللعينة المعشعشة في داخلي، وأدور كجرم سماوي ملَّ مساره المعتاد....‏

ـ عندما هربت.. لم أكن حزينة على فراق أحد... إلى أين سأذهب لم أكن أعلم... خرجت دون وجهة دون هدف ومشيت هكذا... كحمقاء صغيرة لأكتشف أن كل الأماكن والوجوه متشابهة والشوارع كذلك وأنني ما زلت أدور في مكاني، نعم، وبدأ العالم يومها يصغر ويصغر... وهناك في البعيد اختفى المدى أمام عيني تماماً....‏

عندما هربت كنت أحلم وأحلم بذاك الشيء الذي لا أدركه، بشيء هائل، مشع، لكنني اكتشفت أشياء أخرى مؤلمة... كل شيء يتقزم، ينمسخ الوجوه، الأجساد والأصوات... وعادت تلكَ القيود اللعينة لتنمو كنبتات مجنونة، وينفتح السجن في داخلي من جديد... وذاك الخروج الذي بدأته، يخذلني، تخونني قدماي، وأعود ثانية من حيث أتيت...‏

يتصاعد الغثيان ويبدأ رحلته المضنية في عروقي، يعتصرني، يقلب أحشائي.... وفي‏

هذي اللحظة أفكر: لابد أنني قد جئت إلى هذي الدنيا خطأً... تنزل بي لعنة الإله... تحل بكل ما حولي، بالبشر والشجر والضوء....‏

شيء مؤلم، أن ترى اللعنة تحل بكل ما حولك، تتسرب داخلك، غثيان مقرف يجتاحكَ، يقهركَ طويلاً، وحزن غريب يعتريك....‏

(2)‏

لست أدري لِمَ تستعذب أمي سجنها الأسود وعباءتها القذرة... لم تمضغ بنشوة، تلكَ البطاطا العفنة وتستلطف رائحتها الغريبة تلكَ....!!!‏

ـ أرجوك يا أمي ابتعدي، ابعدي تلك البطاطا الملعونة من أمامي... عندما أشتم رائحة اللحم الفائحة من بيت جيراننا، لا أكاد أقوى على الحراك... أرجوك لا تحزني لكنني لن آكل البطاطا اليوم حتى ولو مت.....‏

وأحتجز نفسي في الغرفة... أتكبل.. ذاك الشعور المرير بالضعف، بالتقزم يكاد يفقدني صوابي، وأبقى في غرفتي كحيوان جريح.... أشتم كل شيء... السماء والأرض.... البيت وتلك العدالة العظيمة التي مُنَّ بها علينا وأرطم رأسي بالحائط.....‏

لابد لتلك الأشياء القابعة في جسدي القميء أن تخرج، أشعر بـ.... لا أدري..... بـ ضوء... صوت، شيء ما قوي كريح عاصفة، باردة، ثائرة....‏

أحاسيس لا يمكن البوح بها أو حتى إدراكها....‏

إنها مختلفة تماماً عن أحاسيس أمي وابنة خالتي وأحاسيس فاطمة أيضاً... أنا لم أعشق قط ابن الجيران... ولم أشعر بحزن كبير يوماً لأن ابنة أم أحمد أجمل مني بكثير... هناك شيءٌ مرٌّ يعتصرني، يلف الجميع ويرميهم في اللانهاية، بينما يبقى ذاك السواد المرير ممتداً بقسوة أمام عيني...‏

عندما لا تدرك ما يدور حولك، عندما تهيم عيناك، في اللانهاية وتجد جسدك معلقاً في فراغ غبي، فهذا لأنك وُجِدتَبصدفة خاطئة، خاطئة جداً..... وبدل أن تُزرَع في رحم التربة لتكون نبتة، أو في رحم الشمس لتكون نقطة ضوء تُحشَرُ في رحم امرأة، تطالعك حين تشبّ بغباء لا يوصف.. وبدل أن تكون كائناً يرغب في الامتداد، في الانتشار والعلو وتشرِّب المدى والضوء، تتحول إلى حيوان مسكين غير قادر على الخروج من سجن كهفه المظلم، من سجن جسده القذر.‏

آه كم أتمنى لو أصل إلى نهاية التحول؛ التحول إلى شيء ما آخر، ذاك التحول الممتع الغريب.‏

ألجأ دوماً لتلك الحيلة، وأنتظر دون طعام أو شراب يوماً، يومين، وعلى حافة الألم والجوع، أرى نفسي غارقة في زرقة باهتة، يتكور جسدي، يتململ، تتلاشى أظافري، تتحلل أجزائي كجناحي فراشة ميتة، وأدخل العالم الآخر، جاذبية عظيمة تشد جسدي للوراء، وأرى ذاك الضوء يلوح من بعيد، في عتمة مليئة بتلك الأشياء التي لم أكن أدرك. تتسلل الرائحة السحيقة إلى داخلي، ويبتعد الجسد، يغوص، أكاد أقترب وأقترب من الوصول....‏

وفجأة... يقف كل شيء... ويقذف الجسد ثانية من فجوة الذاكرة إلى السرير... يدي اللعينة تعتصر قطعة البطاطا وفمي يلوكَ شيئاً منها... إنه الضعف الذي أعيش، ذاك الضعف الغبي القذر...‏

أركض إلى القطعة اللعينة، أمضغها بتلذذ... يخرجني الجسد من غيبوبتي يشدني من ذراعي الضوء الذي طالما حلمت به، يعيدني للعتمة، ليملأ بطني بطاطا وقيحاً وغثياناً لعيناً...‏

بعيدة هي بقع الضوء التي بها أحلم، والجسد قريب جداً، ملتصق بقذارة... تلك الأحلام البعيدة، مصدودة دوماً، ملعونة....‏

وسجني الأسود، يبتدئ بالجسد، يكبر ويكبر ليستحيل الأفق كله سجناً مخيفاً يحاصرك، أنكفئ، فمي يلوك بتؤدة قطعة البطاطا، أحس شيئاً ما يدب في عروقي...‏

إنه وجع جديد يعود... أبتسم بأسى... قطعة البطاطا تعبر الفم، تهبط على مهل، لتستقر بهدوء في مكانها المعتاد، أغمض عيني، أشعر بدموع حارة تلتهم وجنتي، ويبدأ الغثيان دورتهُ الجديدة.‏

4/آب/ 1996.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244