دوار- سماء سليمان

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 02:13 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

حبي الأول

في بيتنا القديم، لم يكن العالم قد أخذ بعد شكله النهائي. كل الأشياء، كانت تبرق، تومض، تشعل الدهشة في عيني دوماً وتجعل من فراشي الضيق فضاءً تائه المسارات....‏

في بيتنا القديم، كنت أنسج عوالمي الأخرى أثواباً ملونة، معشقة بنبض الشمس برائحة المطر وصوت الريح....‏

وأغمض عينيَّ لأحلم بأرضٍ تقودني مع القوافل إلى الهند أو جزيرة يضمها الموج بعشق أو قرية خضراء، خضراء كالحزن، وبحرٍ... وكوخٍ بعيد... وليالي ألف ليلة.... و.....‏

آهٍ كم كنت أحلم، كم كان حلمي سهل المنال، وكيف كانت الإغماضة مفتاحي السحري لعالم آخر.‏

لم تكن لي غرفة خاصة.... كانت غرفة مستباحة تماماً مشرعة على الصالة، هناك حيث يقبع التلفاز والهاتف وبوابة البيت الرئيسية، حيث تجتمع الأمور المزعجة، لتفسد بسخف لحظات الخلوة، لكني لم أكن لأكترث.. في تلك الغرفة اخترعت عالمي الخاص... بيانو، مكتبة صغيرة مثقلة، كنبة أو فراش.. لوحات مبعثرة على الجدران... وجهة الغرب... تبسم نافذة.... نافذة حلوة... مفتوحة الذراعين تقودك بلهفة... حيث شجر الطريق... ودرب مليء بالبشر، تقودك حيث تصبح كل الأشياء قربك. لصيقة، وديعة ومنها ترتفع السماء، برقة، وخلف الأبنية المتناثرة... يناغشك قمر وديع متقلب الأهواء....‏

هناك أمضيت وقتي... بعيدة... نائية... تدوخني نسمات الخريف أرقب بشغف أول قطرة مطر تطرق الزجاج...‏

وكثيراً ماكنت أفتح نافذتي لتُملأ غرفتي بالليل... وفي السكون... ودون اكتراث.... أبدأ الغرف... شوبان... وقطعة ليلية بحزن هادئ تنساب... مفعمة.... بدفء العتمة..... أذرف دموعي.. ألج داخلي...علني أجد دليلاً واحداً عما عنه أبحث...‏

في ذلك الوقت كانت لي طقوسي. أجلس خلف الزجاج.... وأمضي وقتي أرقب حركة الغيم والريح وحركة السيارات والبشر المارين تحت نافذتي، وألتقط شرارة النظرات المتلاحقة، حركات الوجوه في استسلامها لنقاش... أو فكرة داخلية، أو درب ما يوصل حيث ترنو...‏

قرب نافذتي كانت الفصول تتبادل أدوارها وتمارس وقتها بتؤدة..... وتشف حواجزي مع الظواهر، أنخرط فيها كشعاع أو كنسغ. وأعيش مطر الشتاء... لون أيلول، لحن الربيع وصمت الصيف، يصبح قلبي حقلاً، غابة ربما أو مسحة ضباب...‏

إيه يا بيتنا القديم كم رسمت علىجدرانك خطوطي المجنونة... شجراً، وجوهاً، شمساً. طائرات زرقاً، وفتيات بثياب حمراء فاقعة....‏

في ذلك الحين، لم يكن سوى السحر هو سيد الأشياء...سيد المشاعر كلها وسيد الأفكار والحلم... وكان ينشر بعبث لونه الفضي في الأرجاء، ويمد غلالته الباهتة بيني وبين الحقيقة هكذا قضيت سنوات عمري الأولى، غارقة فيما وراء الزجاج، أسترق السمع والنظر والأحلام وانتظر.‏

وفي بيتنا القديم، كانت القصة الأولى... أول قصة ملونة، أول قصة ينبض فيها القلب نبضته البكر.‏

أذكر تلك الليلة الباردة... يحوطها شحوب غريب.... أضواء خافتة تعتري المكان، لم أعد أعي هل كان قمراً أم قناديل الطريق... والصمت يحوم حول الأشياء يطالع وجهي ويبسم....‏

لسعات البرد لم تكن لتبعدني عن النافذة، وشوبان صديقي آنذاك كان يتسلل من عروقي وأسمع صدى ألحان تتبعثر في داخلي، تنساب مع السكينة، تمنحني الدفء.. كان كل شيء خلاباً تماماً... خريف جميل يدور في الأحياء، يداعب أوراق الشجر، يصفر في ثقوب الجدران وعبر شق نافذتي الصغيرة... يلامس وجهي...يتصاعد اللحن أكثر.... وأطرق....‏

وكنت أنت.. أول ما التقته عيناي بعد إغماضة... قادماً من حيث لا أعلم... رأسك بنشوة موجه للسماء.... خطواتك المتهاودة تقبع حيث أجلس ويلفك الليل كغريب وحيد....‏

من هذا؟... من هذا الرجل الغارق في العتمة... المنتشي بعتمة الأرجاء... أتراه... أتراه... يشعر كما أشعر الآن... أتراه يتمتم لحناً أو أغنية ويخفق قلبه كطائر....‏

يا إلهي... إنه يتوجه للبناء المقابل، لابد أنه يسكن هناك... ترى أين؟.... كانت التساؤلات تنبعث من كل الاتجاهات... بينما أرى خياله يختفي في العتمة.....‏

وغاب... كما لو أنه لم يكن..... شيء ما شوشني أفقدني التركيز... غادر شوبان فجأة لترتسم في الداخل لوحة أخرى... رجل دون ملامح....يعانق ضباب الطريق....‏

للحظات بعد اختفائه، تملكني شعور مرير.... وحدة....خسارة.... حزن غريب... وكأني فقدت الآن ومضة.... أو مسحة عطر هاربة...‏

كنت أعلم أني لن ألتقي في هذه الليلة أو ربما بعد مئة ليلة رجلاً يضم السحاب بهذا الحنو لن أجد رجلاً يسكره الخريف وينشر هكذا وقع خطاه حتى قلبي...‏

وجلست أرقب بأسى اختفاء الأمور‏

.. يلتمع ضوء في البناء المقابل، غرفة بنوافذ زجاجية عريضة...‏

تضاءُ فجأةً.. وكما هي غرفتي...كانت تلك في الجانب الآخر من الشارع... وصرت أتطلعُ لذاك الشيء الذي التمع... ولم تكن سوى لحظات، وظهر رجل... وقف قرب النافذة وبنشوة رفع رأسه للسماء... إنه هو... هو ذاك الرجل... قفز قلبي... صرت أسمع ضرباته بقوة في داخلي... كان واقفاً يحوطه الصمت... بعيدٌ وجههُ، دون ملامح... لكن اتجاهاته مميزة....‏

كانت غرفتي المظلمة مسرحاً جيداً للتنقل، وصرت أقترب من الزجاج أكثر فأكثر... علني ألتقط شيئاً من ملامحه، لكن خيوط ضباب خفيفة، وفرع الشجرة تلك... منعاني من الوصول....‏

وصرت أتساءل... أوسيم هو ذاك الفتى....؟ لابد أن عيناه واسعتان... دهشتان... ذو ابتسامة حلوة...وهدوء يسود القسمات... آهٍ لو اقترب أكثر... لأتأمل من هو... أين كان غائباً ذاك الشبح الجميل... يؤنس وحدتي... يكون جزءاً من عالمي المفضل ليكون أولَ بشرٍ يطأ أرض لوحتي الملأى بالأساطير...‏

عيناي معلقتان في نافذته... أسمع أنفاسه من بعد... ألتقط نظراته الهائمة في الفضاء.... وأغزل منها حلماً جميلاً يرافقني... وهكذا بقيت طويلاً... لا أعلم كم من الوقت بقيت.... حتى اختفى الشبح فجأة... وانطفأ الضوء من بعيد....‏

كانت ساعة متأخرة... لم أستطع النوم... كنت أرقب الغد.... بشوق...علني ألقاه مرة أخرى في الثالثة عشر من العمر... تأتي الأمور فجأة.... تخلخل الكيان لون وردة ربما، أو صوت جميل... ثوب.... أو شخصية تقبع في كتاب....‏

كل تلك الظواهر كانت تشوشني حقاً وأبقى طويلاً أفكر... تقض مضجعي... تشعل في داخلي رغبة بالاكتشاف، بكسر القواقع بالنظر عن قرب وتأمل الأشياء....‏

وتختفي أفكار أو ربما تغرق في العمق... أهدأ بعض الوقت... وأنتظر شيئاً آخر يشعلني.... لكني كنت على يقين بأنك لن تختفي... فأنت هناك في الطرف المقابل... تقطن ذاك البيت.... وسألقاك دوماً فلا مفر...‏

وهكذا صرت أقضي الليل أقتفي أثرك... أستجدي الدرب أن يوصلك...‏

أنتظر، أنتظر دون ملل اقترابك السحري.... وقبل الثانية عشرة بقليل... كنت تصل، يداك مزروعتان بالمعطف، مطرق حيناً، تائه التوجه حيناً.. وحيناً مشدود للأعلى... وصرت أعيش حالاتك المختلفة، أشعر سعادتك... حزنك... خطواتك تكاد تقول لي من أين جئت وبِمَ تفكر..... ويرتسم في ذهني شكل لوجه محبب، لعينين لم أرَ مثلهما قبلاً.. لجبهة حلوة وللحظات... يكون مرورك قيامتي، يتغير نبضي، يتوه دمي عن شراييني، يدور رأسي وتجتاحني رغبة عارمة بالبكاء، لأنك الآن تسير حيث الظلمة تواقة لاختطافك.. وتلج باب البناء.. تغيب وتبقى عيناي معلقتان حتى يشتعل ضوء الغرفة... تتجلى... يلفك تعب يوم طويل... بتهاود تطل من النافذة... تستند، تملأ رئتيك بنشوة من الليل...‏

وكنت أقترب من الزجاج أكثر... آه ليتني أخترقه... ليتني أستطيع أن أتأمل وجهه، أن أسمع صوته يحادث الريح، وشعاع القمر... كانت نظراته تحوم في الأرجاء كفراشات تبحث عن ضوء حميم....‏

وكنت أعرف من حركاته المستسلمة... تصوره الساذج بأن لا أحد الآن غيره يرقب الأشياء، تدور عيناه وتدوران.. لتسقط نظرته فجأة حيث نافذتي ودون اكتراث.. تكمل النظرة دورتها الشغفة، وأبقى أنا... مسقط نظره وحيدة غير عابئة....‏

لم أجرؤ أن أشعل ضوء غرفتي يوماً... أن أقول له ذات ليلة... أنا هنا... كنت أخشى اكتشافي، وأبقى قابعة في مكاني أرقب... ربما لم أكن أرغب أن تلتقي عينانا بنظرة صريحة وأقول فلتكن كذلك عابرة سريعة خاطفة كنيزك... لا أريدها ثابتة، أخاف وقعها الناري في داخلي...‏

وهكذا.... كنت أقضي ليلي.. أنتظر... قلقة... يتخبط قلبي بانتظار مجيئك... كقديس مشع تطل... وأشعرك قادماً... أشعر الدرب، افترش ضوءاً خافتاً... لحن جميل يموج في الفضاء... وأسمع وقع خطواتك... ها أنت تسير حيث يقبع قلبي مشرعاً نحوك... مشدوداً حتى للون اقترابك لحركة اليد أو الالتفاتة وتبقى كأن نجوم الكون تمدك بريقاً وكأن قدميك تسبحان فوق الطريق... للحظات... لا تكون بشراً ربما كائناً من ريح أو مسحة شتاء قريب...‏

آه... أذكر كم بكيت...كم بكيت...حبي المبذول على التفاتة... كم بكيت وجهاً لم أعرف يوماً ملامحه... وكم بكيت أفكاراً مجنونة ساذجة.. بأن عينيك الحلوتين "ربما" مزروعتان في عيني صبية رقيقة....‏

وهكذا.. مرّ خريف..مرّ شتاء... مشبوب بكل مشاعر الكون.... تداخل صحوي باشتعالي... بانطفائي.. كان أول شتاء أشرع به قلبي للحظاته الأولى... أول شتاء يتسلل فيه الحب كالحلم ينتشر عبقاً في داخلي... يرسم صوره الحلوة في مخيلتي... يضم قلبي بحنو وينذرني للحظة أشعر بها اقترابه .‏

وفي الربيع.. كان أبي وأمي يحزمان الأمتعة... وبيتنا الجديد... ينتظر قدومنا... لا أعلم... كيف اقتلعت حينها من غرفتي... دوار.... دوار آنذاك لم يكن يفارق رأسي.... ونقلت إلى بيتنا الآخر... عنوة ... وبقيت طويلاً أجاهد حتى ألتقط أنفاسي... حتى استطعت التعايش في الظواهر الجديدة الغريبة...‏

وكنت... كنت تقترب في اليقظة... في الحلم... تبعث عيناك في داخلي طمأنينة الشمس وحقول القمح، وصوتك الذي أجهله.. ينبض في قلبي كوحي... كوقع بحر بعيد بعيد.... ولم يفارق عيني للحظة، مدىً يخيل لي أن نافذتك حدّه.... وأن وجهك قمره الوحيد وبقيت هناك.... قرب نافذتك.. وكأني تركت قلبي... وحزني وعشقي المجنون... بقيت هناك شبحاً... ينتظر دوماً اقترابك...‏

الآن... بعد سبع سنين.. لم أعد أنتظر ربما كما في السابق، دنو خطوة أو نظرةٌ أصبحت الأشياء "أكثر اتزاناً"... لكنني حين أذكر اليوم تلك القصة بشغف تدمع عيناي.. حين أعود للوراء طفلة.. تبكي احتراقاً للهفه حبها الأول...‏

تبكي وجهاً لم تدرك ملامحه... تبكي... قسوة العتمة... قسوة خوفها من ضوء يكشف اللهفة في عينيها... ورغبة مرّة أن تفتح الباب يوماً... وتهرع حيث تقف.... لتطالعك بحب وترمي بين يديك وردة أو ورقة خريف...‏

وما زلت أمرُّ قرب بيتنا القديم... كل شيء كما تركته... نافذتي... ألوانها... شجر الطريق... الرصيف... شباكه الحلو.. وعريشة صغيرة تعانق الزجاج...‏

أبتسم بحزن... إيه... إنها 9حبي الأول المزروع على زجاجه‏

عام 2000‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244