نظريات القراءة والتأويل الأدبي وقضاياها - دكتور حسن مصطفى سحلول

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Monday, April 26, 2004 02:22 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

2- القراءة تواصل مؤخّر!

2-1- شروط فعالية القراءة‏

إن أهم ما تتميز به القراءة إذا ما قارناها بالمحادثة الشفهية هو أنها تواصل مؤجّل إلى حين. فالكاتب بعيد عن قارئه في أغلب الأحيان. ويفصل بينهما الزمان والمكان معاً. ولنتخيل قارئاً من دمشق يقرأ اليوم رسالة ابن المقفّع (ت756) في الأدب الكبير.‏

والعلاقة بين الكاتب (المرسل) وقارئه (المتلقّي) هي علاقة غير متوازية البتة. ولهذه الميزة بطبيعة الحال نتائج هامة.‏

إن المحادثة الشفهية تتلافى الغموض أو سوء الفهم عن طريق إحالات دائمة وفورية إلى الوسط المكاني والمحيط الزماني الذي يشترك به المتكلّمون أطراف المحادثة. غير أن النص المكتوب يقع بين يديّ القارئ مقطوعاً عن وسطه المكاني بعيداً عن محيطه الزماني وليس يشترك القارئ والكاتب في شبكة واحدة من المرجعية. فما يُحيل إليه أحدهما يجهله الآخر. وعليه فإن القارئ يتكئ على بنية النص، أي على نسيج علاقاته الداخلية، كي يخلق السياق العام الضروري لفهم النص المقروء.‏

وبينما يعتمد الحوار الشفهي القائم بين شخصين مثلاً اعتماداً مستمراً على الموقف الذي يجمعهما بصفته إطاراً يتم فيه التواصل بين الطرفين المتحاورين، فإن القارئ يدرك النص وكأنه موضوع مستقل قائم بذاته مغلق على نفسه.‏

فحين يلتقي رجلان مثلاً ويقول أحدهما للآخر:‏

-ذهبنا أمس لبرزة ورأينا صاحبنا.‏

فإن الآخر يدرك فوراً ما المقصود. برزة المدينة أم ضاحية برزة أم سوق برزة أم مدرسة معينة في برزة الخ.. ويعرف كذلك وبدون تردد ما المقصود بفعل (رأينا). هل كانوا جماعة أم أن المتحدث يستخدم ضمير الجمع للدلالة على شخصه الفريد. وهل رأى الآخر رؤية العين حقاً وبالصدفة أم رآه عن عمد ليطلب إليه شيئاً يعرفه الطرفان. أم أن اللقاء هذا كان غير متوقع ("صاحبنا" هذا كان غائباً) وبالتالي فإن المتكلم الأول يعلن للآخر عن دهشته.. الخ..‏

وليست "الرسالة" الأدبية المكتوبة كذلك. فهي إذ تُقْطَع من سياقها تغدو نظاماً داخلياً مُغلَقاً ليس لعناصره المكوِّنة من معنى إلا من خلال علاقاتها المشتركة بعضها ببعض. وبما أننا لا نستطيع أن نحيل هذا العنصر المُكوِّن أو ذاك إلى السياق العام (الذي نجهله) فإننا نتلمّس وظيفته في قلب البناء العام الذي هو العمل الأدبي الذي نقرؤه. ويتم الأمر وكأن النص الأدبي ينشئ بالنسبة لقارئه نظام مرجعيته الخاص.‏

وخصوصية التواصل الكتابي هذه ليست مثلبةً أبداً.‏

إن الخطاب الذي تحمله الحكاية مقطوع فعلاً عن الموقف المرجعي الذي تضمن معرفته الكاملة والدقيقة أن يتحقق الفعل اللغوي على نحوٍ كامل. ولكن هذا النقص البيّن لا يقضي أبداً على خطاب الحكاية بالفشل ولكنه يشكّل نقطة انطلاق لإدراك ما يتميز به هذا الخطاب إدراكاً أفضل. فما قصور وعجزٌ في خطاب وظيفته الأساسية أن يخبر عن شيء ليس كذلك في الخطاب الروائي الذي يهدف كما نعرف إلى غايات أخرى.‏

2-2- مقام النص المقروء‏

يستمد العمل الأدبي ثراءه بالتحديد من خاصية التواصل المُؤخّر التي تميز النص المكتوب. وبما أن تلقي العمل الأدبي يحدث خارج إطاره الأصلي فإنه ينفتح على أكثر من تأويل ويقبل أكثر من تفسير. ذلك أن كل قارئ جديد يحمل معه تجربته الخاصة وثقافته الفردية وقيم عصره وهمومه وينظر إلى النص من خلالها.‏

وهكذا رأى بعضهم في نصوص الجدل دفاعاً عن آراء الشعوبية وأهل التسوية أو تفنيداً لها والذي قام بين الجاحظ وابن قتيبة (828-889) وسهل بن هارون في القرن التاسع إرهاصاً بالقومية العربية وبالفكر القومي كما ظهرا في النصف الأول من القرن العشرين. وهكذا وجد بعض معاصري أبي العلاء المعري في رسالة الغفران إعلاناً عن الزندقة وخبث طوية أعمى المعرة. بينما يجد بعض معاصرينا في النصوص ذاتها صوغاً لشك منهجي سبق الفيلسوف الفرنسي ديكارت (1596-1650) وتعبيراً عن نفسٍ معذّبة وقلقة.‏

إن المعنى في العمل المكتوب أكبر من الواقعة التي يقصها ويتجاوزها. بمعنى أنه يتحرر من صفة العرضية التي تميز الحديث الشفهي. فالكلمة تخرج من الشفتين ثم تختفي إلى الأبد. ولكن الكتاب ينقذ المعنى عن طريق أربعة أشياء.‏

فهو يصونه من الضياع عن طريق تثبيته كتابة.‏

وهو يعزله عن مؤلفه فيطلقه من نية الكاتب.‏

وهو ينتزعه من حدود موقف المحادثة الشفهية الضيقة فيفتحه على العالم الواسع.‏

وهو يرتقي به إلى الشمولية إذ يجعل له جمهوراً لا ينفذ من القراء على مرّ العصور.‏

إن هذه الصفات الأربع تُبرز بجلاء إمكانيات النص المكتوب الرائعة. فبينما يموت الخطاب الشفهي مع اندثار الصوت واختفائه، يظل الخطاب المكتوب قائماً على مرور الزمان. ولأن أبا عبيدة (728-825) والمفضّل الضبّي (ت780) وأبا عمر الشيباني (719-820) والأصمعي (740-828) قد جمعوا كتابة في القرنين الثامن والتاسع شعر طرفة بن العبد البكري الذي عاش في القرن السادس فإننا نصغي اليوم لنشيد الشاعر الجاهلي.‏

وإذ يفصم المكتوب الوشائج القوية التي تربط المتكلم بما يقول في موقف المحادثة الشفهية، فإنه يبيح للقارئ أن يرى في النص شيئاً آخر غير ما كان ينتويه كاتبه. وإن تنوع التأويلات التي تسمح بها مسرحيات شيكسبير (1564-1616) وتعددها يعود أساساً إلى أننا نجهل كل شيء أو نكاد عن شخصية المؤلف وحياته. وبما أن الكاتب ليس بعد بيننا فينكر علينا هذه القراءة أو ذلك التفسير فإن ميدان المعاني يمكن أن يمتد إلى غير نهاية!‏

وإذ ينفلت النص المكتوب من الموقف الخاص الذي تجري خلاله المحادثة الشفهية عادة والذي يحدّ منها فإنه يوسع أفق القارئ ويجعله مشرفاً على آفاق طريفة وعلى كون جديد. ومراجع هذا الكون الجديد غامضة وغائبة المعالم في أغلب الأحيان بالنسبة للقارئ فهو يجهل أكثرها أو أنه يراها على نحو مختلفٍ. فحين نقرأ اليوم كتاب الإمتاع والمؤانسة فإننا لا نكتشف في مسامراته دولة البويهين ولا أيام صمصام الدولة ولا وزارة أبي عبد الله الحسيْن بن أحمد كما كانت عليه تلك الدولة أو هاتيك الوزارة. وإنما سنكتشف فيها ما قد وصل إلينا منها خلال القرون العشرة التي تفصلنا عن مؤلّفها أبي حيّان التوحيدي (922-1023) أي مجموعة من الصفات المجرّدة التي عبرت تلك الأزمنة والتي يمكن لنا أن نشغلها رمزياً.‏

وإذ يستبدلُ النص العدد المحدود بالضرورة والذي يكوّنه المشاركون في المحادثة الشفهية بعدد يمكن ألا يتناهى من القراء فإنه يكتسب بعداً كونياً. وعليه فللقرآن الكريم وهو الكتاب تعريفاً قرّاءٌ من كل العصور، ومن كل أصقاع الأرض، ومن كل الأقوام على اختلاف منازلها.‏

إن انتزاع النص من سياقه هو، كما نرى، الشرط اللازم والضروري لتعدده.‏

2-3-هل كلّ قراءة مشروعة؟‏

إن لنا أن نتساءل، وقد رأينا ما يتميز به التواصل الأدبي على نحو خاص، إن لم يكن لكل الحق بأن يقرأ النص وبأن يؤوله كما يحلو له. وبما أنه يندر أن يُقرأ نص أخرج من سياقه كما أراد مؤلفه منه حين باشر في كتابته أفليس من المنطقي والأمر كذلك أن نعزف عن كل محاولة لاستخلاص نية الكاتب الأساسية وغايته التي أراد من مؤلّفه؟ أوليس من المنطقي أن لا نرى في النص إلا ما يحلو لنا أن نراه؟‏

لئن كان من الصعب أن نفرض تأويلاً وحيداً لنص ما فإنه، والحق يقال، يوجد معايير تثبت شرعية التأويل أو عدمها. وإن كان النص يجيز لنا قراءات كثيرة فإنه لا يأذن لنا أن نقرأ كما نشاء وكيفما اتفق حسب أهوائنا. إذ لو جاز لنا أن نقرأ ما نشاء في أي نص نشاء لتساوت النصوص جميعها ولاختفت الحدود بينها. ونحن نعرف بتجربتنا أن الأمر ليس كذلك البتة.‏

فلكي تكون القراءة مقبولة يجب عليها أن تلتزم بما يمكن أن نسميه بقاعدة التماسك الداخلي أي أن موضوعية النقد لا تقوم في اختيار مفتاح القراءة أو في انتقاء زاوية التأويل وإنما في تطبيق نموذج التأويل الذي يختاره الناقد تطبيقاً صارماً على كل النص المقروء.‏

ويمكن لنا أن نصوغ ذلك في ثلاث قواعد كبرى إن تمسك بها التأويل كان مقبولاً. يجب أن يكون من الممكن تطبيق شبكة التأويل أو نموذجه على مجموع العمل الأدبي وليس على بعض مقاطعه وحسب. ويجب أن تلتزم شبكة التأويل هذه بالمنطق الرمزي كما ظهر من خلال علوم التحليل النفسي. ويجب كذلك أن ينحو نموذج التأويل دائماً نفس الاتجاه. وبكلمة أخرى فإن التأويل يقاس بمقدار "صحته". أي ليس المقصود أن نستخلص من العمل الأدبي هذه الحقيقة أو تلك. ولكن المطلوب أن نتفحصه على ضوء "لغة" أخرى كلغة التحليل البنيوي أو لغة التحليل الواقعي أو الرمزي الخ..‏

وإلى مبدأ التماسك الداخلي هذا ينبغي علينا أن نضيف مبدأ التماسك الخارجي. فليس للقراءة أن تخالف شيئاً من المعطيات الموضوعية التي نعرفها عن النص وظروف تأليفه أو حياة الكاتب وعصره أو غير ذلك. فليس لنا مثلاً حين نقرأ الجاحظ ونؤول كتبه أن نتجاهل أنه كان معتزلياً وأنه عاصر المحنة التي قادها أصحابه حول موضوع خلق القرآن. وليس لنا أن نتجاهل حين نقرأ صدقي إسماعيل (إنطاكية، سورية 1924- دمشق1972) أنه كان مناضلاً بعثياً وأنه كتب رواية العصاة (1964) من خلال مفاهيم الحزب في الصراع ضد الاستعمار وتحليله للبنية الاجتماعية.‏

وعليه فليس لكل القراءات قيمة واحدة. وليس على التفسير أن يكون ممكناً أو محتملاً وحسب وإنما يجب أن يكون ممكناً أو محتملاً أكثر من بقية التفاسير الممكنة أو المحتملة.‏

فهناك معايير كذلك لتفضيل قراءة عن غيرها.‏

ولكن أكثر الأجوبة إقناعاً على مسألة التأويل وتعدد القراءات هو الجواب الذي يظهر من طريقة علم الدلالات في النظر للنص الأدبي. وهذا الجواب قائم على الواقعة التالية وهو أن النص يبرمج وإلى حد كبير كيفية تلقيه. أي أنه ليس باستطاعة القارئ أن يفعل بالنص ما يشاء ولا أن يؤوله كما يحلو له. فعليه نحو النص واجبات لغوية لا محيد عنها. وعليه أن يكتشف أحسن الاكتشاف التعليمات التي يتركها الكاتب منثورة هنا وهناك ضمن نصه. فإذا غابت عنه جميعها أو أكثرها أو أخل بها قاده ذلك إلى تأويلات خاطئة أو غير مقبولة.‏

وهناك مثل شهير على سوء التفاهم الأدبي هذا نأخذه من الأدب الفرنسي. فلقد كتب أوجين سو Eugene Sue (1804-1857) روايته المشهورة أسرار باريس وبدأ بنشرها على حلقات متسلسلة في عام 1842. وكان يتوجه بها إلى جمهور من القراء الميسورين ويهدف أن يقدّم لهم لوحات طريفة من أزقة باريس بغاية تسليتهم والترويح عنهم. ولكن بروليتاريا باريس فهمت الرواية على نحوٍ مختلف تماماً وتوهمت أنها إدانة شديدة لأوضاع حياتها البائسة وفضح لفقرها ودعوة سافرة للثورة.‏

وعندما أدرك أوجين سو أن عمّال باريس فهموا الحلقات الأولى من روايته على نقيض ما أراد حاول أن يقنعهم في الحلقات التالية أن معيشتهم ستتحسن بفضل الحركات السياسية الإصلاحية وعندما تمتثل الطبقة العاملة لإرادة الطبقات السائدة.‏

ولكن خطأ التأويل ظل قائماً وأدى إلى نتائج خطيرة. ولقد شوهد قراء أسرار باريس وهم ينصبون متاريس للثورة العمالية التي هزت العاصمة الفرنسية عام 1848. ولقد "تلاعب" قراء أوجين سو بنصه "وغشّوا" إذ قرؤوا رواية إصلاحية حقاً على أنها رواية تدعو إلى الثورة.‏

ليست القراءات كلها إذن مشروعة. وهناك فارق أساسي بين قراءة تستخدم النص أي تُكرهه على قول شيء ما وبين قراءة تؤول النص أي أنها تستجيب إلى ما يُبرمجه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244