نظريات القراءة والتأويل الأدبي وقضاياها - دكتور حسن مصطفى سحلول

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Monday, April 26, 2004 02:23 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثاني :القارئُ ووجوهُه المتعدّدة.

1-القارئ وأقنعته.‏

1-1-مكانة المتلقّي في عمليّة التواصل الأدبيّ.‏

هل نستطيعُ أن نحيطَ بعمليّة القراءة على عملنا بأن عددَ قرّاء نصٍّ ما يمكن أن يكونَ لا متناهياً؟. وبكلماتٍ أخرى هل يمكن أن نضعَ نظريّةً يكون القارئُ موضوعَها؟‏

وللإجابة على هذا السؤالِ ينبغي علينا أن نتفحّصَ بعنايةٍ مقامَ المتلقّي في عمليّةِ التواصلِ الأدبيّ. لقد درسنا في فصلٍ سابق ما يختصُّ به الخطابُ المكتوبُ. وقلنا بأن هذا الخطابَ يُنشِئُ بفضل المفرداتِ وعن طريقها فقط كون مرجعيّته وذلك بقدر ما تنقطعُ صِلاتُه عن الوسطِ الذي ظهر فيه إلى الوجود. وعليه فإن المُرسِلَ والمُتلقّي يكونان قائميْنِ في فعلِ الكتابةِ ذاته قبل أن يتجسّدا في شخصيْن ملموسيْن وواقعيّين.‏

إنّ الطرفين يزدوجان في التواصل الأدبيّ.‏

فمن جهة المرسِل، لقد صار من المتعارَف عليه أن نميّزَ بين الطرف الذي يخلُق النصَّ ويُظهِرُه إلى الوجود، ونعني بذلك الكاتبَ عينه، وبين الطرفِ الذي يظهرُ إلى الوجود مع النصِّ وينهض بمهمّةِ إعلانه، ونعني بذلك الراوي. فالذي يكتبُ ليس الذي يسرُد. ونحنُ لا نخلطُ البتّةَ بين شخص الكاتب توفيق الحكيم‏

(1898-1987) وشخصيّة موظّفِ القضاء الذي يروي لنا مشاهداته في الريف المصريّ رغم أنّ الرواية تقدّم نفسَها على أنّها مذكّرات نائب في الأرياف!‏

(1937).‏

وكذلك يتميّز الكاتب شكيب الجابري(1912-1996) ذو الحياة المعروفة والمدروسة بعنايةٍ والموثّقة في معجم الروائيين العرب للدكتور سمر روحي الفيصل عن راوي قدرٌ يلهو (1938) والذي لا نعرف عن حياته إلاّ شذرات مبعثرة هنا وهناك في أرجاء الكتاب.‏

فإذا شدّنا الفضولُ لمعرفةِ حياة الكاتب أو لمعرفة شيءٍ ضئيلٍ منها فلابدَّ لنا من تحقيقٍ وبحثٍ قد يكونان طويليْن وشاقيْن وجمعِ وثائقَ قد يكون بعضُها رسميّاً وقراءةِ مذكّراتٍ تركها المؤلّفُ نفسُه أو بعضُ معاصريه، وقد يضطرّنا الأمرُ كذلك إلى سفرٍ مُنهِكٍ وترحالٍ إلى بلادٍ بعيدةٍ لتقصّي آثار الرجلِ ومراحلِ أيّامِه.‏

ولكنّه يكفينا أن نقرأ الروايةَ لنلمَّ بكلِّ ما يمكن أن يُعرَفَ عن الراوي!.‏

إنّ الراوي هو إذن خليقةُ الكاتب وصنيعتُه وهو يتفرّدُ عنه بجنسِه وبمشاربه وبطبائعهِ وبمثُلِه الأخلاقية.‏

فراوي حماري قال لي (1945) على ذكائه وفطنته المدهشة ودعابته ينتمي إلى جنس البهائم، وليس كذلك بطبيعة الحال كاتبُ النصِّ توفيق الحكيم!‏

وأمّا من جهةِ المُتلقّي فهو في نفس الوقتِ قارئٌ حقيقي من لحمٍ ودمٍ ذو صفاتٍ نفسيّةٍ واجتماعيّةٍ وثقافيّةٍ تتنوّعُ حتى لا يكاد ينضبُ تنوّعُها، وهو كذلك شخصيّةٌ وهميةٌ يفترضُ وجودَها وجودُ الراوي نفسِه. فكلُّ نصٍّ يتوجّه بالضرورةِ لقارئٍ أي لمُتلقٍّ.‏

ومن خلال ما يقوله وبالطريقة التي يقولُها فإنّ النصَّ الأدبيَّ يفترِضُ دائماً نمطاً خاصّاً من القرّاء, فراوي إدوار خرّاط (1926) في رامة والتنّين أو ساردُ جبرا إبراهيم جبرا (1919) في رواية البحثُ عن وليد مسعود (1987) لا يتوجّهان إلى ذات القارئ الذي يقصدُه إحسان عبد القدوس (1919-1990) في أنا حرّة (1954) أو مثيله عند يوسف السباعي (1917-1978) في جفت الدموع (1961)!.‏

ويمكنُنا أن نستنتجَ من خلال هذه النصوص أن القرّاء الذين تتوجّه إليهم ليسوا جميعاً على ذات الدرجةِ من الثقافةِ النظرية ولا تشغلهم ذات الهموم وأن أعمارهم متفاوتةٌ.‏

كيف نصل إلى هذه النتيجة؟‏

إننا نستخلِصُ ذلك من خلال المواضيع التي يطرقُها النص الأدبي ومن خلال اللغةِ التي يلجأ إليها لمعالجة تلك المواضيع. ونستطيع كذلك بفضل هذه الإشارات أن نُظْهِرَ ملامحَ القارئ الذي يخاطبه الساردُ.‏

وعليه فإن المَروِيَّ له، شأنه في ذلك شأنُ الراوي، لا وجود له إلاّ في ثنايا الحكاية، وهو ليس إلاّ حصيلة الإيماءات التي تُنشِئه.‏

1-2-القارئ بصفته فرداً أو صورةً أو عضواً من جماعة.‏

إن ذهبنا من التمييز الذي رأيناه فيما سبق استطعنا أن نحصي الأشكالَ التي يتخذُها القارئُ أو الأقنعةَ التي يحملُها. فلنا أن نراه كفردٍ فذٍّ قائمٍ بذاته المتفرّدة أو كعضوٍ من جماعةٍ بشريّةٍ معروفةٍ أو كصورةٍ كامنةٍ من النصِّ يُنشئها النصُّ بوجودِه. ولنا أن ننظرَ إليه كجميع ذلك معاً وفي ذات اللحظة.‏

فلننظر الآن إلى القارئ الفرد المتميّز. إنّه لمن الصعب والحقُّ يقال أن نحيطَ بالقارئ حين نعتبره شخصاً محدّداً وذلك لأن ردودَ أفعاله أمام النصِّ الأدبيّ تخضعُ لأسبابٍ نفسيةٍ وأخرى اجتماعيّةٍ وثالثةٍ ثقافيّةٍ متنوّعةٍ تنوّعاً شديداً. ولكنّ علم التحليل النفسيّ، كما سنرى في خاتمة هذه الدراسةِ، قد يساعدنا على استخلاص بعض الثوابت الكامنة في القارئ.‏

ويمكننا أن نحيطَ بالقارئ، في ميدان التاريخ الجماعيّ، من خلال القومِ الذين ينتمي إليهم. فالقارئ الفعليُّ لا يرجعنا إلى الجماعةِ التي شهدت ظهورَ الكتاب للمرّة الأولى وحسب، ولكنه يُحيلُنا كذلك إلى كلِّ الجماعات التي مرَّ بها الكتاب منذ ظهر حتى وقع بين يدي قارئنا. وإن كان من المفيد أن نأخذ بالحسبان كلَّ هذه الأقوام القارئة فذلك لأن كلَّ قراءةٍ لنصٍّ ما تحمِلُ في ثناياها القراءات الماضية التي سبقتها.‏

ونحنُ ما كنّا لنقرأَ مقامات الحريري (1054-1122) على النحوِ الذي نفعلُه اليومَ لو أنَّ أبا العباس أحمد بن عبد المؤمن الشُريْشي قرأها قبلنا على نحوٍ غير الذي قام به. وكذلك فإن قراءتَنا اليوم لنجيب محفوظ (1911) لابدّ أن تأخذَ بعين الاعتبار ما قاله عنه الناقد جورج طرابيشيّ في الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزيّة (1973).‏

ولكن القارئ وقبل أن يكون ذا حقيقةٍ تاريخيّة ملموسةٍ فرديّةٍ أو جماعيّةٍ فإنه حالةٌ أو هيئةٌ أو صورةٌ تكمن في خلايا النصِّ. أي أنّه المرويُّ له المستتر الذي يتوجه إلي الحديث.‏

وصورةُ القارئ هذه التي يُنشئها النص لا يحدّدها نوعُ النصّ الأدبي وحسبُ (تفترضُ الرواية البوليسيّةُ قارئاً مُحققاً بينما تفترضُ القصةُ الفلسفيّة قارئاً ناقداً) ولكن يُحددها كذلك شكلُ التعبير الخاص بكل نوع أدبيٍّ. فكتاب طه حسين (1889-1973) في الشعر الجاهليّ (1926) لا يتوجّه بسبب لغته وأسلوبه على الأقل إلى ذات الجمهور من القرّاء الذي يهدِفُ إليه إحسان عبد القدوس في رواية لا أنام! (1956).‏

1-3-النصُّ وخارجه.‏

إن المحاولات السابقة للإحاطة نظريّاً بالقارئ تُظهِرُ للعيان أنّ حدوداً واضحةً تفصِلُ بين العالم الذي يُنشِئه النصّ وبين العالم الذي يقوم بنفسه خارج النصٍِّ. فهناك القارئُ الوهميُّ الذي يفترض النصُّ وجودَه ويحمِله في ثناياه وهناك القارئ الفعليّ الحيُّ الذي يُمسكُ بالكتاب بين يديْه.‏

ومن السؤالُ التالي. كيف نعرّفُ العلاقةَ القائمةَ بين القارئِ المُجرّدِ الذي يوجد بوجودِ النصِّ الأدبيِّ والقارئ الحقيقيّ الذي يأكل ويشرب؟.‏

والحق أن الجواب بسيطٌ. يجب أن ننظُرَ إلى القارئ الأول على أنه دورٌ يُقتَرَحُ على القارئ الثاني أن يقوم به. وأن باستطاعة هذا الأخير أن يرفضَ هذا الدور المقترحَ ويكفيه لذلك أن يُغلقَ دفتي الكتاب. وهذا ما يحدثُ عادةً حين تكون شقّةُ الخلافِ واسعةً بين الآراء التي يقترِحُ النصُّ على القارئ الفعليّ أن يتبنّاها مؤقّتاً خلال القراءة وبين ما يؤمنُ به القارئ فعلاً.‏

وعلى سبيل المثال فإنّ أحداً لا يقسِرُ قارئاً على أن يتبنّى نموذجَ القارئ الذي تتوجّه إليه سلسلةُ كرم ملحم كرم (1903-1959) ونعني قارئاً مشغولاً بالسبلِ المُلتويةِ التي تطرقها العاطفةُ المشبوبةُ التي تحسُّ بها فتاةٌ من أصلٍ وضيعٍ نحو شابٍ حسن الصورة فاء عليه القدرُ بالنعم وذلك قبل أن يلتقيَ الحبيبان في خاتمة الروايةِ لقاءً يسعدهما بلا شكٍّ ولا ريبٍ.‏

وكذلك يمكننا أن نطرحَ بعيداً عنّا دورَ قارئٍ تغلبُ نَزعتُه لعقيدةٍ معيّنةٍ وهو الدورُ الذي كانت تقترحهُ مثلاً روايات الدعاية الشيوعيّة والتي كانت تظهرُ عن دار التقدّم في موسكو بلغاتٍ عديدةٍ منها العربيّة.‏

ويغلُبُ أن يثيرَ ردّةَ الفعلِ هذه عند القارئ الحقيقيِّ ما يمكن أن نسمّيه بالحكايات "الخصامية". ونعني بذلك الروايةَ ذات البنية الثنائيّة التي توزّعُ أبطالها بين شخصيّاتٍ خيّرةٍ إطلاقاً وأخرى شرّيرةٍ إطلاقاً كذلك. وهذا النوع من الرواية لا يسعى إلى سوقِ القارئ سوقاً هيّناً لطيفاً إلى حقيقته المسبقةِ وإنما هو ينظرُ إلى القارئ على أنّه مؤمنٌ بتلك الحقيقةِ مسلّمٌ بصدقها قبل أن يشرعَ في القراءة أو هو ينظر إليه على أنه رجلٌ تميل به أهواؤه نحو أولئك الذين يحملون لواء تلك الحقيقةِ في الرواية أو يناضلون في سبيلها.‏

ونستطيع أن نطلِقَ على هذا النهج في الرواية اسمَ الإقناع بالانتقاء. فهو ينتقي، ومنذ مطلع الأمر، قارئه من معسكر بطلِ الرواية. فرواية الدعاية الشيوعيّة مثلاً تتوجّه إلى قارئ شيوعيّ أو يتعاطف مع الأفكار الشيوعية. وكذلك روايات الدعاية الإسلاميّة عند نجيب الكيلاني مثلاً فإنها تتوجّه إلى قارئ مسلمٍ أو يتعاطف مع الدعاية الإسلامية. ويجد القارئ نفسه بالتالي، وبحكم بناء الرواية نفسه في معسكر الشخصيات الإيجابيّة ذات الأعمال الحميدة.‏

فحين يعتبر يحيى حقّي (1905-1992) في رواية قنديل أم هاشم‏

(1944) كأمرٍ مسلّمٍ به أم البطلة الإنجليزيّة ماري تجسّد في ذاتها كلّ سيّئات الغرب ليس لسبب إلاّ لأنها أوروبيّةً، أو حين ينظر زكريّا تامر (1926) في دمشق الحرائق (1973) أو في النمور في اليوم العاشر (1978) كأمر بدهيّ أن مهنةَ الشرطيّ أو رجلِ لأمن أو نشاط المسؤول كافيةً بذاتها لمسخِ الشخصيّة القصصيّة أو لأن ينظر إليها القارئُ على أنها سخيفةٌ أو مُهينةٌ أو آثمة، فإنَّ من حق القارئ أن يرفضَ الدور الذي يقترحه عليه يحيى حقّي أو زكريّا تامر.‏

ثمة نصوصٌ يصعبُ الدخولُ إليها حقاً ويندرُ أن نقرأها من "الجلدةِ حتى الجلدة".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244