|
||||||
| Updated: Monday, April 26, 2004 02:23 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
2-في البدء كان المَرويُّ له. 2-1-أهو نظيرُ الراوي؟. لقد اقترحَ تعبيرُ المرويّ له أو المسرود له للإحاطة بفكرة القارئ الكامن في ثنايا النص. لقد عرّفه الناقد الفرنسيُّ جيرار جينيت Gerard Genette على النحو التالي فقال: "إنّ المَرويَّ له، مَثله في ذلك مَثل الراوي، هو واحدٌ من العناصرِ التي تكونُ الموقفَ القصصي. وهو يشغلُ بالضرورة ذات الموضع السردي. أي أنّه لا يختلطُ مع القارئ حتى حين يكون مُضمراً كما أنّ الراوي لا يختلطُ مع الكاتب.". إنّ من الصعبِ علينا أن نقبلَ بهذا التعريف كما صاغه الفرنسيُّ وذلك بسبب كلمة مُضمَر. فإن وافقناه على أنّه من الضروريِّ أن لا نخلطَ بين المَرْويَّ له، بصفتهِ واحداً من أطرافِ النصِّ وبين القارئِ الحقيقيِّ فإننا لا نرى بوضوح ما يُميّزُ القارئَ المَرْويّ له عن القارئ المُضمَر الذي يفترضه النصُّ. ويبدو أن جينيت يُميّزُ بين نمطيْنِ اثنينِ من المسرود له تماماً كما يفعلُ بخصوص الراوي. فهو يأخذ تارةً بعيْنِ الاعتبار عمليّة التواصلِ الخارجية (أيّ نشاط القراءة ذاته وفيه تكون الحكايةُ المسرودةُ هدفَ القراءة وموضوعها) وتارةً أخرى يدرسُ عمليّة تواصل "داخليٍّ" تتجسّدُ في الحكاية المسرودة فهي إذن جزءٌ منها، كما يحدث على سبيل المثال حين تتبادل الرسائلَ شخصيّتان أو أكثر من شخصيّات الرواية. وعليه فإننا نعتقد أنه من الملائم أن نُميّزَ بين مَرويٍّ له داخلي (أي داخل الحكاية) وبين مرويٍّ له خارجيٍّ أو غريب (أي غريب عن الحكاية ويقوم خارجها). ففي رواية شكيب الجابري قدر يلهو تكتب إيلزا بطلةَ الرواية رسالة لعلاء شخصية الرواية الأساسية، وكذلك في رواية سهيل إدريس (1922) الحيّ اللاتينيّ (1953) تكتب الفتاةُ الفرنسية جانين عدداً من الرسائل لسامي بطل الرواية خلال زيارته لبيروت ويكتب لها بدوره. ولكن المرويّ له الداخليّ (علاء أو سامي أو جانين) هو دائماً واحدٌ من شخصيات الرواية ولا يُغيّرُ من ذلك شيئاً أن يكون شخصيّةً قارئةً! وليس على شيءٍ من ذلك المسرود له الخارجيّ. فهذا ليس شخصيّةً من شخصيّات الرواية ولا يتدخّلُ في أحداثها. إنّه صورةٌ وهميّةٌ مُجردةٌ هي صورةُ القارئ الذي يتوجّهُ إليه كلُّ نصٍّ بالضرورة ويفترضُ وجوده. وعليه فإننا نستطيعُ أن نقولَ بأنّ المَرويّ له الخارجيّ يتطابق مع ما سبق لنا أن أسميناه القارئ الضمني أو المضمر، بل إنه القارئُ الضمنيُ ذاته. وإذن فالراوي والمَروي له الخارجيّان عن النصّ والغريبان عن الحكاية هما تعبيران "نصيّان" يُكمِلُ أحدهما الآخرَ ويضمنُ وجودُ الأوّلِ وجودَ الثاني. إنهما هيئتانِ مُجرّدتانِ تظهران من بنية الحكاية ذاتها. وعليه فإن من واجبنا أن نفرّقَ في رواية الطيب صالح (1929) موسم الهجرة إلى الشمال (1965) من جهةٍ بين مصطفى سعيد الذي يكتب للراوي ومدام روبنسن التي تكتبُ إليه كذلك بخصوص مصطفى فهم جميعاً رواةٌ داخليّون ومَروي لهم داخليّون، أي أنهم جميعاً شخصياتٌ روائيةٌ تعيش في عالم الحكاية. ومن طرف آخر بين تلك الجهة المُجرّدة التي تُنشئُ تلك الشخصيات جميعاً حين تبني النصَّ كما تبنيه (أي الراوي الخارجيّ) وهي تتوجّه إلى قارئٍ مضمَرٍ تفترضُ أنّ هذه الحكايةَ ستثيرُ اهتمامه وربما ستبعث فيه شيئاً من المتعة (ونعني المَرويّ أو المسرودَ له الخارجيّ). ولكن من هو هذا القارئ الضمنيّ؟ ما هي سماتُ المرويّ له الجوهريّةُ والتي تنطبقُ على كلّ قارئٍ مستترٍ في كلّ نصٍّ قصصيٍّ على الإطلاق؟ إذا طرحنا بعيداً الصفات الخاصّة التي تنسبُها بعضُ النصوص أحياناً لقارئها (كأن يخاطبُ النصُّ تحديداً شخصاً معيناً) فإنّ المرويّ له الذي يولد مع النص نفسه وبمجرد خروج هذا الأخير إلى حيّز الوجود يتصفُ بصفاتٍ بعضُها إيجابيٌ وبعضُها الآخرُ سلبيٌّ. وأمّا صفاتُه الإيجابية فهو ذو عددٍ معينٍ من الكفاءات. وهو ليسَ يُتقنُ لسانَ الراوي ولغَتَه وحسب (فكلُّ حكايةٍ تفترضُ أن قارئها يفهم الأداةَ اللغويّةَ المستخدمةَ) ولكنّه يُظهِرُ كذلك بعضَ المهاراتِ العقلية. فهو مثلاً ذو ذاكرةٍ لا تهن أبداً تجعله قادراً في الصفحاتِ الأخيرة من روايةٍ مؤلّفةٍ من مئاتِ الصفحات على تذكّرِ ما جرى في صفحاتها الأولى. وهو يدركُ كذلك قواعدَ السردِ وخليقٌ بقبولِ مسلّماتها والرضى بنتائجها. وأمّا ما يميّزه سلباً فإنّه لا يتقنُ من القراءات إلاّ القراءة "الخطية" الأفقية، وليست له أيّة هوية نفسيّةٍ أو اجتماعية، وهو عارٍ من كلّ تجربةٍ أو حسٍّ سليمٍ. وتُنشِئ كلُّ حكايةٍ مسرودها الخاصّ بها أو مَرويّها بأن تُعدّلَ من هذه الصفةِ أو تلك من مجموع الصفات الأصليّة المشتركة تعديلاً لطيفاً أو شديداً. 2-2-وجوهُ المَرويّ لَه الثلاثة. إنّ مضمونَ مفهومِ المَرويِّ له يتغيّرُ إذن إن تمَّ الحديثُ عن مستوى الحكايةِ (أي عن النصِّ كنصٍّ) أو جرى النقاشُ حول الأحداث المرويّةِ. ولقد اقترحَ الباحثونَ أنماطاً عديدةً للإحاطة بهذه المتغيّرات. وبإمكاننا أن نميّزَ بينَ أنواعٍ ثلاثةٍ من المَرويٍّ له. فهناكَ أولاً المرويّ له أو المسرودُ له والذي هو في نفس الوقت شخصيةٌ روائيّةٌ. وفي هذا النمطِ يشتركُ المَرويُّ له في أحداثِ الحكاية المسرودة. وهذا النموذج يطابق ما رأيناه عندما نظرنا فيما أسماه جينيت بالمَرويّ له الداخليّ. ففي مجموعة عبد السلام العُجيليّ (1918) الخيلُ والنساء (1965) نجد قصّةً بعنوان ثلاث رسائل أوربيّة. وفي الرسالةِ الأولى تكتبُ الراويةُ أدنا إلى مروان (المَرويّ له) فتحدّثه عن ذكرياتها وعن حياتها الزوجيّة وعن حادثةٍ أليمةٍ جرت لها خلال زيارتها لباريس أبّان حرب التحرير الجزائريّة. (عاملٌ جزائريُّ يتحرّشُ بها ثم يبصقُ في وجهها). وتتغيّرُ الأدوارُ في الرسالةِ التاليةِ فيُصبحُ مروان هو الراوي والسيّدة الألمانيّةُ هي المَرويّ له. وفي الرسالة التي يكتُبُها مروان يفضحُ ما رآه تعبيراً عن عُنصريّةٍ مفاجئةٍ في رسالة أدنا ثم يصفُ مظاهرةَ شَهِدَها في أحد شوارع باريس يوم 17 تشرين الأوّل عام 1961 ويذكر كيف قمع البوليس الفرنسيُّ مظاهرةَ الجزائريّين بشدّةٍ بالغةٍ. وتتغيّرُ الأدوارُ تارة أخرى حين تكتبُ أدنا (الراوي الآن) إلى مروان (المَرويّ له حاليّاً) فتعتذرُ عمّا كتبته وتتمنّى له إقامةً سعيدةً في أوروبّا. إنّ هذا ما تتميّزُ به على وجه الدقّةِ رواية الرسائل. إنّها تبني عقدتَها وتدفع قُدُماً بأحداثها عن طريقِ رسائل تتبادلها الشخصيّاتُ الروائيّةُ فتُغيّرُ بذلك من موقِعها. فهي تَروي تارةً، ويُروَى لها تارةً أخرى. وأمّا النمطُ الثاني فهو نمطُ المَرويّ لَه المُنادى. ونعني بذلك القارئَ النكِرةَ الذي لا هويةَ حقيقيّةً له، والذي يُناجيه الساردُ خلال مجرى الأحداث ويلفتُ اهتمامَه إلى هذه النقطةِ أو تلك. وهذا المَرويّ لَه المُخاطَبُ ليس شخصيّةً روائيّةً فهو لا يتدخّلُ أبداً في أحداثها ولا يُؤثّر في تطورها. ونحن نعرف مثلاً أنه كان من عادة جرجي زيدان (1861-1914) أن يلجأ في كثيرٍ من الأحيان إلى هذا النموذج. وهو يستخدمه ليُعلّقَ على هذه الصفةِ أو تلك من صفات بعضِ الشخصيّات الروائيّة أو لإيضاحِ نقطةٍ من أحداث التاريخ."وأنت تعرِفُ أنّ العباسييّن ينتسبون إلى..) أو "ولا ينسى قارئنا أنّ السلطان عبد الحميد قد تسنّمَ العرشَ في عام..." وفي أحيانٍ كثيرةٍ يستخدمُ جرجي زيدان المَرويَّ له المُخاطَبَ ليتحلّلَ من دراسةِ الشخصيّة الروائيةِ دارسةً عميقةً. "وأنتَ تعرفُ أيها القارئُ أنّ النساءَ من عاداتهن..". ونجد استخداماً آخر لهذا النوع على صيغةِ الجمع في رواية الطيب صالح موسم الهجرة إلى الشمال ومنذ سطورِها الأولى حين يبدأ الراوي بقوله: عُدت إلى أهلي، يا سادتي، بعد غيْبةٍ طويلةٍ..". ولكنَّ هؤلاء أيضاً مَثَلُهم مَثَلُ المَرويِّ لَه الفردُ، لا يفعلون في أحداث الروايةِ لأنهم ليسوا من سارديها ولا من شخصيّاتها وليسوا كذلك من قرّائها المُضمرين. إنّ آخر أنماطِ المَرويِّ له. هو ذلك المُنزوي جانباً أو المستتِر. وهو ليس موصوفاً في النصِّ ولا يحمِلُ اسماً ولا هويّةً، ولكنّه موجودٌ ضمناً من خلال الثقافة والقيم التي يفترضُ الراوي أنها موجودةٌ عند من يتوجّه إليه النصُّ. ونسوقُ مثالاً على هذا المقطعَ القصيرَ التالي الذي نأخذه من أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في كتابه البخلاء. "وزَعمتُ أنّ كسْبَ الحلالِ مُضمّنٌ بالإنفاقِ في الحلال، وأنّ الخبيثَ ينزعُ إلى الخبيثِ وأنّ الطيّبَ يدعو إلى الطيّبِ، وأنّ الإنفاقَ في الهوى حِجابٌ دون الحقوقِ، وأنّ الإنفاقَ في الحقوقِ حجازٌ دون الهوى، فعِبتُم عليَّ هذا القولَ، وقد قال معاوية: لم أر تبذيراً قطّ إلاّ وإلى جانبهِ حقٌّ مُضيَّعٌ. وقد قال الحسنُ: إذا أردتُم أن تعرِفوا من أين أصابَ مالَه. فانظروا في أيّ شيءٍ يُنفقُه.(1) هذه بعضٌ من الحججِ التي يسوقُها سهل بن هارون (بدء القرن التاسع) في معرض ردّه على بني زياد بعد أن ذمّوا مذهبَه في البُخل. ولن يفهمَ قارئ اليومَ برهانَ ابن هارون إن جهِلَ أنَّ معاويةَ المشار إليه هو معاوية بن أبي سفيان (توفي 680) مؤسّس الدولة الأمويّة وأنَّ الحسن هذا هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصريّ (642-728). وإن جهِل كذلك أن أوّلهما كان يرمز في الثقافة العربيّة السائدة أيّام الجاحظ إلى العظمة والثراء مع حُسنِ السياسة وأنَّ ثانيهما كان يجمع بين الفقه والزهد وأنَّ الاثنين معاً قد عُرِفا بالنظر الثاقبِ وقوّةِ العبارة. وإذن فإنَّ المَروي له المنزوي في كتاب الجاحظ كان لابدَّ له من أن يلمَّ بحدٍّ أدنى من الثقافة العربيّة السائدة في القرن التاسع الميلاديّ وهكذا يتضح لنا أنّ المروي له أو المنزوي هو عينُ المرويِّ له الخارجي الذي وصفه الناقد الفرنسيّ جينيت ، وأنّه النمطُ الوحيد من بين أنماطِ المرويّ لـه الثلاثة الذي نستطيعُ بفضلهِ أن نُحيط نظريّاً بعمليةِ القراءة. فالمَرويُّ له الشخصيةُ ينتمي فعلاً وحقاً إلى الحكاية، وليس المروي لـه المُخاطَب إلاّ مخلوقاً روائياً يستطيعُ القارئُ الحقيقي كلَّ الاستطاعةِ ألاّ يتماهى معه. فحين نقرأُ جرجي زيدان مثلاً نستطيعُ تماماً أن نطرحَ بعيداً عنّا الأسئلة التي يتوهمُ الساردُ أنّها أسئلتُنا حين يقول: "ولا شكَّ بأنّ القارئ يُريدُ أنْ يعرِفَ... ولا شكَّ بأنَّ القارئ لا يجهلُ.." والحقُّ يُقالُ فإنّ المرويّ لـه الخارجي بصفته دوراً يقترحهُ النصُّ على القارئ الحقيقيِّ هو أنموذجُ القرّاء المُفتَرَضينَ أو الوهميينَ أو المُجرّدينَ الذي تُحاولُ شتى النظرياتِ الأدبية أن ترسُمَ ملامحه وأن تُبرِزَ صفاته. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |