|
||||||
| Updated: Monday, April 26, 2004 02:23 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
4- القارئُ الحقيقيُّ. 4-1- التلقّي الملموسُ. إن قصورَ النماذجِ القائمةِ على مفهومِ المَرويّ له المُجرّدِ وعجزَها عن الإحاطةِ بعمليّةِ التلقّي قد دفعَ بكثيرٍ من الباحثينَ من أمثالِ ميشيل بيكار M...Picard إلى التخلّي عن فكرة القارئ النظري وإلى توجيه اهتمامهم إلى دراسة القارئ الحقيقيِّ ذلك الفرد المَخلوق من لحمٍ ودمٍ والذي يأخذُ بالكتاب بين يديه. وهؤلاء يعتبرون أن تلك هي الوسيلةُ الوحيدةُ التي تجعلنا نفهمُ قراءةَ النصِّ الأدبيِّ على نحو مفيد ويقولُ بيكار ناطقاً بلسان زملائه إنَّ مفهومَ القرّاء المُجرّدين كان بلا ريبٍ خطوةً علميّةً هامةً قادت البحثَ النقديَّ إلى الأمام. ولكن الإيغالَ في متاهاتِ المَرويِّ له المُجرّدةِ كالقارئِ القائم في النصِّ أو القارئ الضمنيِّ أو القارئ النموذجيّ وإلى غير ذلك من دقائقَ وتصوّراتٍ طريفة يبدو في كثيرٍ من الأحيان وكأنه هروبٌ خجولٌ من مواجهةِ حقيقةٍ شائنة. وهي، ببساطة، أنَّ للقارئِ الحقيقيِّ جسداً يعيشُ فيه ويقرأُ فيه كذلك. والقارئُ الحقيقيُّ ليس أبداً روحاً تائهةً تنفلتُ في سماواتِ الحكاية دون ما قيدٍ. إنّه إنسانٌ موجودٌ حقاً ينفعلُ بصفته هذه أمام النصِّ وأمام ما يقترحُه النصُّ من عواطفَ وأهواءٍ أو من أشكالٍ فكريّةٍ وعقائديةٍ. كيف نستطيع أن ندرسَ دراسةً مُثمِرةً رواية توفيق الحكيم عصفور من الشرق بدون أن نعملَ على اكتشاف الأساليب التي تأخذُ بعواطفِ القارئِ (وهو مخلوقٌ حيٌّ يتنّفسُ ويهتزُّ انفعالاً) فتُقحِمُهُ في عالمِ الرواية إقحاماً وتجعلُهُ مُتحفّظاً قبالةَ نوايا الكاتب؟. فالنفور الحقيقيُّ الذي يشعرُ به القارئُ حيالَ محسن، وهو نفورٌ يُبرمِجُهُ النصُّ الروائيُّ ذاته (إن كان على نحوٍ مقصودٍ أو غير مقصودٍ) هو الذي يجعلُ منه رمزاً للتسامي ولقوةِ الفكر. كيف نستطيعُ أن نُقدّرَ حقَّ تقديرها روايةَ جرجي زيدان أسير المُتمَهدي (1892) إن أغفلنا الجانبَ العقائديّ الكامنَ فيها؟ إنَّ القارئَ الحقيقيَّ مدفوعٌ على نحوٍ خفيٍّ، وراءَ سلسلةِ المغامراتِ الحربية التي تغصُّ بها الرواية ووراء قصّةِ الغرام الذي يربِطُ بطليْها، إلى قبولِ مشروعِ مصر الخديويّة وبريطانيا العظمى في احتلال السودان وبسطِ هيمنةٍ استعماريّةٍ غريبةٍ عليه؟. إن النظريّات السرديّة لا تكفي وحدها للإحاطةِ بكلِّ أبعاد النصِّ الأدبيِّ. وليس يكفي أن نُبرهِنَ على فعّاليّةِ البنيةِ القصصيّة. بل لابدَّ لنا بعد ذلك أن نستخلِصَ تأثيرَها على القارئِ المحسوس ويبقى الأمرُ طبعاً أن نعرفَ كيف نُحيطُ بهذا القارئ تحليلاً. 4-2- أطرافُ القارئ يقترح ميشيل بيكار في كتابه القراءة كلعبة أن نُميّزَ في كلِّ قارئٍ ثلاثةَ أطرافٍ أساسيّةٍ أو ثلاث جهات. فهناك الطرفُ القارئُ الذي يُمسِكُ بالكتابِ أثناء المطالعةِ ويحافظُ على العلاقةِ مع الوسط المحيطِ به. وهناك الطرفُ اللاواعي في القارئ والذي ينفعِلُ ببنى النصِّ الوهميّةِ ويستجيبُ إلى مؤثراته. وهناك أخيراً الطرفُ الناقِدُ الذي يصرِفُ عنايَته إلى إدراك تعقُّدِ النصِّ. وعليه فإن القراءة في نظام بيكار تبدو على أنّها علاقةٌ مُعقّدةٌ بين ثلاثة مستويات متباينةٍ في علاقتها مع النصِّ. وليكن المقطعُ التالي الذي نقتبِسُه من سيرة ابن هشام: "قال ابن إسحاق: وقد كان ثابت بن قيسٍ بن الشمّاس، كما ذكر لي ابن شهاب الزهريّ، أتى الزبير بن باطا القُرَظيّ، وكان يُكنّى أبا عبد الرحمن، وكان الزبير قد منَّ على ثابت بن قيس بن شمّاس في الجاهليّةِ. ذكر لي بعضُ ولَدِ الزبير أنه قد منَّ عليه يوم بُعاث- أخذه فجزَّ ناصيَته ثمَّ خلّى سبيلَه- فجاءه ثابتٌ، وهو شيخٌ كبيرٌ فقال: .."(2) ولدينا في هذا المقطعِ شاهدٌ على الانتقالِ الدائمِ بين المستوياتِ المذكورة. فهذا النمطُ من الكتابةِ الذي يُقدّمُ للقارئِ خبراً يُلحِقُهُ مباشرةً بخبَرٍ آخر يشرحُه أو يعدّل منه يعيقُ استكانةَ القارئِ للنصِّ ويعبِّئُ كلَّ طاقته. فإن كانت الجملةُ الأولى تنتمي إلى الوهم السرديِّ وتُبشِّرُ بمتعةِ الحكاية- كان الزبير قد منَّ..- أي أنها تقصدُ طرفَ القارئِ الذي يستجيبُ لنداء السردِ، وإلى الطرفِ الذي يأخذُ بالكتابِ بين يديْه، فإنّ تعليقَ ابن إسحاق- ذكر لي بعضَ ولد الزبير أنّه قد منَّ عليه يوم بُعاث- يتوجّهُ إلى طرفِ القارئ الناقدِ الذي يمسكُ بمجموعِ النصِّ المُعقّدِ وبعلاقته مع التاريخ. ويمكن أن نضرِبَ على ذلك مثالاً آخر نأخذه من موسم الهجرة إلى الشمال وخصوصاً الفصل السابع منها. ففي هذا المقطع يختلطُ خطابان ويتداخلان فيُؤثّرُ كلٌّ منهما في الآخر ويُظهِران بجلاء العلاقةَ بين أطراف القارئِ الثلاثة. فالهذيانُ المحمومُ تحتَ أشعّةِ الشمسِ الحارقةِ والصورُ المُلوَّنةُ لنساءٍ عارياتٍ والجملُ المُتألّمةُ على لسان نُسوةٍ تُعذّبهُنَّ الشهوةُ والإثمُ يبدو ذلك كلُّه تعبيراً عن الرعبِ الذي يجتاحُ الراوي بسبب جنونِ مصطفى سعيد وهولِ الرغبات التي أثارها. ومن شأن هذا كلّه إقلاق طرف القارئ اللا واعي. ولكن لقاء السيّارة الحكوميّة المُعطّلة وبها خمسةُ عساكر ثم قصّة المرأة التي قتلت زوجها توقفُ مؤقّتاً سيلَ الهذيان الذي يجتاحَ طرفَ القارئ الذي يُمسكُ بالكتاب ويعيه تمامَ الوعي طرفُه الناقدُ الذي يُدركُ أنَّ هذا المشهدَ إرهاصٌ بجريمة القتلِ الطقسيّةِ التي سترتكبُها حسنة بنت محمود أرملةُ مصطفى سعيد. ولكن تقسيم بيكار هذا، وعلى أهميّته، يُثيرُ بعض التحفّظات. فإن كان وجودُ الطرفِ الأوّلِ الماديّ أمراً لا ريب فيه فإن مفهومَه لا يُساعدُنا كثيراً على تحليلِ النصِّ بالمعنى الدقيق. ويصعُبُ علينا كذلك أن نقبلَ بمبدأ سلبيّة الطرفِ الثاني. ونرى أن هناكَ موقفاً مُتوسّطاً بين المُشاركةِ النقديّةِ في النصّ والاستجابة السلبيّة لنداءاته. ومن جهةٍ أخرى إن كان ما يُميّزُ الطرفَ الثالثَ في القارئ هو أنه يتّخذُ بينه وبين النصِّ مسافةً تساعده على النقدِ فإنه من الضروريّ ولا شكَّ أن نُنشئَ درجاتٍ في تلك المسافة. 4-3- أنموذجٌ يُستَكمَلُ؟ إن نظام بيكار الذي عرضناه فيما سبق ناشئٌ بطبيعةِ الحال عن طريقته العامة في تحليلِ النصِّ الأدبيِّ، أي الإحاطة بعمليّة القراءة بوصفها لعبة ذات قواعد. ولكن إن طرحنا بعيداً عنّا هذه الطريقة في التحليل ورغِبنا أن نحيطَ إحاطةً نظريّةً بمختلف الجهات القارئةِ لوجب علينا أن نعيد النظر في هذا النموذج. فنُهمل مفهومَ الطرفِ الأوّلِ القارئ ونهذّبُ تعريفَ الطرفِ الناقد. لقد سبقَ لنا ورأينا أن طرفَ القارئ الناقد لا يغيبُ عنه أبداً أن النصَّ هو بناءٌ يُبنى قبل أن يكونَ أيّ شيءٍ آخر. وكلُّ بناءٍ يتطلّبُ مهندساً. وعليه فإنَّ عينَ هذا القارئِ مشدودةٌ على الدوام إلى طيفِ الكاتبِ الذي يقودُه من خلال علاقاته مع النصِّ. ويُمكن أن يُنظَرَ إلى الكاتب بطريقتيْن. إنّ المؤلّفَ هو الجهةُ السرديّةُ التي أنشأت العملَ الأدبيَّ وهو كذلك الجهةُ المُثقفةُ الواعيةُ التي تسعى من خلال النصِّ أن تنقلَ رسالةً ما. وعليه فإننا نستطيعُ أن نعتبرَ أن الطرفَ القارئ ذو وجهيْنِ أو ذو شخصيّتيْن. فهو قارئٌ يلهو حين يحاولُ أن يُخمّنَ سياسةَ النصِّ السرديّة وهو قارئٌ مؤوّلٌ حين يسعى إلى فكِّ رموز الغاية التي يقصدها النصّ بأكمله. إن قارئَ موسم الهجرة إلى الشمال يتسلّى مع الراوي الأول ويحاولُ أن يتنبّأَ بخاتمة مصطفى سعيد وبمصير الراوي النكرة بينما يسعى إلى تحليل الرواية لاستخلاص ما تهدف إليه. إن سؤال كيف ستنتهي مغامرة مصطفى سعيد يرافقه باستمرار سؤالٌ آخر هو ماذا يُريدُ أن يقولَ لنا الطيب صالح من خلال سيرة بطله؟. وإذا كان طرفُ المشاطرةِ النقديّةِ في القارئ يُدركُ النصَّ من خلال صلتِه بمؤلّفه فإنّ الطرفَ اللاواعي الذي يستجيبُ لبنيةِ النصِّ الروائيّةِ يستوعبُ عالم الرواية بذاته ولذاته. وهذا الطرفُ من القارئ هو الذي يقعُ في حبائلِ الوهم السرديّ الذي يجعله يحسب، خلال فترة القراءة، أنّ عالم النصّ عالمٌ حقيقيٌ وموجودٌ حقاً. ولأنه ينسى طبيعة النصّ اللغويّة فإنه يُصدّقُ ما يُقالُ له فيه. وهذا الطرفُ هو الذي يجعلنا نتعاطفُ مع مصطفى سعيد ونثور لنهاية حسنة بنت محمود ونحسُّ صقيع لندن يدبُّ في أعطافنا. وينبغي علينا كذلك أن نضيفَ تأثير بعض دوافعنا الغريزية اللاواعية. فثمّة مستوى من القراءة يجدُ القارئ في بعض مشاهده صدىً أو انعكاساً لأحلامه الخفيّة ولهلوسته التخيّليّة. وعندها تنشُطُ علاقةُ القارئ مع ذاته وعلاقته مع لا وعيه. وليس انجذابُ القارئ لمشاهد العنفِ أو لوصف العلاقات الغراميّة إلاّ تنشيطاً آنيّاً لغرائزَ فيه أسكنتها التربيةُ والكبتُ. وكذلك النزوعُ إلى السلطة ومراكز القوّة التي تحرّك بعض الشخصيّات الروائيّة فإنها ترضي الرغبات الدفينة في القارئ. 4-4- الأسُس النفسيّة إنّ القوْلَ بأنّ كلّ قارئٍ يحملُ في تكوينه كقارئٍ أطرافاً أساسيّةً مُعيّنةً ثم العملَ على استخلاص تلك الأطراف وتحديد معالمها يفترضان أن جميع القراء يمتلكون عدداً من الثوابت النفسيّة المشتركة. وفي حقيقة الأمر فإنّه ليس من المُمكن أن نأمل بأن نحيط بعمليّة القراءة وأن نفهمَ إن غابت عنّا هذه المُسلّمة. إنّ كلّ إنسان يحملُ بالإضافة إلى صفاته الشخصيّة الفريدة الفذّة عدداً من الصفات العامّة الموجودة عند كلّ الآخرين. إنّ هذه الطريقة بتحليل نشاط القراءة تنسجم مع معطيات التحليل النفسيّ. ونحن نعرف مثلاً أن بعض مفاهيم سيجموند فرويد تفترض بالفعل وجود وقائع نفسيّة ثابتة تجتاز التاريخ ويعرّف التحليلُ النفسيّ مثلا الاستيهامات الأولى بأنها البنى التخيّليّة الوهمية النموذجيّة (الحياة في بطن الأم والمشهد الأصليّ والخصاء والإغراء) التي تُنظّمُ الحياة الاستيهاميّة لكلّ منا مهما كانت تجربتُه الشخصية. وإذ نعرّفُ القارئ الحقيقيّ على أنّه موضوعٌ بيولوجيّ وبسيكولوجيّ معاً فإننا نضعُ في متناول يدنا الأدوات اللازمة التي نحتاجها لتحليل تجربة القراءة تحليلاً دقيقاً. وإذا كان مفهومُ القارئ المُجرد يساعدُنا على فهم كيف يعملُ ظاهرُ النصّ فإنّ النظر إلى القارئ الحقيقيّ على أنه حامل لردود أفعال نفسيّة ولنزوات يشتركُ بها الناسُ جميعاً يساعدنا على فهم كيف يعملُ باطنُ النصّ. وبعد أن درسنا المروي له الخارجيّ، أي بعد أن رأينا كيف يتخيّلُ النصّ قارئه، علينا أن نحلّل الآن كي يتصرف القارئُ أمام الدور الذي يقترحه عليه النصّ. نحنّ نعرفُ مثلاً أنّ المرويّ لـه في رواية دوستويفسكي Dostoieveski الجريمة والعقاب يشهد أحداثَ الرواية من خلال زاوية راسكولنيكوف القاتل. فهو يطّلع بذلك على خبايا نفسه ويدركُ مقدار عذابه. ما هي نتائجُ هذه المعرفة الحميميةِ بذات القاتل على القارئ الحقيقيّ؟ ما هي نتائجُ هذا التفهّم لفعل آثمٍ يُدرَكُ من داخله ويُبرّرُ ولكنه يُرفضُ بلا ريبٍ في الحياة الواقعيّة؟ إنّ تحليل القارئ على أنّه موضوعٌ بيولوجيّ وبسيكولوجيّ يمكن له أن يُجيبَ على هذا النمطِ من التساؤلات. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |