نظريات القراءة والتأويل الأدبي وقضاياها - دكتور حسن مصطفى سحلول

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Monday, April 26, 2004 02:23 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
2-النص الأدبيّ من حيث أنه "برمجة"

2-النص الأدبيّ من حيث أنه "برمجة".

2-1-"عقدُ" القراءة

إن النص الأدبي "يبرمج" شكلَ تلقيه بأن يقترح على القارئ مجموعةً من القواعد العامة المتفق عليها وكذلك نقاطاً يلتزم بالعمل بها وبتطبيقها. وهذا ما أسماه النقّادُ "بعقد" القراءة.

ويُحدّد النصُ الأدبي على وجه العموم طريقةَ تأويله إذ ينخرط في نوع أدبيّ معين أو حين يتخذّ مكاناً له ضمن المؤسسة الأدبيّة الرسميّة. فالنوعُ الأدبي مثلاً يحيل القارئ إلى مجموعة من القواعد التي تواضع النقّاد على أنّها تميز هذا النوع عن غيره. فيثير هذا عند القارئ توقعاً معيّناً. ويجعله في حالة "نفسيّة"خاصة".

فهو قد يتقبّلُ أن ينهض ميتٌ من قبره في الرواية الخيالية وقد لا يجد غضاضة في أن يظهر جني من قمقم أو أن يطير بساطٌ يحمل رجلاً حين يقرأ حكاية شعبيّة من حكايات ألف ليلة وليلة ولكنه سينكر هذه الأحداث بقوة إذا وجدها أو ما يماثلها في الرواية الاجتماعية أو في الرواية الواقعية مما يكتبه عادة نجيب محفوظ! ولقد رضي القارئ السوري على سبيل المثال أن يبعث زكريّا تامر عمر المختار أو يوسف العظمة من قبريهما هجاءً للواقع العربي المعاصر في بعض قصصه الصغيرة الغاضبة. ولكن هذا القارئ سيستغرب كثيراً إن رأى سيّارة مثلاً في رواية جرجي زيدان (1861-1914) الحجّاج ابن يوسُف الثقفي (1902) أو رأى جبلة بن الأيهم يدخّن لفيفةً تبغ في سيد قريش لأن هاتين الروايتين التاريخيتين تتناقضان عندئذ مع حقيقة التاريخ الذي يقتضي نوعُهما الأدبي أن تلتزما بها التزاماً صارماً.

وقد يحدث أن يكون النص غامضاً أو يصعب تصنيفُه بين الأنواع الأدبية المعروفة أو أن يثير حيرة القارئ فعندها تتجه أبصارُ هذا الأخير نحو المؤسسة الأدبيّة وهيئاتها ينتظر منها أن "تفتيه" حول شرعية النص الأدبية أو أن تضمن له على الأقل انتماءه إلى الأدب، أيّ أنّه ينتظر منها شهادة "حسن سلوك" تمنحها لنصوص تثير ريبته وشكوكه. وهذا ما قامت به المؤسساتُ الأدبيّة العربيّة في العقد الخامس من هذا القرن حين ظهرت كتاباتٌ من نوع جديد لا تنتمي إلى ما كان يألفه القارئُ من الأنواع الأدبية ولا إلى ما كان قد تواضع عليه النقّادُ في ميدان الشعر "فأفتى" بذلك المجددون في الأدب وقبلتها المؤسساتُ وأسمتها شعر التفعيلة وأدخلتها في صنف الأنواع الأدبيّة الشرعيّة!

وهذا ما قامت به هذه المؤسساتُ كذلك حين ظهرت بعضُ الروايات التجريبية التي كانت تعتمد ما كان كتابها يحسبون أنه تيار التداعي أو تيّار اللاوعي، كنصوص إسماعيل فهد إسماعيل (البصرة العراق 1940) كانت السماء زرقاء 1970 والمستنقعات الضوئيّة 1971 والحبل 1972 "فقد أثارت حيرة بعض القرّاء وتحفظهم قبل أن تضمن الهيئاتُ الأدبيّة قيمة هذه النصوص الفنية.

والحق أن ميثاق القراءة ينعقد بين النص وقارئه في مكانين على الأقل، في فاتحة النص الأدبي ومطلعه أولاً وفي هامشه ثانياً.

وينعقد ميثاق القراءة ويظهر على نحو ضمني وغير مباشر في مطلع النص ومستهلّه. والأسطر الأولى من النص تحدد بشكل حاسم طريقة تلقيه.

فهناك: "حدثنا عيسى بنُ هشام: قال: "الشهيرة التي تستهل أغلبَ مقامات بديع الزمان الهمذاني (969-1007) وهناك قرينتها التي لا تقل عنها شهرة: "حدث الحارث بن همام: قال .." التي تفتح مقامات الحريري  (1054-1222) مع تنويعاتها حكى وروى وأخبر . وكلها تؤذن منذ مطلع النص بأننا نلجُ بفضلها باباً يقودُنا إلى عالم الكدية والمغامرة الهازئة بالأعراف والتقاليد الاجتماعية. وهناك كذلك "كان يا ما كان، في قديم الزمان.." التي تهمسُ بها جداتُنا حين يُدخلننا جوَ الحكاية الشعبية السحرية.

ولكن لمطلع النص وظيفةٌ أخرى. وهو غالباً ما يحدد ميدانَ قراءة النص. ولنعدْ إلى رواية علي عقلة عرسان  فهي تبدأ على النحو التالي:

"وقفتُ اليوم على سفح الجبل الذي ارتبطت به ارتباط جذر الشيح بالأرض ونظرت من فوقه باتجاه الشرق كما هي عادتي منذ أصبح الجبل الدنيا بالنسبة لي. كانت القرى والمزارع على مد النظر، منبطحة تحت مرمى ذراعي ككائن جريح.."(16).

فالكاتب يرمي بقارئه رمياً لا هوادة فيه في عالم واقعي تغشاه نزعةٌ عاطفية أليمة: رجلٌ ينتصب واقفاً على جبل يشرف على وادٍ كأنه حارس للأرض والسماء معاً يضرب بجذوره عميقاً في أرض الوطن وتاريخه. إنه رمزٌ للمقاومة وللصمود يغرس في زمن الرواية ولكن هذا لا يحيط به

ثم يضيف علي عقلة عرسان، اعتباراً من السطر الثامن، تفاصيل جديدةً تحدد انتماء هذا الرجل الاجتماعي: فلاّح فقير أرغمته ظروفُ الحياة القاسية على الاغتراب بعيداً عن أسرته وقريته قبل أن يلبي نداء الوطن. وهذه العناصر تشكلُ الإطار الدلالي الذي ستنمو فيه أحداثُ الرواية.

وأخيراً فإن عقد القراءة لا يفتأ يظهر طيلة النص من خلال التزام هذا الأخير بمجموعة من القواعد والأعراف وتقيده بها. وهذه المعايير تُنظّم شكلَ التلقي. والحق أن كل نص ينخرط في لغة معينة يفرضُها نوعُه الأدبي وفي أسلوب وتقاليد يستعين بها القارئ حين يُؤول ما يقرأ. فأقاصيصُ عبد الله عبد (1928-1976) لا تثير عند قارئها ما يتوقع أن يجدَه حين يأخذ بين يديه أقاصيص يوسف إدريس (1927-1991) مثلاً. تماماً كما أن قارئ إحسان عبد القدوس ينتظرُ أن يقرأ في مؤلفاته غير ما ينتظره حين يشتري روايات عبد الكريم ناصيف (1939)! فلغةُ النص في كل هذه الأمثلة، ومفرداته وبنيتُه، وطريقته في انتقاء الصور والتشابيه وشكلُ تنظيمها وتسارعُ الأحداث وتساوقُها تمتثل جميعها لمبادئ تختلفُ كل الاختلاف بين نوع أدبي وآخر. والقارئُ لا يبحث عن ذات المتعة ولا عن ذات الأثر عند هذا الكاتب أو عند ذاك.

وأمّا هامشُ النص فنعني ما يحيطُ به من توطئة وفذلكة ومقدّمةٍ ومدخلٍ وتحذير وتنبيهٍ وكذلك الإهداء والشكر والتذييل.. الخ.. وغايةُ كل هذه النصوص الجانبيّة هي توجيهُ القارئ وإرشاد خطاه إلى كيفية قراءة النص.

وإن كانت نسختي من رواية علي عقلة عرسان صخرة الجولان عاريةً من كل توطئةٍ أو مقدّمةٍ أو إهداءٍ فإنها تحمل التذييل التالي:

"هذا الكتاب رواية تحكي قصة أبطال واقعيين من أرضنا ليس بأسمائهم بل بانتمائهم الحقيقي إلى هذه الأرض. جنود مقاتلون في صفوف الجيش ضد العدو الصهيوني الشرس وفلاّحون بسطاء يتعلّقون بوطنهم وبمبادئهم في الشرف والكرامة رغم كل الظروف القاسية التي يعيشونها"(12).

وهذا التذييلُ يشير بوضوح قاطعٍ إلى الاتجاه الذي ينبغي أن يسلكه القارئ عند تأويله لصخرة الجولان.

ولنذكر كذلك نصّاً مشهوراً في الأدب العربي ألا وهو مقدّمة عبد الله بن المقفع لكليلة ودمنة. فهو يطالب القارئ بأن يُديم النظرَ في كتابه وأن يلتمسَ جواهر معانيه ويُحذّره من القراءة الخاطئة إذا حسب أن غايته من الكتاب هي الإخبارُ عن حيلةِ بهيميتين أو محاورة سبع لثور. ثم يكاشف ابن المقفّع قارئه بسره فيقول:

"وينبغي للناظر في هذا الكتاب ومُقتنيه أن يعلم أنه ينقسم إلى أربعة أقسام وأغراض: أحدها ما قصد من وضعه على ألسن البهائم ليتسارع إلى قراءته واقتنائه أهلُ الهزل من الشبان فيستميل به قلوبهم [] والثاني إظهار خيالات الحيوانات بصنوف الألوان والأصباغ ليكون أنساً لقلوب الملوك[    ] والثالث أن يكون على هذه الصفة فيتخذه الملوك والسوقة فيكثر بذلك انتساخه وينتفع بذلك المصور والناسخ أبداً. والغرض الرابع وهو الأقصى وذلك يخص الفيلسوف خاصة أعني الوقوف على أسرار معاني الكتاب الباطنة."(13).

وعليه فللتوطئة أو للمقدّمة غايةٌ مزدوجة تسعى إليها: إنها تشرح للقارئ غايةَ الكاتب من وضعه للكتاب وتضعه على طريق التأويل الصحيح معاً. ولكنها قد تلجأ إلى سبل متعرّجة ومسالك ملتويةً كي تبلغ مرامها ذاك. فبعضُها يزعم للقارئ أن النص الذي بين يديه قد كُتب على عجالة أو أن نية الكاتب لم تكن في نشره أو أن هذا الأخير قد نزل على إلحاح أصدقائه إلخ.. وإنه بالتالي يأملُ أن يُظهر القارئ كثيراً من التسامح. وبطبيعة الحال فإن مقدماتٍ كهذه تسعى في حقيقة الأمر إلى إثارة فضول القارئ وتتمنّى مشاركته.

ولكن بعضُ المقدّمات يكتبها أشخاص آخرون غير المؤلّف. كتلك التي تُكتب لنصوص مات أصحابُها كمقدمة مُعاصرنا عبد السلام محمّد هارون لكتاب أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ  الحيوان(14). أو كتلك التي يوافق الكاتبُ على نشرها مع كتابه لأنها تصدرُ عن شخصيات معروفة في الأوساط الأدبية أو لأنها تتوافق مع ما يراه هو نفسه في مؤلفه. ونجد ذلك كلّه في المقدمات التي تسبق  رواية معروف الأرناؤوط سيد قريش فهناك كلمةٌ لسامي الدهّان في ثنية الغلاف السميك، وهناك عرضٌ كتبه يوسف إبراهيم يزبك عام 1971 يؤرّخ فيه للرواية ولمؤلّفها الذي توفي في دمشق عام 1948 وهناك نصٌ وجهه الشاعرُ خليل مطران (1871-1949) لمؤلّف الرواية بعد ظهورها في عام (1928) يمدح فيه الكتاب ويشرح فيه للقارئ مصادر الرواية التاريخية، ثم كلمةٌ لشفيق جبري يصرّح فيها بأن سيد قريش . راوية جديدة في الأدب العربي دخلها معروف الأرناؤوط وهناك أخيراً كلمة للدكتور منير العجلاني يؤكد فيها:

"هذه رواية سيد قريش بين يديكم فيها عطر وفيها موسيقى، وفيها عنصر من الشعر، كتبها صاحبها لا ليلعب ولا ليبذّر منحة الكتابة التي أعطيها، ولكنه كتبها كما أتنفس أنا وأنت، بسائق القيام بالواجب وليس بسائق البذخ"(15).

2-2- المراسي:

إن عقد القراءة يُوجه خطا القارئ، كما رأينا، فينشئ هذا تأويله حول النقاط الراسخة التي يقترحها النصُ المقروء. وهذه النقاط الثابتة، كالمراسي تعقل القراءة وتجنبها سلوكَ سبل خاطئة وبالتالي تمنعها من التيهان.

ومن هذه الأنصاب عنوانُ الكتاب والنوعُ الأدبي الذي ينتمي إليه النص ويجد القارئ عادة هاتين الإشارتين على صفحة الغلاف. صخرة الجولان، رواية، وليس كذلك غلافُ الشراع والعاصفة (1966) لحنا مينة (17) مثلاً فهو لا يُشير إلى طبيعة النص وعلى القارئ أن يبحث في الصفحات الداخلية عن ذلك. وإضافةً إلى هذه النقاط الثابتة يمكن للقارئ أن يكتشف في كل نص شبكات دلالية تُنظّم بنيته، وقد تنتظم الوحدات التي تكوّن هذه الشبكات حسب ترادفها وتجانسها (كلمات متعددة تحيل جميعها إلى موضوع واحد) أو حسب تعارضها أو حسب تبعاتها (نتائجُ الحدث تُشكّل وحدةً واحدة).

ففي قصيدة عمر بن أبي ربيعة (644-711).

دارساتٌ قد علاهُنّ الشجرْ(18)

 

هيّجَ القلبَ مغان وَصِيبَرْ

تنتظم أغلبُ معانيها حول موضوع ظهور ما كان باطناً وانكشاف ما كان مستتراً: هاج، علا، شجر، ذرى، أنار، غشّى، زهر، زان، غام، بدا، سرّ، عرف، الخ.. وهذه الأفعال تنتمي إلى ذات الحقل الدلالي فتنسّق النصَ في شبكة معانٍ واحدة فالنبت يَظهر فيُظهر عاطفة الشاعر وتكشف الفتيات خبيئةَ أنفسهن كما تُخرج الأرض زهرها وعندها يُبرز الشاعر ذاته. وعلاقاتُ المشابهة والترادف هذه تحدد حقلَ القراءة وتقود بخطا القارئ خلال سبل التأويل.

وأما ابن الرومي فإنه يبني لامتيه التالية على تنافي الصفات وتناقضها:

وفي وجوه الكلاب طولُ(19)

 

وجهُك، يا عمرو، فيه طولُ

فهو إذ يبدأ بأن يُعلن اتحاد عمرو والكلب في صفة الوجه الطويل فذلك كي يُبرز على أوضح ما تكون بقية الصفات التي يختلف فيها الحيوان ومهجو ابن الرومي ففي البهيمة فضائلُ حسان، فهو كلب وافٍ(4) وقد يحامي عن المواشي (5) وأما عمرو فالمثالبُ كلّها، غادرٌ وسافلٌ(4) لا يحامي ولا يصول(5) من بيت سوء(6) أهلُه ذميمو الخلقة وضراطون(7) ثم ينهي الشاعر قصيدته فيوحّدها بأهم ما فيها: مجموعة أصوات (مخلّع البسيط).

مستفعلن فاعلن فعول

 

(11) مستفعلن فاعلن فعولن

أصواتٌ كريحٍ

معنى، سوى أنه فضول

 

(12) بيتٌ، كمعناكَ، ليس فيه

فأخرس ابن الرومي أنفاس مهجوه. وهكذا إذ ينتقل القارئُ من صفةٍ إلى نقيضها ومن فضيلةٍ إلى مَثْلَبة ومن الشيء إلى ضدّه فإنه يبني تدريجيّاً وحدة النص الدلالية.

وحين يقرأ القارئ روايةً أو قصة فإنه يتلمّس طريقه خلال العالم السردي بأن يُنظّم أحداثه المتناثرة في وحدات منطقية. ولأن أحداثَ الرواية الناضجة ترتبط ببعضها حسب علاقاتٍ تكاملية أو حسب علاقة السبب بالنتيجة فهي بمثابة أنصاب يستهدي بها القارئُ لاكتشاف العالم السردي فلحظةُ شراء الببغاء في رواية عصفور من الشرق تقتضي لحظة تقديمه كهديةٍ لسوزان ديبون. فإن غاب استخدام التقديم ظلّ شراءُ الطائر معلقاً في الهواء ومقطوعاً عن شبكة معاني النص. ومشهدُ إهداء الببغاء لعاملة المسرح يستدعي مشهدَ قبولها لدعوة محسن لها وهذا يقتضي بدوره مشهدَ المطعم.. الخ.

وعليه فإن علاقات المشابهة والمعارضة واستتباع النتائج بين وحدات النص السرديّة هي أكثر ما يلجأ إليه القارئ لتأويل ما يقرأ. ولكن وحدات النص هذه قد تُنشئ بينها علاقاتٍ من طبيعةٍ أخرى.

2-3- منازلُ الظنّ والتخمين:

إن بعض النصوص تُبرمج قراءتها بأن تتركَ خلالها مساحات يتلمّس فيها القارئ طريقه بدون عون خارجي ويُؤولها ظناً وتخميناً. كتلك المساحات البيضاء في بعض التمارين المدرسيّة حيث يُطلب من التلميذ أن يملأ الفراغ حسب ما يقتضيه السياقُ العام أو حسب ما يراه مناسباً للسياق العام.

وحبسُ بعض المعلومات عن القارئ ووجودُ فراغٍ مقصود وسيلةٌ ناجعةً في برمجة مساهمة القارئ الإيجابيّة في تأويل النص. ولإيضاح هذه النقطة سنستعير مثالنا من رواية الروسي دوستويفسكي : الممسوسون (1870) وقد ترجمها المرحوم سامي الدروبي إلى العربيّة. ففي نهاية الكتاب يعزم بطل الرواية استافروجين وقد بلغ من تعذيب ضميره له حدّاً لم يعد يطيق معه صبراً أن يعترف بما يؤرقه للمطران تيخون. فحرّر اعترافاته على وريقات وأعطاها لرجل الدين فراح هذا يقرؤها بصوت عالٍ. وحين يبلغ المطرانُ في قراءته مشهداً يعترفُ فيه استافروجين كيف شرع ذات مرة يُقبّل طِفلةً بشهوانية ثقيلة يكف فجأةً عن القراءة. ويكتشف عندئذٍ أن الورقة التالية ناقصة فينظر إلى استافروجين مُستفهماً فيرد هذا وعلى شفتيه ابتسامةٌ خرقاء:

- إني أحتفظ لنفسي بما حدث بعد ذلك. مؤقتاً.

ولن يعرفَ القارئُ أبداً مضمون الورقة الناقصة. ويتابع المطران قراءته اعتباراً من الورقة التالية، وهنا نكتشف أن الطفلة قد ساورها رعب شديدٌ حين شاهدت استافروجين غداة اللقاء المذكور في الصفحة الناقصة. وأن المسكينة قد شنقت نفسها بعد ذلك بقليل.

إن مفتاح لغز هذه النهاية المخيفة مذكورٌ طبعاً في الاعتراف المثّبت في الورقة التي أخفاها البطلُ نفسه كما اعترف بذلك صراحةً. وغيابُ هذه الورقة المقصودُ هو فراغٌ سرديٌ يُرغم القارئ على ملئه من عنده ومن خياله الخاص. وحين "يُورّطُ" النصُ قارئه ويرغمهُ على اتخاذ موقفٍ من السرد المكتوم وعلى تبنّي رأي بخصوص المساحة البيضاء فإنه يضبط نشاطه ويُوجّهه.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244