نظريات القراءة والتأويل الأدبي وقضاياها - دكتور حسن مصطفى سحلول

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Monday, April 26, 2004 02:23 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

3-دور القارئ

3-1- الاستباق والتبسيط‏

إن الاستباق والتبسيط هما ردّتا فعل القارئ الأساسيتان أمام النص الأدبي. وهما قائمتان في صلب عملية القراءة والتأويل. ويمكن تفسيرُ ذلك بفضل واحدٍ من مبادئ النشاط اللغوي الجوهري التي كشفت عنها الألسنية الحديثةُ.‏

لكي يفهمَ الموَجّه إليه مقولةً ما لا بد له من إدراك النيّة الكامنة خلفها. وعليه ما إن يفتح القارئُ كتاباً حتى ينشئ فرضيّةً حول مضمونه العام وبمعنى آخر فإنه يشرع فوراً في استباق المضمون السردي وبالتالي في تبسيطه. فهو إذ يُنشئ في قرارة نفسه فرضيةً حول النص فهو يستبق أحداثَ الرواية مثلاً أو تطورات الحكاية. وهو يصوغ فرضيته على نحو مبسط كما لو كان يطرح على نفسه أسئلةً من طراز: عمّ يتحدّث الكاتبُ؟ ماذا يقصد؟ ويحاول الإجابة على ذلك: أغلب ظنّي أنه يتحدّث عن كذا وكذا. أو يبدو لي أنّه يريد كيْت وكيْت.‏

فلقد يفترض القارئ أمام رواية عبد الكريم ناصيف (سلميّة، سوريّة‏

1939) المخطوفون (1991) أول ما يفترض أنها رواية مغامرات يُخطف فيها أشخاص عديدون وأن الرواية تعرض ما جرى لهؤلاء المساكين من وقائع ومصائب! وقد تتعزّز فرضيّته عند قراءة السطور الأولى من مقدمة محمد توفيق البجيرمي التي يذكر فيها الأدويسة ورحلات غليفر ثم رحلات الفيلسوف الإغريقي لوسيان السمياطي ومغامرات سندباد جميعاً! ولكن الوحدات المعنوية التي تنتظم الفصل الأول من الرواية تجعل القارئ يرمي بعيداً فرضيته الأولى ليدخل في عالم سردي آخر. ولينشئ فرضيةً جديدةً تتوافق مع معطيات الفصل الأول.‏

وأما نزعةُ التبسيط فإنها تكشف في حقيقة الأمر عن ضرورة الفهم التي ترتبط ارتباطاً عضوياً بعملية القراءة. والقارئ إذ يحتاج إلى معرفة أين تقودُه خطاه في طرق النص يميل باستمرار إلى التبسيط. فبينما يسعى الكاتبُ الفطن دائماً إلى مضاعفة الأنظمة الرمزية وإلى تعقيد البنية الدلاليّة قدر إمكانه يسعى القارئ إلى اختزالها وتبسيطها قدر إمكانه كذلك.‏

إن الميلَ إلى تعقيد صفات الشخصية الروائية ومطاردة دقائقها والإيحاء بخفاياها ومكامن نفسها هو ما يميّز الكاتب في حين أن القارئ يميل دائماً إلى إهمال التفاصيل ورقائق الألوان فيراها بيضاء أو سوداء، خيّرةً أو شرّيرةً، شرقيةً أو غربية.‏

وحين يقصر بالقارئ علمُه فيعجز عن استكشاف معنى النص الحقيقي يلجأ عندها إلى تأويله تأويلاً رمزياً. فإن جعلنا عنوانُ رواية جيمس جويس‏

(1882-1941) أوليس (1922) نظن أن هناك علاقة ما بين أوليس هذا والأوديسة فما أسرع ما نكتشف أن الإطار الزماني والمكاني اللذين تنتشر فيهما الرواية الإنكليزية لا يمتان بصلة إلى ملحمة الشاعر الإغريقي. وأن علينا، لفهم النص على حقيقته أن نؤوله تأويلاً رمزياً أي على أنه أوديسة عصرية وهي طواف بطلها بلوم في أرجاء مدينة دوبلن الإيرلندية. ونشعر بذات الضرورة أمام عنوان ابن عربي يترجم أشواقه (فواز حجو، اتحاد الكتاب، دمشق 1994) وصقر قريش وحيداً (خالد سلامة الجويشي اتحاد الكتاب، دمشق 1993) أو تداعيات بين يدي أبي العلاء المعري التي سبق ذكرُها.‏

3-2- القراءة بصفتها توقّعٌ‏

وبسبب نزوع القارئ إلى استباق أحداث الرواية تبدو القراءةُ وكأنها امتحانٌ مستمر يفرضه النصُ لتقييم قدرات القارئ على التوقع. وإن كانت بعضُ الأنواع القصصية تعتمد الاعتماد كله على مبدأ التوقع هذا كالرواية البوليسية أو رواية الألغاز فإن الأنواع القصصية الأخرى ومنها الموصوفة بالجدية لا تستطيع إهمال هذا الجانب.‏

ويساهم القارئُ النموذجي في تقدّم الحكاية حين يحاول أن يتنبّأ بالأحداث القادمة. ويؤمن القارئ أن ما سيأتي لا بد أن يبرهن على صدق تنبؤه. ولكن لا بد له من انتظار خاتمة النص لمعرفة إن كانت توقعاته قد قاربت الحقيقة الروائية أم لا. إن النص آلةٌ جامدةٌ لا تنشط إلاّ حين تنفخ فيها الحياة تكهناتُ القارئ. وهذا شرط أساسي لا يستغنى عنه نصٌ أدبيٌ يريد أن يركن إليه قارئه أو مفاجأته على غفلة منه إثارة فضوله!‏

إن القراءة إذن علاقةٌ جدليةٌ متوترة بين توقع ما سيأتي وتذكّر ما قد أتى فالقارئ يُنشئ فرضية حول ما سيحدث في الصفحات التالية أو في بقية الفصول، والصفحاتُ التالية ستحكم بصحة التنبؤ أو ببطلانه. وفي هذه الحالة الأخيرة يعيد القارئ النظر في فرضيته الأولى فيعدل فيها أو يبني فرضية جديدة على ضوء معرفته الحالية. وهكذا دواليك. وبتعبير آخر فالقراءة انتقالٌ دائم بين ما سلف في النص والنتيجة التي يتخيلها القارئ لذلك. ثم بين النتيجة التي تتحقق فعلاً وما سلف وقد أعيد النظرُ إليه! وهذا التوترُ اليقظ ينطبق على أحداث الرواية الثانوية كما ينطبق على أقسامها الكبرى. ففي نهاية الفصل الثالث من اللص والكلاب يودّع رؤوف علوان صديقه القديم سعيد مهران الذي جاء ينتظره أمام بيته. ويسدي رؤوف النصح لسعيد بأن يبدأ حياة جديدةً وأن يبحث عن مهنةٍ أخرى غير اللصوصية ثم يعتذر منه لضيق وقته ويُعطيه شيئاً من المال. فيشكره سعيد بحرارةٍ لكرمه ولنبل أخلاقه و(تناول الجنيهات باسماً وصافحه بحرارة ثم قال بنبرة رجاء‏

-ربنا يتم نعمته عليك)(20).‏

وفرضيةُ القارئ هنا هي أن سعيداً هذا سوف يأخذُ بنصيحة صديقه فيبدأ بالبحث عن عمل شريف من ساعته وأن النقود قد تساعد الرجل على اتخاذ طريق جديدة في الحياة، فماذا يجري في الفصل الرابع؟ يحاول سعيد أن يسرق بيت رؤوف علوان! وهذا يرغم القارئ على إعادة النظر في تحليله لشخصية سعيد ولإحساسه بالخيانة ثم بالوحدة.‏

إن جهد التكهّن هذا أمرٌ جوهري في نشاط القراءة. وهو إذ يُكره القارئ على أن يتفحص دائماً تنبؤاته وأن يقترح على الدوام أجوبةً جديدةً فإنه يُرغمه في ذات الوقت على النظر في أغوار نفسه واكتشاف أسرار وجدانه وشخصيته.‏

إن هذا واحد من أهم آثار القراءة الجوهرية على القارئ.‏

3-3- كفاءات القارئ‏

لكي يُؤولَ القارئ النصَ فإنه يفكّ ألغاز مختلف مستوياته الواحد تلو الآخر. وينتقل من البنى البسيطة إلى البنى المعقدّة أي أنه يُخرج من القوة الكامنة إلى الواقع المفسّر بنية النص الخطابية ثم بنيتَه السرديّة ثم الوظيفية فالعقائديّة.‏

ويتوافق إظهارُ البنية الخطابية مع مرحلة شرح المعاني. وعندما يفك القارئ رموزَ الكلمات فإنه لا يعير اهتمامه إلاّ للمعاني اللازمة لفهم النص أي للعناصر التي تتضمنها شبكاتُ النص الدلاليةُ والأمرُ أنه يستحيل على القارئ أن يستدعي أمام كل كلمة جميعَ معانيها التي يحصيها القاموس، فدلالات وقفَ وهو الفعلُ الذي يبدأ رواية صخرة الجولان تشغل ثلاثَ صفحات عند ابن منظور (توفي 1311) ويكرس لسان العرب صفحتين تقريباً لفعل بطحَ الذي يستخدم علي عقلة عرسان اسم فاعل مزيده انفعل في السطر الرابع من كتابه، وعلى القارئ أن ينتقي من كل هذه المعاني المتقاربة ما يوافق الرواية التي بين يديه.‏

ثم يجمع القارئُ هذه البنى الخطابية وينظُمها في سلسلة من الاقتراحات تساعده على استخلاص العقدة القصصية، وهذه البنى السرديّة تجعله قادراً على إطلاق حكمٍ مبدئي بعد قراءة بضع صفحات من روايته أو قراءة فصل منها أو مقطع طويل.‏

ويمكننا أن نستخلص البنى السردية العامة التالية بعد قراءة جزء من صخرة الجولان: عامل بسيطٌ وفقيرٌ من أصل ريفي (من حوران) أُستدعي إلى الجيش (السوري) خلال حربه (ضد العدو الإسرائيلي) وفُرز مع زملاء له إلى الجبهة (جبل الشيخ) وخلال المعارك تشغله قضيتان هما الدفاع عن الوطن ومصاعب عائلته البائسة (زوجة اسمها زينب وأولادهما الثلاثة). وبين المعركة والأخرى يستعرض شقاءه كعامل أكره على الهجرة إلى بلاد النفط وكفاح زينب للقيام بأعباء العائلة وجشع أحمد الحسن التاجر الذي يُضاعف ثرواته بعيداً عن أرض المعركة بينما يموت الآخرون الفقراء فيها ومن أجله.‏

إن البنى السردية تؤلّف كما نرى هيكل الرواية العظمى. وهي ما تحتفظ به حين نسعى إلى تلخيص الرواية. وحين ينتقل القارئُ إلى مرحلة أعلى من التجريد فإنه يجمع إلى سلسلة الاقتراحات السردية هذه مخطط الرواية الوظيفي. ونحن نعرفُ بفضل النقد الأدبي الحديث أنه من الممكن أن نميز في كل حكاية ست وظائف. وهي وظائفُ الفاعل والموضوع والمرسل والمرسَل إليه والمعارض والظهير فبطلُ صخرة الجولان محمد المسعود (الفاعل) تكلّفه زوجته وأمّه وقريته (المرسِل) بالدفاع عن أرض الوطن وكرامةِ أبنائه جميعاً (الموضوع) في صفوف الجيش العربي السوري (المرسَل إليه) ويعمل محمد المسعود على تحقيق هدفه هذا عن طريق التصدي لإسرائيل وجنودها (المعارض) بمساعدة نزار والضابط ثم مجموعة السجناء (الظهير).‏

لقد رأى الأستاذ محمد حيدر في دراسةٍ ممتازة للرواية (21) أن دور زينب لا يقل أهمية عن دور زوجها بل لعلّه أكثر منه شأناً. وأن النزاع مع أحمد الحسن أساسيّ لفهم الرواية. وإذا أخذنا بتحليله استطعنا أن نُضيف المخطط الوظيفي التالي: زينب (الفاعل) يكلّفها زوجُها الغائب وحبّ أطفالها‏

(المرسِل) بالحفاظ على كرامتهم (الموضوع) التي يهددها أحمد الحسن (المعارِض) بالتعاون مع أم سليمان (الظهير) في إطار قرية الكحيل العريض (المرسَل إليه).‏

ونجد هذا المخطط الوظيفي كذلك في الروايات ذات النزعة الذاتية.‏

وعندما يتراءى للقارئ في المخطط الوظيفي توسِيمٌ أخلاقيٌ واضحٌ فهو يستطيع عند ذاك أن يكتشفَ بنى النص العقائديةَ. وإذا استعدنا مثال صخرة الجولان فمن الواضح أن التعارضَ بين محمد المسعود وزينب من جهة وجنود العدو وأحمد الحسين من جهة أخرى هو من ذات التعارض الجوهري بين القيم الإيجابية والقيم السلبية. أي أن الصراع القومي الوطني بين سورية وإسرائيل هو كذلك من طبيعة الصراع الطبقي بين البؤساء والفقراء والمستغلين الأغنياء.‏

3 ـ 4 ـ خبرات القارئ:‏

والقارئُ الذي يستطيع أن يقرأ على نحو مُثمِر أي أنّ يُجسِّد كلَّ مستويات النص هو قارئٌ ذو خبراتٍ محددة. والخبراتُ التي يمتلكها القارئُ المثالي هي معرفتُه بما يمكننا أن نُسمّيه بالمعجمِ الأساسي وبقواعد الإحالة والإسناد وقدرتُهُ على تمييزِ سياق المقطع المقروءِ وظرفِه وعلى فهمِ التعابير البيانية والصيغ الأدبية المطروقةِ وألفته بالسيناريو العام وعقيدتُه في الحياة.‏

وإتقانُ القارئُ للحدِّ الأدنى من القاموس أمرٌ ضروريٌ لتحديد مضمونِ الكلمات الدلالي ومعانيها. ولن يستطيعَ القارئُ أن يغوصَ في غامض النص ولا أن يسبرُ أغوارَهُ إن لم يكن قادراً على فهمِ الرموزِ اللغويةِ الابتدائية. وقارئٌ لا يعرفٌ ما تعنيهِ كلماتٌ مثل تتكأكأُ وتتساندُ وينهدُ ويرومُ ويحتجزُ لن يدرك الصورةَ العامةَ التي يريد نص علي عقلة عرسان أن يرسمها لبيتٍ يكاد يكون خراباً ولكنه ما يزال قائماً. (22).‏

وأمّا خبرةُ القارئ بشبكاتِ الإحالةِ فهي تُساعدُهُ على أن يفهمَ فهماً صحيحاً الرموزَ الإشاريةَ (التي تُحيل إلى الموقفِ الإخباري الحاضرِ) ورموزَ الإعادة (التي تُحيلُ إلى عنصرٍ سبقَ ذكرُهُ). وخبرتُهُ بإسناد الفعل إلى الأسماء أوإلى الضمائر تجعله قادراً على إدراك حركةِ النص الداخلية ومتابعةِ ذبذباتِ السردِ. ونجد في رواية أحمدزيادمحبك المقطعَ التالي:‏

"أعودُ إلى تدقيق كتاب أمامي أحاولُ ألا يظهر على وجهي شيء من علامات الاستياء. وكيف لا أستاءُ؟ هو لا يدعوكَ إليه بنفسهِ، بل يطلب من السكرتيرةِ أن تفعل، لا بأس، هذا خير من أن يصب في أذنك صوته الأجش الغليظ.... ولكن ماذا عساه يريد مني؟..." (22).‏

في هذا المقطع ينتقلُ الراوي من ضمير المتكلّم إلى ضمير المخاطَب ثم يعود إلى ضمير المتكلّم قبل أن ينتقل إلى ضميرٍ آخر. وفهمُ المقطع يفترض أن القارئَ يعرف أن نفس الشخصية الروائية تستخدم تارةً أنا وتارةً أنت لتعبِّرَ عن ذات الحديث الوجداني.‏

وخبرةُ القارئِ بظروفِ تأليف القطعة الأدبية تُساعُدُه على تأويل المفرداتِ تأويلاً ينسجمُ مع تاريخ النص أي مع المعنى الأول الذي أراده المُؤلّف لها. فقراءةٌ صحيحةٌ لقصيدة نزار قباني ( 1923-1998). (هوامش على دفتر النكبة) ـ لابد لها أن تستند إلى خبرة القارئ بشعر نزار قباني وما تميز به شعرُهُ قبل أن يكتب قصيدتَهُ هذه بُعيْد الخامس من حزيران... ولن يفهمَ القارئَ كذلك أن العروبةَ التي ينتسب إليها محمود درويش في قصيدته:"سجّل أنا عربي.. ورقم بطاقتي خمسون ألف.) "ليست تقريراً عن الهوية الشخصية وإنما انتماء ونضالٌ إذا جهل الظروفَ التي كتب فيها الشاعرُ قطعته تلك.‏

ومعرفةُ التعابير البيانيةِ وتقعيدِها والقوالب الأدبية تجعل القارئ أحسن فهماً وأقرب إدراكاً للأنواع الأدبية التي أورثنا إيّاها التاريخ الأدبي والتراث التاريخي. فما إن يطالع القارئُ الخبير: حدّثنا عيسى بن هشام، قال: حتى يدركَ بدون عناءٍ وبدون أية إشارةٍ صريحة أنه أمام نوع أدبي عربي خاص هو المقامة وأن الأحداث التي يعرضها النص قد وقعت في زمن تاريخي معين وفي رقعة جغرافية محددة، وأن هذه الوقائع المذكورة ليست "واقعية"، وأن هدفَ الكاتب ليس وعظنا ولا إرشادنا وإنما يريد أن يقصَّ علينا حكايةً لإمتاعنا وتفريج كربنا..‏

وأما الخبرة في قواعد الكتابة المسرحيةِ فهي التي تجعل القارئَ الفطنَ يرى أمراً طبيعياً أن يتكلّم رجلٌ في مسرحية (تحولات عازف الناي)‏

(1993)... بلغةٍ شعريةٍ عذبةٍ طيلة عشر صفحاتٍ وبدون انقطاع!.. (24). فهذه أمورٌ يقبلها النوع المسرحي، ولهذا لا يجد القارئ غضاضةً في أن تتبادل شخصياتٌ مسرحيةٌ أطرافَ الحديثِ بالبحر الطويل أو الكامل والمديد!... كما هو عليه الحال عند أحمد شوقي أو خليل مطران...‏

وأما السيناريو العام فنعني به مجموعَ الحوادث المتسلسلة حسب قواعدَ اجتماعيةٍ عامة يشترك فيها أبناءُ الثقافة الواحدة. وهذه المعرفةُ المشتركة تجعلنا نفهمُ ونؤولُ ما يفعله الشخصُ الآخر على نحوٍ صحيحٍ. والنصُّ الأدبي قائمٌ على تنظيم وسائل متعارف عليها في وسط ثقافي ما لبلوغ أهداف محددة. فشعائر الصلاة والدفنِ والتعزيةِ والولادةِ واستقبالِ الضيوف وتنظيمُ المكان الاجتماعي والمكانِ العائليِّ خبراتٌ عامةٌ يمتلكها القارئُ ويُحسنُ بفضِلها تفسيرَ سلوكِ الشخصياتِ الروائية وغاياتها، ولقد يمكن أننا لم نشهدْ في حياتنا إطلاقاً هذه الأحداثَ تقع على هذا النحو ولكن خبرتنا العامة بالناس وبالكون الذي نعيش فيه تسمح لنا بتأويلها..‏

وأما سيناريو التناص فالقارِئُ لا يكتسبه من التجربة الاجتماعية العامة وإنما عن طريق معايشته الطويلة لنصوص ثقافته الأساسية. فحين يقرأ نصاً من نوع أدبي معين فإن القارئ يتوقع بشكل منطقي أن يصادفَ سلسلة من الأحداث التي تميز هذا الفنَ الخاص. فقارِئُ القصة العاطفية يتوقع أن ينتهي الحدثُ نهايةً سعيدةً وقارئُ القصة البوليسية أن يُماط اللثامُ عن الشرير وأن يعاقب على ما فعلته يداه. وبطبيعة الحال فإن الراوي قد يستغلُ ثقافةَ القارئ وخبراتِه بالنصوص الأخرى فيفاجِئُهُ بغير ما يتوقع فتنتهي الرواية العاطفية نهاية مؤلمة ويُفلت المجرم من يد العدالة. وبشكلٍ عامٍ فبقدر ما يكونُ النوعُ الأدبي صارماً ذا حدودٍ منيعةٍ بقدر ما تفرضُ قواعدُهُ الداخلية سيرَ الحدث ونهايتهَ. وإن كان يصعبُ علينا أن نتخيلَ خاتمةً سعيدةً لمحمد المسعود بطل (صخرة الجولان)، أو لزوجته فذلك عائدٌ لضرورة الرواية الواقعية الفنية وقواعدها بقدر ما هو عائدٌ لحركة النص المأساوية.‏

وأخيراً.. فإن خبرةَ القارئ العقائدية تحدد شكلَ تلقيه للبنية الأخلاقية التي تنتظم النصَّ المقروء. فهو حين يشرع في القراءة يفعل ذلك مستنداً إلى قيمه الخاصة، وهو قادرٌ بالتالي على أن يرفض رؤيةَ الراوي الفكرية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244