|
||||||
| Updated: Monday, April 26, 2004 02:23 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
2 ـ القراءة الجابذة أو التوحيدية: إذا كان النصُّ يضع القارئَ أمام سبلٍ في القراءةِ متعددةٍ فإنِّهُ من الأكيد أن ليسَ لكلِّ هذه القراءات الممكنة ذات الأهميّةِ. ونحنُ نستطيعُ أنْ نقرأَ وقد وضعْنا كمسلمةٍ وجودَ معنى جوهريٍّ أو أصليٍّ تتعلّقُ به المعاني الأخرى أو تنبثقُ عنه كما تنجُمُ فروعُ الشجرةِ المختلفةِ عن أصلٍ واحدٍ أساسي. وهذه العلاقةُ التي يُنشئِها القارئُ "العادي" تلقائياً مع النص يدافعُ عنها بعضُ النقّادِ اليوم ويجعلون منها أساسَ العمليةِ التأويليةِ. ويُطلقُ هذا التّيارُ النقديُّ على أنصارِهِ اسمَ الهرمونوطيقيين. وهذه الكلمةُ الأخيرةُ من أصلٍ يوناني وتعني التعريف بالشيء والإبانةَ عنه ونقلَهُ وترجمتَهُ أو ترجمةَ معانيهِ... وهذا المذهبُ في تأويل النص الأدبي يعتمِدُ مبدأ التماسكِ والترابطِ. أيّ أنّه يوجبُ تأويلَ عناصرِ النصِّ المتفرّقةِ على ضوءِ الهيكل العام. وهو يرى أنه مهما تباينت هذه القراءاتُ فيما بينها فإنه من الممكنِ دائماً أَنْ نُرْجِعَ العملَ الأدبيَّ إلى النّيةِ التي أنشأته وإلى أصلِهِ الأوّل أو جذرهِ العميقِ الذي يضمنُ وحدةَ أجزائِهِ ووحدةَ معانيه المتفرّقة. وواجبُ الباحثِ حسب هذه المدرسة النقدية هو أن يتركَ سطحَ العمل الفنيّ لِيستكشف مركزَه الباطني الحيّ.فعليه أن يرصدَ التفاصيلَ البينةَ على سطحِ النصِ والأفكار المنثورة الظاهرة ثم يجمعَ تلك التفاصيلِ وهذه الأفكارَ ويحاول أن ينظمها في مبدأ خلاّقٍ واحدٍ كان ولا ريب يقودُ قلمَ المبدع حين يكتب. وعلى الباحث بعدها أن يمضي إلى ميادين الملاحظة ليتحقق إن كان "الهيكل الداخلي" الذي كشف عنه يفسر كل أجزاء النص الأدبي، وبعد محاولتين أو ثلاث يستطيع الناقد أن يعرف إن كان قد بلغ قلب العمل الأدبي النابض واكتشف كوكب نظامه الشمسي وسيعرف عندها إن كان مبدأُ تأويله قائماً في مركز دائرة النص أو في نقطة ما على محيطه.. فدراسة "الجزئيات" عند أبي عثمان بحر الجاحظ (775؟ ـ 868؟)، وتنظيم "التفاصيل" التي تملأ كتاب الحيوان حسب أنواعها أو منطق استحضارها في النص ودراسة تدرُّجِ المعاني والصور وتصاعِدها عند ابن الرومي (835-896) تساعدنا بفضل مقاربات متلاحقة على فهم شامل لأدب الرجلين. إن النقد الهرمونوطيقي يسعى إذن إلى إنشاء قراءة تأويليّة مركزية وعقلانية تربط كل تفاصيل النصوص المعقّدة بخط معنوي توحيدي، وهذا المبدأُ المُوحَّد الذي يُنظَّم القارئ بموجبه تأويله هو الموضوع الذي يسكن كل زوايا الكتاب ويتكشف فيها.. وأبعدُ النصوص عن النزعة الذاتية، وأفقرُها بالقيم الشخصية كتلك التي تلتزم المواضيع المطروقة والأشكال المألوفة (كالنسيب في القصيدة الجاهلية مثلاً)، لابد وأن يختلج فيها وعلى نحو خفي نشاطٌ روحي مركزي يشد إليه أطراف القطعة شداً قوياً مع كل ما تحمله من أفكار وعواطف وخطرات. فخلف تعدد المواضيع في القصيدة التقليدية الجاهلية تكمن فكرةٌ موجِّهةٌ قد تكشف عنها القراءة المُتأنيةِ كما فعل طه حسين حين درس لبيد (560؟-661؟)، وطرفة بن العبد (543؟-569؟)، وزهير بن أبي سلمة (530؟-627؟)، ...(5). وليس يسعنا أن ننكر أن الموضوعَ الذي يسكن كل زوايا الكتاب هو الكاتبُ نفسه وقد انتقل إلى داخل مؤلّفه وعاش في ثنايا كتابه. وبطبيعة الحال فإننا لا نقصد هنا شخص المؤلّف كما يظهر لنفسه وفي مرآة ذاته أو في عيون الآخرين محدوداً في الزمان والمكان مشغولاً بمتاعب الحياة اليومية. وإنما المقصودُ بالمؤلف ذاتُه العميقة الفاعلة وعقله الخلاّق وهو يُعمِلُ الفكر واعياً وقد التحم بنصه وبكل الأشياء التي اختار مواجهتها التحام الأرض بالجذر. ليس الجاحظ الذي يعنينا هو الرجل المريض بالنقرس والمصاب بالفالج أو الذي ترك حاميه ابن الزيات حين نكبه الخليفة المتوكل لأنه لا يريد أن يكون "ثاني اثنين إذ هما في التنور"! هذا هو أبو عثمان عمرو بن بحر من موالي كنانة. وأما الجاحظ فهو الفكر الوثّاب والذهن المتقد والناظم المُبدِع الذي ينفث في كتابه قوة ذاكرته وفضولهِ الموسوعي ودقة ملاحظته وسلامة منطقه وقدرته على المحاجة والإقناع وتوليد الأفكار. إن قراءة النص الأدبي تعني إذن أن ندرك حضور الكاتب في داخله.. إن الاعتقادَ بوجودِ معنى أصلي يكون مفتاحاً لقراءةِ النصِّ ليس والحق يُقال اعتقاداً يختصُّ به أنصارُ مذهبِ التأويلِ الهرمونوطيقي دونَ غيرهم ونحن نجدُ هذه الرؤية لمعنى يسكنُ النصَّ كحقيقتِهِ الأولى في علمِ الدلالات البنيوي. وإنَّ مفاهيمَ كمفهوم "البنية الدلالية العميقة" أو مفهومَ "جوهر المضمون"، والتي قَبَسْتها الألسنيةُ البنيويّةُ من الألسنية التوليديّة توحي كلُّها بوجود مضمونٍ يحجبُهُ الشكلُ. فيكونُ هدف القراءةِ إذّ ذاك هو كشف الغطاء عنه... وهذه الطريقةُ في النظرِ إلى النصِّ تفترضُ وجودَ مستوى سرديٍ ظاهرٍ يقابلُهُ مستوى قائمٌ في الأصل فكأنّه جذرٌ بنيويٌ عامٌ تنتظم فيه الإمكانياتُ السرديةُ في حالةِ كمون قبل أن تتجسّدَ وتظهرَ على سطح المستوياتِ التالية. وعليه ففي كلِّ نصٍّ من أنواع الأدب التخيلي، حسب هذه المدرسة، معنى أوّليٌّ وعامٌ يستطيع كلُّ قارئٍ أن يدركَهُ!... 2 ـ 1 ـ تأويل النص وثوابت الحياة النفسية: إنّ مقاربةَ التحليل النفسي للنصوصِ الأدبيةِ تنطوي في هذا التيّارِ النقدي العام الذي يبحثُ عن جذرٍ تأويلي.... ونحن نبتعدُ هنا عن القراءةِ الواعيةِ المدرِكةِ وندخل في عالم التلقّي اللاواعي. وإذا قبلنا بمبدأ أنَّ الرغباتِ الباطنيةَ الدفينةَ هي في نفس الوقتِ قليلةُ العددِ وعامةٌ يشترك بها جميعُ الناس على اختلاف طبقاتهم ومشاربهم استطعنا أن نفهمَ وأنْ نشرحَ لماذا يميل القارئُ لكتبِ الخيالِ أكثر من غيرِها... فهو يكتشفُ أو يتوهّمُ أنه يكتشفُ خلالها بُنى رغباتهِ الاستيهامية الكبرى. والقارئُ لا يفتأُ يبحث دائماً عن ذات الرغبات ونفس الأشياءِ في الأدب التخَيُّلي. وبتعبيرٍ آخر فإنَّ كلَّ قارئ، حسب منهج التحليل النفسي يجدُ خلال الحكايةِ التي يقرؤها "حكايةَ عائلتِهِ"، هو. ذلك أن َّ كلاً منا ينسجُ لنفسهِ في طفولتهِ حكايةً وهميةً يستبدلُ فيها أقاربَه الحقيقيين بأقاربِ من نسجِ خيالهِ وعلى صورةِ نزواتهِ. ويكبحُ الطفلُ فيما بعد عندما يكبرُ من جماحِ هذه الحكاية الخرافيةِ ويدفنها في أعماقهِ ولكنها لا تموتُ ولا تختفي اختفاءاً كاملاً. وربما كانَ ميلُنا للرواية الأدبية ناشئاً عن هذه الحكاية الوهمية النائمة فينا. وإيمانُ كلٍّ منا الراسخُ بحكايةِ طفولتِهِ "الوهمية" هو التفسيرُ الوحيدُ المقبولُ للوهمِ الروائي. ذلك الوهم الذي يجعل القارئَ سواءاً كان قارئاً ساذجاً أو فطناً يحسبُ أن بإمكانه حقاً أنْ يلتقيَ بمصطفى سعيد أو برؤوف علوان في الحياة اليومية وهذا الوهم هو الذي يجعلنا نحزن أو نفرح لما يصيب البطل الروائي أو على الأقلّ يجعلنا نعنى بمصيره. وهكذا فإنّ تأثّر القارئ بحياة الشخصيةِ الورائية يبرهن على قوّةِ إيمانه بما كانت تبدعهُ مخيلتُهُ في طفولته. ولقد تلعب هذه المخيلة والقصص التي تبدعها دوراً في تنظيم بنيتهِ الشخصية يبلغ من أهميتهِ أنه يصير الأساسَ النفسي لكل إيمان القارئ بالسرد الروائي. فما إن تنخرط الشخصياتُ الروائيةُ في سياقِ الحبكةِ الروائية حتّى تذكّرَ القارئَ بالحكاية الأساسية التي تخيلَها صغيراً والتي ما يزال يعتقدُ ورغمَ مرورِ الوقتِ ورغم تقدِّمهِ في العمرِ بأنَّها حقيقةٌ أو بعضٌ من الحقيقةِ!.. إنَّ ما نقرؤه قبلَ كلّ شيءٍ والكلماتِ التي نجدها تلقائياً واضحةً وما نتعرّفُ عليه بغير علمٍ منّا هو ثوابتُ الحياةِ النفسيةِ غيرُ الواعيةِ وقد امتزجت امتزاجاً يصعُبُ فكُّ عراه باستخداماتِها الإيديولوجيةِ. وبتعبيرٍ آخر إِنْ كانَ علينا أن لا نهملَ دورَ الإيديولوجيةِ الهامَ في توجيهِ تأويلِ القارئِ للنصِّ الأدبيِّ فإنّ علينا أن نعيَ أنّ ما يدركُهُ القارئُ على غير وعي منه هو تلك الثوابت النفسية.. وعليهِ فإنّه من المشروع تماماً الاعتقاد بأن الآليات النفسية التي تتحكم في الإبداع والخلق الأدبيّين لا تختلفُ كثيراً عن الآليات النفسية التي تتحكّمُ بتلقي النص وتأويلِهِ. وكما أنّ العملَ الأدبيَ يُبدعُ إرضاءً لرغباتِ الفنّان الدفنية وترجمةً لها فإنّه يُرضي كذلك رغباتنا الدفينةَ نحن القرّاءَ. والمشاعرُ التي تختلجُ فينا عندما نقرأ هي صدى أهوائنا الخبيئةِ التي يوقظُها النصُّ في أعماقنا. وهذه الأحاسيسُ من حبورٍ أو حزنٍ أو قلقٍ أو اشمئزازٍ وضجرٍ وإلى غير ذلك ليستْ إلاّ صدىً لِما توقظُهُ فينا أهواءُ الكاتب. ولقد أصابت بعضُ الروايات شهرةً كبيرةً في أوساطِ القرّاءِ رغم سذاجةِ بنائها الفنّي ورغم تحليلِها الضعيف والسطحي للشخصيات الروائية بفضل ماكانت تُرضيهِ ـ وما تزالُ ـ عند قرّائِها. ومن هذا القبيل نجاحُ بعضِ روايات إحسان عبد القدوس أو محمد عبد الحليم عبد الله (1920-1970)، فتعبيرُ هذه الرواياتِ عن ظمأٍ شديدٍ للحبِّ وحاجةٍ قويةٍ لاختلاطِ الجنسيْن بعضهما ببعض بأسلوبٍ سردي يدغدغُ ميولَ القارئِ وغريزته كان بلا ريبٍ خلف تحمّس جمهور من القرّاء لهذا الشكل من التعبير الأدبي رغم تبسيطهِ البالغ للمسألةِ. وكان بلا ريبٍ كذلك خلف استنكارِ بعضِ الأوساطِ الفكريّة له. إذن ولأنّ الرغباتِ الدفينةَ هي ذاتُها عند المؤلّفِ وقارئِه فإن هواجسَ الأولِ توقظُ هواجسَ الآخر. أي أن فعل القراءة هو أنْ يجد القارئ في نفسه ذات المتعة التي أحس بها الكاتبُ عند الكتابة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |