نظريات القراءة والتأويل الأدبي وقضاياها - دكتور حسن مصطفى سحلول

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Monday, April 26, 2004 02:23 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
3 ـ القراءة النابذة أو التفكيكية:

3 ـ القراءة النابذة أو التفكيكية:

ولكننا نستطيعُ مقاربةَ النصِ وقراءته على نحوٍ يختلفُ عن الشكلِ الذي عرضْنا له حتى الآن فيما سبقَ من المقالةِ. وفي هذه الحالة لا تكون القراءةُ بحثاً عن انسجام النص وما يشكل ترابطه وانسجامه الداخليين ولكنها سعيٌ حثيثٌ خلف تناقضاتِ النصِّ الداخلية ومعارضاتهِ. ويمكننا أن نسميها بنزعة القراءة التفكيكية أو بالنشاط التهديمي.

ولقد نظّرَ نقّادٌ لهذا النهج في التأويل الأدبي (الفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا Dérida.J  وأعوانه) اعتماداً على الألسنية البنيوية وخصوصاً على علمِ الأصواتِ فيها. فالعلامةُ الصوتية (أصغر وحدة صوتيةٍ في نظام اللغة الصوتي كالصوت سين أو غين الخ...) تُنشِئُ نفسَها داخل النظام اللغوي  بما تختلفُ فيه عن بقية العلامات الصوتية في ذات النظام اللغوي. أي أن العنصرَ الصوتي لا يوجد إلا بالعلاقة التي تربطه ببقية العناصر الأخرى وهي علاقةُ تمايزٍ واختلافٍ ومعارضة. وعليه فليس للغة إذن مركز ثابتٌ يشدُّ إليه عناصرَها المكوّنةَ، ولا بدايةَ لها وليس لها مستوى أصلي ابتدائي ولا مكانَ انطلاقٍ. وبالتالي يُصبح من المستحيل علينا  إن سلّمنا بمقدماتِ هذه المدرسةِ النقديةِ أن نتخيّل الكتابَ على صورةِ كلٍّ كامل ويصبح من العبث أن نحاول تثبيت معنى النص والإحاطة فيه. فهذا سراب عابر لا يكاد يتركّب  حتى يتفكّك ولا يكاد يتراءى حتى يغيب ويضمحل!..

إنّ هذا النهج في القراءة يناقضُ كلَّ  المعارضة نهجَ القراءة المركزية التي يبشر بها أصحاب النزعة الهرمونوطيقية. فهو ينادي كما نرى بقراءة تفكك النص وتبعثِرهُ. وهو يدعو كذلك إلى تجنب أن تهيمن خطوط المعاني على القارئ فتأخذُ بلبِّه وتفرضُ عليه أوهامها التوحيدية. وينصحُ هذا المذهب القارئ بأن يعبر النص ببطءٍ وأن يقف طويلاً عند أدقِّ تفاصيلهِ وأن يتأمل رويداً في كل جزئياته. وهذا البطءُ المقصودُ يُضعفُ مقاومةَ القارئُ أمام المفرداتِ فتجرُّهُ هذه إلى اللجّةِ العميقة الساكنة خلف سطحِ الكلمات وترمي به في هذه العوالم التي لا تكاد تنتهي. فالكلمة المُنخرطة في قواعد النص ونحوه تتشقق أرضها فتبرزُ معانيها الكامنة فيها وشبكات الدلالة التي توحي بها. وهذه الشبكات تشدُّ القارئَ بدورها إلى شبكات أخرى وإلى عوالم أخرى كامنةً خلفها وهكذا دواليك. كتلك المتاهات التي تصفها سيرة الملك سيف بن ذي يزن حيث يجد البطل نفسه أمام بابٍ ويقوده البابُ إلى بابٍ آخرَ وسردابٍ في آخرهِ باب جديدٌ يفضي إلى سردابٍ جديدٍ وكلُّ سردابٍ ينفتحُ على لغزٍ جديدٍ أو على كونٍ غامضٍ لابد من استكشافهِ وفتحِ كلِّ أبوابهِ المغلقة.

إنَّ القراءة الجابذة مُتسرِّعةٌ تبحث عن بنية المعنى الأساسي أو ما تراها كبنية المعنى الأساسي وتجهلُ خلجاتِ  المعاني وخفقتها الرقيقةِ وتلامسِ ثنياتِ النصِّ بظواهره اللغوية. ولكنَّ القراءة المتمهلة الدؤوب تُميطُ اللثامَ عنها وتضيء من داخلها سبلَها الملتوية.

ونجد أمثلةً  لهذه القراءة التفكيكية عند جمهور مفسّري القرآن الكريم. وسوف نستشهد على زعمنا من تفسير القرآن للحافظ ابن كثير الشافعيّ الدمشقي (توفي عام 1372). فهو بعد أن يستعرض فيما يُنيف على أربع صفحات ميادين المعاني التي تقود إليها الأحرفُ الثلاثةُ الأولى من سورة البقرة {ألم} ينتقلُ إلى الآية الثانية {ذلك الكتابُ لا ريبَ فيه هدىً للمتقين}. فيقول:

"قال ابن جريج قال ابن عباس ذلك الكتاب أي هذا الكتاب. وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جُبَيْر والسُّدي ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم وابن جريج إن ذلك بمعنى هذا والعربُ تعارض بين اسمي الإشارة فيستعملون كلاً منهما مكانَ الآخرَ وهذا معروفٌ في كلامهم. وقد حكاهُ البخاري عن معمر بن المثنى عن أبي عبيدة. وقال الزمخشري ذلك إشارة إلى {ألم} كما قال تعالى {لا فارضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بين ذلك} ـ (البقرة ـ 68). وقال تعالى :{ذلِكُم حُكْمُ اللهِ يحكُمُ بينكم} (الممتحنة ـ 10). وقال {ذلكم الله}، وأمثال ذلك مما أشير به إلى ما تقدَّم ذكرهُ والله أعلم.  وقد ذهب بعضُ المفسرين فيما حكاه القرطبي وغيرهُ أنّ ذلك إشارة إلى القرآن الذي وعد  الرسول بإنزاله عليه أو التوراة أو الإنجيل أو غير ذلك في أقوال عشرة. وقد ضعَّف هذا المذهب كثيرون والله أعلم".(6).

ومن الواضح أن المؤلف لا يكتفي بمعنى واحد للجملة التي يؤولها وإنما هو يتفحص كل مفردة بعينها. ويرصدُ كل معانيها الممكنة فيوازن بينها فتقوده الكلمة من سورة البقرة إلى  موضعٍ آخر من ذات السورة حيث يعرضُ القرآن الكريم لمحاجّة اليهود لموسى ثم تفضي به الكلمة إلى سورة الممتحنة في مكان آخر من القرآن وسياق آخر وهذه تستدعي آية أخرى من سياق آخر.

هذه القراءة لا تعملُ إذن على الانتقال من المجموع الكثير إلى القليل المتفرد وإنما هي تعمل على مضاعفة المعاني وتصيُّد دقائقها قدرَ الإمكان.

3 ـ 1 ـ المعنى المنفلت دائماً:

إنَّ ما تظهره النزعةُ التفكيكية هو صعوبةُ الإلمام بمعنى القراءة أو بالأحرى استحالة اختصار النص إلى معنى واحد. وذلك لأن العلامة اللغوية مكانٌ يختلطُ فيه المعنى الحرفي والمعنى المجازي اختلاطاً يبلغُ من قوِّتهِ أنه يصعب على القارئ حين يباشرُ نصاً أن يعرف على وجه اليقين إن كان عليه أن ينشئ تأويله حسب بنية الجملة القواعدية وما تفترضه أنظمة النحو والتصريف أو حسب بنيتها الخطابية  وبنيتها البيانية. ولنذكر كيف أن نفس النص المسرحي يُخرج على خشبة المسرح بمعان مختلفة وأحياناً متباينة حسب شخصية المُخرِج المسرحي ونظرته إلى النص. فسؤالٌ بسيطٌ من نوع ماذا تريد؟ يمكن أن يوحي بأشياء كثيرة حسب اللهجة والنغمة التي يستعملها الممثل وهو بالتالي يوجه فهم المستمع أو المتفرج للنص  الذي يؤديه... ونحن نعرف أن بشار بن برد كان يتخابث على الخليفة المهدي بعد أن نهاه عن التغزل بالنساء فكان ينظم قصائد ظاهرُها، أي بنيتها القواعدية البينةُ، يوحي بالرصانةِ والوقار وباطنُها، أي بنيتُها البيانيّة، يبشر بالعبثِ واللهو.

ألم ينظم الحطيئة (؟ ـ 678؟)، بيتاً ظاهرُهُ مدحٌ للزبرقان بن بدر وباطنُهُ هجاءٌ موجعٌ له؟...

واقعدْ فإنك أنت الطاعمُ الكاسي

 

دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبغيتها

فلمّا شكاه الزبرقان إلى الخليفة عمر وكان قد نهاه عن شتم الناس أنكر الحطيئة أن يكون بيتُه حسب تأويل الزبرقان. ولكن شاعراً آخر هو حسان بن ثابت (؟ ـ 674)،  قضى وهو الخبيرُ بالشعرِ للزبرقان (7).

فإن كانت القصيدة كلُّها أو العمل الأدبي كله قائماً على ازدواجية المعاني والتباسها ومليئاً بهذه البنى الخطابية والبيانية الغامضة صار النص عاصفة لا تهدأ من المعاني المتداخلة والدلالات المتنافسة وأصبحَ من باب الوهم أن نغلقَ باب الاجتهاد في التأويل الأدبي. إنّ أحسن ما يستطيعُ القارئُ أن يختمُ به قراءته هو أن يقول بتواضعٍ شديدٍ أمام النص ما اعتاد قوله عظماء النقاد العربُ: الله أعلم!.. فإذا أخذنا بمذهب التأويل التفصيلي هذا يمكننا تعريفُ النص بأنه ما ينساب دائماً من بين أصابع القارئ!...

3 ـ 2 ـ دور القارئ:

وبدون أنْ نتبنّى كلَّ النتائج المتطرِّفة  التي تذهب إليها مدرسةُ التأويل النابذ التفكيكية فإنه من الظاهر أن دور القارئ النشيط في بناء النصِّ، كما رأينا في دراسةٍ سابقةٍ (8)، يستبعد تلقائياً فكرة تأويل نهائي للنص الأدبي. وذلك لأن أنا القارئ التي تنخرطُ في عملية بناء النص هي كذلك نصٌّ دائماً. وموضوع القراءة ليس إلاّ النتيجة المعقّدة لمؤثرات عديدة. وبالتالي فإن الأثر الذي يحدثُ عند كل قراءة هو أثرٌ جديدٌ يحدث للمرة الأولى.

إننا لا نقرأ أبداً  نفس النص مرتين.

ويظهر المعنى ليس كشيءٍ قائمٍ ثابتٍ في النص وإنما كنتيجةٍ فريدة للقاء فريد هو لقاء الكاتب والقارئ. ولقد رأى كثيرٌ من المثقفين العرب مثلاً حين عصفت بهم في العقد السادس موجة الأدب الوجودي ومواضيعه في رواية ألبير كامو (1913-1960) الطاعون (1947)، حين ترجمتها إلى العربية الدكتورة كوثر عبد السلام البحيري رواية رمزية لعبث حياة الإنسان عامة والأوروبي على وجه الخصوص أي أنهم قرؤوها قراءة فلسفية.. وأما النقاد الفرنسيون الذين قرؤوها حين ظهرت في باريس بعيد جلاء الجيوش الألمانية التي احتلت أكثر من نصف الأراضي الفرنسية فقد رأوا فيها حكاية رمزية تدين إدانة شرسة النظام النازي بفكره المخيف وبسياسته الهمجية أي أنهم قرؤوها قراءة سياسية مباشرة!

إنّ من المستحيل أن نستنفذ معنى العمل الأدبي. وإن كان بعض مستويات المعاني (تلك التي يبرمجها النص) هي، من حيث المبدأ، بمتناول جميع القراء فإنه من الصحيح كذلك أنّ كلَّ قارئ يأتي بمعنى جديدٍ إضافي.

وإن كان التحليلُ الأدبيُ قادراً على إبراز ما يقرأهُ كلُّ الناسِ فإنه عاجزٌ عن الإحاطةِ بكلِّ ما يُقرأ.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244