نظريات القراءة والتأويل الأدبي وقضاياها - دكتور حسن مصطفى سحلول

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Monday, April 26, 2004 02:23 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الخامس :القراءة ومُعاش القارئ

1-متعة التخيُّل‏

1-1-الوعيُ المُنطَلِق‏

ماذا يحدث حين يقرأ المرء كتاباً؟ ما هي المشاعرُ أو الأحاسيس والانطباعات التي تثيرها القراءةُ فينا؟‏

يبدو أن علاقتنا بالنص الأدبيّ تؤدّي بنا إلى ما يمكن أن نسمّيه، وبعد كثير ممن سبقنا من النقّاد ونخص منهم جوس (Jauss)، بالمتعة الجماليّة.‏

ويتحرّر الإنسانُ في هذه المتعة الجماليّة مما يكوّن واقع حياته اليوميّة وقيودها بفضل خياله. وينفتح الإدراك المتخيّل في حقيقة الأمر على إحساس مزدوجٍ من التحرّر والخلق معاً. ولكيّ يبلغ الإدراك المتخيّل هذه الدرجة فإنه يجتاز مرحلتين اثنتين فهو يلغي حدود العالم الحقيقيّ ويزيله من الوجود فيتخذ القارئ مسافةً بينه وبين هذا العالم، ثم يروح في المرحلة التالية يخلق من رموز المادة التي يتأمّلها ويقرؤها بديلاً عنه. وبمعنى آخر، إنّ القراءة إذن هي نشاطٌ تحريريّ (يفك القيود التي تربط القارئ إلى محيطه) ونشاط تملئةٍ يُنشئ في الخيال واعتباراً من رموز النص المقروء عالماً تسمهُ الأهواء الشخصيّة.‏

إنّ القراءة بصفتها تجربة جماليّة هي وعلى وجه الدوام نزوعٌ من شيء ٍما بقدر ماهي منزعٌ إلى شيءٍ ما آخر. فمن جهةٍ هي تنزع عن كاهل القارئ عبء الحياة الحقيقية وتخفّف عليه صعوباتها وتفك من شدّة سلاسلها، وهي من جهةٍ أخرى وإذ تسلكه في عالم النص، فإنها تجدّد من إدراكه للعالم الحقيقيّ.‏

فالقارئ إذ تأخذه الشفقة بنفيسة إحدى بطلات رائعة نجيب محفوظ بداية ونهاية (1949) التي يضنيها جسدها كما تؤرق الحيوان غريزته، أو يلهو ساخراً من كديات عيسى بن هشام بطل مقامات الهمذاني أو تسلب الحيرة لبّه وهو يحاول أن يقتفي آثار أبطال جبرا إبراهيم جبرا خلال سبل روايته الغربية في البحث عن وليد مسعود فإنه يغفل بعض الغفلة خلال زمنٍ قد يطول أو يقصر (وهو فترة القراءة) عن هموم حياته الذاتيّة وعن متاعبها.‏

ولكن انشغاله عن نفسه بمصير الشخصيّات الروائيّة وتمثّله لها يجعلانه يعيش مواقف جديدةً لا يعرفها من خلال حياته الحقيقيّة ويطّلع على تجارب جديدة فتتعدلّ نظرته إلى الأشياء. ويمكننا أن ننظر إلى إحساس القارئ بانفلاته من ذاته وانفتاحه على تجربة الآخر (البطل الروائيّ) على أنّه من قبيل ازدواج الشخصيّة وتماهيها مع الشخصيّة الروائيّة أو تقمّصها إهابها.‏

فنحن نحط الرحال خلال القراءة في بلاد خياليّة فنقيم فيها حيناً من الوقت ونصادف فيها أشخاصاً آخرين ونخالطهم ونندمج معهم ونفرح لفرحهم ونحزن لحزنهم. أي أننا نرسل أثناء القراءة "ذواتنا الوهميّة" لاكتشاف هذه الأراضي البكر وكأنّنا قد طلبنا إليها أن تُعدّ لنا تقريراً عما تراه وتسمعه خلال رحلتها. وذواتنا الوهميّة تلك هي التي تفرح أو تحزن وليس نحن. وهي التي تُشفق على نفيسة أو تسخر من سذاجة عيسى بن هشام وتتألّم على مصير وليد مسعود. وأمّا نحن فإننا نكتفي بان نعيرها جسدنا وعواطفنا كما يعير الكاهن أو المشعوذ الوسيط جسده للأرواح العلويّة أو السفليّة كي تنطق من خلاله. وكما أن وجود هذه الأرواح العلويّة أو السفليّة في الجسد المعار يجعله خليقاً بالإخبار بما حدث أو بما سيحدث أو قادراً على فهم ما جرى أو سيجري فإن ذواتنا الوهميّة التي تغوص في الرواية تشعر بمشاعر وتعيش أحاسيس أكبر وأكثف من تلك التي تشعر بها وتعيشها ذواتنا الحقيقيّة التي جفّفتها الأحداث وأقست قلوبها التجارب. ولطالما أعرب الجاحظ والتوحيديّ عن ثقتهما بدور الأدب في تهذيب الأخلاق. أو لم يكن ذلك لإيمانهما بأن ذواتنا الوهميّة أو الروائيّة، وبعد عودتها من رحلتها في ملكوت الفنون ورحاب الأدب، ستنصهر من جديد في ذواتنا الحقيقيّة فتغذّيها وتصقلها وتشذبّها؟‏

القراءة إذن ارتحالٌ وسياحةٌ في كونٍ آخر يُغني التجربة الفردّية ويوسع من آفاقها. والقارئ الذي يغادر أرض الواقع في بداية الرواية ليلج الكون الروائيّ يرجع إليها في النهاية وقد غذتّه الرواية.‏

لقد كان الشاعر العربيّ القديم يقول: اغترب تتجدّد. ويسعنا اليوم أن نقول كذلك: اقرأ تتجدّد.‏

1-2-الدوار‏

إن واحدةً من أكثر تجارب القراءة إثارةً لاضطراب القارئ هي تلك التي تجعله يتقمّص شخصيّةً تختلف عن شخصيّته وتجعله يتلفّظ بأفكارٍ وآراءٍ بعيدةٍ كلّ البعد عن أفكاره وآرائه الخاصة وإذا كان هذا التماهي بين ذات القارئ والشخصيّة الروائيّة يتحقّق في كلٌ النصوص الروائيّة فإنه يتجلّى على نحوٍ قويٍّ في النصوص التي تستخدم ضمير المتكلّم. فحين أقرأ مثلاً يوميّات نائب في الأرياف فإنّي أحلّ في إهاب الراوي الذي يقص الأحداث، ويختلط صوته خلال فترة من الوقت (زمن القراءة) مع صوتي فلا أكاد أميّز أحدهما عن الآخر. ويحدث الأمر ذاته فأتيه عن نفسي مع راوي موسم الهجرة إلى الشمال أو مع راوي جان بول سارتر في (1905-1980) الغثيان. (1938).‏

هذه التجربة تجربةٌ تثير قلقاً في النفس. لماذا؟.‏

يكمن الجواب في الواقعة النفسيّة التالية. إن كلّ ما أفكّر فيه يكوّن جزءاً من عالمي الباطنيّ وعنصراً تأسيسيّاً من مجموع العناصر التي تكوّن حقيقتي الأولى وتوازني الضروري، ولكني حين أباشر القراءة فإني أحتضن أفكاراً وآراء تنتمي انتماءً جليّاً إلى عالمٍ داخليٍّ آخر غريبٍ عن عالمي الخاص. ولكن هذه الأفكار الغريبة والمشاعر الأجنبيّة تشغل ذهني وتملأ عالمي عن غير إذنٍ ولا رضىً مني كما لو أنّني لست موجوداً بعد. وهذا أمرٌ لا يطاق ويصعب قبوله خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّه لابد لكلّ فكرةٍ من كائن يفكر بها. وهذا يعني أن تلك الأفكار الغريبة عنّي والتي تسكنني ثم تنمو وتتطوّر لابدّ أن يكون لها كائنٌ أجنبيٌّ يحملها في باطني ويقيم في داخلي أنا وأجهله كلّ الجهل. فلا جرم أن يكون استبطان الآخر هذا يقلقنا بقدر ما يسحرنا. فأن نكون من لا نكون ولو لزمنٍ قصير أمرٌ تهتزّ له دعائم شخصيّتنا. والقارئ الذي يتحوّل إلى وسيلةٍ تلجأ إليها تجربةٌ غريبةٌ عليه كي تتجسّد أو يصير شاشةً تنعكس عليها حياةٌ أخرى غير حياته تختلط عليه ملامح هويّته الخاصة وتختلط عليه الأسباب ولا يعود يعرف من هو على وجه اليقين.‏

أن نقرأ هذا يعني أن تصبح حدود شخصيّتنا مباحةً للآخرين فتجتاحها التيّارات والانطباعات والأفكار الكامنة في الكتاب الذي نأخذ بين أيدينا. وتنطلق من قمقمها كجنّي علاء الدين وتتجسّد في عالمنا الداخليّ منذ أن نشرع في القراءة.‏

فأن نقرأ كتاب الأيّام (1929) لطه حسين هو أن نعيش حقّاً ما عاشه الصبيّ الضرير في قريته والألم الماحق الذي أخذته بتلابيبه حين ماتت أخته الصبيّة لإهمال أهلها الآثم وأن نجعل الإشارات أو الصرخات الغاضبة التي تصدر عن الكاتب الذي يرجع وقد بلغ مبلغ الرجال إلى موطن طفولته الشقيّة إشاراتٍ وصرخات غضبٍ تصدر عنّا نحن الذين بلغنا مبلغ الرجال ونرجع إلى موطن طفولتنا الشقيّة.‏

وسواء أكان الأمر متعلّقاً بالناحية النفسيّة للقراءة أو ببعدها الفيزيائيّ حقاً فإنّ تمثّل شخصٍ آخر يفترض بالضرورة أن نخرج إلى نحوٍ ما من حدودنا.‏

إنّ انهيار دعائم وجودنا هذا انهياراً مؤقّتاً هو ما يشرح ولا ريب ما اعتاد بعضهم على وصف القراءة بأنها حيرةٌ أو دوار يضطرب فيه الإنسان بين القلق والغبطة. ذلك أنّ القراءة تستبدل ما نحن عليه عادةً أي أجزاءٌ من خطاباتٍ شتّى تصدر عن جهاتِ شتّى تجعل منا كائنات ممزّقةً مليئةً بالتناقضات وبالعواطف المتباينة بكائنٍ مسحورٍ، كائنٍ قارئٍ فذّ ليس ينطبق كلّ الانطباق على حقيقتنا المُتشعّبة ولكنه ليس بكائنٍ آخر.‏

1-3-تأمّلٌ ومساهمةٌ‏

ولكن اندماج القارئ في عالم النصّ قد يرتدي أشكالاً مختلفةً غاية الاختلاف. ويرتبط هذا إلى درجةٍ بعيدةٍ بالمسافة التاريخيّة التي تفصل بين القارئ وبين عهد النصّ المقروء. فحين يكون القارئ معاصراً للنصّ فإنّ القراءة يمكن لها أن تجدّد من أحاسيسه وربما تجعله يغيّر من طريقة رؤيته للكون وإدراكه للأشياء.‏

كيف يمكن أن نشرح هذه الظاهرة؟‏

إنّنا نفسّرها بتحوير النصّ الأدبيّ لمعطيات العالم وبتغييره لها. إنّ رواية عبد الرحمن منيف (1933) شرق المتوسّط (1975) تجعل من القمع البوليسيّ نابضاً سرديّاً أساسيّاً في أحداثها التي تجري في دولةٍ ما من دول الشرق الأوسط العربيّة. وتعرض الرواية وقائعها وتصف رعب حامد من خلال حامد نفسه. وليس بمقدور القارئ العربيّ الذي يعي الأحداث من خلال ضمير حامد المقهور إلاّ أن يتأمّل في طبيعة هذه الأنظمة السياسيّة الحديثة والمخيفة سواء أكان هذا القارئ ينتمي إلى هذا القسم من الوطن العربيّ أو إلى قسمه الإفريقيّ.‏

وتقود رواية غسان كنفاني (1936-1972) رجالٌ في الشمس (1963) مجموعة من العمّال الفلسطينيين الباحثين عن سراب الثروة في إحدى الدول العربيّة المنتجة للنفط أو عن لقمة عيش فيها إلى الموت اختناقاً في صهريج حوّلته شمس الصحراء العربيّة إلى جحيمٍ ذي عجلات. وهذه الرواية تقود قارئها على نحوٍ منطقيٍّ إلى أن يتساءل عن هذا الجانب من وضع اللاجئين الفلسطينيين وإلى إضافته كبعدٍ جديدٍ في الكارثة الفلسطينيّة.‏

وكذلك رواية الفرنسيّ جان بول سارتر الغثيان تدفع قارئها إلى التساؤل عن معنى الوجود عامة وعن معنى وجوده الشخصيّ على وجه الخصوص.‏

إن إيزير يصف سلوك القارئ هذا بأنه سلوك مشاركةٍ ومساهمةٍ.‏

وحين تنهض مسافةٌ زمنيّةٌ كبيرةٌ بين عهد القارئ وأيام النصّ فإن أوّل ما يسعى إليه القارئ هو أن يعيد بناء ظروف كتابة النص التاريخيّة. فحين يقرأ أحدنا اليوم رواية معروف الأرناؤوط سيد قريش فإنّه يحاول خصوصاً أن ينشئ الأفق الثقافيّ الذي كان يحيط بالكاتب الشاميّ حين كتب روايته في الثلث الأول من القرن العشرين. وهذا المحيط الفكري يجعلنا قادرين على إدراك تصوّر معروف الأرناؤوط لمشكلة بعث الأمة العربيّة. وما تكشف عنه قراءتنا للرواية هو ما كان عليه وعي مثقّفٍ عربيٍّ عاش العقود الأخيرة لهيمنة الدولة العثمانيّة على البلاد السوريّة ثم هزيمتها أمام الثورة العربيّة وعاصر دخول استعمارٍ جديدٍ. وما كان يتخيّله من وسائل لبعث الأمّة العربيّة.‏

إنّ تجربة معروف الأرناؤوط هذه قد فرضت عليه شكل معالجته الروائيّة لتجربة بعث الأمة العربيّة الأوّل أيام الرسول العربيّ.‏

وتصبح الظاهرة أوضح حين نقرأ نصوصاً قديمةً أو متأخّرةً. فكتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ (1095-1188) يرغم القارئ العربيّ المعاصر على تعديل رؤيته الشخصيّة للكون بقدر ما ترغمه على إعادة بناء الأفق الثقافي الذي يسبغ على النص معناه ولحمته. فهذا النصّ الذي أملاه الأمير السوري على كاتبه مقتبساً بنية كليلة ودمنة يضع القارئ أمام حياةٍ سياسيّةٍ عاصفة في قرن يملؤه الصخب والعنف سقطت فيه القدس أمام فرسان الحملة الصليبيّة الأولى وبنى هؤلاء فيه دولاً وممالك على الساحل السوري وبزغ فيه نجم زنكي فأوقع بالصليبيّين أولى هزائمهم وطردهم من الرها في عام (1144) وكانوا قد أقاموا فيها إمارةً منذ (1097) ثم بنى فيه ابنه نور الدين دولته بعد أن دخل دمشق عام (1154) وظهر فيه أخيراً صلاح الدين بن أيوب فأنهى دولة الفاطميّين في القاهرة (1171) وأعاد مصر لبني العبّاس قبل أن يشمر عن ساعديه لطرد الصليبيّين من القدس عام 1187.‏

إنّ ما يعيد القارئ بناءه إذن هو إشكاليّةٌ سياسيّةٌ وثقافيّةٌ تخصّ ذلك القرن الثاني عشر المضطرب. والقارئ يكتشفها لأنها قائمةٌ في صلب النصّ الأدبي ذاته ولأنها مادة النص الخام ووعيه المجرّد معاً.‏

ويصف إيزير سلوك القارئ هذا بأنه سلوك تأمّلي.‏

وعليه فإنّ هناك مشاركةٌ ومساهمةٌ حين يتجاوز القارئ وضعه الضيّق والمحصور في حياته اليوميّة. وهناك تأمّلٌ حين يبلغ رؤية للكون ليست من عالمه الثقافي ولا من أفقه المألوف.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244