|
||||||
| Updated: Monday, April 26, 2004 02:23 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
2-متعة اللعب 2-1-"البليينج" و"الجيم". لقد رأينا فيما سبق أن ميشيل بيكار يقترح أن نفهم تلقّي النصوص الأدبيّة حسب أنموذج اللعب. وتجمع القراءة إذا أخذنا بهذا القول بين صنفين من صنوف التسلية مختلفين كلّ الاختلاف. ويسمّي بيكار الصنف الأول (Playing) ويسمّي الصنف الثاني (Game). وتشير المفردة الأولى إلى أنواعٍ من اللعب تقترح على اللاعبين أدواراً يلعبونها أو يتظاهرون بلعبها. وهي تقوم بشكل أساسيّ على تماهي اللاعب مع صورةٍ أو شخصيّةٍ وهميّةٍ. ومن هذا القبيل لعبة "الحرامي والشرطي" وأمّا المفردة الثانية فهي تشير إلى ألعابٍ تحتاج معرفةً وذكاءً وحساً بالاستراتيجيّة كتلك الكفاءات التي يحتاجها لاعب رقعة الشطرنج على سبيل المثال. وبينما تسمح طبيعة لعب الجيم باتخاذ مسافة بين الفرد والموضوع أو بين اللاعب واللعبة فإن ألعاب البليينج تضرب جذورها في خيال القارئ وتوهّمه. وعليه فإن القراءة الأدبيّة هي لعبة أدوارٍ (بليينج) ولعبة قواعد (جيم) معاً. ومن المستحيل أن نقرأ روايةً دون أن نتماهى مع شخصيّاتها وأن نتحد بها. ولكنه من المستحيل كذلك أن نقرأها دون أن نلتزم بعددٍ من القواعد الاتفاقيّة وبمعجم الرموز الاصطلاحية وعقود القراءة. 2-2-تورّطٌ ومراقبةٌ. لقد رأينا فيما سبق أن القارئ مسوقٌ باستمرار إلى جدليّةٍ دائمة بين استباق الأحداث وبين الرجوع إلى الوراء حين يبني تلقّيه للنص الأدبيّ. فعليه أن يبدأ بتخيّل أشكالٍ يملأ بها فراغات النص ثم ينبغي عليه أن يغيّر منها أو أن يطرحها بعيداً إذا ظهر له فيما بعد أنها لا تتفق مع بقيّة الحكاية. ينبغي علينا إذن أن نميّز بين مسارين أو بين عمليّتين. فإذ يملأ القارئ فراغات النص بتصوّراتٍ تنبع من تجربته الفرديّة الخاصّة ومن أوهامه الذاتيّة فإنه ينخرط بكليّته في النص يتبنّاه ويتورّط فيه. ولكنه يرغم على أن يبتعد عن تصوّراته نفسها حين يعارضها النص وأن يهمل توقّعاته حين تكذّبها بقية أحداث الرواية. وعندها يستطيع أن يراقب ذاته وهي تشارك في فعل القراءة. ولنضرب على قولنا هذا مثالاً من رواية كوكب القردة لكاتبها بيير بول. وتبدأ الحكاية حين يعثر جين وفيليس وهما يقومان بنزهة في الفضاء على زجاجةٍ مغلقةٍ تحتوي على قرطاسٍ. ويقرآن في القرطاس قصة رجلٍ حطّ عقيب رحلةٍ قام بها في رحاب الكون فوق كوكبٍ تحكمه قردةٌ فطنةٌ. وبما أن الكاتب لا يصف لنا شخصيْ جين وفيليس ولا ملامحهما فإنّ القارئ يملأ هذا الفراغ القائم في النص الروائي بتصوّرات من ثقافته العامة ومن ردود فعله التلقائيّة. ويتخيّل أن جين وفيليس زوجان شابان. ولكن الكاتب يكشف للقارئ في نهاية القصة أنّ هاتين الشخصيّتين هما في الحقيقة قردان وليسا كائنين بشريّين! وهنا يجد القارئ نفسه مرغماً على تعديل تصوّره الأول. وإذ يفعل فإنّه لا يستطيع إلاّ أن يعمل النظر بميله التلقائي إلى إسباغ الصفات البشريّة على ما يتخيّله والذي يفرض عليه نحواً من تصوّره للكون. لقد اضطّر قارئنا هنا إلى أن يتورّط شخصيّاً في القراءة قبل أن يجد نفسه مرغماً على إعادة النظر في ردّة فعله الأولى وعلى وضع نفسه موضع التساؤل. إن تفحّص الإنسان لنفسه هذا ونقده لذاته يضفيان على القراءة أهميّةً بالغةً. وللتناقضات التي أبدعها القارئ حين تخيّل تصوّراته أهميتها الخاصة بها. فهي ترغمه على اكتشاف نقص هذه التصوّرات التي تخيّلها بنفسه، وبالتالي على أن يتّخذ مسافة بينه وبين النص الذي يساهم فيه فيصبح هو نفسه موضع المراقبة أو إنه يرى نفسه على الأقل متورّطاً في النص. إنّ قدرة القارئ على رؤية نفسه منخرطاً في مسار يؤثّر فيه لحظةٌ أساسيّةٌ في تجربته الجماليّة. واستبعاد الذات ومهما كان الشكل الذي يرتديه تجربةٌ تخصب الذات أبداً. وتدفع بعض النصوص الأدبيّة ككتابات الأمريكيّ ويليام فوكنر (1897-1962) بهذا الأسلوب الأدبيّ حتى نهايته القصوى، ولقد لجأ نجيب محفوظ إلى هذه الطريقة على الأقل مرّةً واحدةً في روايته ميرامار (1967). فهو يقصُّ علينا حكايته من خلال عامر وجدي وحسني علاّم ومنصور باهي وسرحان البحيري.. وهو إذ يغيّر باستمرار من زاوية السرد يمنع القارئ من تبنّي منظورٍ واحدٍ عامٍ وشاملٍ يلمّ بكلّ أطراف النص. ويحرمه من رؤية مركزيّةٍ تجعل في مقدوره أن يوحّد ضمن منحى سرديّ واضحٍ أفكار شخصيّات الرواية ومناجاتها والتي تتقاطع وتتشابك طيلة النص. وإذ يفشل القارئ باستمرار في فكّ رموز النص فإنّه مضطرٌ لأن يتساءل حول صحة طريقته بمقاربة النص. وإذ يضطر باستمرار إلى استعادة تصوّراته الأولى وتعديلها وأحياناً إلى التخلّي عنها فإنه مرغمٌ في نفس الوقت على أن يقرأ وعلى أن يراقب نفسه وهو يقرأ! إنّ هذا النوسان الدائم بين الانخراط والتورّط تارةً والابتعاد وإعمال النظرة تارةً أخرى هو ما يجعل من القراءة واقعةً نعيشها. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |