نظريات القراءة والتأويل الأدبي وقضاياها - دكتور حسن مصطفى سحلول

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Monday, April 26, 2004 02:23 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

3-سياحةٌ داخل الزمن

3-1-النكوص إلى الوراء.‏

إنّ القراءة تجعلنا مسافرين داخل الزمن. وليست جملتنا هذه من باب الاستعارة إلاّ قليلاً. فحين نفتح صفحات رواية فإننا نقرّ ضمناً برضانا بأن نتناسى لفترةٍ من الزمن الواقع الذي يحيط بنا كي نصل من جديدٍ الجسور التي تربط بيننا وبين طفولةٍ تملأ الحكايات والقصص كلّ زواياها. وإذ تنّبه القراءة من نومها الأنا المتخيّلة، وهذه تكون عادةً في حالة سباتٍ عند الراشد المستيقظ. فإنها تنقل القارئ من جديد إلى الماضي البعيد.‏

ما الذي يجعل هذا الجزء الكامن فينا والذي ورثناه عن طفولتنا ينهض من غفلته بهذه السهولة؟.‏

إن الجواب يكمن في التشابه القائم بين حالة القراءة وحالة النوم. فوضع المرء الذي يقرأ قريبٌ، من ناحية الطاقة النفسانيّة من وضع المرء الذي يحلم. والقراءة كالنوم تقوم على سكونٍ نسبيٍّ وعلى يقظةٍ محدودةٍ (معدومةٍ عند النائم) وعلى تعطيل دور الفاعل الإيجابي لصالح دور المتلقّي السلبي.‏

وعليه فإن القارئ وقد وضع على هذا النحو في حالةٍ اقتصاد للطاقة شبيهةٍ بحالة اقتصاد الطاقة عند الحالم يترك مؤثّراته النفسانيّة تأخذ طريق الرجعية أو الارتداد إلى حالة سلوك سابقة.‏

ولقد صاغ مفهوم الارتداد هذا كريستيان ميتز Christian Metz في كتابه Le Signifiant imaginaire الدال الخيالي. ويذهب كريستيان ميتز من التمييز بين ما يدرك في حالة اليقظة وبين ما يتصوّر في حالة الحلم.‏

تَرِدُ المؤثّراتُ النفسانيّة في حالة الشخص المستيقظ الفعّال من الخارج (أي من العالم المحيط) نحو الداخل (أي الجهاز النفساني حيث تنطبع هذه المؤثّرات). ويسمّي الكاتب هذا المسار أو هذا المنحى الذي تسلكه المؤثّرات بالمنحى أو المسار التقدّمي.‏

والأمر على نقيض ذلك عند الشخص الحالم السلبيّ. فالمؤثّرات تصدر من لا وعي الشخص (وهي كائنةٌ ومنذ البداية داخل الجهاز النفسانيّ) وتوهم بأنّها خارجيّةٌ عن طريق إنتاجها لصورٍ ذهنيّة. ويسمّي ميتز هذا المسار التراجعي أو الارتدادي.‏

والمسار التراجعيّ هذا (من الداخل النفسانيّ إلى التصوّرات) هو الذي يجعل ممكناً ظهور الهلوسة والهذيان.‏

وهذا الارتداد لا يبلغ بطبيعة الحال في القراءة الدرجة التي يبلغها في حالة الحلم. وكما أن موج الارتداد يصطدم عند الشخص الذي ينظر إلى فيلم سينمائيّ بماديّة صور الفيلم وصوته فإن موج الارتداد عند القارئ يبقى مقيّداً بحامل الهلوسة أي بالكتاب نفسه.‏

ويمكننا كذلك أن نضيف ملاحظةً أخرى. فبما أن الستار اللغويّ هو أقلّ كثافةً منه من شاشة السينما فإن المسار التراجعي عند القارئ يصل إلى أبعد مما يصل إليه عند مشاهد السينما. فتصورّات القارئ الوهمية تتعامل مع عنصرٍ واقعيّ هو أقل قسراً بكثيرٍ في القراءة منه في السينما. وهذا ما يفسّر تلك الصداقة الحميمة والنادرة (والتي هي بإمكان كلّ قارئِ) التي تشدّ الشخص الذي يقرأ إلى الشخصية الروائيّة التي يقرأ ما يقع لها.‏

ويلعب خيال القارئ الشخصيّ في التوهّم دوراً يجعلنا نستطيع الحديث عن حضورٍ للشخصيّة الروائيّة داخل شخص القارئ. وليست تستطيع أي صورةٍ سينمائيّة أبداً مهما بلغت من القوّة أن تعطينا هذا الشعور بالتوحّد الذي نجده باستمرار بين شخصٍ القارئ والشخصيّة الروائيّة التي يتصوّرها. وهذا يجعلنا بدوره نفهم الإحساس بالخيبة التي تغمرنا عادةً حين نشاهد على شاشة السينما أو التلفزيون فيلماً اقتبس من رواية قرأناها. وذلك أن الشخصيّة الروائيّة التي تبلغ درجة التواجد بفضل تصوّرات القارئ التخيّليّة تبدو على الشاشة وكأنه كائن مطلقٌ مستقلٌّ بذاته يأتي إلى الوجود دون أن يساهم فيه القارئ أبداً. وذلك أيضاً لأن الصلة الحميمة التي كانت تشدّ القارئ إلى المخلوقات الروائيّة قد قطعت تماماً في العمليّة السينمائيّة.‏

وما يفقده القارئ حين تنقل الرواية إلى السينما هو قدرة الخلق والإبداع الممتعة. فهو حين يقرأ يلبس الكلمات ثياباً زاهيةً حسب سبل متعته الشخصيّة المتفرّدة والمتميّزة عن متع الآخرين. وهو حين يرى ذات الرواية منقولةً إلى السينما فإنه يتشوّق لأن يجد من جديدٍ متعته الأولى بل وينبغي لنا أن نقول إنه يتشوّق لأن يرى من جديدٍ ما كانت متعته قد كست به شخصيّات الرواية. وهو يخضع إذ ذاك لقوة التكرار القاهرة والتي تكمن في قلب المتعة ذاتها فتدفع الطفل مثلاً إلى أن يلعب باستمرارٍ نفس اللعبة وتسوق المراهق إلى أن يستمع دائماً إلى نفس الشريط الموسيقيّ قبل أن تملّه نفسه فينتقل إلى شريطٍ آخر فيرتوي منه حتى الثمالة قبل أن يتركه إلى عقار آخر. ولكن قارئ الرواية لا يرى على الشاشة أمامه "فيلمه" هو!. إن الصور التي تتوالى أمام ناظريه في الفيلم "الحقيقي" هي توهّمات شخصٍ آخر ورغبات شخصٍ آخر وصور تنبع متعة شخصٍ آخر. وهو ما يندر بنا أن نجده أمراً سائغاً.‏

من منّا، غير مخرج فيلم اللص والكلاب، كان تخيّل سعيد مهران على صورة شكري سرحان أو كان تمثّل نور على ملامح شادية؟ من قارئٌ للثلاثيّة يرى دون أسفٍ يحيى شاهين وقد أخذ مكان أحمد عبد الجوّاد تلك الشخصيّة الفريدة والعصيّة على التمثيل والتي كان قد تخيّلها حسب حياته الخاصة الفريدة وحسب ماضيه الفريد والخاص به؟‏

إنّ فرض وجهٍ معيّنٍ (حتى ولو كان وجه شكري سرحان أو سعاد حسني!) على الشخصيِة الروائيّة يسلبنا حقّنا ونصيبنا منها.‏

3-2-"الطفل الذي يقرأ فينا".‏

إنّ الطفل الذي يقرأ فينا إذن هو الذي يجعلنا نؤمن بالقصص المتخيّلة ونصدّقها. إنّه زمنٌ كانت تسود فيه الخرافة ولم نكن نميّز فيه بين ماهو كائنٌ وبين ما كان يحلو لنا أن يكون!. من منّا لم يؤمن بالغول؟ من منّا لم يؤمن بعنترة بن شدّاد؟‏

إنّ هذا القبول الجذل بالوهم لا يختفي أبداً اختفاءً كاملاً. وإنّ ما كنّا نؤمن به أطفالاً يعود فينشط في سنّ الرّشد إذا توفّرت لذلك بعض الظروف (منها ظرف القراءة) وهو يكمن خلف ما نؤمن به كباراً. ما إن نفتح روايةً حتى يرجع الطفل الذي فينا ثانيةً ويظهر كرّةً أخرى. على هذه الدرجة من القوّة أو تلك.‏

وهذا الطفل الكامن فينا يصرّ ويتشبّث. إنّه هناك يقرأ ويلهو متحرّراً من قواعد المنطق الضيّق وعابثاً بمقولات الزمان والمكان. واستسلام القارئ المنافق لوهم القراءة يقوم على إيمان الطفل الساذج والعميق بعالم الخيال.‏

وبكلماتٍ أخرى إنّ القارئ البالغ يستخدم الطفل الكامن فيه كعذرٍ ليؤمن خلال فترة القراءة بما يرفضه منطقه كراشدٍ في مكانٍ آخر. وهكذا نجد الطفل وسيطاً أو شاهداً أو بطلاً يختبئ خلفه القارئ الراشد في كثيرٍ من القصص الخياليّة وخصوصاً منها الرواية القائمة على المبالغة أو الأحداث الخارقة للعادة أو البطولات الفذّة كسيرة الملك سيف بن ذي يزن أو سيرة فيروز شاه أو في الروايات البوليسيّة.‏

أن نقرأ هو إذن أن نعيد الصلة كرّةً أخرى مع ما كنا نؤمن به صغاراً. وبكلمةٍ أخرى مع ما كنّا نشعر به. والقراءة التي طالما فتحت لخيالنا في الماضي عوالم لا حدود لها تبعث ذلك الماضي من جديدٍ كلّما شاقنا الحنين إليه وفتحنا روايةً نقرؤها. وبهذا المعنى فإنّ أوّل ما قرأناه هو الرحم الذي تخرج منه قراءاتنا اللاحقة.‏

ما عمرنا حين نقرأ؟‏

ولنجب وبدون تردّد: عمر الطفولة!. إنّنا نقرأ كأطفالٍ مهما كان عمرنا حسب البطاقة الشخصيّة وعلى ضوء أوّل مرّةٍ قرأنا بها أطفالاً ومن خلال هاجسها. إنّ أوّل حرف في القراءة هو الرغبة الحارقة. والقراءة شهوةٌ طفوليّةٌ. وحين نراود النصّ بالنظر أو بالقلم فإنّنا نرتاد أرض جنةٍ سلفت ونضارةً مضت ووثبة خيالٍ جموحٍ عقل في مطلع حياتنا الواعية.‏

إنّ القراءة هي قبل كلّ شيءٍ ثأر الطفولة.‏

3-3-رجعة الماضي العاطفي.‏

إنّ باستطاعتنا أن نقول، وبشكل أكثر دقّةٍ، إنّ القراءة ترجعنا إلى ماضينا بكيفيتين متميّزتين كما برهن على ذلك ميشيل بيكر Michel Picard في كتابه قراءة الوقت. Lire Le temps.‏

نستطيع أن نلخّص الكيّفيّة الأولى بقولنا: إنّ اتحادنا مع بعض المواقف الروائيّة يجعلنا نعيش من جديد القصص الوهميّة التي أنشأناها في طفولتنا.‏

وأمّا الكيّفيّة الثانية فهي أنّ بعض تفاصيل النصّ المقروء توقظ فينا صوراً باطنيّةً دفينةً وهي ما يسمّى "بشاشة الذكرى".‏

وسوف ندرس الكيّفيّة الأولى التي ترتبط بأثر الرواية في الفصل السادس الذي نخصّصه لهذا الموضوع وسوف نكتفي هنا بأن نشير على عجل إلى النقطة الثانية.‏

إنّ شأننا، حين نقرأ نصّاً، بتخيّل أداةٍ ما أو بتصوّر مشهد ما أو بتمثّل شخصيّة روائيّةٍ ما يبعث فينا ومن باطننا صوراً كانت خبيئةً يصعب علينا في كثيرٍ من الأحيان أن نقول على وجه الدّقّة من أين أتتنا. فبندقيّة محمّد المسعود في (صخرة الجولان) ووجه مصطفى سعيد أو ليالي لندن في (موسم الهجرة إلى الشمال) هي تصوّراتٌ تختلف من قارئٍ لآخر وأحياناً عند نفس القارئ من عمرٍ لآخر رغم وحدة التفاصيل التي تقترحها الروايتان على القرّاء.‏

حين يكتب نجيب محفوظ في مطلع قصر الشوْق:‏

"أغلق السيّد أحمد عبد الجوّاد باب البيت وراءه، ومضى يقطع الفناء على ضوء النجوم الباهت في خطواتٍ متراخيةٍ، وطرف عصاه ينغرز في الأرض التربة كلّما توكأ عليها في مشيته المتثائبة". من أين تأتينا الصورة التي نكسو بها شخصيّة أحمد عبد الجواد؟ من أين تأتينا صورة الفناء الغارق تحت ضوء النجوم الباهت؟. كيف هي "الخطوات المتراخية"؟ كيف نرى "المشية المتثائبة"؟.‏

ليس بالأمر اليسير أن نجيب على هذه الأسئلة. ولكن الأمر الذي لا ريب فيه هو أنّ هذه الصور جميعها وعلى تباينها من فردٍ لآخر تنبثق من ماضٍ متفرّدٍ خاطفٍ ولا نعيه دائماً.‏

إنّ كلمةً واحدةً تبعث فينا أحياناً ماضياً قد غبر. والنصّ الأدبيّ يرجع كلاًّ منا لقصّته الخاصة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244