|
||||||
| Updated: Monday, April 26, 2004 02:23 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل السادس :مسألة وقع القراءة وأثرها على القارئ 1-مرامي القراءة الأدبيّة 1-1-التأثير والإمتاع إن كانت القراءة تجربةً فذلك لأن النصّ يؤثّر في القارئ بطريقةٍ أو بأخرى. ونحن نستطيع بشكلٍ عامٍ أن نميّز بين نوعين من النصوص الأدبيّة. فبعضها تعمل عملها في القارئ على نحوٍ ملموس فتعزّز من قناعاته الفكريّة السابقة ومن سلوكه الواقعي أو تعدّل منها تعديلاً ملموساً. وتكتفي نصوصٌ أدبيّةٌ أخرى بالترويح عنه وإدخال السرور على قلبه. وينبغي علينا ألاّ نهمل نصوصاً أدبيّةً كثيرةً نصنّفها للوهلة الأولى حسب صنفها أو حسب عنوانها أو حسب ما يحيط بها في أحد هاتين المجموعتين بينما هي تنتمي حقاً حسب مراميها البعيدة إلى المجموعة الثانية. فلقد تزعم بعض الكتابات أنها تعمل على تسلية قارئها وأن غايتها اللهو والعبث بينما هي تسعى في واقع الأمر إلى دفعه لاتخاذ موقفٍ فكريٍّ معيّنٍ أو لإقناعه بوجهة نظر محدّدة. ولنأخذ على سبيل المثال واحدةً من مقامات بديع الزمان الهمذاني. هي المقامة القريضيّة. فنحن نعرف أن مقامات الهمذاني حكاياتٌ قصيرةٌ، مختلفة المواضيع لطيفةٌ طريفةٌ ومسجوعةٌ أبدعها خياله. وهي قليلة الحظّ من الفنّ القصصي عامّةً لأن غرض البديع فيها كان التفنّن في الإنشاء وإيراد الحكم والأمثال وتصوير شخصيّة بطلها وحيله الغريبة وأساليبه العجيبة في التسوّل والكدية. ولذلك أسماها: "مقامات الكدية". على أن ضعف الفنّ القصصي فيها وغلبة البراعة والسخرية وخفة الروح عليها لم يمنع أن يكون في بعضها كالمقامة القريضية مثلاً غايةً أخرى. ويسلك الكاتب في مقامتنا هذه سلوكه في بقيّة مقاماته، ويلتزم فيها كلّ الالتزام بالقواعد التي استنّها في هذا الفن الفريد. فهناك الراوي (عيسى بن هشام) والقوم من حوله وهناك البلد البعيد (خوارزم). وهناك اللقاء مع الشخص الغريب (أبو الفتح الإسكندري) الذي يثير فضول الجماعة ويقود حبل الحكاية إلى نهايتها المألوفة. وهناك كما في بقيّة المقامات الجملة القصيرة الأنيقة والمسجوعة. وهناك التناصّ الذي يلجأ إليه فن المقامة على نحوٍ شديدٍ. فهناك تناصٌ بقول ينسب للحباب بن المنذر (أنا عُذْيْقُها المُرَحَّبُ وجُذَيْلُها المُحَكَّكُ) وآخر بجملة تذكّر بالمتنّبي (وأسمعت كلماتي من به صمم)1-. يسعى الهمذاني إذن في هذه المقامة من خلال لجوئه إلى مجموع حيل فنّ المقامة وحسب ظاهر الأمور إلى ما يسعى إليه أيضاً في بقيّة المقامات من إمتاع القارئ وتسليته. ولكن سرعان ما يبدو للعين اليقظة أن الكاتب يريد بالإضافة إلى ذلك أن يثير اهتمام القارئ بمسألة كانت تشغل أوساط أهل الأدب وأنّه يعملُ على إقناعه بوجهة نظر معيّنةٍ. لقد كانت المُفاضلة بين الشعراء والقول بأنّ فلاناً أشعر من فلانٍ إطلاقاً واحداً من أسس النقد. وكانت المفاضلة بين القدماء (شعراء دولة بني أميّة وما قبلها) وبين المتأخّرين (شعراء دولة بني العبّاس وما وليها) تملأ المجالس الأدبيّة في حضرة الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عبّاد الطالقاني (938-995) التي كان يرتادها أبو الفضل أحمد بن الحسين. فقام الخلاف بين الأدباء وصيارف الكلام: أيّ الفريقين خير منزلةٍ في الأدب وأحسن مقاماً فيه؟ وأدلى فيه الهمذاني بدلوه مع دلاء الآخرين وخصوصاً أبي بكر الخوارزمي (935-993). ويعلن أبو الفتح الإسكندري في المقامة القريضيّة ناطقاً ولاشك بلسان الكاتب بأن المفاضلة بين كلّ شاعرين عسرةٌ لا يتهجّم عليها ولا تجوز لناقدٍ. وأن خير ما يذكره حكمٌ منصفٌ هو الإذعان لأحدهما بنوعٍ وللآخر بفنٍّ. كأن نقول "الفرزدق أمتن صخراً وأكثر فخراً وجرير أوجع هجواً وأشرف يوماً إلخ...". وأمّا القول الفصل فيما شجر بين النقّاد بخصوص القدماء والمحدثين فبديع الزمان الهمذاني يقتدي بما ذكره أبو العبّاس المبرّد (826-898) في الكامل ويحاول أن يقنع القارئ بأنه "ليس لقدم العهد يفضّل القائل، ولا لحدثان العهد يهتضم المصيب، ولكن يعطى لكلّ ذي حقٍّ حقّه". وهاهو أبو الفتح يعلن في مقامة تسعى إلى التسلية أمراً على غاية الجد: "المتقدّمون أشرف لفظاً، وأكثر من المعاني حظّاً، والمتأخّرون ألطف صنعاً، وأرقّ نسجاً". لقد جمع الهمذاني هنا بين التسلية الظاهرة والتفكير العميق. واستخدم شكلاً من أشكال اللهو ليطرق باباً خطراً. وبالنظر إلى مرامي النصّ وطموحه بالتأثير بالقارئ فالقراءة ليست أبداً نشاطاً محايداً. 1-2-الجمعي والفردي. هناك طريقتان لإدراك الآثار الملموسة التي يتركها عملٌ أدبيٌّ ما. فنحن نستطيع أن ندرس القراءة من خلال نتائجها العامّة على مجتمع ما. أو من خلال تأثيرها الخاص على قارئ محدد. أي أنّنا ننظر إليها في الحالة الأولى من خلال علاقتها مع جمهورٍ من القرّاء بينما ننظر إليها في الحالة الثانية من خلال علاقتها مع فردٍ واحدٍ. إنّ دراسة تأثير النصّ على الجماعة يجعلنا نعيد للنصّ بعده الثقافيّ وذلك من خلال المسلّمة التالية: ليس القارئ فرداً منعزلاً في الساحة الاجتماعيّة وهو ليس يعيش متفرّداً على جزيرة حيّ بن يقظان! وعليه فإن التجربة التي تنقلها القراءة لابدّ لها أن تلعب بالضرورة دوراً في تطوّر المجتمع العام. ويرى جوس Jauss أن تأثير القراءة قد يتخذ أشكالاً ثلاثةً متميّزةً. فهي قد تنقل الأنموذج المعياري كما ورثه المجتمع من تاريخه. وقد تبدع أنموذجاً معياريّاً جديداً تقترحه على مجتمعها. وهي قد تحدث قطيعةً في الأنموذج السائد وسط هذه الجماعة الإنسانيّة. ويمكن للعمل الأدبيّ أن يعلن شرعيّة القيم المهيمنة في مجتمعٍ ما ويعمل على نقلها كما هي وهذه حالة الأدب الرسميّ أو حالة الأدب الذي يلجأ إلى النماذج الجاهزة. وقد يطالب الكتاب بقيمٍ جديدةٍ مستحدثةٍ ويعمل على إضفاء الشرعيّة عليها وهذه حالة الأدب التعليميّ أو الأدب المناضل. وقد يقطع العمل الأدبيّ صلاته بالقيم التقليديّة بأن يجدّد أفق انتظار القارئ وبأن يغيّر من تطلّعاته.. وباستثناء حالة الكتب الأدبيّة الرسميّة أو القصص الجاهزة فإنّه يكفي أن يحمل نصٌّ ما على نحوٍ واعٍ أو لا القيم السائدة في عصره كي يلعب دوراً اجتماعيّاً في نقل النماذج المعياريّة في هذا المجتمع وبالتالي في تعزيزها وتدعيم أركانها. فإذ يمجّد كتاب كليلة ودمنة من دور السلطان (الأسد في غابة الحيوان) ويدعو إلى الامتثال له والخضوع له حفظاً على أمن الجماعة وحسن سيرها وهو إذ ينادي باحترام الوالدين والروابط الاجتماعية وبضرورة احترام النظام القائم على معايبه لأنه خير من الفوضى وشرورها فإن الكتاب ينقل القيم التي قام عليها المجتمع العربيّ الإسلاميّ أيّام دولة بني العبّاس. وعليه فإن قيمة الكتاب في البصرة في القرن الثامن الميلاديّ كانت أبعد بكثير من حياة المربد الأدبيّة ومهاجاة شعرائه. ومع ذلك فإنّ العمل الأدبيّ يمكن له عن طريق القراءة أن يفتي بشرعيّة قيمٍ جديدةٍ بدلاً من الاكتفاء بضمان القيم المسيطرة. ولا تكتفي القراءة عندها بنقل النماذج المعياريّة ولكنها تخلق مراجع جديدة. وهذا ما نراه في مجموعة من الروايات العربية التي ظهرت في نهاية العقد السادس ومطلع السابع. كرواية المصري صنع الله إبراهيم (القاهرة 1937) تلك الرائحة (1966) والسوري هاني الراهب (اللاذقية 1939) شرخٌ في تاريخ طويل (1970) والكويتي إسماعيل فهد إسماعيل كانت السماء زرقاء (1971) والأردني عبد الرحمن منيف الأشجارُ واغتيال مرزوق (1973). فقد طالبت جميعها بأن نبحث في واقع المجتمع العربيّ وطبيعة أنظمته تفسيراً لتخلّفه ولهزيمته أمام الأعداء. وهي إذ فعلت ذلك فإنّها كانت تدير ظهرها للتفاسير الشائعة آنذاك والقائمة على موضوع المؤامرة الخارجيّة وتواطؤ الطابور الخامس والجواسيس العملاء. وكان نجاح هذه الروايات حسناً في الأوساط العارفة ففرض حساسيّةً جديدةً وبشّر برؤيةٍ جديدةٍ ونقدٍ مختلفين. وقد تظهر القطيعة مع الأنموذج السائد في الحقل الجماليّ. وهنا يؤكّد العمل الأدبيّ الخلاّق صفته التجديديّة بأن يغيّر من أفق انتظار القارئ الأدبيّ. ولقد ساهمت رواية البحث عن وليد مسعود عند ظهورها بتغيير حساسيّة القارئ الجماليّة. فبينما كان القارئ معتاداً على الصيغ الجاهزة كما نجدها عند إحسان عبد القدوس أو نوع من الغنائيّة العاطفيّة كما نجدها عند نجيب محفوظ جاءنا جبرا إبراهيم جبرا بأسلوب صارم ودقيق يكتفي بالإيحاء والإشارة أكثر مما يلجأ إلى الشرح والوصف. وترسم جمله عالماً داخليّاً أكثر قسوةً وعنفاً ومواقف معقّدةً تنبع من ضمير الشخصيّة الروائيّة أكثر مما تصدر عن تناقضها مع المجتمع المحيط كما هي في أغلب الأحيان عند أستاذنا نجيب محفوظ. ومن شأن معالجةٍ كهذه أن تمتد من ميدانها الأدبي المحدد إلى الميدان الاجتماعي الواسع بأكمله. وهكذا نخلص إلى أن للأعمال الأدبية بفضل القراءة تأثيراً عظيماً على تطوّر العقليّات. فهي تزيد من سلطان سلوكٍ وعاداتٍ قائمةٍ أو أنها تحثّ على اتخاذ سلوكٍ جديدٍ وعاداتٍ جديدةٍ. وقد تعدّل من ذوق الجمهور فيتطلّع إلى أمرٍ جديدٍ ويسعى إليه. وأمّا تحليل الأثر المحصور فإنّه يهدف شيئاً آخر. هو أن يستخلص وقع النصّ على قارئ بعينه. أي أنّه يعنى بأثر الكتاب الملموس أكثر مما يهتم ببعده الثقافي. وبما أن تأثير القراءة على الشخص المنفرد يسبق تأثيرها على المجتمع ويحدّده فإننا سندرس في هذه الصفحات الأخيرة من كتابنا تلقي النصّ عند القارئ المنفرد. 2-من النص إلى الواقع. 2-الأثر والتلّقي لكي نحيط بأثر القراءة على القارئ فإنّه ينبغي علينا أن نضع نصب أعيننا الفاصل الذي يقيمه جوس بين ما يسميّه "أثر النص" وهو ما يفرضه النصّ الأدبيّ نفسه على القارئ وبين ما يطلق عليه "تلقّي النصّ" وهو من شأن القارئ المتلّقي حرّاً ونشيطاً. وإنّه لأمرٌ ذو معنى أن نجد تقسيماً مشابهاً لهذا عند ناقدٍ آخر وهو إيزير . فهذا الأخير يرى أن للنصّ الأدبيّ قطبين. هما "القطب الفنّي" و "القطب الجماليّ". ويُرجع القطب الفنيّ إلى النصّ الذي يخلقه كاتبه. بينما يُرجع القطب الجماليّ إلى تمثّل القارئ لنفس النصّ. وعليه فإن هناك بعدين في عمليّة القراءة. ويشمل البعد الأول كلّ القرّاء لأنه قائمٌ في النصّ ومفروضٌ ومحدّدٌ به. ويختلف البعد الثاني ويتنوع إلى مالا نهاية له لأنه متعلّق بما يسقطه القارئ المنفرد على النصّ ولأن كلّ قارئٍ يختلف عن غيره اختلافاً لا نهاية له. فحين أقرأ على سبيل المثال يوميّات نائب في الأرياف فإنني لا أستطيع أن أختار الزاوية التي أنظر منها إلى أحداث الرواية. وما أعرفه عنها ومنها هو ما يريد الراوي الذي يستخدم ضمير المتكلّم أن أعرفه. وليس بوسعي البتة أن أعرف وقائع الأحداث ولا أن أدركها إلاّ من خلال نظرته وإدراكه لها. وأنا أنظر إليها من خلال عينيه وأنا أفهمها من خلال الكلمات التي يختارها هو وينقلها إلي وعلى النحو الذي يريد! وإذن فإن النصّ يفرض عليّ منظوري للأحداث. وهو "أثر النصّ" العائد للقطب الفنيّ. ولست بقادرٍ أن أتحرّر من قيود هذا المنظور واللجوء إلى قطبي الجمالي الخاص بي إلاّ في وقتٍ لاحقٍ، وعندها فقط أستطيع أن أعتبر منظور الراوي مشروعاً أو لا. وعندها يمكنني أن أركن إليه أو أن أطرحه بعيداً!. ومهما يكن موقفي من النصّ فليس الأمر بعد أمر الأثر الفني الذي يتركه النصّ وإنما هو أمر "تلقّي النصّ" الجمالي. إنّ هذا التمييز بين "أثر النصّ" وبين "تلقّيه" يجعلنا ندرك أن العلاقة بين القارئ والنصّ هي وعلى وجه الدوام علاقةٌ سلبيةٌ وإيجابيّةٌ معاً منفعلةٌ وفاعلةٌ في نفس الوقت. وليس يستطيع القارئ أن يستخلص تجربته من القراءة إلاّ بمقارنة رؤيته للعالم مع الرؤية التي يتضمّنها النصّ. إنّ تلقّي القارئ الذاتيّ مشروطٌ بأثر النصّ الموضوعيّ. ولأنّ الجريمة والعقاب تضعني موضوعياً في منظور قاتلٍ يعذّبه ضميره فإنني أستطيع ذاتيّاً أن أعدّل من رؤيتي للجريمة والمجرمين. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |