نظريات القراءة والتأويل الأدبي وقضاياها - دكتور حسن مصطفى سحلول

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Monday, April 26, 2004 02:23 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

2-2- المعنى "والتعبير عنه"

ليست القراءة إذن وهي تقود القارئ إلى أن يتمثّل رؤية النصّ في رؤيته الذاتيّة عمليّةً سلبيّةً أبداً. وليس يستخلص القارئ من العلاقة التي يقيمها مع النصّ معنىً وحسب ولكنّه يستخلص كذلك منه "تعبيراً". ويمكننا أن نعرّف مستوييْ الفهم هذين بقولنا إن المعنى يرتبط بفكّ رموز النصّ خلال عمليّة القراءة نفسها بينما يشير "التعبير" إلى ما سيتغيّر في حياة القارئ بفضل المعنى الذي أستخلصه. أي أنّ "التعبير" هو أثر المعنى في الحياة الواقعيّة وتجسّده في وعي القارئ وربّما في سلوكه. ويمكن لنا أن نصوغ ذلك على نحوٍ آخر فنقول إن هناك من جهة فهماً بسيطاً للنصّ وأوليّاً وهناك من جهةٍ أخرى ردّة فعل القارئ الخاصّة أمام ذلك الفهم. أي أن "التعبير" هو أن يستعيد القارئ معنى النصّ من جديد فيسلكه في حياته "ويعبّر" عنه في تجاربه ويتمثّله في وجوده. وعندها نستطيع القول إنّ النصّ يكتسب وجوداً حقيقياً. وهنا يرحل النصّ الأدبيّ من أوراق الكتاب إلى حياة القارئ أي أن ما قد كتبه رجلٌ آخر يملي عليه جزءاً من وجوده الشخصيّ اليوميّ. فتصبح كتابة الآخر كتابةً لـه فيشتركان سويّةً بها.

وعليه فإنّ عمليّة القراءة لا تنتهي حين يغلق القارئ جلدتي كتابه ولكنّها تستمرّ فاعلةً ومؤثّرةً في حياته.

إنّ النصّ يترك الكتاب لينزل في حياة القارئ فيبدأ فيها حياةً جديدةً.

وأن نعيش نصّاً مالا يعني بطبيعة الحال أن نطابق أفعالنا مع ما قرأناه في النصّ. فأن نقرأ البخلاء لا يعني أن نصبح بخلاءً بدورنا!. وأن نقرأ أبا نوّاس لا يفرض علينا أن نصبح نوّاسيّين! ولكن هذا يعني أننا ننقل إلى حياتنا صيغاً وجملاً نقتبسها من النصّ المقروء. ومن الشائع أن يصيح أحدنا أمام مشهدٍ من مشاهد الحياة هذا والله من بخلاء الجاحظ ! أو هذا ولله سبق بخلاء الجاحظ !. وقد يحدث أن يجد أحدنا نفسه في موقفٍ ما ويقول: لو كان بطل الرواية الفلاني في مكاني لفعل كيت وكيت!.

إنّ أثر القراءة على حياة القارئ هو أكبر بكثيرٍ مما نتخيّله عادةً.

وقد يظهر على نحوٍ خفيفٍ وبسيطٍ. فقد تحثّنا ذكرى بعض النصوص المقروءة على عدم الاكتراث ببعض العادات الاجتماعيّة مثلاً. ولكن النصّ المقروء قد يترك في حياة القارئ آثاراً عظيمةً وخطرة الشأن. ونحن نعرف أن حياة عمر بن الخطاب قد انقلبت رأساً على عقبٍ حين قرأ بعض آيات القرآن الكريم. ونحن نعرف من الأدب العربيّ أن ذكرى قيس وليلى وقراءةً شعر العذريّين قد غيرت على نحوٍ جذريٍّ من سلوك أجيالٍ من العشّاق العرب. ونحن نعرف من الأدب الأوربّي أن آلام فارتير (1774) قد دفعت شباباً مراهقين إلى الانتحار، وأن فتى روسيّاً قد ارتكب في الحياة فعلاً جريمتي القتل اللتين ارتكبهما رساكولنيكوف في رواية الجريمة والعقاب.

إنّ تمثّل معنى النصّ أي انتقال النصّ إلى الواقع هو ما يجعل من القراءة تجربةً حسيّةً ملموسةً.

2-3-تأكيد الذات.

ليس يطلب أغلب القرّاء أن تهزّ قراءتهم دعائم وجودهم ولا أن تثير شكوكهم بقيمهم الأخلاقيّة والاجتماعيّة ولكن يطلبون منها أن تصادق على ما يؤمنون به وأن تعلن شرعيّة معتقداتهم وأن تستجيب إلى ما ينتظرون منها.

إن مهارة الكتب (التجاريّة) الرائجة وتلك التي تبلغ أرقام مبيعاتها أعداداً كبيرةً وتلك التي يشتريها جمهور الناس تقوم على أنّها تستجيب لحاجة القارئ إلى من يسكّن روعه ويعززه فيما يؤمن به.

وبما أن بطل الرواية في مثل هذه الكتب يشاطر قارئها قيمه الأخلاقية ومثله الجماليّة فإن هذا الأخير لا يتغيّر ولا يتحوّل عند التقائه بالأول. وليس يهدف بطل الرواية هنا إلى أن يدفع القارئ إلى أن يضع نفسه موضع النظر ولا أن ينظر بعين الفحص إلى قيمه ومثله. وإنه لمما يبعث الطمأنينة في النفس أن نرى بطل الرواية يقاسمنا طريقتنا برؤية الكون. وذلك لأن العلاقات التي نقيمها كقرّاء مع الشخصيّات الروائيّة الوهمية في العالم الروائيّ تعكس العلاقات التي تربطنا بأمثالنا من البشر في حياتنا الحقيقيّة.

فإذا كان التماهي سهلاً بين أشخاصٍ لهم ذات القيم وينتمون إلى نفس النظام الأخلاقيّ فذلك لأنّ هذا النظام الأخلاقي الواحد وتلك القيم المشتركة تدفعهم إلى أن يتّخذوا سلوكاً واحداً وإلى أن يتصرّفوا أمام وقائع الأيّام على نحوٍ متشابهٍ فتخلق بينهم لغةً واحدةً ومصطلحاتٍ مشتركةً فيتضاعف فهمهم لبعضهم وقدرتهم على تبادل الأفكار والمشاعر.

وهذا التماهي والاتحاد مع بقية أفراد المجموعة الاجتماعيّة وسيلةٌ من وسائل الدفاع عن النفس يلجأ إليها المرء ليشعر بالأمان والحصانة. إذ لو كانت قيمه الأخلاقيّة مما يستنكره الناس وكان سلوكه وشأنه في الحياة مما ينبذه الآخرون لصار هو نفسه عرضةً لأن ينكره الناس ولأن ينبذه الآخرون. والأمر على نقيض ذلك حين تكون قيمه الأخلاقيّة من قيم الناس جميعاً وحين يكون شأنه في الحياة هو شأنهم. فسيرضى به الناس ويركنون إليه ويقبلون على صحبته فيشعر أمناً وسلاماً..

إن نجاح البطل النموذجي يعود إلى صفته المطمئنة هذه. فهو يصادق على سلامة القيم الأخلاقيّة التي يتبنّاها القارئ قبل أن يفتح صفحات كتابه. وهو يبرهن على صحّتها بأن يجعل نهاية القصّة مطابقةً لما تفرضه تلك القيم الأخلاقيّة فيعاقب المخطئ على حسب خطئه ويجازى المحسن على حسب إحسانه.

وكما يحبّ الأطفال أن يتخيّلوا أنفسهم في مكان أبطال القصص التي تكتب لهم أو تروى على مسامعهم فإنّ كثيراً من القرّاء الراشدين لا يتردّدون في أن يتخيّلوا أنفسهم في مكان أبطال روايات إحسان عبد القدوس أو يوسف السباعي.

ولكن هذا الإذعان السلبيّ للقيم الأخلاقيّة التي تتجسّد في البطل الإيجابي ليس هو السبيل الوحيد الذي يسلكه القارئ ليمتحن قوّة قيمه وصلابة معتقداته. فقد يرفض القارئ رفضاً شديداً ومطلقاً شخصيّةً روائيّةً يصعب عليه تمثلها فيدعّم في ذلك أركان شخصيّته العقائديّة. وأقصى الأمثلة هو مثال بطلٍ له من غرابة السلوك وشذوذ الأخلاق ما يجعل من المستحيل أن تتحقّق آليّة التماهي الضرورية بينه وبين القارئ. (كأن تدعو الشخصية الروائيّة إلى تعذيب الأطفال أو كأن تبرّر اغتصاب النساء). وهنا يرفض القارئ أن يدخل في إهاب الدور الذي تقترحه عليه الرواية بينما هو يقبله في الروايات "العادية". وهذا الرفض هو بطبيعة الحال أمرٌ يخرج عن إرادة الرواية ولم يقصده الكاتب في الأصل. ويقوم على تعطّل الآليات القصصيّة ودورانها "على الفاضي". ذلك أن التماهي بين القارئ والشخصيّة الروائيّة مبدأٌ أساسيٌّ تقوم عليه عمليّة القراءة نفسها كما رأيناه في الفصول السابقة. ولكن ما يعنينا هنا هو أن القارئ في هذه الحالة يعزّز من قيمه ويشدُّ من بنيان هويته. فهو وقد رفض أن يتّحد مع بطل الرواية وتمرّد على الدور المكتوب له يغلق الكتاب وينهي عمليّة القراءة.

ولكن هذا المثال المتطرّف يعني أن الكاتب قد أفرط في إبراز بنية شخصيّاته الأيديولوجية وأنّه غالى في إهمال صفاتها الإنسانية. كما نجد هذا في بعض الروايات السوفيتيّة حيث يضحّي البطل الشيوعيُّ بأمّه وأبيه وأخته وأخيه وبعمله ومستقبله في سبيل خدمة الحزب وإخلاصاً لستالين. وفي رواية دماءٌ وطين ماذا يشغل بال البطل المحتضر بعد أن أصيب برصاص الأعداء خلال حصار مدينة ستالينغراد؟ أهو مصير أهله بعده؟ أم حزن أمّه؟ أم قلق أصدقائه؟ لا. سؤالٌ واحدٌ يعكّر عليه آخر لحظات حياته وهو بين يديّ الله هل سدّد اشتراكه الشهريّ الأخير للحزب أم لا؟.

2-4- اكتشاف الذات

يمكننا أن نفترض أنّ أهمّ النصوص وأعمقها ولو لم تكن أكثرها مبيعاً وانتشاراً بين القرّاء هي تلك النصوص التي لا تساير ميول القارئ المفترضة وإنما تعارضها. فحين يجد القارئ نفسه أمام نصٍّ يخالفه فإنّه يستطيع عندها بفضل القراءة أن يكتشف ما غاب عنه من شخصيّته نفسها أو أن يزور فيها ثانيةً مناطق تحفل بأسرار ذاته العميقة.

ولنحلل على سبيل المثال رواية أديب لطه حسين (1935). ونحن نذكر أن بطلها كان متلهّفاً للذهاب إلى أوروبا "سعياً وراء علمها وثقافتها". وأنّه ضحّى في سبيل ذلك بزوجته حميدة لأنه لا يريد أن تكتشف الجامعة كذبه فقد كان زعم لها أنه أعزب. وما أن يصل أرض القارة الأوروبيّة حتى يتناسى الدراسة وأهلها. فيكلف بخادمٍ التقاها في النزل حيث حط رحاله ويأنف عن الماء (شراب الحمار) كما كان يزعم الأخطل وينصرف لشرب الخمور. ثم ينتهي به الأمر إلى إهمال ما جاء لأجله ثم إلى الجنون. إننا نقرأ هذه الأحداث من خلال أديب نفسه وهو ذو وعي جارحٍ وصراحةٍ مؤلمةٍ. وهو يكشف عن خبيئة نفسه وعن الأعذار والتعلاّت التي يلجأ إليها للنفاذ إلى غايته القصوى. ولكن ما يقوله عن نفسه وعن تناقضاتها هو بعضٌ من أنفسنا وتناقضاتها. وبشاعة سلوكه تلقي ضوءاً ساطعاً على تناقضاتنا نحن وما يمكن أن تقود إليه!

إنّ النصّ الأدبيّ يسمح لنا إذن بأن نكتشف "غيّريّتنا" فالآخر الذي يكمن في النصّ سيان كان "آخر" الراوي" أو "آخر" شخصيّةٍ روائيّة فإنّه يعكس على نحو الدوام صورةً منّا وبعضاً من شخصيتنا.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244