نظريات القراءة والتأويل الأدبي وقضاياها - دكتور حسن مصطفى سحلول

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Monday, April 26, 2004 02:23 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

3-ارتداد وتقدّمٌ.

3-1-الاستلاب‏

يفقد القارئ شيئاً من ذاته وربّما يفقدها كاملةً بقدر ما يتبنّى شيئاً من حديث النصّ الأدبي أو كلّ ذلك الحديث.! ذلك أن استبطان الآخر وتمثّله الذي تقوم عليه القراءة وتنشئه ليس بالضرورة القاطعة أمراً حسناً ولا إيجابيّاً دائماً.‏

إنّ أوضح المخاطر هو أن يهيمن النصّ بعقيدته على عقيدة القارئ. فالقارئ الذي يقرأ يقبل ضمناً بما أسميناه في فصلٍ سابقٍ بعقد القراءة وميثاقها أي بالأعراف التي تنظم النصّ الأدبي. وعليه فلا بدَّ له من الإقرار مبدئيّاً بصحّةِ ما يقوله الراويّ ويمكن أن يقوده هذا من حيث لا يشعر إلى أن يقع في حبال عقيدة النص. فبقدر ما يظهر الراوي على أنّه أصل الحكاية التي يرويها ومصدرُها بقدرِ ما يظهر على أنه حجّةٌ تقضي بين الأحداث التي يرويها وتشرّعُ بما تنقلُه!.‏

فصوت الراوي هو الذي يُطلعنا على أفعال الشخصيّات وعلى الظروف التي تحيط بهذه الأفعال وبما أن علينا أن نعتبر أن ما يرويه لنا الراوي قد وقع حقاً أي أنّه حقٌّ ولا شك فقد ننزلق فعلاً ونروح ننظرُ إلى الأحكام التي يطلقها هذا الراوي على تلك الأفعال وعلى هاتيك الشخصيّات ليس على ما هي عليه حقاً أي أنّها أحكام الراوي ليس غير وإنما على أنها أحكامٌ صائبةٌ وحقيقيّةٌ بالإطلاق. وهنا يتحوّلُ الراوي من مصدرٍ للقصّة إلى مؤولٍ شرعيٍّ لها يؤخذُ بقوله ويؤمن له.‏

فبما أننا نقرُّ ضمناً احتراماً مِنّا للتقاليد الروائية بكلّ ما يقوله راوي نجيب محفوظ في اللص والكلاب عن أبطال القصّة فكيف لنا أن ننكر هذه التقاليد عينها حين تقودنا إلى الإشفاق على سعيد مهران وهو لِصٌّ ومريضٌ بالعُصابِ وقتل نفساً بريئةً؟‏

ويكمن في عمليّة القراءة خطرٌ آخر هو ما يضعه القارئ من ذاته في النصِّ وما يوظِّفُه فيه. فقد يحدثُ أن تكون الصلة بيننا وبين أحد شخصيّات الرواية من القوة والعمق بحيث لا يشغلُنا بعد إلاّ مصيرها هي وبقطع النظر عن كلِّ اعتباراتٍ أخرى. ذلك أن النصَّ الأدبيَّ يخاطبُ فينا قدرتنا على الانفعال وحسب. وبالتالي فإن حسّنا النقديّ يسهو وقد تختفي قدرتُنا على اتخاذ المسافة النقديّة اللازمة بيننا وبين النصّ. ويستطيع الكاتب أن يحبب لأنفسنا وأن يزيّن لأعيننا شخصيّةً روائيّةً لو قدّر لها أن تتجسّد شخصاً نابضاً بالحياة لكرهتُه نفوسنا ومجتّه عقولنا.‏

والحقيقة أن العلاقة الانفعاليّة بين النصِّ وقارئه تنتمي إلى بنية النصِّ الجماليّةِ ولا تتطابق دائماً مع مقتضيات الأخلاق كما يريدها النظام الاجتماعي اللهم إن لم يكن في أشكال الرواية البدائيّة أو الساذجة.‏

فحين نقرأ مثلاً مغامرات العميل السرّي البريطاني جيمس بوند فإننا نتمنّى أن ينجح هذا الجاسوسُ في مسعاه وأن ينتصر على أعدائه وذلك بقطع النظر عن جرائم القتل التي يقترفها (أليس رمزُه 007 يعني أن له إجازةً من رؤسائه بالقتل دون حساب؟) وبغض البصر عن القيم الأخلاقيّة أو المصالح السياسيّة التي يقتلُ من أجلها أو ينافحُ عنها خصومُه.‏

وهناك كذلك خطرٌ آخر يحدقُ بالقارئ يأتي من البعد التوهيمي الذي يكمن في أغلب النصوص الأدبيّة التخيليّة. فقد يعود القارئ إلى الخلف بسبب قوّة هذا الجانب. فهو حين يقرأ هذا المقطع أو ذاك من الرواية فإنّه يرتدُّ إلى سنين طفولته الأولى ويعيش فيها ثانيةً المشاهد القديمة التي مرّت به عندئذٍ فترجعُها القراءةُ صاخبةً عاصفةً.‏

فحين يقرأ أحدُنا كتاب طه حسين الأيّام ويقرأ وصفاً لحياة الكتاب ولحياة "شيخنا" و "العريف" فإننا أو إنَّ بعضنا ممن عاش هذا النمط من التعليم قبل أن ينتشر التعليم الحكومي انتشاره في أيامنا يعيشُ من جديد من خلال حياة الطفل طه حسين ما سبق له أن عاشه في طفولته إن سعيداً أو شقيّاً.‏

ولكن هذه العودة إلى الماضي وبسبب غياب المسافة اللازمة لتحكيم النقد لا تأتي للقارئ بجديد. فهي تعيدُ إلى اللحظة الحاضرة وعلى نحوٍ انفعاليٍّ مشهداً عاشه القارئ في الماضي على نحوٍ انفعاليٍّ كذلك.‏

3-2- التطوّر أو النمو‏

ولكن يكفي أن يقود النصُّ قارئه إلى أن يوظّف عواطفه في النصِّ المقروء توظيفاً معتدلاً ومتوازناً عن طريق اتخاذ مسافةٍ نقديّةٍ بينه وبين ما يقرأ حتى تظهر القراءة على أنها تجربةٌ مُخصبةٌ وثريّةٌ تدفع به قُدُماً إلى الأمام بدلاً من أن تشدَّه شدّاً إلى الخلف!‏

ويتعلّق اتخاذ المسافة النقديّة هذا على نحوٍ أساسيٍّ بوضع القراءة. فحين يرغمُ النصُّ القارئ على أن ينتقل باستمرار من وجهة نظرٍ معيّنةٍ إلى وجهة نظرٍ أخرى فإنه يرغمُهُ في الوقت نفسه على أن يجعل مسافةً بينه وبين المادّة التي يقرؤها والقصّة التي يقترحها النصُّ. ومهما تكن الطريقة التي ينظّمُ بها القارئ مختلف وجهات النظر السرديّة تلك فإنّه يخرج من قراءته وقد ازداد وعيه!‏

ولنأخذ على سبيل المثال رواية أديب لطه حسين. فالراوي الأول/ طه حسين يقدّمُ لنا في الفصول الأولى من روايته شخصيّة أديب تقديماً لا يخلو من إعجابٍ يشوبه كثيرٌ من التحفّظ. وهو يصارحنا بذلك ويعرضُ لنا أسبابه. ولكن أديب هو الذي يسرد علينا وقائع الفصل السابع. وتنمو الرواية على هذا النحو. وهي تنقل لنا تباعاً ما تراه كلٌّ من الشخصيتين الأساسيّتين. وكلٌّ منها تشهد القارئ على سلامة رأيها وخطل ما تدّعيه صاحبتها. فتعرض حججها عرضاً مقنعاً وتفنّدُ أقوال الأخرى تفنيداً لا يخلو من صواب. أي أن القارئ يتماهى في كلِّ طورٍ من أطوار السرد مع أحد الشخصيّتين ويتبنّى وجهة نظرها المخالفة لوجهة النظر التي سيتبنّاها في المقطع اللاحق. وهذا الانتقال من الشخصيّتين المتباينتين تكشف له أعماق كلِّ منهما وأعماق نفسه هو.‏

ولكن لعبة التماهي هي التي تسمح في أغلب الأحيان في تطوِّر القارئ. والحقيقة إن التماهي كما أشار إلى ذلك فرويد ليس ظاهرةً نفسانيةً كغيرها من مظاهر النفس ولكنّها أساس بنية الإنسان التخيليّة وهي الأنموذج الذي ينشئ عليه الفرد كلَّ المسارات التي تميّزه عن غيره من الأفراد.‏

وآليّات التماهي التي تقوم عليها النصوص التخيّليّةُ هي بعض من هذه الوظيفة المزدوجة الأساسيّة والخلاّقة. وهناك رسالةٌ بعث بها قارئٌ لجان جاك روسو (1712-1778) بعد أن قرأ روايته هيلويز الجديدة (1761) توضح وضوحاً بيّناً آليّةَ التماهي هذه. وهو يقول فيها: "كم يلذُّ لي أن الدموع التي تسكبها شخصيّاتك الفاضلة بالدموع التي تنهمر من عينيّ أنا بفضل الإنسان الحبيب إلى قلبي والذي يسكن منّي الصدر. وليس من رسمٍ أتيتَ به ولا عاطفةً ولا فكرةً ولا مبدأ جئت به إلاّ وينطبقُ كلُّ الانطباق على وضعي المؤلم" ويذكر يحيى حقّي شيئاً من هذا القبيل بخصوص روايته قنديل أم هاشم. فيقول "إنَّ اسمي لا يكاد يذكر إلاّ ويذكرُ معه "قنديل أم هاشم "كأني لم أكتب غيرها!. وكنت أحياناً أضيقُ بذلك ولكنَّ كثيرين حدّثوني عنها واعترفوا بعمق تأثيرها في نفوسهم. ومنهم أديبٌ يمنيّ قال لي لقد أحسستُ أنّك تصفني حين أعود من القاهرة إلى اليمن!(2)‏

ويبدو أن ما يدركه القارئ من خلال تماهيه مع الشخصيّات الروائيّة هو حقيقة حياته نفسها. فإذا ترتقي به القراءة الأدبيّة إلى إدراكٍ أوضح لمصيره فإنها تجعله أقدر على فهم خفايا نفسه. وهذا يعني أنه إذا أبقت البنى الروائيّة ضمير القارئ النقديَّ يقظاً فإن عودة المكبوت في القراءة تدفع بالقارئ إلى الأمام عوضاً عن أن تشدّه إلى الوراء.‏

وبدلاً من أن يعيش من خلال القراءة ثانيةً مشهداً سبق له أن عاشه في حياته فالقارئ يستطيع أن "يوظّفَ" نفسه على نحوٍ مختلفٍ في المشهد نفسه.‏

إنَّ قراءة بعض النصوص تجعل ممكناً ما يسمَّى في التحليل النفسيّ "بإزالة العقد". وهذه المفردةُ تعني تصريف الانفعال وانطلاق الطاقة الانفعاليّة المكبوتة التي تسبّبُ الاضطرابات النفسيّة والعصبيّة. وهذه الاضطرابات مصدرها ماضي الشخص وردّةُ فعله آنذاك أمام حادثةٍ ما. وينبغي على هذا الشخص أن يعيش من جديدٍ ردّةَ فعله تلك كيّ يتخلّص من الاضطرابات النفسيّة والعصبيّة التي نشأت عنها في المرّة الأولى.‏

وزوال العقد هذا يشير بشكلٍ عامٍ إلى وظيفة الفنِّ التطهيريّة.‏

وحين يعيش القارئ ثانيةً ومن خلال القراءة الوقائع الأولى التي انعقدت فيها خيوط شخصيّته فبإمكانه أن يدخل توازناً جديداً في شخصيّته فيغيّر من طبيعة علاقته مع ماضيه. فهو كقارئٍ يستطيعُ أن يتخلّص من الاضطرابات التي قد تركتها في وجدانه عقدة أوديب حين يعيشُ ثانيةً ومن باب التسلية التي تتضمنّها القراءة علاقة الراوي الغاضبة بأمّه في الأيام أو علاقة محسن الساخرة بها في عودة الروح أو علاقة سامي المقهورة بها في الحيّ اللاتيني أو علاقة مصطفى سعيد اللا مبالية بها في موسم الهجرة إلى الشمال وإلى غيرها من الأمثلة في الأدب العربيّ الحديث.‏

وهذه النماذجُ كلّها تظهر لنا كم تختلف المسافة النقديّة الساخرة من كاتبٍ إلى آخر.‏

3-3- القراءة الأدبيّة‏

فإن كان للقراءة الأدبيّة خصوصيتها فعلينا أن نحاول الإحاطة بها من خلال ما تتركه من أثرٍ. ويرى ميشيل بيكار إن القراءة الأدبيّة أي قراءة النصوص الأدبيّة تتميّز بوظائف جوهريّةٍ ثلاث.‏

وأمّا الوظيفة الأولى فهي "التجديد في التقليد". فالنصُّ الأدبيُّ حين يدّعي التمرّد على ثقافةٍ أدبيّةٍ ما فهو يفترض في الوقت نفسه أنها موجودةٌ. فحديث عيسى بن هشام لمحمّد المويلحي يؤكّد جدّته وحداثته من خلال مقارنته مع مقامات الهمذاني أو الحريري أو مجمع البحرين للشيخ ناصيف اليازجي‏

(1800-1871). وثورة الشعر الحديث تفترضُ وجود الشعر القديم. وليس تفهم إشكاليّة شعر التفعيلة بدون قواعد الشعر العمودي!. وليس يُفهم الإبداع عامّةً بدون خلفيّةٍ ثقافيّةٍ تقليديّة.‏

والوظيفة الثانية هي "انتقاءُ معنى من معانٍ عديدةٍ"‏

إن النصَّ الأدبيَّ يحفل دائماً بمعانٍ كثيرةٍ ويمكننا أن نؤوله على سبلٍ شتّى. والقراءةُ الأدبيّة تتصف أكثر من غيرها من القراءات ببعدها الذاتي هذا. وهي تثري القارئ على المستوى الفكريّ وتجعله يوظّف على المستوى التخيّلي جزءاً من ذاته.‏

فإذا كان توفيق الحكيم يريد من روايته يوميّات نائب في الأرياف (1933) أن تؤدّي مهمةً إصلاحيّةً واجتماعيّةً فوصف لنا فيها أحوال الفلاّحين وأبناء المدن المصريّين في فترة ما بين الحربين وكشف لنا عن الهوّة الواسعة التي كانت تفصل بين عامّة الشعب وأفراد الطبقات الغنيّة فإن روايته هذه تحقق كذلك أمراً آخر. فهي توجد من خلال الشخصيّات التي ترسمها والأحداث التي تعرضها والبنية السرديّة التي تختارها ما يمكن للقارئ معه أن يتماهى بشخصيّاتها وأن يوظّف تخيليّاً في أحداثها شيئاً من نفسه.‏

إنَّ النصَّ الأدبيَّ مساحةٌ مزدوجةٌ وغامضةٌ يعيدُ فيها الجانب الذاتي النفساني والجانب الاجتماعي تشكيل العلاقات التي تربطهما ببعضهما.‏

وأمّا الوظيفة الثالثة حسب بيكار فهي "النمذجة من خلال تجربة واقعة متخيّلة". وهنا نمسُّ البعد التربوي لعمليّة القراءة. "فنمذجة" موقفٍ تعني أن تقترحَ الرواية على القارئ أن يجرّب في عالم الخيال أمراً قد يقع له في عالم الواقع. أي أن القراءة تسمح للقارئ أن "يجرِّب" المواقف.‏

ويفترض بالقارئ الذي يواجه مشاكل إسماعيل عند عودته إلى بلده بعد غيابٍ طويلٍ في بلدٍ بعيدٍ أن يختار بعض السبل وأن يتجنب غيرها.‏

وهكذا يغتني الفرد بتجربةٍ لم يعرفها بحياته الفعليّة. ويكفيه أن يستبدل بعناصر الحياة الروائيّة عناصر مشابهةً من حياته الفعليّة. ويمكن أن نقيس نجاح عملٍ فنيٍّ بالوهم الذي يخلقهُ. وهذا الوهم يجعلنا نتخيّلُ خلال فترة أننا قد عشنا حياةً أخرى غير حياتنا فتثرى تجربتنا الحياتيّةُ إثراءً كبيراً.‏

تجديدٌ في التقليد وانتقاء معنى من معانٍ عديدةٍ ونمذجةٌ من خلال تجربة واقعةٍ مُتخيّلةٍ. إنّ القراءة الأدبيّة بهذه الطرق الثلاث نشاطٌ خصبٌ يُغيّرُ الفرد القارئ.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244