نظريات القراءة والتأويل الأدبي وقضاياها - دكتور حسن مصطفى سحلول

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Monday, April 26, 2004 02:24 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

خاتمة

وبعد فهذه نظريّات قراءة النصِّ الأدبيِّ وتأويله كما ظهرت في السنوات الأخيرة. وهي آخر ما وصل إليه النقد الأدبيُّ في أوروبا وآخر ما وصل إلينا منها. وها هي صحفنا ومجلاّتنا الدوريّة لا تكاد تخلو من دراسةٍ تتبنّى بعض هذه النظريّات أو من ترجمةٍ لشيءٍ من نصوصها الأساسيّة أو الثانويّة ولقد دخلت مصطلحاتها النقديّة على نحوٍ واسعٍ لغة باحثينا. فنحن واجدون القراءة والتأويل والتلقّي وأفق التوقّع أو الانتظار وغيرها كثير.‏

ولكن ينبغي أن لا يغيّب تعدّد نظريّات التلقّي وتطوّرها الثري خلال السنوات الأخيرة عن أنظارنا أهميّة المسائل التي تثيرها. فتحليل القراءة ونظريّاتها تصطدم بنفس العثرات التي تصطدم بها نظريّاتُ التحليل الأدبيِّ الأخرى وتحدق بالأولى نفسُ المخاطر التي تحيطُ بالثانية.‏

إنَّ أول هذه المخاطر هو خطر الذاتيّة أي أن يسقط الدارس ذات نفسه على المادة التي يفترض به أنه يدرسها حسب معايير العلم وأدواته. وهذا خطر يتربّص بالباحثين على وجه الدوام كما رأينا في الفصل الذي خصصناه لهذه القضية. من يضمن لنا أن الباحث الذي يزعم لنا أنه يستخلصُ نشاط القارئ من خلال النصِّ الذي يقرؤه على نحوٍ موضوعيٍّ لا يقدّم لنا في نهاية المطاف رؤيته الذاتيّة؟ إنَّ بعض الدراسات النقديّة تكشف لنا عن مهارة الناقد أكثر مما تنير لنا مسار القراءة الذي تزعم أنّه قائمٌ في صلب النصِّ موضوعيّاً وأنَّ النصَّ يبرمجه.‏

وثاني هذه المخاطر هو خطر التاريخيانية. وقد صبغت التاريخانية بقوة مدرسة جوس النقدية في مطلع شأنها. وليس هذا الخطر بأقلِّ شأناً من خطر إسقاط ذات الباحث على المادة المدروسة.‏

فإن كانت دراسة التلّقي تعني أن نكشف النقاب عن التخيّلات السائدة في عصرها فهذا يعني أن موضوع التحليل هو وبالمعنى الدقيق دراسة تاريخ العقليّات. وقد تكشف لنا دراسة تلقّي نصٍّ ما عن خصوصيّة ثقافة العصر الذي ظهر فيه الكتاب وعن متغيّراته الاجتماعيّة أكثر مما تكشف لنا عن آلية التلقّي نفسها!.‏

والخطر الثالث هو ما أظهرته الدراساتُ البنيويّة بشقيها الشكلي والتحليلي. فهي تنشئ بنى تحليليةً تبلغ من التجريد والتعميم درجةً لا نعرف معها ما يميّزُ هذا النصَّ عن ذاك ولا ما يفرّق الثمين من الغث. فإن كنا نجد نفس السبل على أرض كلِّ النصوص فلماذا نتعب أنفسنا بقراءة إدوار الخرّاط أو جبرا إبراهيم جبرا بدلاً من الاكتفاء بتصفّح الروايات المسلسلة في مجلة الشبكة؟ وإذا كانت النصوص كلّها تنهض على نفس البنى وترتفع حسب نفس الهيكل فما الفرق عندها بين روايات نجيب محفوظ العظمى وروايات غادة السمّان؟‏

ليس النشاط الذي يسعى إلى أن يستخلص عدداً معيّناً من الثوابت بقطع النظر عن القارئ وعن النص أمراً متعباً وعقيماً وحسب. ولكنه أمرٌ خطرٌ كذلك.‏

وباختصار ينبغي أن تتجنب نظريّة التلّقي، مثلها في هذا مثل كلِّ نظريّات التحليل الأدبيّة الأخرى مزلقين اثنين. أن تفرط في السعة أو أن تغالي في الضيق. فهي تخطئ هدفها في كلتا الحالتين وهو أن تظهر ما يختصُ به الأثر المدروس عن سواه.‏

وليس من حلٍّ لنجمع بين موضوعيّة الباحث الضروريّة وبين نشاطٍ هو بالتعريف نشاطٌ ذاتيٌّ سوى أن نرسم حدود مشروع الدراسة وأن نرضى بها.‏

وليس استخلاص العلامات النصيّة التي يبرمجُ النصُّ بفضلها كيفية قراءته إلاّ مرحلة من مراحل التحليل. وينبغي بعدها أن نلجأ إلى بقية العلوم الإنسانيّة من علم اجتماعٍ وتاريخٍ وتحليلٍ نفساني ونسألها أن تشرح لنا كيف يتمثّل كلُّ قارئٍ هذا الجزء العائم من جبل القراءة الذي يضرب جذوره في قرارة المجتمع البشري.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244