|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 11:39 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ما بَعْدَ المُرَاجَعةِ النَّقْدِّيةِ يستمرّ النَّقْدُ في تساؤله عن إخفاق نهضةٍ عربيّة أو مشروع نهضة، وعن إخفاق ثورةٍ عربيّة أو مشروع ثورة، وعن إخفاق حداثة عربيّة أو مشروع حداثة... ويُتوقّعُ من خطابنا النقديّ المعاصر أن يحقّق مراجعةً شاملةً لتيّارات واتجاهات وأفكارٍ تحوّل معظمها في مرحلةٍ سابقة إلى أيديولوجيا، وتحوّلت الأيديولوجيا إلى سلاح هدفه الاستيلاء على السلطة أوّلاً، فلعلّ السلطة التي تنتمي إلى حداثّةٍ ما تستطيع أن تغيِّر، أو تحدِّث بعض جوانب الحياة العربية.. وبين أيديولوجيا وأيديولوجيا مضادّة ونخبات متناقضة ومتصالحة، تستمرّ سلطة تأخرٍ، وتتآكل سلطة حداثةٍ لم تنجز مشروعها!.. ويفترض خطابنا النقديّ المعاصر أنّه يؤسّس لسؤاله المختلف، بدلاً من أن يكرّر إجابة ما أُنْجِزَتْ! هل كان ثمة مشروعُ نهضةٍ حقاً، ويمكن تجديده؟.. وما علاقته بعلاقات مجتمعٍ ما قبل قوميّة، أو متأخّرة؟ وأيُّ مشروع ثورةٍ عربية تنتمي إليه الجماعة أو الأمّة أو الطبقات، إذ تكاثرت كياناتٌ ودويلات وإمارات ودول عربيّة، لكلّ منها مصالح تختلف وتأتلف؟ وكيف يُجدِّد، أو يتجدّد؟ وأيُّ مشروع حداثة عربية يستطيع أن يكون جزءاً من حداثة الذات وحداثة الآخر، مادام تحوَّل إلى "مذهب" نخبةٍ، وتستمتع به "قلّة"! منذ بضعة عقود يُراكم النقد النقد، وينمو النقد بالنقد. ويساوي، أخيراً، بين النقد والحداثة، فلا حداثة من خارج النقد. وهذا لا يعني غيابه في هذه المرحلة أو تلك، ففي كلِّ مرحلة تاريخية كان ثمّة نقد، بمعنى ما.... ولكنه قد يستعير بعض مفهوماته وموضوعاته وأدواته من الآخر، كما تُستعار سلعٌ وأشياء وأزياء، ولابدَّ له أن يُكيّفها، أو يعمل على تبيئتها، أو ينتجها، فيفتتح ذاتيّته..... ويفترض خطابنا النقديّ المعاصر أيضاً انتماءه إلى الحداثة. وهذا الانتماء يعني أن يكون لكل تيّارٍ فيه، ولكلّ اتجاهٍ، طريقته في اختبار فرضيّاته ومفهوماته وأفكاره وسلوكاته... ولذلك كانت المراجعة النقديّة التي يشتغل عليها مراجعة تنتمي إلى الذات أو الأمّة، سواء أعبرت عن مشروع نهضةٍ، أم تناولت مشروع ثورةٍ، أم خلخلت مشروع حداثة. كما كانت أيضاً، مراجعة تحاول "نقد الذات" أوّلاً: تاريخ قوى وعلاقاتٍ وأفكاراً وحركةَ بشرٍ ونخباتٍ وطبقاتٍ... ويتّسع النقد لكل القضايا: الذات والآخر، التراث والحداثة، الواقع والفكر، المجتمع والدولة، السلطة والنخبة، الدين والسياسة، الفرد والمؤسّسة وغيرها وغيرها... ويتدرّب النقد على أن يكون عادلاً فيصغي لمشروعات اختلفت من قبل، وجابه بعضها بعضاً، وتختلف الآن، ويجابه بعضها بعضاً... يدرس مشروع إصلاح إسلامي سابق ولاحق، ويتناول مشروع عمل قومي وقومي اشتراكي ذبلت إمكانيّاته، ويتأمّل مشروع ممارسةٍ ماركسيّةٍ أو ماركسيةٍ عربية هُشمت، وهمّشت، ويستكشف احتمالات هذا المشروع أو ذاك وإمكانيّات تجديده وتجدّده. وقد يلاحظ عناصر مؤتلفة في تيّارات واتّجاهات ونزعات وميول، ربّما كانت مختلفة دائماً، فعملت مختلفة، وفشلت مختلفة، فلم تنتج وحدتها من داخل الكثرة والتنوع والتعدّد، لأنها لم تتكيّف مع الاختلاف، ولم تكيّفه، ولم تنتج مفهومه الذي تستدعيه حريّةُ كلٍّ في أن يفكّر، ويعمل بشكل مختلف! وإذا كان النقد ممكناً فإن كلَّ مفهوم قابلٌ للنقد، وكلَّ موضوعٍ قابل للنقد أيضاً... كلُّ شيءٍ قابل للنقد بمعنى ما. ولكن النقد يتطلّب بيئةً تدرّبت عليه بمعنى ما، وتستطيع أن تأتلف، إذا اختلفت، وأن تختلف، إذ ائتلفت!... المراجعة النقديّة الراهنة هي مراجعاتٌ تقوّض أجوبة احتمت بها تيارات واتجاهات وميول ونزعات قليلاً أو كثيراً... وقد يكون جزءاً منها محض كلام، وقد يكون بعضها فائض كلام وصدى لمفهومات حداثةٍ ومابعد حداثةٍ عن بُعْد... ولكنها تنتمي جميعها إلى فضائها العربيّ، وتحاول أن تكون حديثةً لتدخل في تاريخ العالم، وإلاّ كانت في خارجه... وهي ستضمر ما بَعْدَها، أو تفصح عنه!... في كلّ مرحلةٍ كان ثمّة "فكر" ما و"نقد" ما!.. في كلّ مرحلةٍ كانت هذه "المدرسة" الفكريّة أو تلك تعلن أنّها تمتلك الحقيقة وحدها!.. في كلّ مرحلةٍ كانت هذه "النخبة" أو تلك تعلن أنها الممثّل "الشرعي" للأمّة أو الطبقة أو الشعب أو المجتمع!... ولأنّ الحداثة هي النقد أوّلاً، فقد تحوّل الخطاب بعامة إلى خطاب نقدٍ، يعيد النظر في "مطلقاتٍ" أو في "ادعاءات" قد تنحاز إلى مجتمع لم تستطع تحديثه، أو إلى أمّةٍ لم تستطع أن تنجز مشروع حداثتها الذي هو مشروع هويّتها أيضاً! وبعد أن انتهت مهمّاتٌ أو تراجعت، وتراكمت مفهوماتٌ تتآكل، وأُجلِّت موضوعات تُسْتَعاد، وبعد هزيمةٍ تفكير وطريقة تفكيرٍ تُسْتَعار، وبعد عملٍ لم ينتجْ تاريخه.. بعد نقدٍ لم يكن ممكناً حقّاً، وشبه نقدٍ ذاتيٍّ لم يكتمل، نستطيع أن نلاحظ فضاء مراجعةٍ نقديةٍ يتشكّل، سواء أعملت على تشكيله عوامل، من خارج أم عملت على تشكيله عوامل من داخل، تهدف إلى وعي اللحظة الذاتيّة بمعنى ما، وتتزامن مع شعورٍ عام بهزيمة الأمّة في نهاية قرن وبداية قرن، وتترافق مع شعور خاص بخطورة العولمة والأمركة وشرق الأوسطية وغيرها... عنواناتٌ كثيرةٌ، ودراساتٌ متنوّعة، ومحاور وملفّات ومؤتمرات، تنحاز كلّها إلى مفهوم المراجعة النقديّة تحاولها، ولعلّها تتحوّل بها إلى فعّل!.. وكلّها، أو معظمها، يختبر أفكاراً سابقة أو مطلقات قديمة وجديدة، ويشكّك، ويبحث، ويناقش، وينحاز إلى مفهوم النقد، مادام النقد ممكناً إلى هذا الحدّ أو ذاك، ومادام النقد يتدرّب على أن يكون ديموقراطياً يتعلّم من الحوار، ويعلّمه.. وسيبقى النقد هو نقد الذات أولاً وأخيراً، أَواجَه مشروع نهضةٍ أم جابه مشروع حداثة، تشتغل به الذات، ويشتغل عليها، ولعلّنا نستطيع أن نتأمل أكثر من مثال على هذه المراجعة النقدية الراهنة.... تشكّل ثلاثةُ محاور رئيسة قدّمتها مجلة "الطريق" جزءاً منها؛ يدور أوّلها حول إشكالية النهضة بين الإصلاح الديني والإصلاح السياسي، ويخصّ ثانيها إشكالية النهضة في الفكر القوميّ العربي، أما المحور الثالث فيقارب إشكالية النهضة في الفكر الماركسيّ العربي...(1).. وتتساءل المحاور الثلاثة عن احتمالات تجديد الفكر الإسلامي والفكر القومي والفكر الماركسي العربي بعامة، كما تتساءل عن إمكانيّات كل منها في إنجاز مشروع نهضةٍ عربية جديدة. وكأنّها تعترف بحضورٍ كلٍ من الاتجاهات الفكرية الثلاثة، ودور كلٍ منها فيها، مهما كان شكل حضورها، وإنجازه! إنّها تتقبّل كلّ تيّارٍ منها، وتتقبّل أيضاً مفهوم مشروع النهضة أو النهضة بدلاً من مفهوم ثورة وثورة عربية، وتفتح حواراً مختلفاً، بمفردات مختلفة، فليس ثمّة أحدٌ أحسن من أحد، إذْ كان لكل طريقة في التفكير والعمل تلغي سواه، فتلغي إمكانيات التفكير والعمل كما كان لكل إخفاقاته، أو هزيمته، وبعض نجاحات... تطرح ورقة عمل المحور الأوّل أسئلتها عن تعامل حركة الإصلاح الدينيّ مع إشكالية النهضة، وتوقّفِ مشروعها، وعلاقةِ مشروع الإسلام السياسي بتحدّيات النهضة المفوّتة، واحتمالات بروز إصلاحٍ ديني جديد يعمل على تحديث الإسلام وتثويره ثقافياً... الخ. وتقدّم ورقة عمل المحور الثاني تساؤلها عن مواجهة الفكر القومي العربيّ، على مدى تاريخه، لإشكالية النهضة، وطبيعة المشاريع التي حملها خلال فترة صعوده من أجل نهوض العرب، وتقصير هذه المشاريع، على الرغم من إنجازاتها، عن تحقيق النهضة، وتعثّر انتقال الفكرة القومية من عالم النظريّة إلى عالم الواقع، لينتهي التساؤل بإمكانيّة تجديد الفكر القومي العربي وعقّلنته في بلورة مشروعٍ نهضةٍ عربيةٍ جديدةٍ... أمّا ورقة عمل المحور الثالث فتتساءل عن إمكانيّة الحديث عن فكر ماركسي عربيّ، أي عن إنتاج عربي متميّز في الحقل الذي افتتحه ماركس، ويمكن اعتباره رافداً من روافد التنوير العربي الذي انطلق في القرن التاسع عشر، وعن مدى حضور إشكاليّة النهضة فيه، وغيابها وأسباب غيابها إن لم تكن حاضرة، وعن طبيعة المشروع أو المشاريع التي بلورها الفكر الماركسي العربي، وحملتها تعبيراته السياسية في إجابتها عن النهوض العربي، كما تتساءل عن الحاجة إلى توليد فكرٍ ماركسيٍّ عربي في ضوء التغيّرات والتحوّلات التي وقعت في السنوات الأخيرة، بحيث يساهم في بلورة نهضة عربية جديدة، وعمّا إذا كانت الاشتراكية التي يطمح إليها معادلة للنهضة! تقدم المحاور الثلاثة أسئلة راهنة ومغايرة حول إشكالية النهضة عبر علاقات ثلاثة تيّارات فكرية كبرى بها، وهي تيّارات تزامنت وتداخلت، وتقاطعت، بمعنى ما، وترافقت، وتنازعت، وتناقضت أيضاً.... وكان لكلٍ منها أهدافه المعلنة وشعاراته اللطيفة، كما تفرّع منها أكثر من تيار أو حركة أو جماعةٍ... وكان لها حضورها الذي يستمر، واختلافها، الذي يستمر أيضاً!.. يميّز د.طيب تيزيني في المحور الأول إصلاحاً دينيّاً قديماً من إصلاح ديني حديث. ويهتمّ، كعادته، بالتناقض بين مرجعيّة الوضعيّة الاجتماعيّة المشخّصة والمرجعيّة اللاتاريخية المقدّسة التي هي مرجعيّة إصلاح ديني يضطرب خطابه، كلّما اقترب من واقع الحال المشخّص، ويعمل على تقويم الغرب والشرق مستعيناً بمرجعية الأصل التي ينتمي إليها، إذْ لا صلاح ولا إصلاح إلا بالإسلام... ولذلك برزت مسألة الحاكمية موازيه لبروز الخطاب الإصلاحي الإسلامي... وإذا كان خطاب الإسلام هو الخطاب المقدّس الذي يتعالى، كأيّ خطاب ديني، فوق الواقع وفوق التاريخ، فكيف يتكيّف مع مرجعية اجتماعية مشخّصة هي مرجعيّة الواقع والتاريخ؟ وكيف يتحوّل إلى خطاب دنيويّ حقّاً؟ وهل يستطيع أن يوفّق بين المتعالي والدنيوي؟ وإذا كان هذا الخطاب هو خطاب إجابةٍ وقبول لا خطاب تشكّك وسؤال، فكيف تسمح بنيته بإنتاج فكر فلسفي أو بإعادة إنتاجه؟ يبحث د.يوسف سلامة في الشروط التي تسمح بإعادة إنتاج الفكر الفلسفيّ أو عودته إلى الحياة، ويرى أن تيّار الإصلاح الديني الذي حقّق أهدافه صدر عن تأمّل الذات، وتجسّد في تيّارين: سلّفي وإصلاحي، بينما صدر التيار العلماني عن تجربة الصدام مع الآخر... فكيف يتصالح الخطاب الإسلاميّ، سلفياً أو إصلاحياً، مع الفلسفة قديمةً أو حديثة، شرقيّة أو غربيّة، عربية ـ إسلامية، أو إسلامية ـ عربية، إذا كان هدفه إحياء الإجابة المطلقة لا التأسيس للسؤال المختلف؟ وهل يتوافق تيارٌ ما يمتلكه المطلق، فيمتلك الحقيقة، مع تيّار آخر يبحث عن الحقيقة المختلفة بطرق التفكير المختلفة، ولا يمتلكه مطلق ما، إلا إذا تحوّل بالعقل إلى مطلق من نوع ما!... ويربط ماهر الشريف تجاوز الإسلام السياسي لأزمته باستعداده للتعايش مع الآخر المختلف وقبول التعدّد. وربّما كان هذا الاستعداد شرطاً لتجاوز أيّ تيار لأزمته!.... وبعد بضع مقايسات بين الإسلام في صيغته الإصلاحية والمسيحيّة في صيغتها البروتستانتية يستخلص محمد جمال باروت أن الخطاب الإصلاحي الإسلامي يفصل بين الشريعة والسياسة، لا بين الدين والدولة، ويرى فيه جانباً ممّا يسميه العلمانية الإسلامية، ويميّز مفهوم العلمانية كدينوه فيه من العلمانوية، فالعلمانية كانت تعني الفصل بين الدين والقانون لا فصل الدين عن الدولة الذي لم يتمّ في فرنسا إلا عام 1905. ويفترض أن علمانية الإسلام كانت احتمالاً وهدرت... ولأن تاريخ الاجتماع تاريخ احتمالات، فإنه يمكن التفكير مجدّداً بها كاحتمال... ولأن تاريخ الاجتماع تاريخ احتمالات أيضاً فقد كان التراث تراثات والإسلام فرقاً ومذاهب... وليست العلمنة أو إمكانيتها إلا أحد الاحتمالات التي يتضمنّها تراث كثير وإسلام كثير، وإن صدرا عن وحدةٍ هي كثيرة أيضاً في تنوعها وتعدّدها!... يقرّر كريم مروة وجود أنواع مختلفة من الحركات الإسلامية، من حيث الهدف والممارسة والعلاقة بين الدين والحياة وغيرها، ويجد أكثرها نفوذاً وتأثيراً تلك الحركات الإصلاحية التي تقاوم السلطة، وتستنفر الغرائز الدينية، ويعلّل هذه الظاهرة بالواقع العربي المأزوم، وعجز الحكومات المتعاقبة، وتفاقم مظاهر الاستبداد السياسيّ وفشل الشعوب في التغيير، وعجز الأنظمة عن التعامل مع القضية القوميّة، وتفاقم العدوان الاستعماري....الخ. ويمكن لهذه العوامل مجتمعة أو متفرّقة أن تعلّل أيّة ظاهرة، مادامت تشفّ عن غياب تاريخ ومجتمع وأمّة، وإن كان الحلّ، برأيه، بناء دولةٍ ديمقراطيةٍ تحقق الفصل بين الدين والدولة!... وهل يختلف سؤال هذه الدولة عن سؤال "الأمة" بعامةً، إذا كانت الأمة لم تنتج بعد وعيها بذاتها الذي يقوّض دولها الواقعيّة جداً وما تنتجه من ظواهر صالحة وغير صالحة، وحركات إصلاحية وغير إصلاحية! أليس سؤال الديمقراطية هو سؤال الأمّة؟.. يميّز وجيه كوثراني ثلاثة أزمنة في مسار النهضة العربية هي زمن التوفيق بين الليبرالية الغربية والإصلاحية، وزمن الاشتراكية القومية، وزمن الصحوة الإسلامية أو المشروع الإسلامي الجديد. وينظر إلى الأزمنة الثلاثة كجزء من مرحلة واحدة مستمرة ذات وجهين: الاستبداد من جهة، والتحرّر من جهة ثانية. ويرى أن النقد التاريخي لتجربة النهوض العربي الإسلامي يقدّم صورة عن أزمة تواصل وتراكم تبرز في حالة القطيعة بين المشاريع وأزمنتها. وربّما نستطيع أن نقول: التيّار الإسلامي كان دائماً حاضراً وموجوداً، باتجاهاته الرسمية والشعبية والتقليدية والتجديدية والعروبية وغير العروبية. وكانت له نخباته ومؤسساته التي تتوافق مع كتلة اجتماعية لم يصدم مزاجها الدينيّ بالحداثة إلاّ قليلاً، ومن خارج، وكان لهذا التيار الإسلامي دائماً مطلقاته التي يُواجه بها وقائع التاريخ وتاريخ الوقائع التي يُحّللها ويفّسرها تبعاً لإجابة جاهزة ومنجزة، مطلقة ومتعالية، تدفع الشكّ باليقين، وقد تعامل مع مؤسسة شبه حديثة أو دولة شبه حديثة تتكيّف مع أحكام الشريعة الإسلامية كما تتكيّف مع القوانين والأنظمة الوضعية!.. وقد كانت له أيضاً أصولياته القديمة والجديدة التي يمكن لعلاقتها بالتاريخ وبالواقع أن تقترح عليها أكثر من احتمال؛ قد يكون نقد الذات، كجزء من نقد الدولة والمجتمع، أحدها... وقد يفتتح نقد الذات عندها، وعند غيرها، إمكانيات تدفعها لمشاركة عادلة وإيجابية وفعّالة في اختيار حداثتها التي هي حداثة الأُمّة، دون أن تكون بديلاً لقوى وحركات أُخرى. وقد تدفعها "علمنة" مّا إلى "ديمقراطيّة" مّا... وليست الصحوة الإسلامية الراهنة والمؤقتة والطارئة بديلاً لصحوة قومية أو غير قوميّة سابقة فاشلة أو مفلسة... ومع ذلك يرى بعض الإسلاميين أن الخيار القومي العربي كان بديلاً عن الحلّ الإسلامي. ولكنّ مع إفلاسه الحالي لم يبقّ من تعبير عن التعلّق بالأصالة والاستقلال في مواجهة الغرب سوى الإسلام. إنّه، برأيهم، العقيدة القومية المعاصرة، والإسلام هو الحامل الوحيد لقيم التحديث والعصرنة، باعتباره العقيدة التي تعرّف بها الأجيال الشابّة عن نفسها... وإن كان المجتمع لا الدولة، هو المؤسّسة الأولى في الإسلام برأيهم!..(2). وليس ثمّة انبعاث جديد للإسلام يرتبط بظاهرة يراد لها أن ترادفه هي ظاهرة العنف والإرهاب، كما يرى بعضهم، إذ دفع الحديث عن نظريّة فراغٍ جديد بمقولة صدام الحضارات كبديل لصراع الأيديولوجيات، ليتمّ تناول الإسلام كتعبيرٍ عن ظاهرة شرقية متخلفة في مواجهة الحضارة الغربيّة... الخ. والإسلام لا يساوي، على أيّة حال، ما يسمّى بالأصولية أو بالإرهاب، وهو يحتفظ بقدرةٍ ثقافية حضارية، ويمكن أن يشارك في أي تغيير... ولا يساوي المسلمين جميعاً أيضاً!... ثمة "إسلام" كثير ومختلف، وثمة بشر مسلمون كثيرون ومختلفون! وقد اتسع الإسلام للجميع، ويتّسع للجميع، ولم يضق باختلاف، ولا يضيق بالاختلاف. عبّرت فيه ملل ونحل وفرق عن أفكارها ومثلها وهواجسها وأوهامها وأحلامها، وتجسّد فيه عقل ونقل، وبرزت فلسفة وعلوم وتصوّف وكلام، وتآوى شك ويقين وإيمان وإلحاد.... وشارك في معاناته وإنجاز مواده الحضارية عربي وأعجمي!.. ولكنه تحوّل، عند بعضهم، في مرحلة انحطاط إلى محض أصولٍ، هي جزء من أصول تغلّب النقل على العقل، والاتباع على الإبداع، وتلغي الآخر المختلف، وتخدم سلطتها الدينية السلطان الدنيويّ!.. وإذا كانت ظاهرة الإسلام المسلّح تنتمي إلى جزء من الأصول، لا الأصول كلّها. وإذا اعتبرها بعضهم معادلةً للإسلام، فهذا لا يعني أنها تساوي الإسلام، ولا يعني أن إسلام الأصول يساوي الأمّة أو المجتمع، وما تيّار الإسلام السياسي، بعبارة أخرى، إلا أحد التيارات التي يعبّر كلامها وفعلها عن شكل من أشكال الصراع الذي يُقطّع ليظهر، ويؤجّل فيندفع، مادامت الدولة لا تمثّل المجتمع، ومادامت القوى في المجتمع لا تجسّد إرادة الأمّة بعد؛ وبخاصة بعد إخفاق نهضةٍ وهزيمة أمّةٍ وانخلاع حداثة!... لم يستنطق المحور الأول تجربة بعض ممثلي التيّار الديني، ولم يتعرّف خطابه من الداخل، ولم يستكشف إمكانيّة افتتاحه لخطاب إسلامي مختلف هو خطاب الإسلام كله كما تجلّى في تعدّده واختلافه.... أليس الإسلام كثيراً في وحدته؟ في المحور الثاني يؤكد جورج حبش على مراجعةٍ في العمق تهدف إلى إنتاج فكر قوميّ أصيل، بعد أن يلاحظ انصراف المفكر القومي إلى اليوميّ والسياسيّ والمباشرة والمساجلة من قبل، واتّسامه بالتسرّع في الاستنتاج والميكانيكية في قراءة التجربة الأوربيّة، بالإضافة إلى شيوع ذهنية القطع من التاريخ، والعجز عن التوفيق بين الأصالة والحداثة. ويلاحظ أن فشله يعود إلى عناصر منها ماهو داخلي، ومنها ماهو خارجي، على الرغم من إنجازاته... بينما يتفاءل د.جورج جبور بتجديد الفكر القوميّ وعقلنته. ولكنه يتساءل عن الطريقة والعمل لبلوغه! ويميّز الياس سحاب الالتباس الفكري بين العروبة كهويّة تاريخيّة وبين الأيديولوجيا القوميّة الحديثة الذي كان من نتائجه مشاحناتٌ وصراعات بين التيار القومي العربي من جهة والتيار الماركسي والليبرالي من جهة ثانية. ويربط الحل التاريخي لقضيّة فلسطين بوعي الغنى التاريخي والنّقد والتنوع التاريخيين اللذين تكوّنت منهما العروبة لا بالتصالح بين الصهيونية والعروبة! يقرر د.برهان غليون أن الاتجاهات السائدة في نقد القوميّة، وفي فهم أزمة الفكر القومي لا تنطلق من دراسة التجربة العملية والواقع التاريخي. وينجم عنها الاعتقاد بأن التحوّل الفكري نتاجٌ اختياريّ إرادي. ويسوّغ انحسار الحركة القومية بعاملين: أحدهما تغيّر جدول الأعمال التاريخي تحت تأثير الأوضاع الدوليّة والقوميّة ، وثانيهما إنجاز الحركة القومية جزءاً من جدول الأعمال القومي، فالفكرة القومية العربية، برأيه، لم تعد قادرة على تقديم أيّ إنجاز جديد، ولم يعد وجودها سوى تغطيةٍ أيديولوجية على مصالح النخب القائمة في السلطة... بل إن مأزق القومية من حيث هي عقيدة ونظام يترافق مع مأزق عقائد قوى المعارضة وعجزها عن التغيير، والأنموذج الفكري للحركة القومية العربية، عنده، "يساعد على فهم المشكلات المطروحة في عصر العولمة!".. أهو يفترض نهاية الفكرة القومية العربية، مع أنّه يؤكّد في أحد هوامش بحثه على أن الفكر القومي ليس موحّداً ومتجانساً، وهو أكثر انقساماً وتنوّعاً اليوم عما كان. ولكن! هل يعني هذا التنوع انحسار الفكرة القومية وأنها لم تعد ضرورية للوحدة أو الاتحاد أو التكتل مادامت تصطدم بالمفهوم الجديد للديمقراطية الذي يركّز على احترام التعدّدية السياسية؟ وإذا كان القوميون الجدد يؤكّدون على التعدّدية الثقافية والاعتراف بالأقليّات وضمان حقوق الإنسان ورفض الفكر العقائدي، فهل يتناقض هذا الاتجاه القومي "الجديد" مع المفهوم "الجديد" للديمقراطية؟ ستلاحظ فهمية شرف الدين انهيار المثل والأفكار التي يمثلها الفكر القوميّ بعد وصول الأحزاب القومية إلى السلطة. وتقرّر أن لمفهوم التجديد أهميّة مركزيّة، لتتساءل عن إمكانيته في ظل العولمة، وعن قابلية الفكر القومي على إنجاز تعديلات في جهازه المفهومي تمكّنه من استيعاب التحدّيات الجديدة، ولتربط، مع غيرها، الأفق الحقيقيّ لأيّة نهضةٍ بالحرية والديمقراطية. وسيتّفق عبد الإله بلقزيز مع غيره أن الفكرة القومية انتهت إلى فكرة نخبويّة وانقلابيّة، كما انتهى المشروع القومي إلى مشروع دولة قطريّة، كما أن مركزيّة الفكرة القومية أدّت إلى التنازل عن مبادئ في خطاب النهضة مثل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية... والفكر القومي لم ينتج نظريةً في الدولة القومية، بل أنتج نظرية في الأمّة، كما أن تسييس الفكرة القومية أعاق تنمية وعي نظري، فأصبح الخطاب القومي خطاب مؤسّسةٍ. ولم تحقق الفكرةُ القومية هيمنةً ثقافية تتحوّل بها إلى أيديولوجيات سياسية للأمّة... ويستنتج أخيراً أنه لابدّ من إعادة النظر في المعمار الفكري والسياسي والقومي لتأهيله مجدّداً من أجل حمل مشروعٍ نهضوي لا يمكن إلا أن يكون ديمقراطياً واشتراكياً... ويستخلص د.فؤاد خليل أن العروبة الرسميّة في النظام العربي السائد مظهرٌ لأزمةٍ شاملة تمسّ الوجود والهويّة والاجتماع والسياسة... ويجد ماهر الشريف أنه لابدّ من استكمال بناء القومية العربية كي تتحقق النهضة، بعد أن أشار إلى مثالية الفكر القومي وتبشيرّيته ولا ديمقراطيته، وإن امتلك وعياً واضحاً بالتخلّف، وركّزعلى الوعي القوميّ، وأراد أن يسبق الزمن، ويحقّق نهضة سريعة عن طريق الانقلاب أو الثورة... .... وفي دراسته عن الأنموذج اللبناني وتيّارات الفكر القومي يرى موريس نهرا ضرورة رفع راية عروبةٍ ديمقراطية حضارية تعزّز الروابط القوميّة، وتراعي الخصوصيّات، وتستلهم التراث، وتنفتح على ثقافة الغرب وحضارته دون ضياع الهويّة.... ويذكر د. محيي الدين صبحي في دراسته عن الياس مرقص وتجديد الفكر القوميّ بأن هذا المفكّر أنقذ النظريّة القومية من المثالية والذاتية والصوفية والفاشية، وقدّم أصوب وأكمل تركيب بين القومية والماركسيّة! وفي تعليقه على القسم الأول من محور إشكالية النهضة في الفكر القومي يرى فيصل دراج أن الواقع العربي لا يعاني من انهيار الفكرة القومية بل من انهيار السياسة. ولابدّ من إعادة الاعتبار إلى السياسة التي يكشف انطفاؤها أزمة المجتمع العربي كله لا أزمة نظامٍ سياسي معين. ولابد من إحياء الفكرة القومية والقتال من أجلها أيضاً، وبخاصةٍ في عصر العولمة الجديدة... والقضيّة القوميّة، عنده، تستدعي اليوم مقولات جديدة مثل المجتمع المدني والديمقراطية والدولة الحديثة والوطن والمواطن كما أن مقولة التأخر التاريخي المتجدّد هي في أساس المنظور المأزوم إلى الفكر القومي!.. الفكر القومي، إذاً، يعاني أزمة يعيها... المشروع القومي أيضاً في أزمة يعيها، ويمكن أن يتجاوزها ما دام مشروعاً قيد الإنجاز. وقد يتفاءل بعضهم بما أنجز من جدول أعماله، إذ استطاعت بعض نخبة أن تستولي على السلطة في هذا المكان العربي أو ذاك، لتغدو عائقاً أمام تجديده، وجزءاً من أزمته التي تعبر عن تناقض مصالح هذه النخبة مع مصالح الأمّة بمعنى ما. وممّا لا شك فيه أن وضعاً تاريخياً جديداً يقترح مفهومات مختلفةً وطرائق تفكير وعمل مختلفة تتجاوز مفهومات وطرائق قديمة، وبخاصة بعد أن تحوّلت دولةً شبه حديثة وشبه قومية إلى دولة تحافظ على كيانها القطريّ، لتحتفظ نخبتها أو شبه نخبتها بعوائد السلطة والثروة، ولتتساوى جمهوريّة شبه شعبية مع مملكة أو إمارة ومشيخة! ولأن كلّ مفهوم ينتجه واقع وتاريخ، فلابدّ أن يكون أيّ مفهوم قابلاً للمناقشة، كي لا يتحوّل إلى "مطلق" تحتفي به سماء الفكر بعيداً عن أرض الواقع والتاريخ.... وفي كل مرحلة من حياة العرب الحديثة والمعاصرة كان ثمة نقد بمعنى ما، وكان ثمة نقد إلى حد ما أيضاً... وكانت الفرضيّة الرئيسة التي انشغل بها، واشتغل عليها، هي نهضة الأمّة والشعب أو المجتمع أو الوطن. وتحوّل مفهوم النهضة، التي كانت إحياء قومياً أو بعثاً قومياً إلى مفهوم الثورة، أكانت ثورة عربية قومية أم طبقية أم إسلامية... وانتهى مفهوم الثورة إلى مفهوم الحداثة! برز مفهوم القوميّة العربيّة كظهور حضاري عربي حديث للإسلام في دنيا العرب، تمثّله نزعات قومية عربية وعروبية إسلامية. ورأت نزعاتٌ عروبيةٌ وإسلاميةٌ مثاليّة عبقرية الأمة في لسانها. ومن قداسة "مطلقات" عربية وإسلامية، وقداسة "اللغة" منها، كانت قداسة مفهوم "الأمة" الذي استحضر الأسلاف أو بعض الأسلاف في حركة طليعةٍ أو شبه طليعة ونخبةٍ أو شبه نخبة تستهدف إحياء دور الأسلاف الإنساني! وكان للفكرة القومية عناصرها وموادها الأصولية، على الرغم من أنها تكلّمت على أمراض الأمة أو المجتمع من فقر وجهل ومرض، وانطلقت من فرضية رئيسة هي فرضية "الاستعمار ضدّ الأمة" أو"الإمبريالية ضدّ الأمة"!. وقد اختبر أكثرُ من مشروعٍ نقديّ مفهومات الفكر القومي وموضوعاته ومواده من داخله، ومن خارجه أيضاً... وتعيد أمثلة نقدية معاصرة، هي جزء من مراجعة نقدية راهنة، تأمّلها! وقد تكون هذه الأمثلة جزءاً من مشروع خطاب عربي معاصر يتدرّب على النقد أيضاً!. يقرّر د. محمد جابر الأنصاري أنّ الجغرافيا ضدّ الأمة العربية، لأن الإقليم العربي لا يتمتّع بوحدةٍ طبيعية أرضية متلاحمة عضوياً، ومتواصلة تضاريسياً وطبوغرافياً، فالتجزؤ السياسي ساعدت عليه الفراغات الصحراوية الهائلة بين مراكز العمران والاحتياجات الرعويّة الكاسحة. ولم يتبلور مصطلح علمي متفق عليه يدل على وحدة "الإقليم العربي"، إذ ظهر مصطلح "الوطن العربي" مع مطلع القرن العشرين في الأدبيات القومية الوحدوية والأحزاب ذات الأيديولوجية الوحدوية، واقتصر الأمر في البداية على آسيا العربية. وارتبطت إضافة أفريقيا بمعالجة ساطع الحصري لأهميّة مصر الحيوية... ولم تكن أقطارٌ كالصومال وموريتانيا وجيبوتي تُعتبر أجزاء لا تتجزأ منه منذ زمن بعيد.... الخ(3). وتكمّل فرضيّة (القبيلة نقيض الدولة) عنده فرضية (الجغرافيا ضد الأمّة)، فالمجتمع العربيّ كان، وما يزال، بدوياً أدّى فيه شقاق السياسة إلى تمذهب الدين وتصارع الفرق... التاريخ السياسي للحضارة العربية الإسلامية أكثر عناصرها ضعفاً، على الرغم من تألقها الروحيّ والعمرانيّ، فهي تعاني من فقر دم سياسي منذ التأزّم المبكّر للخلافة الراشدة. وهذا التأزم السياسي ظاهرة مزمنة، ويرجع، برأيه، إلى "طبيعة ذاتية"، في العرب الذين لم يخبروا العيش في دولةٍ منتظمة وثابتة... وحركات التغيير قادرة على (انقلاب الدولة) وعاجزة عن (بناء الدولة) بتياراتها المختلفة... وما ظاهرة الدولة الوطنية إلا من نتاج تعدّد الكيانات، وليست نتيجة خالصة للتجزئة الاستعمارية.... ويمكن للوحدة أن تتّم عبر تنمية الدولة القطرية... والمجتمع المديني هو شرط المجتمع المدني الذي هو شرط الديمقراطية وقاعدتها، فليس من مجتمع مدني في البادية أو الريف التقليدي، ولا حضارة بلا مدن.... الخ! كيف تمتلك الأمة إذاً مشروعها القومي إذا كانت الجغرافيا ضدّها، و"التأزّم السياسي المزمن" يرجع إلى "طبيعة ذاتية" متأصّلة ومقيمة، وبخاصة إذا كانت الجغرافيا من أقل العوامل تعرّضاً للتغيّر في تاريخ الشعوب؟(4). وكان د. برهان غليون في تشخيصه محنة الأمة العربية قد اقترح فرضيّة (الدولة ضدّ الأمة)(5)، إذ اعتبر الدولة المعاصرة أو الدولة التحديثية فقدت طابعها القوميّ، أيّ تحولت إلى دولةِ أقليّةٍ اجتماعية تفرض مذهبها وفكرها ومصالحها، وتحوّلت إلى دولةٍ سلطانية، واستدعت نشوء خلافةٍ وبابويّة...(8)... وما نعيشه اليوم، برأيه، ليس إلاّ تاريخ انحطاط الدولة التحديثية وفسادها الشامل، فهي دولة المركزية الشديدة والسلطة المطلقة، غير تمثيلية وغير ديموقراطية، لا تمثّل مصالح الأمّة أو الشعب، نزعتها القومية أو الوطنية تعني التمحور على الذات، والدفاع عن السيادة والعنف اللذين يخصّانها... هي دولة استبدادية جائرة وطغيانيّة، هويّتها نابعة من مفهوم بيروقراطية الدولة التاريخية... الخ. وقد عاشت، وجدّدت نفسها انطلاقاً من التزامها الشكليّ أو الفعلي بمبدأ تحديث المجتمع، وجعله مجتمعاً تاريخياً معاصراً، واستمدّت منه أيضاً ما تتمتّع به من شرعيّة.... ولا يمنع تقديسها المحبطين منها أو المهمّشين بسبب سيادتها من النزوع إلى تدميرها... الخ. وسيستنتج أنه إذا لم يكن هناك دولة- أمة عربية، فإن هناك أمّة- جماعة تؤكّد نفسها في أغلب الوقت إلى جانب الدولة أو ضدّ الدولة، أي أن هناك قومية عربية روحيّة ثقافية وسياسية وتاريخية.... الخ!(6). كانت نخبة قومية أو شبه نخبة تنتمي إلى الأمة أو ذات نزعة قومية أو وطنية، وكان لها مشروعها القومي الذي يمثل مصالح الأمة بمعنى ما، ولكنّها انقلبت على هذا المشروع إذ استولت على السلطة، وتحوّلت إلى أقليّة اجتماعية تتمثل في "مجتمع النخبة"، الذي صنع بيروقراطية الدولة، أو الدولة "البيروقراطية" بفسادها الشامل، ولتكون ضدّ الأمّة التي تمثّل أغلبية اجتماعية أحبطت، وهمّشت... وإذا افترضنا بأن الدولة التحديثية القطرية التي أنتجها تعدّد الكيانات هي شبه دولةٍ أو دولة مؤقتة فإن علاقتها بالمشروع القومي هي علاقة مؤقتة ما دامت لا تمثّل الجماعة- الأمة، ولا تهدف حقاً إلى تأسيس الدولة الأمة... وسيبقى المشروع القومي قيد الإنجاز. وعلى أية حال فإن تأزماً سياسياً مزمناً من طبيعة ذاتيّة متأصّلة، ويعمل، مع عوامل أخرى، على تكرار رسوب العرب في اختبارات السياسة، لا يؤدي إلاّ إلى نهايةٍ عبثية، كما أن الاختيار الديموقراطي يفقد جدواه ما دامت الأغلبية الاجتماعية لا تعي ذاتها كجزء من مشروع قوميّ هو مشروع الأمة. وما دام هذا الاختيار ليس من إنتاج "علمنة" العقل" وعلمنة" المؤسّسة! أهي جدلية السياسي والحضاري في التكوين العربي، تلك الجدلية البالغة التفارق والتغير والحساسية والحدّة، كما يفترض د. الأنصاري لأن الذين يحكمون لا ينتجون، والذين ينتجون لا يحكمون، فالمدينة المحكومة تنتج الحضارة ولا تنتج السلطة، بينما البادية الحاكمة- أعجمية كانت أم عربية تنتج السلطة، ولا تنتج الحضارة؟ أم هي جدلية الأقلية الاجتماعية والأغلبية الاجتماعية التي تتمثّل في مجتمع نخبة ودولة تحديثية معاصرة يعملان على إلغاء "الأمة" التي تنتج دولتها القومية، التي هي دولة أغلبية! وليس ثمة من نخبة حقاً ما دامت هي نخبة سلطة! وعلى أيّة حال فإن نقد الدولة التحديثية وغير التحديثية وشبه التحديثية هو جزء من نقد الذات أو من نقد الأمة الذي يفترضه تأسيس مختلف لمشروع قوميّ مختلف! وقد تشكّك فرضيّة "الجغرافيا ضدّ الأمّة"، باحتمالات مشروع قومي عربي، وإن اعتبرت الدولة القطرية مدخلاً إلى الدولة القومية في مستقبل قريب أو بعيد، كما تضمر فرضيّة (الدولة ضدّ الأمة) احتمالات منها نهاية المشروع القومي الذي عملت بداياته على مفهوم هويّة مطلقة ومنجزة ونهائية ومفهوم أمّة مكتملة في الواقع وفي التاريخ، لابدّ من بعثها في مستقبل قريب أو بعيد، وتستبدل بها مفهوم المصلحة أو القوّة أو الإرادة أحياناً. هل يقوّض الفكر القوميّ إجابته السابقة، إذ انتهت سلطةُ نخبةٍ أو شبه نخبة إلى أن تكتفي بإقامة دولتها القطرية شبه الحديثة، وانتهت سلطة نخبة أو شبه نخبة بدوية إلى أن تكتفي بنهب "ثروة" انفجر عنها باطن أرض سعيدة أو غير سعيدة! إن نخبات "قومية" مختلفة تعيد تأسيس سؤالها على هذا النحو أو ذاك، وبخاصة مع نهاية قرنٍ عملت على حرق جزء كبير من مكتبةٍ ردّدت، وكرّرت إجابات الأصول، أكانت الإجابات من فهرس الإصلاح الديني أم من ورق المفكّرة القومية أم من أدراج ماركسيةٍ شائعة متشابهة ومتمايزة! في المحور الثالث: إشكاليّة النهضة في الفكر الماركسيّ العربي يقرّر د. رفعت السعيد أنه يمكن الحديث عن فكرٍ ماركسي مصريّ، وآخر سوريّ، وثالث لبناني، أو عن أفكارٍ ماركسية نابعة من تجارب وممارسات في مختلف البلدان العربية ولا يمكن الحديث عن فكر عربي ماركسي، أي عن نتاج عربي متميّز في الحقل الذي افتتحه ماركس، بينما يلاحظ د. عبد الإله بلقزيز إجحافاً في حقّ التراث الفكري الماركسي العربي الذي كان في أساس نشوء خطابه حاجةٌ اجتماعية سياسية وحاجة فكرية منذ ثلاثة أرباع القرن. وكانت الماركسية مطلباً معرفياً مشروعاً للجواب على أسئلة نظرية حادّة، ولإشباع حاجات فكرية ضاغطة على الوعي والثقافة. ولكن المؤسّسة الحزبية برز فيها فقدان حاسة النقد والنزعة الدعاوية والاقتصادية الطبقوية والتجريبية والنزعة اللاتاريخية والنزعة الأيديولوجية النضالية.... الخ. ويقترح د. ماهر الشريف أفكاراً للنقاش حول إمكانيّة إسهام الماركسيّة العربية في إطلاق نهضة جديدة، بعد أن يتوقف عند مناقشة كل من مهدي عامل وسمير أمين وعبد الله العروي لمصدر إنتاج الفكر الماركسي، وعلاقته بفكر النهضة فيها وظهور الإسلام السياسي وغيرها... ومما يقترحه وصل ما انقطع بين الماركسية والفكر التنويري لحركة النهضة ومصالحة الماركسية والقومية. وسيكون، برأيه، في وسع الماركسيّة كوْنَنَة ماركسيّةٍ جديدة ومنفتحة، تقيم حواراً نقدياً مع ماركس نفسه، ومع كلّ الإضافات المستقلّة في الحقل الذي افتتحه... ويربط عطيّة مسّوح وفود الفكر النهضوي إلى مصر وبلاد الشام بمقتضيات التطوّر المحلي، فيذكر قنواته، ويعتبر نكوص النهضة فيما بعد نسبياً ومتفاوتاً وتدريجياً، فغياب فكرها لم يكن كاملاً، لأنها حاجة رئيسة فكراً وممارسة، إذْ ظهرت في مرحلة اتسمت بانهيار الإمبراطورية العثمانية وظهور الإمبريالية، على الرغم من ضعف حاملها الاجتماعي وضعف وعي الجماهير النهضوي... وقد تجلّى موقع التيار الماركسي، برأيه، في ربط النهضة بالتقدم والعدالة وتأمين الفرص المناسبة لأبناء المجتمع. ويميّز مرحلتين في الفكر الماركسي العربي، تتلخّص المرحلة الأولى في تعريف القارئ بالفكر الماركسي عن طريق عرض الماركسية، كما فهمها الكاتب العربي آنذاك. وتترافق المرحلة الثانية مع تأسيس الأحزاب الشيوعية وارتباطها بالكومنترون، أي الماركسية الرسمية وقد اتسمت بتراجع النشاط الفكري والتصوّر القاصر للأممية، وتراجع النزوع القومي والمتناقض مع القوى الاشتراكية ورفض الليبرالية والتشكيك بالديمقراطية والكتابة عن الاتحاد السوفياتي... ويلخّص خطأ الحركة الشيوعية العربية بتقديمها المسألة الطبقية على مسألة التحرّر الوطنيّ والنهضة المجتمعية وتبنّي الأنموذج السوفياتي. ولكنه يبرز هويتها النهضوية في مواقفها تجاه مشكلات التحرّر والعلمانية والديمقراطية، وإن لم تكن واضحة تجاه مشكلة الهويّة ومشكلة الديمقراطية ويردّ استصغارها دَوْرَ المثقفين إلى فهمٍ مبسّط للمفاهيم الماركسّية حول الطبقات... الخ. وربما تطابق بعض آرائه وملاحظاته، وتكامل مع أكثر من رأي وملاحظة في مشروعات اشتغلت على نقد الفكر الماركسي والفكر القومي منذ بضعة عقود، كما اقترحتها أعمال الياس مرقص بشكل خاص! يعلّل كريم مروة فشل النهضة العربية الأولى بأسباب داخلية تتعلّق بكوْن شعوبنا أسيرة تاريخها، وبكَوْن سلطة الدين ومؤسساته مكرّسة لخدمة مصالح السلطة السياسية والاقتصاديّة في الدولة والمجتمع. ولذلك كان الإصلاح الديني شعاراً أساسياً. وكانت ولادة الأحزاب الشيوعية والحركات التي استندت إلى الماركسية، برأيه، استمراراً لحركة النهضة الأولى. وفي النهضة العربية الثانية كان التقاء التيارات القومية والشيوعية حاجة موضوعية على الرغم من خلافاتها حول قضايا مثل قرار تقسيم فلسطين والوحدة السورية- المصرية والخصوصيّات الوطنية والتعصّب القومي والاستبداد السلطويّ باسم القضية القومية.... الخ!. والآن! بعد سقوط مشاريع النهضة وانهيار التجربة الاشتراكية يبقى الحلُّ عِنده، هو تجديد الاشتراكية فكراً ومشروعاً سياسياً، وهو المدخل إلى إطلاق نهضة عربية جديدة. ويذكّر بأن جوهر فكر ماركس هو النقد بكل معانيه، نقد الواقع ونقد الأفكار والمفاهيم، وهنا تكمن قيمته الكبرى. ولذلك فإن فكره سيظلّ حاضراً في كلّ الأبحاث المستقبليّة.... ويستخلص من وجهة نظر نقدية، أن مفهوم حزب الطبقة العاملة أصبح من الماضي، إن لم يكن خاطئاً. ولكن بديله لم يظهر، ولابدّ من بديل. كما أن صيغة البرنامج الذي يعيش طويلاً هي صيغة مضى زمنها أيضاً، فالتعدّدية والديمقراطية اللتان يجري الصراع من أجل تطويرهما هما السمة الأساسية لهذا التطور. ويلخّص مهمّات تنتمي برأيه إلى المشروع الاشتراكي للنهضة، منها ما يتّصل ببناء القاعدة المادية للتغير مثل بناء دولة ديموقراطيّة حديثة، والنضال من أجل تحرير الأرض المحتلة، وتوطيد علاقات التكامل بين البلدان العربية والاهتمام بالبيئة والمحيط وغيرها، ومنها ما يتّصل ببناء القاعدة الروحيّة والأيديولوجيّة للتغيير مثل الاهتمام بالتراث الثقافي والاجتماعي الذي يشكل أساس تحديد الهويّة، والاهتمام بالثقافة بكل فروعها، بالإضافة إلى الاهتمام بالشباب والمرأة وغيرها... ويلاحظ أخيراً بعض تناقضات الوعي وصور الخلل في الحياة العربية مثل العرقية والأثنية والدينية والمذهبية، بالإضافة إلى القدريّة والتكاسل والتسوّل والارتزاق والفردية المطلقة وفقدان المعايير والهروب من الواقع ومجاراة التطبيع.......الخ.. يردّ د. فؤاد خليل إشكالية النهضة إلى مأزق الانتقال في الاجتماع العربي، والتي هي الأصل المشترك لكلّ الإشكاليات اللاحقة. ويلاحظ الحاجة الماسة لتجديد الفكر العربي بكل تياراته، انطلاقاً من أنه لا حقيقة مطلقة ونهائيّة في التاريخ، ولا شكل واحد لتطوّر التاريخ البشريّ. كما يلاحظ إخفاق التيارات المختلفة، فتيّار الإصلاح الديني أخفق في تحويل زمنه التاريخيّ إلى زمن مهيمن، ولم توفّر البنى الاجتماعية للتيار الليبرالي بيئةً مناسبة لنمذجة مستلهمة من الغرب، أما التيار القومي العربي فعجز عن حلّ مشكلات التجزئة المجتمعيّة، كما عجز عن تحقيق التوحيد القومي. والتزمت التعبيراتُ السياسيّة للفكر التغييري بالنضال الأيديولوجي والطبقي، وأسقط الجدل الميكانيكيّ المفاهيمَ وأدواتَ التحليل على الواقع العربي... الخ. ويستخلص أن الديمقراطية هي نمط التعبير الواقعيّ والموضوعيّ عن مجتمع تركيبه متنوّع في طبيعته، وأن القوميّة والأمة ظاهرتان تاريخيتان، ولا حتمية في التاريخ، كما أن الماركسية هي إحدى مرجعيات العلم في الميدان الاجتماعي والإنساني، وليست المرجعية الوحيدة. والفكر الماركسي العربي يطرح الآن قضيّة التحديث كأولوية يندرج في متنها النظام العربي وإشكالية بناء الدولة الوطنيّة الحديثة وغياب الديمقراطية وحقوق الإنسان والأقليات وعقلنة الرأسمالية... الخ. الخ. ويلاحظ زياد ماجد أنه ما من نظام عربي أعلن الماركسية هويّة وسياسة وفلسفة حكم، وأن القوى الشيوعية العربية تفاوتت تجاربها بتفاوت علاقتها مع الأنظمة، وظلّت أكثريتها نخبويّة، وإن استنهض بعضها قواعد جماهيريّة، ولجأت في مستوى الخطاب الفكري والسياسي إلى محاولات تقليّدٍ وقفزٍ فوق الحقبات وحرقٍ للمراحل، وتحوّلت بناها التنظيمية إلى مؤسسات حزبية تديرها هيئاتٌ تقلّد الأنموذج السوفياتي. وكان للماركسيين العرب مواقعهم الطليعية في العلوم والفنون الإنسانية، إذ شخصوا أزمات مجتمعاتهم وطبقاتهم... الخ. وستبقى الماركسيّة حاضنة لكلّ محاولة نهوضٍ وتنمية وتجديد فكري وتطبيقي برأيه، وستبقى الاشتراكية السبيل إلى نهضة عربية جديدة أفقاً تنموياً، دون التخلّي عن الماركسية كأداة تحليل وفلسفة ونقد وبحث دائم التطوّر... تشير أخيراً مراجعة لكتاب نقد العقلانية العربية لإلياس مرقص إلى نقد الماركسية العربية من مواقعها، وفي أفق تجديدها... وتتناول قضيّة البدء من المفهوم في أية ممارسة إنسانية كما ينظر إليها مرقص الذي يرى أيضاً أن مفهوم الدين وجد منذ الاجتماع الإنساني، وأن الوحدة هي جدل الفروقات والاختلافات في التنوع والتغاير، وأن نقد ماركس كان للمؤسسة الدينية، وليس للدين... الخ. وتكمن، عنده، مستقبلية الماركسية في أنها نظرية نقدية تنقد غيرها، وتنقد ذاتها من خلال الممارسة... وهو يؤكد دفاعه عن التغاير والاختلاف والتنوّع، ويميّز الاختلاف من الصراع.... والتعدّد، كما يراه كمٌّ، لا يعني تنوعاً، بينما كلّ تنوع تعدّد... والديمقراطية تنوع أولاً، وتعدّد ثانياً، والتعدّدية ليست ديموقراطية... الخ. ولابدّ من سيادة الفكر حتى لا يصبح تابعاً للسلطان، وليتمكّن من نقد السياسة الراهنة في المجتمع العربي لابد أيضاً من التأسيس لفكرٍ عربيٍّ مستقبليٍّ وعقلانيةٍ عربية تقدمية! كلّ التيارات قابلة للنقد إذاً: التيار الإسلاميّ والتيّار القوميّ والتيّار الماركسي(7)، ولكلّ تيّار أن ينقد ذاته، كما ينقد غيره، وهذه (الحالة) النقدية ليست جديدة، فقد كان ثمة محاولات تناولت مشروع النهضة الأولى بأبعادها الإسلاميّة والعروبية الإسلامية والإسلامية العروبية، واستخلصت عوامل إخفاقها واستمرارها في أشكال وقوى ونوى متنوّعة. وكانت محاولات تناولت مشروع النهضة الثانية كما جسّدتها قوى ونظم قومية بمعنى ما، وتأمّلت هزيمتها في إنجاز مشروعها القومي، كما تناولت بالنقد الفكر القومي والنخبة القومية والدولة القطرية التي أنجبتها يوتوبيا قوميّة اكتفى ممثّلوها الشرعيون وغير الشرعيين بعوائد السلطة القطرية، وكانت محاولات أيضاً تناولت التيار الماركسيّ باتجاهاته المختلفة، واستكشفت إنجازاته وتراجعاته، وأوهامه وأحلامه، تاريخه وواقعه.... واكتشفت محاولات نقدية مختلفة أقنعة حداثةٍ تنكّرت بها قوى ونخبات قومية وماركسيّة، ربما كان في مقدّمتها محاولات الياس مرقص وياسين الحافظ ومهدي عامل وعبد الله العروي وآخرون... والآن! لتشملْ المراجعةُ النقدية الجميع! وليتحاورْ الجميع! وإذ كان الجميع ينتمي إلى الأمة، ويهدف إلى إنجاز مشروعها، فمن حقّ الجميع أن يمارس نقد ذاته ونقد غيره، فكل نقد هو جزء من نقد الذات، أو نقد الأمة!.. وقد يكون الاعتراف بالهزيمة بداية نقدٍ يهدف إلى تجاوزها... ولا أحد أحسن من أحد! لم يستطع مشروع النهضة الأولى أن ينهض بالأمّة. كما أن مشروع النهضة الثانية الذي اشتغل على خطاب نهضة وخطاب حداثة لم يستطع أن "يحدّث" المجتمع أو الأمة... ومع العقد الأخير من هذا القرن سقطت مفهوماتٌ واحتمالاتٌ وإمكانيّات، وانفجرت مفهومات واحتمالات وإمكانيات أيضاً... قُوِّضت مطلقاتٌ وأجوبةٌ ومكتباتٌ كيما تؤسس للسؤال، الذي هو سؤال الذات والموضوع، الهوية والحداثة، التماثل والتغاير، الأمة والمجتمع، المهمّش والفاعل، السلطة والثروة، العالم والمعرفة... الخ! يستكشف الجميع ما آلت إليه قوى وتنظيمات ونخبات وسلطات قطرية أو قومية! ويتّفق الجميع على أهميّة النقد بعامة ونقد الذات بخاصة، وضرورتهما! ويعلن الجميع الاختيار الديموقراطيّ أولاً، وإن اختلف بعضهم على العلمنة! إذا كانت مجلّة "الطريق" قد اختارت أن تقارب مفهوم النهضة وإشكالية النهضة، فإن مجلة "الآداب" قد اختارت أن تقارب مفهوم الحداثة ونقد الحداثة والحداثة العربية، بالإضافة إلى نقد نقد الحداثة.(8). وقد نظرت مقدّمة ملفّها الأول إلى الحداثة كموضوعٍ خطير ينتمي إلى فضاء نقديّ في الثقافة العربية الحديثة يراجع الأفكار نقدياً، ويحوّلها إلى إشكاليات، ويطرح عليها الأسئلة من جديد، على حدّ تعبير معدّ الملفّ محمد جمال باروت الذي يفترض أن القرن العشرين هو قرن انتصار الحداثة في المنظور الاقتصادي التقني، كما هو قرن النقد الجذري لعقل الحداثة ولأساطيرها، وتحويلها من مشروع سيطرةٍ إلى مشروع تحرير. ولذلك سيهتمّ الملفّ بإبراز مفاهيم النظريّة النقديّة المرتبطة بمدرسة فرانكفورت، وبإضاءتها من وجهات نظر ومستويات متعدّدة، لما لها من أهميّة محورية في نقد الحداثة! وتذكّر مقدّمة الملف الثاني بأن الملفّ الأول عالج إشكاليات نقد أيديولوجيا الحداثة في علاقتها بمسائل العقلانية والعلمانية والميتافيزيقا والدولة والسيطرة والعقل الأداتي. وترى في أنموذج الحداثة العربية أكبر عائق أمام استملاك الحداثة الفعلية، لأنه أعاد إنتاج ما عمل على تقويضه، وانتهى إلى عكس الأهداف التي انطلق منها... وقد نعت هذه الحداثة معجمٌ وصفيّ دلالي خاص في استخداماتنا بأسماء مثل الحداثة المغدورة والمبتورة والمهمّشة وغير المنجزة معبّراً عن الحسّ بمأزقها، وعن الأمل في تملّك الحداثة الفعلية أيضاً! ما الحداثة الفعلية إذاً؟ وكيف تُمتَلك؟ وهل هناك حداثة عربيّة حقاً؟ وأيّة حداثة هي هذه الحداثة العربيّة؟ إنّ ملفّ الحداثة ملف مهمّ وخطير، كملفّ النهضة، وبخاصة عندما يتمّ تناولـه في إطار موضوعه العربي، كموضوع أنجز، وينجز، ولا يزال قيد الإنجاز. ولعل الخطاب النقدي الذي ينتمي إليه يعيد النظر في مفهوماته وقضاياه، وينتج سؤاله العربي الذي يضطر إلى استعارة أسئلته وأجوبته من حداثة غربٍ هي حداثة العالم!. إن نقد الحداثة الذي يتقنّع على هيئة مشروع حداثةٍ عربية مفترضة ما يزال أسير حداثة الآخر يحتشد بألفاظ وأسماء وأشكال ورطانات وادعاءات، وكأن حداثة هي شبه حداثة تفرز نقداً هو شبه نقد، لم يتدرّب على امتلاك حداثته! وإذا تدرّب على امتلاكها فليستدعي بعض أنموذجات تراثية من الأصول يرى فيها صورة سابقة لحداثة الآخر. وكأنه يخرج الحداثة من تاريخها، أو يستعير بعض مفهومات حداثة غربية يرطن بها! تتحوّل الحداثة في الغرب، وتفتتح دائماً احتمالات وإمكانيات لتجاوز ذاتها بنقدها، وتنجز من داخلها أفقاً يدعى الآن ما بعد الحداثة، كجزء من نقد الحداثة لذاتها، وكجزء من تحرّر الحداثة وتحريرها! ويتجوّل خطابٌ نقدي عربي حول حداثة ما، ويتكلم على حداثة من نوع مّا، فيكرّر كلاماً قيل من قبل، ويقال الآن، وقد يقال فيما بعد. وتحتكر نخبةٌ أو شبه نخبة سلطةً ثقافية تعلن من خلال وعيها الدنيويّ الضديّ بميوله الديمقراطية ونزعاته العقلانية، وهو يختصر الحداثة إلى لعبةٍ أو ألهية أو شبه مذهب، إذ تعامل معها كظاهرة طارئة ومؤقتة، يستطيع أن يستعير مفرداتها وأزياءها الأخيرة، بدلاً من أن يعمل عليها كظاهرة كونيّة تفعل فينا، وفي العالم، وإن نمت في الغرب على نحو، يعبّر عنه تغيّرٌ كبيرٌ في أدوات الإنتاج المادي وقواه وعلاقاته مرتبطاً ومتلازماً مع تغيّر عمليات إنتاج المعرفة وعلاقاته.... وإذا كان أيّ تحديث ماديّ يفضي إلى حداثة فكرية، فما هي الحداثة الفكرية التي اقترحها شبه تحديث عربي، ويقترحها، بمظاهره الشائعة المعلنة والمضمرة؟ وكيف انعكست آثاره على الإنتاج النظري والثقافي والنقدي والإبداعي؟. وهل تعبّر عن هويّةٍ هي قيد الإنجاز أم تنفصل عن مقدمات هوية يتمّ تجاهلها أو تآكلها؟ تهجم مظاهر التحديث وظواهره ومواده وإعلاناته على نحو خارجي وإعلامي من الاقتصاد إلى الفكر، ومن الفن إلى قصيدة النثر ومن الزيّ إلى الآلة، وتتدخل في تشكيل روحيةٍ عربية ليست قديمة وليست حديثة أنموذجاتٌ تتجاور فيها ماديّة ماركس وحفريات فوكو وتفكيكات دريدا مع منهجيات إسلامية وقوميّة مثاليّة وصوفيّة وأصولية! هكذا يتظاهر بيان الحسبة في الإسلام، كما يتجوّل بحذر بيان الديمقراطية الحديث في أمكنة الحياة العربية. ويصاحب جنوح "الموضة" وعبثها وخوفها وقلقها تقليد الكوفيّة والجلباب والسروال وسيطرة أكثر من حجاب. ويتردّد فتى عربيّ مسلم في الدخول إلى عرض مسرحيّ، ما دام يعرف أنه يدخل المسجد باليمنى والمرحاض باليسرى فقط! ويصرّ طفلٌ عربيّ على التبول والتبرّز قرب حائط دورة مياه حديثة في مدرسته الريفية، ما دام آذن المدرسة يصر على إغلاق بابها في وجهه! وتطلق نخباتٌ وجمهراتٌ حديثة وشبه حديثة وغير حديثة شعارات مشبعة بمجاز التحوّلات، بينما تطلق نخباتٌ وجمهرات أخرى ليست قديمة وليست حديثة شعارات الأصول الأولى والمطلقات الأولى وهوية الينبوع! ويرطن النقد بمفهومات بنيوية وأسلوبية وسيميائية وتفكيكية. ويتأمّل ثقافة عصرٍ جديد يتحوّل فيها الوعي الذاتي إلى علامة من علامات النظام، وتختزل العلاقة فيه بين الأفراد عبر اتصال معلوماتي وثقافة استهلاكية، وكأن ثقافة الأطراف هي ثقافة المركز، ما دامت قد شاعت تكنولوجيا الألكترونيات الدقيقة عبر فضاء الاتصالات، ولم يعد نقل التكنولوجيا غير العقلاني عامل التبعية الوحيد! ويكرّر النقد الآخر مفهومات الأصول السابقة محتمياً بمزاج كتلة قومية أو اجتماعية يفترض أنها مازالت تعيش عصرها الذهبيّ القديم! فهل يستطيع خطابٌ عربي نقدي معاصر أن يحرّر أصوله، وأن يتحرّر من حداثته؟ في ملف مجلّة "الآداب" الأوّل يقارب د. يوسف سلامة مفهوم الحداثة، فيرى في مفهوم سيادة العقل سمتها المميّزة انطلاقاً من مبدأ التنوير وفلسفة التنوير، أما العلمانية فهي عنصر من عناصر تعزّز سلطة العقل التي تفتتح من خلالها الحداثةُ أزمتها وتقتضي ممارسة النقد لما تمّ إنجازه وإعادة الاعتبار إلى الطبيعة وإلى الذات الإنسانية.... ويشير إلى معنيين تتضمنّهما الحداثة في التفكير الغربي المعاصر، أوّلهما ارتبط بالحركة النقدية في تفكير الكنيسة الرومانية الكاثوليكية اللاهوتي مع نهاية القرن التاسع عشر، وثانيهما ينظر إلى الحداثة كنمط حضاري مضاد للتقليد. وكأنّ التغيّر المستمرّ عنصر جوهري في الحداثة، يفضي إلى وجود أزمة أو إلى مجموعة مشكلات متداخلة ومترابطة وملحّة تفرض على المجتمع مراجعة شاملة منطلقة من الأزمة لفترة تطول أو تقصر، لتؤسّس نوعاً من العقلانية... تقترن الحداثة، كمنتج تاريخي، بالعقلنة. وهي مزيج من العقلنة والعلمية لا يتناقض مع النزعة التاريخية. وهي نوع من هيمنة العقل على المجتمع تتخذ صورة سيادة القانون الذي يتطلع إلى سيادة الكلي في المجتمع، ما دامت لا تعترف إلا بسلطة العلم... وينوّه المقال، كغيره في هذا الملّف، بموقف مدرسة فرانكفورت من مفهومات العقل والعقلانية والتقنية والعلم، وتحوّلِ العقل إلى عقلٍ أداتي والعلم وفلسفة التنوير إلى أسطورة.... والحداثة، كدالّ مفارق عند د. منذ عياشي، تتضمّن تمرّدها على ثوابت دلالة الأسماء ومفارقتها، فهي دال منقطع عن سلفها من حيث كينونتها اللغوية، لأنها حضور بلا تاريخ. وهي من حيث التكوين تضاد وصدمة، وليست بديلاً... وكفعل منعكس على نفسه، يبدع فاعله، ثم يلغيه... وعلى اختلافه المنشغل بنفسه فيه لا ينفي وحدة المؤتلف... وتحويل الحداثة إلى أيديولوجيا يخرجها من ذات نفسها إلى سواها... وهو يقرّر أن الحداثة العربية ليست سوى وهم، ممثّلوه كذبةٌ كبيرة في الثقافات العربية، ما دام منطق الحداثة العربية مضاداً لمنطق فعل الحداثة... فعل الحداثة برأيه، ينطوي على زمان خاص بحدوثها، غير قابل للانتقال أو العبور أو التكرار أو التقليد أو المحاكاة، ينبذ المطابق... وهو زمان استثنائي يمكن أن نصطلح عليه بالزمان الغربيّ الحديث... الحداثة أيضاً تمثل، وفق تعبيره، لحظةً ناتئة ومختلفة، كفعل غربيّ ومحض ولازم... وهي كدالّ مكاني، بما هي دالّ زماني، تنكشف عن مكان مغاير لا يقبل المطابقة مع الأمكنة الأخرى... الحداثة مكان غربي تختلف المدن فيه بناء فمنظوراً فمفهوماً لاختلافٍ جذري بين الحضارة والحداثة، لأن مدن الحضارة مدن مؤسسة، ومدن الحداثة مدن مؤسِّسِه... وقد أعلن اللاهوت التكنولوجي موت الإله ليضع الإنسان محلّه بوصفاً صانعاً أو خالقاً، كما أعلن موت الإنسان ليضع الآلة مكانه، وحلّت التكنولوجيا محلّ الله والإنسان، لتعزّز الحداثة في مرحلةِ الهيمنةَ على العالم، وفي مرحلةٍ أنموذجاً عرقياً نازياً أو فاشياً للحكم، وفي مرحلةٍ أفرزت مدنها الهيمنة والعنف المنظم والمخطط والمعزّز تكنولوجياً واقتصاداً وسياسة وثقافة ومجتمعاً... الخ. يتوقّف عمر كوش عند وجهتي نظر في نقد الحداثة، أولاهما تنظر إلى ما عرف بما بعد الحداثة، كما قدّمها (ليوتار، دريدا، فوكو) والثانية تنظر إلى الحداثة كمشروع لم يكتمل كما قدّمها (هابرماس) بخاصة! ويلخّص القول الفلسفي للحداثة عند (هابر ماس) مذ كانت مشروعاً فلسفياً عند كانت، وكما تجلّى في نقد الحداثة عند نيتشه بتفكيك الحقيقة والمطابقة، وبتفكيك الميتافيزيقا عند هيدغر وبالتفكيك كاستراتيجية نقدٍ شامل للعقل وللميتافيزيقا، تعمل على مفهوم الاختلاف... الخ. ويشير إلى ممارسة هابرماس لعقلانيةٍ جديدة قائمة على الفعل التواصلي عبر عقل تواصلي يستمدّ معطياته من العقل النقديّ للحداثة.... ويبتدئ محمد جمال باروت مقاله بالإشارة إلى وصف آلن تورين القرن العشرين بقرن سقوط الحداثة، أي أيديولوجيا الحداثة التي كان تاريخها تاريخ تحويلها إلى أسطورة أو أيديولوجيا كتاريخ للعقلانية ولتأليه العقل... ويدعو إلى عقلانية مفتوحة تعترف بما هو عقلاني وغير عقلاني في نقدها أيديولوجيا العقل... ويرى أن نقد الحداثة من داخلها هو عامل تحريرها، كما يقترح أدغارموران، فالعقلانية المغلقة ترتبط بالاستبعاد والتهميش، وعقلانية العقل الأداتي عقلانية سيطرة لا تحرر تدمَر أبعاد العقل المتعدّدة، وتختزله إلى أداة تقنية... ويستنتج أن إعادة النظر في العلاقة الداخلية بين العقلانية والحداثة لا ينفصل عن نقد أيديولوجيا الحداثة في ضوء عقلانية مفتوحة، بالانتقال من العقل الأداتي إلى العقل المتجاوز النقديّ.... ويذكّر محمود منقذ الهاشمي بحقّ النقد كمبدأ "رئيس في الحداثة"، وبعاملي الحركة والتغيّر، وبمفهوم الشك كمبدأ للمعرفة في الفلسفة الحديثة... ويذكر مثال التخريب البيئي كأحد مضاعفات الحداثة لجزء من أزمتها، ومن أزمة الحياة نفسها... ولكن الحداثة تبقى، برأيه، نقيض الأصولية، والديمقراطية وجهها الذي ترافق مع الاستعمار... ويفضّل القول مع هابرماس بالحداثة كمشروع لم يكتمل بدلاً من البحث فيما قبل الحداثة أو فيما بعدها... ولابدّ من نقد الحداثة لأن أزمتها هي أزمة حياة الإنسان على هذا الكوكب... ولابدّ للديمقراطية أن ترتبط بالتعددية والتسامح بالتنوير... الخ. ويقرّر كريم أبو حلاوة أن الحداثة لم تعد ظاهرة تاريخية، بل تحوّلت إلى ما يشبه الدين، وأنتجت العلمية والوضعية أو العقلانية الأداتية التي أنتجت ما يسمّى أزمة الحداثة التي يحدّدها آلان تورين بقوله: "إن القوّة التحريرية للحداثة تستنفذ كلما انتصرت الحداثة! ويُعْني مع غيره بالاحتجاج النيتشوي وبتقويض الميتافيزيقا عند هيدغر في نقد الحداثة، بعد إشاراته إلى أعمال هيغل وماركس وغيرهما. ويلاحظ مع غيره أيضاً، معطيات النقد الذي ارتبط بمدرسة فرانكفورت، والتي رأت أن العقل التقنيّ، وقد أفضى إلى تحرّر الإنسان، غدا أسطورة تخنق الإمكانيات الإنسانية! ويستخلص أنه لابد من البحث الدائم عن آفاق السؤال والاهتمام بنقد السلطة والعائلة والفاشية وكشف آليات السيطرة في الثقافة ونقد الدولة الحديثة ومؤسّسات السيطرة الكليانية، باتجاه نقد العقلانية الأداتية(9). يردّد ملفّ نقد الحداثة والحداثة الغربية بخاصة ما يقدّمه منتج الحداثة وما بعد الحداثة من قضايا وملاحظات، ويكرّر مستهلك منتجاتها مفهومات منتجها بعامة... وإذا كانت أزمة المنتج مختلفة عن أزمة المستهلك، فكيف يشتغل المستهلك على نقد حداثة من وجهة نظر حديثة، لا من وجهة نظر أصولية؟ ولعلّ الدرس الأول الذي يقدّمه نقد الحداثة والحداثة العربية هو حقّ النقد الذي يؤكد أن الحداثة لم تسقط بعد، وأنها مستمرّة تشتغل على ذاتها. في ملفّ نقد الحداثة العربية يقرّر محمد سيد رصاص أن تجربة التحديث العربية مبنيّة على الأنموذج الغربيّ، وفكرها تحكمه معيارية هذا الأنموذج، وإن اختلفت الأيديولوجيات الثلاث الليبرالية والقومية والماركسية حول أدوات التحديث والحداثة التي تبنتها. ولذلك تدور البنية الاجتماعية العربية حول إشكاليتين. العلاقة مع الماضي والعلاقة مع الغرب، كما دارت التيّارات الفكرية الثلاثة حول تضادّات ثنائية منتمية إلى ديكارت وأوغست كونت، بينما انبنت الحداثة الغربية على أسس مفاهيمية أعطت التحوّلات الاقتصادية مضمونها النظريّ، ووصل الغرب إلى فكر حداثي عبر الماركسية والبراغماتية والفرويدية متجاوزاً الإشكاليات الفلسفية الديكارتية والوضعية.... وارتبطت الحداثة العربية بالتوظيف الأيديولوجي لظواهر تاريخية معيّنة ضدّ الأفكار الدينية وضدّ اتجاهات سياسية من موقع مصالح الحامل الاجتماعي لفكرها... وتستكمل مقالة غريغوار مرشو فرضيات المقالة السابقة فتقرّر أن الهاجس الوحيد للحداثة العربية هو اللحاق بالغرب، وإعادة إنتاج الأفكار الجديدة التي كان الغرب مصدرها، ما دامت المعرفة العلمية الحقّة هي المعرفة الوافدة.... وتتوقّف عند شعار العلمانية الذي رفعه دعاة الحداثة العربية، إذ افترضوا أن الدين هو مصدر انحطاط الأمّة، فهو، كشعار، سلاح أيديولوجي يموّه الواقع الأهلي، ويكرّس دونية المواطن. وليس ثمة رابط وجوب بين العلمانية والديمقراطية! وتُرْجِع إخفاقَ الحداثة إلى سياساتٍ إرادوية منقولة عن الغرب، هاجسها توزيع السلطة على دعاة الحداثة، باتجاهاتهم المختلفة، إذ أسبغت الدولةُ القوميّةُ القداسة على نفسها، دون أن تتغذّى من فلسفة عقلانية.... وللخروج من حالة الانشطار الراهنة إلى معسكرين متنابذين أصوليّ وحداثي لابد من إعادة استقراء الواقع، وما يحمله من قوانين خارجية وداخلية واقتراح أسئلة وأجوبة جديدة... |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |