|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 11:39 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
تابع الفقرة السابقة بينما يرى د. أحمد برقاوي أن المفهوم الرئيس في أيديولوجيا الحداثة هو مفهوم التقدّم، وهو ليس مستعاراً من أوربا، بل يتضمّن تجاوز الواقع إلى ما هو أرقى، فالتجزئة، عنده، أنتجت فكرة الوحدة القومية وخطاب الأمة. والحداثة العربية أيضاً ليست نسخة كاريكاتوريّة عن الحداثة الغربية! إن التفكير التقليدي، برأيه، هو سبب التخلف. وهذا ما يسوّغ الإصلاح الديني الذي احتلّ العقل فيه موقفاً مركزياً، وكان إنتاج السلطة السياسية هو أحد الهموم الرئيسة في أيديولوجيا الحداثة، نشأت عبره حالة من التناقض بين الليبرالية كأيديولوجية بورجوازية وبين تحقّقها الواقعي، إذ اصطدمت ببنى ما قبل حدثية أو متخلفة... ولم يثر القضاء على التجربة الديمقراطية الوليدة ردَّ فعلٍ شعبياً! ويلاحظ عودة خطاب الديمقراطية إلى واجهة الفكر العربي بعد أن عرف الشعب الهزيمة، وبروز مفهوم المجتمع المدنيّ، وبروز مأزق الحداثة القومية والأيديولوجيا القوميّة.... ويقرّر أن بذرة الاستبداد جاهزة في أحشاء الأيديولوجية القومية وهو مأزقها، فإخفاق المشروع القومي الحداثوي ليس قائماً في طوباويته أو رومانسيته أو لا علميته، وإنما في عدم فهم طبيعة القوى النابذة للحداثة القومية... الخ. ويلاحظ على الشيوعية العربية هاجس الانتقال من مجتمع طبقي متخلّف إلى مجتمع لا طبقي حديث، إذ ساد لديها منطق النزعة الميكانيكية والإرادوية، على الرغم من أن الماركسية كانت، ومازالت، أكبر مشروع حداثي... وإذا كانت الحداثة الليبرالية تمرّ عبر الدولة الديموقراطية العلمانية فإن الحداثة القومية والشيوعية أعلنت عقمها، وتبنّت فكرة الديموقراطية الشعبية... الخ. ويستخلص نتائج منها أن الحداثة مازالت مشروعاً عربياً مؤسّساً على فكرة تجاوز القيم، وهو يغتني الآن بالمراجعة النقدية... ويقترح بضعة أسئلة شاع طرحها من قبل، والآن، مثل: هل الديموقراطية إمكانية أم لا؟ أيجب القطع مع الماضي؟ هل هناك حقل لفعل الإرادة؟ هل تطوّر العالم الأوربي عامل في تجاوز التخلف؟...... الخ!.. ويعلّق شمس الدين الكيلاني على مفهوم دولة النخبة ونخبة الدولة في أنموذج برهان غليون الفكري، فيلاحظ أن الحضارة عنده تجاوز المدنيّات، وأن المدنيّة الغربية وحدها تحوّلت إلى موقع الحضارة. كما أن تجديد المدنيّة يعني مراجعتها لذاتها. ولذلك كانت الحداثة العربية انعكاساً لصراع موضوعه محاولة السيطرة على الحضارة بقدر ما تشكّل ميداناً لتفتّح المدنيّات وتطور الثقافات. والمدخل لفهم هذه الأزمة تجدّده مسؤوليةُ الدولة عن مصير الحداثة، فالدولة الاستبداديّة ونخبها مسؤولةٌ عن انهيار الحداثة. وليست القطيعة بين الهويّة والتحديثيّة، سوى مظهر لأزمة التحديث المشوّه والانطواء على الذات... أمّا العقلانية فتظهر استيراداً مفقراً للنظريات أدخلتها فئاتٌ عليها لتخليد سيطرتها وإخراج الجماعة.... الخ! وقد ترجمت الدولة التحديثية فكرة التقدّم تقليداً للأنموذج الغربي. وإذا كانت العقلانية قد تحولت عندها إلى عقيدة، فإن العلمانية تصاعد طلبها مع إخفاقها، إذْ حوّلتها النخبة إلى شعار تمييز اجتماعي... إن نقده الحداثة العربية هو المدخل إلى رفع قيمة الديموقراطية، وتجاوز الدولة القطرية إلى عالم المدنية العربية لتتمكّن الجماعة العربية من الحوار الفعّال مع الحضارة الراهنة... الخ. ومع ذلك يلاحظ مَطْلعُ المقالة أن وجهة نظر برهان غليون لم تتطهّر من نظرية التبعيّة والتمحور على الذات، وأن منهجه الطبقاوي يمسّ معالجة مسألة الديموقراطية، وأن تحليله تغلب عليه النظرية البَعْديّة للتاريخ على حساب النظرة النسبيّة التاريخية، ونصّه يتّسم بالاستطراد الذي حرمه أحياناً ضبط مصطلحاته الإجرائية! وهكذا يكون نقد الدولة التحديثية، بل نقد نخبتها، هو المدخل إلى نقد الحداثة العربية بعامة... فهل ينفصل نقدها عن نقد المجتمع؟ في تعليقه على ملفي "الآداب" وتحت عنوان "نَقْدُ نقدِ الحداثة" يلاحظ جورج طرابيشي أن الملّفْين يتعاملان مع الحداثة كفضاء عقلي شمولي، وأن العقبة المسبقة تبدو في شبه الاستحالة الابستمولوجية لنقد الحداثة في المجتمعات العربية ما دامت لم تمرّ عليها مرحلة الحداثة... ويميّز بين منتج الحداثة ومستهلكها الذي ليس له استطاعة تأثير على قرار المنتج. فالإمكانية الأبستمولوجية الوحيدة لنقد الحداثة من قبلنا في مجتمعات ما قبل الحداثة هي أن ننقدها بما ينقدها عليه مثقفو مجتمعات ما بعد الحداثة... الخ! وسيلاحظ أن النظرية النقدية الكبرى لمدرسة فرانكفورت غير ذات موضوع، إذ سقط المشروع الشيوعيّ بعد هزيمة المشروع النازي بخمسة وأربعين عاماً وتخطّت الرأسمالية الغربية المرحلة التايلوردية بدخولها الثورة المعلوماتية..... وستبقى جدارة هابرماس في استئناف مشروع التنوير. أمّا ما بعد الحداثة الفرنسيّة فقد أسّست، برأيه، عبارة حقيقيّة للاختلاف بهدف تفكيك المركزية الغربية. وبدلاً من أن يكون حقّ الاختلاف جسر الحداثة الغربية إلى الاعتراف بالآخر غدا سلاحاً من أسلحة الحركات الأصولية! ويتساءل عن غياب التيّار الأصوليّ عن الملفّين، وإن كان هذا التيار غير معنيّ بنقد الحداثة، ما دام يرفضها! ومن خلال مفهومي إرادة المعرفة وعلاقة الفكر بالقوة يقدّم في مناقشات عددٍ تالٍ عماد الدين شيخ الجبل مقاربةْ تفكيكيّة لملفّ نقد الحداثة بوصفه خطاباً منتجاً من قبل إرادة المعرفة العربية. وتتضمّن أيضاً نقداً للنزعة العدميّة التي انتهى إليها جورج طرابيشي، ودعوته غير المعلنة للفكر العربي إلى تقديم استقالته في عصر ما بعد الحداثة... وهو يفترض أن الاستحالة الأبستمولوجية التي أشار إليها طرابيشي هي استحالة سلطوية في جانبها الأعمق. وتطرح نقد الأساس السلطويّ الاقتصادي لإنتاج المنظومات المعرفية في داخل حداثتنا.... بل إن مشكلاتنا اليوم لم تعد مع التراث، ولا مع تحديث الدولة، بل تتحدّد من خلال مجموعة أزمات مازالت إرادة المعرفة العربية مفتقرة إلى القوّة التفسيريّة اللازمة للتعامل معها....الخ! وإذا كان زماننا هو زمان عولمةِ الحداثة، وإذا كانت حضارة الحداثة الغربية قد صارت كونيّة، وإذا كانت الثقافات التي لا تتفاعل مع الحداثة أفقر من الثقافات التي تتفاعل معها، فكيف تدخل مجتمعاتنا إلى الفضاء العقلي للحداثة، سواء أكانت لم تمرّ عليها مرحلة الحداثة أو كانت ما قبل حديثة، أو عرفت نتفاً من الحداثة السياسية الاقتصادية والعسكرية والتربوية والقانونية والإعلامية التكنولوجية! وكيف يتحوّل مستهلك الحداثة إلى منتج؟ وما دام نقد أيديولوجيا الحداثة ليس ردّة على الحداثة، بل محاولة لوضعها في منظور نقدي، فإن المستهلك والمنتج يمكن أن يباشرا هذا النقد، ويمكن للمستهلك أن يكون مشاركاً فاعلاً في هذا النقد، مهما اختلفت أشكال التحديث التي عرفتها، وتعرفها، مؤسّساته! والتحديث لا يساوي التغريب أو اللاهويّة في عالمٍ ستكون حضارته موحّدة، وثقافاته متعددة! إنّ الفشل العلميّ لا القصور النظري وحده، لتجارب التحديث العربية لا تتمثّل مقدّمته الكبرى في هزيمة حزيران 1967، وإنّما في بنية المجتمع العربي المتأخرة. وليست الهزيمة، وسواها، إلا إحدى تظاهرات هذه البنية التي لم تُخَلْخَلْ إلا من خارج، وكنتيجة لمضاعفات الحداثة التي وفدت إليها أو صدمتها، أو استدخلت فيها نتفاً متفرقة! وإذا كانت المراجعة النقدية ممكنةً، فإنها تتسّع الآن لنقد الأيديولوجيات الثلاث الماركسية والقومية والليبرالية بالإضافة إلى أيديولوجيا الأصول بعامة. وربما كان عاملاً في استكشاف "الأصولية" التي تكمن في كلٍ من الأيديولوجيات الثلاث، بالقدر الذي تتجلى في الأيديولوجيا السلفية! وإذاكانت طبقة اجتماعية هي البورجوازية، حامل الحداثة الغربية الاجتماعي، فهل ينتظر مشروع الحداثة العربية ظهور هذه الطبقة الاجتماعية، كما يُنْتَظر المهديّ المنتظر، أم أن استئناف المشروع القومي قوى ومجتمعاً ونخبات، فكراً وسلوكاً وعملاً، يمكن أن يطلق قواه الاجتماعية، لينتج حداثته كجزء من حداثة العالم! إن الحداثة العربية لا تزال مشروعاً قيد الإنجاز، كما هي مشروع قيد النقد أيضاً.... وقد يحتمي بعض هذا النقد بنزعة شعبية أو شبه شعبية تردّد مطلقات الأمّة والمجتمع، وكأن الهويّة مشروع مطلق ونهائي ومنجز مادته إدانة الحداثة، لا الاحتجاج عليها فحسب! لم ينته زمان الحداثة في الغرب أو في العالم بعد، ولن تنتهي الحداثة أيضاً... فكيف نمتلك الحداثة بما هي فضاء شمولي للعقل وللعمل؟ وكيف يتفاعل حقّ النقد مع مفهوم الاختلاف ما دامت الحداثة هي النقد؟ وهل يمكن أن نختزل الحداثة كلها إلى حداثة أدبيّة، والحداثة الأدبية إلى حداثة شعرية، ونكتفي بالنزاع على الألفاظ؟ وأيّ مستقبل يُتوقّع من صراعٍ على ملكيّة الماضي مارسته التيارات كلها، باتجاهاتها المختلفة، وكأن امتلاك الماضي من وجهة نظر أصحابه يحدّد امتلاك المستقبل! إن شعار النقد يفترض شعار الحوار! وسيرى بعضهم أن الحوار الممكن الآن هو حوار الساحة الفكرية الداخلية الذي يدفع التيارات جميعها تجاه هدف مشترك. ويعني بها التيارات الدينية والقومية والماركسيّة والليبرالية، وهي تيارات لا يمكن أن نختزلها إلى اتجاهين: ديني وعلماني يتبادلان الاتهام فيما بينهما، كأنّ يتّهم الاتجاه الدينيُّ الاتجاه العلمانيّ بالعمالة والتغريب والتضاد مع الهوية والدين والتراث، ويتهم الاتجاه العلمانيُّ الاتجاه الدينيّ بالماضوية وعدم استيعاب العصر والجهل... الخ(10). في "مشروع ميثاق العمل الإسلامي"(11)، وهو صالح أيضاً كميثاق للعمل القومي، "يلاحظ د. محمد شحرور أن مشاريع الحداثة لم تفِ بوعودها ورسّخت نظماً استبداديّة تحت شعار العلم والحداثة والتقدميّة، أما الصّحوة الإسلامية فتسير في متاهات.. ويفرّق بين العقد والميثاق، ويؤكد على حريّة الاعتقاد وحرية الضمير وحرية الرأي والتعدّدية الحزبية وتداول السلطة، وعلى الديموقراطية في المجتمع كشكل يمارس الإنسان حريته من خلاله. وله مرجعيات أبرزها ميثاق الإسلام وميثاق الإيمان والمرجعية المعرفية والجمالية... الخ! ويرى أن للعمل السياسي ميثاقاً شأنه شأن المواثيق الأخرى. ولا يخرج عن المنطق الأساسي للإسلام وأساسه حرية الناس في الاختيار، باعتبارهم عباد الله... الخ! ويعي بعضهم الدور المنتظر للإسلام، فيهدف إلى رسم ملامح أخلاقيّة أفضل للقرن القادم، كي يسجّل التاريخ أن الأمّة العربية والمسلمة، بما لديها من طاقات حضاريّة، تعي المشكلة الأخلاقيٍّة في العالم....(12)!. ولا يكتفي بالتوقّف عند المشكلة الأخلاقيّة، بل يطرح ما يسميّه شعار (التاءات الثلاث): تحرير، تفعيل، تغيير، منطلقاً من دور النقد البنّاء في عمليّة حرق المراحل: النقد البنّاء على طريقة "كانت" لتحرير العقل، والنقد للتفعيل على طريقة "هيغل" ونقد المجتمع للتغيير على طريقة "ماركس". ويقرّر أن مجتمعنا يحتاج للأنواع الثلاثة بآن معاً، أي للتفعيل وللتحرير وللتغيير. دون التنكر للحضارة التي حفرها التاريخ في الذاكرة الجماعية للمجتمع العربيّ المسلم..... إلخ. وكأن هذا الوعي الذي هو وعي مسلم، أو إسلاميّ، في أساسه، يعلن إمكانيّة توظيف عناصر ملهمة في حداثة الغرب، دون أن يلغي علاقته بذاكرته وتاريخه وانتمائه. أو كأنه يدعو بشكل ما إلى "التوفيق" بين معطيات التحرير والتفعيل والتغيير في الغرب والمعطيات الروحية أو الأخلاقية التي أنتجها، وينتجها مجتمع عربي مسلم.... الخ!. يربط د. طيّب تيزيني أيضاً الخروج من المأزق التاريخي الراهن بحريّة البحث العلمي وما يتطلّبه من حوار علميّ ومفتوح وملتزم، وبالعقلانية وما تشترطه من رؤية متبصرة ونقديّة، وبالتاريخية في ضبطها الحدث ضمن كيفيّة تجليه بشريّاً على نحو مفتوح أفقياً وعمقياً، وبالجدليّة، في اشتراطها النظر إلى الأشياء والظواهر والأحداث في الكون الطبيعي والوجود الاجتماعي البشريّ ضمن سياقاتها وعلائقها ونموّها واضمحلالها، ومن مواقع فواعلها الرئيسة الحاسمة والثانوية على نحوٍ يكشف عملية التحوّل والتغير فيها... الخ(13). وشعارات الحرية والعقلانية والتاريخية والجدلية لا تتناقض مع شعارات التحرير والتفعيل والتغيير، على الرغم من أن د. طيب تيزيني يقرّر أن الوضعية الاجتماعية المشخّصة هي مرجعيته في قراءة هذا النص الدينيّ أو ذاك، الذي يستكشف أعماقه الروحيّة، بمعنى مّا، ويرى أبعاده الماديّة والاجتماعية.... وبعد اشتغاله على نقد الخطاب العربي المعاصر كمقدّمة لنقد العقل العربي بنيةً وتكويناً، بأنظمته الثلاثة من بيان وعرفان وبرهان وبعد حماسة للبرهان بخاصة، وللعقلانية بعامّة. وبعد حماسة للحداثة الغربية كمرجعيّة راهنة، يجد د.محمد عابد الجابري أن تطبيق الشريعة، التطبيق الذي يناسب العصر وأحواله وتطوّراته يتطلّب إعادة بناء مرجعية للتطبيق. والمرجعية الوحيدة، التي يجب أن تعلو، برأيه، على جميع المرجعيات الأخرى هي عمل الصحابة... إنها المرجعية الوحيدة التي يمكن أن تجمع المسلمين على رأي واحد... ويعلّل ذلك بكونها سابقة على قيام المذاهب وظهور الخلاف، وهي أيضاً الصالحة لكلّ زمان ومكان، لأنها مبنيّة على اعتبار المصالح الكليّة (14). وهكذا يتمّ تأصيل الأصول، عنده، على أساس اعتبار المصلحة الكلية! هكذا تُقاس تطوّرات هائلة في حياة معاصرة، تختلف عن حيواتنا الماضية، بمقياس التراث أو السلف. ويرى فكر عربي معاصر- وهو يتفاعل مع أكثر المنهجيات حداثة- مرجعيّة للتفكير أو للعمل في هذا الجانب أو ذاك من مفاهيم وسلوكات تنتمي إلى التراث الإسلامي... ويرى أيضاً فكر إسلامي عربي معاصر أنه يستطيع أن يستثمر روح الحداثة النقدية الغربية هادفاً إلى التحرير والتغيير، دون أن يتنكر لروح الإسلام! وتتحوّل مرجعية اجتماعية مشخّصة إلى مرجعيّة روحيّة ترى هواجس "علمنة" سابقة وقديمة في التراث ترجع إلى حياة "المدينة"، بينما يجد اتجاه ابستمولوجي أو آخر تحليلي في العلمانيّة مسألة زائفة. وكأن العلمنة والديموقراطية ليستا جزءاً من الحداثة! تتآوى "أمشاج" مختلفة ومؤتلفة، متناقضة، ومتداخلة، قديمة وحديثة، حديثة وشبه حديثة، سلفية وتنويرية، ماركسيّة وقومية، في فضاء العمل الثقافي العربي بعامة، ويحاول النقد في بعض الأحيان أن يصالح بينها، ويجتهد بالتوفيق بينها في أحيان كثيرة... وفي مراجعتنا النقديّة كثير أو قليل من التوفيق... فهل التوفيقية ظاهرة في طريقة تفكيرنا؟ وهل هي ظاهرة قديمة أم جديدة؟(15). إن مجتمعاً يتعلّق بقيمه الروحيّة وغير الروحيّة القديمة لا يستطيع إلا أنّ يستجيب إلى قيم الحداثة التي تهجم عليه بقوّة. وقد يكيّفها وفقاً لقيمه، أو يتكيّف معها، ويكيّف ذاته وقيمه وفقها. وقد يتجاوز مرحلة التكيّف والتكييف إلى مرحلة أكثر ذاتيّة وإنتاجاً، فيتخطّى أزمته التي هي أزمة نخباته الضائعة علمانية وغير علمانية، يمينية ويسارية، قومية وعربية، إسلامية وقومية، سلفيّة وتنويرية.... وهي نخبات أو شبه نخبات تتكلّم أصواتها المختلفة على تأخّر الشعب وتكسّر الأمة وفوات المجتمع واستبداد السلطة، مهما كانت طبيعة "اليوتوبيا" التي تحلم بها، أو تنتصر لها مخيّلتها، أو ينظّمها فكرها... ولابدّ من يوتوبيا، على أيّة حال! فهل تتخطّى النخبات أو شبه النخبات أزمتها، سواء أتقنّع بعضُها بمعارضةِ سلطةٍ ما، أم عقد مصالحةً معها، أم اختار عربةً من عرباتها في المقدّمة أو المؤخرة؟ ماذا ستنتج مراجعة نقدية تراهن على حداثةٍ هي مشروعٌ تتجاور مؤسّسته الحديثة مع مؤسسة قديمة تكرّر درسها القديم في خدمة السلطة بدلاً من خدمة المجتمع؟ ولِمَ تنتج أنظمةُ حداثةٍ وشبه حداثةٍ تطرّفاً مضاداً للحداثة؟ وهل تحاول التيّارات الدينية والقومية والماركسيّة في الفكر أن تعيد النّظر في تجاربها وأفكارها حقاً في داخلها، وفيما بينها...؟ وإلى أيّ مدى اشتغلت هذه التيّارات على مفهوم الحداثة؟ وهل كانت حديثة حقاً؟ وكيف تتحدّث، وتُحدَّث، وتُحدِّث؟ تفترض المراجعة النقدية للذات الحوار بين الذات والآخر، والذي هو مدخل إلى نقد الأمة، أو وعي الأمّة بذاتها. وهو نقد يتطلّب الاعتراف بحقّ الاختلاف! لسؤال الحداثة العربية احتمالاته المفتوحة، وهو سؤال هويّة، بما هو سؤال حداثةٍ(16)، ربما كان قادراً الآن على أن يرتفع بالعقل إلى مستوى ينقد فيه ذاته، ما دام مشروع المراجعة النقدية راهناً. ولعله يؤسّس لوعي لحظته الذاتيّة في أثناء هذه المراجعة النقدية وبعدها! |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |