|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 11:40 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
خطابُ تراثٍ أم خطابُ حداثة بعد بضعة عقود من تجربة إنسانية عاصفة، حاولنا أن ننتمي فيها إلى مشروع حداثة، نتوقف أمام ما أنجزناه ولم ننجزه بتردد وتوتر. وبعد أن أغوتنا فكرة تغير أو تقدم يلفت انتباهنا ما تنكرنا به من أقنعة، وما تجملنا به من أصبغة. تتآكل فتنة الصراع بين قديم وجديد، ويختلط القديم بالجديد. أما فكرة الحداثة التي أسرتنا فإنها لم تكتمل بتحرير الذات، أو بتحرير العلاقات، وهي في وعينا تعادل الحرية، وتحولت إلى "مطلق" أو "مقدس" من نوع ما، لتدفعنا إلى إلغاء علاقتنا بالمختلف وبالمغاير. فما جدوى بيانات حداثة، هي محض طقوس ابتدأت معنا، وانتهت بالإجابة بدلاً من أن يكون عنوانها السؤال، وسلاحها التشكك والاستكشاف والتعدد والتنوع؟ قد يخيل إلينا أننا لم نعمل على تحرير الشعر والنثر والفن والواقع، بل نهضنا بالعقل والسلوك، وبالفرد والمجتمع... كما يخيل إلينا -وقضيتنا قضية حداثة وتحديث- أننا تجاوزنا مفهوم نهضة وتنوير أو مفهوم تغير، وإذ بنا -نحن الذين يتوقع منا أن نقيم في العالم- ما زلنا نقرع بابه بعد. وكأننا -ونحن من كائناته الدنيوية أيضاً- لم ندخل في تاريخه، إن لم نكن قد خرجنا منه، لنستوطن أرض مدنيات تحتفل بها ذاكرة شقية ومعذبة. ألم تكن هجرتنا في الحداثة تعللها فكرة البديل دائماً؟ في الشعر كانت القصيدة التي كتبت وفق نظام إيقاع التفعيلة بديلاً للقصيدة العربية ذات نظام البيت العربي الواحد. واقترح بعضهم قصيدة النثر بديلاً للنظام العروضي العربي، ليؤصل لها في نثر صوفي وفي أفق قرآني، إذ اضطر للولادة من رحم التراث... وافتتن بعضهم بإنجاز كتابة جديدة أو نص مختلف! وكان شعار ثورة وتقدم بديلاً لإخفاق مشروع نهضة وتنوير وكانت الحداثة بديل نهضة وثورة... ويخيّل إلينا الآن أن ما بعد الحداثة هو بديل الحداثة! فهل ستكون الحداثة التي لم ندخل فيها حقاً، هي مرحلة عابرة أو طارئة؟ ولنتأمل سيرة حياتنا العربية المرئية وغير المرئية، السرية والعلنية! هل ينبغي أن نضع مشروع حداثة عربية في منطقة السؤال أخيراً؟ وهل ينبغي أن يشيع السؤال بدلاً من الإجابة؟ وإذا كنا قد تعصبنا لمطالع حداثة وتفاءلنا بها، فلم لا يدعونا إخفاقنا أو نجاحنا في إنتاج حداثتنا إلى نقدها، أي إلى نقد الذات التي تتغير قليلاً أو كثيراً لأن العالم يتغير فحسب. العالم يتغير حقاً، ونحن نريد أن نتغير بمعنى ما. التاريخ يتقدم، ولدينا من النوايا الطيبة ما يزيّن لنا أن نتقدم أيضاً. فالحضور في العالم والتاريخ ليس كمثل الغياب، والإنسان الفاعل ينتج تاريخه كما ينتجه التاريخ. فكيف نتجاوز أنقاضنا إذا كانت الحداثة لا تتوقف عندها إلا كبرهة تاريخية. وكان لها تطوراتها التي تخطّت كل مباراة ميتافيزيقية إلى عالم الاجتماع الذي تخطته أيضاً إلى فضاء التاريخ. إن إنجاز قصيدة ذات إيقاع مختلف ليست عملاً بطولياً. وربما لم يكن أكثر من خلخلة لنظام عروضي تفترض تطورات متعددة تعديل بنيته وتكييفها. والحداثة ليست عملاً في اللغة بعامة وفي الشعر بخاصة، فاللغة تستجيب دوماً لوقائع الحياة والتاريخ، وتحمل احتمالات تطورها في داخلها، كجزء من فعل كوني وشمولي تقترحه حداثة ويكيفه تحديث. نكتشف أخيراً أن مشروع حداثتنا لم يشكل فضاءه العربي الحقيقي والواقعي الذي ينتمي إليه، ولم يلتحق بحداثة الغرب التي هجمت عليه، أو صدم، ويصدم بها، ولم يمتلك فضاءه من داخلها. ونكتشف أننا أسرى حداثة لا نستطيع أن نتحرّر منها، أو نحرّرها، نحن أسرى التراث أيضاً الذي هو معيار خاص نقيس به حداثة الغرب التي هي معيار نقيس به تراثها. وكيف نخرج من هذا الأسر أو ذاك؟ ولأن الثوب المستعار لا يمنح الدفء حقاً، فقد كانت أشكال الحداثة المستعارة تتراكم، ما دام الغرب لا يتوقف عن الإنتاج، وما دمنا لا نتوقف عن الاستهلاك وما دام لكل شكل جاذبيته. هكذا استجابت هوية مكتملة يوجهها مفهوم الإسلام أو العروبة لجاذبية الماركسية، أو لسحر الذرائعية والوضعية المنطقية العملي، أو لإغواء الوجودية ويستجيب مشروع حداثةٍ عربي لفتنة البنيوية والتفكيكية ولما بعد الحداثة بعامة. وسواء أكانت مصادرنا غربية أم شرقية فإننا نبحث عن مرجعية سابقة لهذه المصادر في تراثنا الفلسفيّ أو اللغويّ أو النقديّ أو الشعريّ. تتراكم مصادر فتزيح مصادر، وتتآوى مرجعيات لتتناذر... وتشيع اختلالات ليس من مهمتها التأسيس لمشروع حداثة عربية والشغل عليه، ما دمنا نستكمل أسطورتنا عن الذات بدلاً من نقدها. وليستكمل الشعر حداثته بعيداً عن الفكر أو قريباً منه إذ اختزل هذا الجيل أو ذاك مشروع حداثة عربية إلى محض حداثة شعرية، وليلعب هذا الجيل أو ذاك دور البطل، إن أعجبته اللعبة.!. ولكن! هل الحداثة هي حداثة شعر فحسب؟ ومتى يكون الشعر حديثاً إذا تجاهل الفكر، أو إذا كان الشعر محض لعبة لغوية. ألا يغدو اللعب باللغة لغواً؟ وهل يؤدي اللغو إلى إنتاج المفهوم؟ وأي خطاب تقترحه لغة لا تفكر، ولا تنتج ما تفكر فيه، وتحوله إلى عمل. أليس الخطاب هو النظام الذي ينتجه فعل، فينتج الفعل أيضاً؟ يستمرّ الحضور القويّ لخطاب التراث في داخل خطاب الحداثة، كمشروع يمكن إنجازه، أو هو قيد الإنجاز. وقد حاول خطاب الحداثة أن يبحث في التراث، دائماً عن مراجع وأصول وأفكار لفرضيّاته، وإن تأثّر بثقافة شبه سائدة، تلهمها عناصر فكرية ورمزية وسياسية تنتمي إلى الخارج أو الآخر أو الغرب. وعكست منتجاته أشكالاً من الوعي تتوتر بين العلاقة مع الداخل من جهة، والعلاقة مع الخارج من جهة أخرى. وكلّها تحفزها رغبةٌ مشروعة في ولادة خطاب عربيّ حديث ومختلف. ولكنّ العلاقة مع "الخارج" ليست خارجيّة دائماً، كما أن العلاقة مع التراث ليست داخليّة فحسب! وأيّة حداثة تحاولها، وأيّة أصالة تستعيدها، ما دام الخطاب العربي، بعامة، ينتمي إلى أصول فعليّة في الفكر الأوربي الذي توطّن عندنا. وهي أصول لا تمتّ إلى الأصالة الثقافية والأيديولوجية، كما يرى بعضهم...(1). نحن نتكلم على الحداثة، كما نتكلم على التراث، ونحيا فيهما، عليهما، وبهما، ومعهما، بمعنى ما. نصغي إليهما، ونحتكم إليهما، ونحكم عليهما.. ونعيد النظر، بين مرحلة وأخرى، في علاقتنا بهما. ونختزل مواد منهما لنكيّفها، أو نتكيّف معها. وقد انشغل الخطاب العربي، منذ أكثر من قرن، بمفهومات أصالة وتجديد وتراث وحداثة وتخلّف ونهضة... وحاولت نخبات متنوعة أن تصلح أحوال البلاد والعباد... ولا تزال نخبات وشبه نخبات تردّد فرضياتها حول الذات والآخر والهوية والحداثة... ونستطيع أن نتأمّل تأخر شبه "النظام العربي" الذي يشرطه تأخّر وانقسام، وتتمزّق "خطاباته"، وبخاصة بعد "غياب" الاتحاد السوفياتي، و"تفكيك" منظومة اشتراكية، و "هيمنة مركز أمريكي توجِّه العالم، عبرها، نحو عولمة أو كوننة أو كوكبة؛ أنموذجها الحضاريّ يستهوي العالم كله، شرقه وغربه، شماله وجنوبه، غنيه وفقيره، حديثة وقديمه.. وهو يتحكم بأدوات اتصال حديثة وعلاقات سوقٍ وحشية، ويشيع أفكاره وطرائقه ومناهجه وأدواته بل أزياءه وأصباغه وأقنعته. ويحتكر الثروة والسلطة والمعرفة! ويكرّر "إعلام" عربيّ رسميّ وشبه رسميّ وغير رسميّ حواراته وسجالاته وندواته حول هذه الأزمة أو تلك، سواء أعمل على "تأصيل" حداثته، و "تحديث" أصالته، أم اشتغل على التفكير بأصول ينتمي إليها: أصول إسلامية وعربية، أو إسلامية- عربية أو عربية إسلامية، توجّه أهدافه القريبة والبعيدة مؤسّسة قديمة وشبه قديمة أو يتكيّف مع مؤسسة شبه حديثة، لعلّه يستجيب لأسئلة الواقع من داخل ذاكرة تتواصل مع "جزء" من التراث، يمارس سلطته غائباً أو حاضراً، أو يستجيب لإجابات من الخارج يقترحها التغيّر في العالم على واقعنا. ويعلن أيّ خطاب، بشكل غير مباشر، تشوّشه وقلقه بين سلطة الداخل وسلطة الخارج. وقد يتقدّم خطاب "الأصول" كخطاب بديل يمثل التاريخ والورثة والحقيقة، بل والعمل، فيمارس سلطة مُعلنة، بالقدر الذي تشيع فيه سلطته الخفيّة... وفي خطاب الأصول الذي يهدف إلى أن يكون واحداً، وكليّاً وشاملاً، تجد ميولٌ سلفيّة أو تقليدية أو تراثية مرجعاً لدعواتها وصحواتها، كما تتفاعل ميولٌ قومية عربية مع معانٍ ورموز قوميّةٍ وإنسانيةٍ. وقد يتأمل اتجاهٍ علميّ وعلمانيّ نزعات ماديّة وهواجس دينويّة أو علمانية فيه. كما ينتقي نزوع عقلاني وشبه عقلاني لحظاتٍ عقلية أو عقلانية وشبه عقلانيّة... وكأنّ خطاب الأصول جزء من تراث هو تراثات بمعنى ما.. فما الذي نتوقعه من تراث هو تراثات حقاً، كأيّ تراث إنساني أنتجه تاريخ هذا المكان أو ذاك، غير التعدّد والتنوّع؟!(2). سنلاحظ وحدة من داخل الكثرة، وكثرة من داخل الوحدة! وسنرى خلافاً واختلافاً ومللاً ونحلاً تشتمل على "بذور" شتّى ونزعات مختلفة ومعانٍ متغايرة ورموز كثيرة تمثل لسعة التراث في المكان ولقوّته في الزمان! هل ننحاز إلى جزء منه، ونتخّرب لبعض مواده وعناصره؟ وهل يتطلب "مشروع" حداثةٍ قيد الإنجاز انحيازنا وتحزّبنا؟ أليس "التراث" الذي هو "تراثات" يحضر، كله، في حياتنا: شعراً ونثراً وتربية واجتماعاً وكلاماً وطقساً، بل يحضر كسلوك، أو شبه سلوك؟! ولكن! كيف ينتسب "كلّنا إلى التراث "كلّه" دون أن تأخذ بنا خلافاته واختلافاته ونزعاته ونزاعاته، فيكون مصدر معاصرة لا مصدر أصالة فحسب؟ وكيف نمتلك التراث كلّه بدلاً من أن يمتلكنا بعضهُ؟ في مقدّمة لمجلّد نشرت فيه أعمال ندوة "التراث وتحدّيات العصر"(3) يرى "سيّد يسين" أن "الضوضاء الفكرية السائدة اليوم في الساحة العربية لن تنتهي إلا إذا دفعنا كلّ تيّار فاعل إلى أن يحدّد بشكل قاطع مسلمّاته الرئيسة ومفاهيمه وتصوّراته العمليّة بصدد حلّ المشكلات الكبرى التي يجابهها المجتمع العربي في مسيرته نحو العصريّة. ولن يتمّ ذلك إلا بالممارسة المسؤولة للنقد وفتح باب الحوار الفكري واسعاً وعريضاً في إطار "ديمقراطي" ومن الظواهر التي لفتت انتباهه عدم التفات مناقشات الندوة بشكل كافٍ إلى العوامل الفاعلة في النظام الدوليّ، وإضفاء هالة من القداسة على الماضي، وتقديمه خالياً من الصراعات والشوائب، بالإضافة إلى هجاء "الغرب" ورفضه.. الخ ويدعو إلى الاقتراب من الجماهير بجميع فئاتها حتى نتعلّم منها كيف تفكّر، ولماذا تسلك، ومتى تقبل، ومتى ترفض، على أن نقوم كمثقفين بنوع من النقد الذاتيّ لتقصيرنا في هذا المجال.. الخ. ولكنّ كيف نتدرب على تقبل الاختلاف، ونحاول نوعاً من الفعل "الديمقراطي" في علاقتنا مع ذواتنا ومع الآخرين؟! وكيف نتعامل مع ميول وتصنيفات وحقول تفكير وفرضيّات تتغاير، وتتخالف في تأمّلها الواقع والتاريخ والعالم؟. في خطابنا الحديث والمعاصر يصنّف بعضهم لثلاثة تيارات رئيسة أسّست لعلاقتها مع التراث. أوّلها تيار إسلامي سلفي أو تقليدي مرجعيّته القرآن والسنّة والسلف الصالح، ويشتمل على تفريعات معتدلة ومستنيرة، إصلاحية ومتطرّفة، إسلامية- عروبية، وعروبية- إسلامية. وثانيها تيار "عصريّ" حديث أو شبه حديث يتماهى مع الغرب، ويقطع مع التراث، وبخاصة بعد أن اجتاحت الحداثة كلّ مكان، وتحوّل التاريخ، الذي هو تاريخ الغرب، إلى تاريخ للعالم. أمّا ثالثها فهو تيّار "توفيقي" يدعو إلى تكييف الأصالة مع المعاصرة والمعاصرة مع الأصالة، أو دمجهما. ويشتمل على ميول ليبرالية وراديكالية: يسارية إسلامية وقوميّة وأمميّة وغيرها. ويصالح بعضها بين بعض معطيات التراث وبعض معطيات الحداثة من وجهة نظر أيديولوجية بعامة.. وربّما تجاورت التيارات الثلاثة، وتداخلت، أو اختلطت، وتصالحت، تبعاً لثقافة سائدة وسلطة سائدة ونظام سائد. وقد يدل تجاورها وتداخلها على تأخّر وعي هو جزء من تأخر مجتمعي وتاريخي، ما دام الوعي بالتاريخ يفترض تقدّماً. وتستمرّ الأوضاع العربية في إنتاج أشكال من الاختيار: إصلاحية، أو جذرية، إسلامية أو قومية وفقاً لشروط تحكم البنى والقوى والمؤسسات والنظم، ووفقاً لعلاقات تابعة للغرب. فقد يقترح مكانٌ عربي اختياراً ما ليتخلّى عن اختيار سابق تبعاً لتحوّل سياسات ونظم من داخل ومن خارج. يلاحظ د. طيّب تيزيني أن الموقف من الأصالة والمعاصرة انشعب انشعاب الموقف من قضيّة التراث نفسها. ويميّز لوحة الإشكالية بين الأصالة والمعاصرة بأنساقها المكوّنة الثلاثة الرئيسة. وهي، وفقاً للمصطلح الذي يستخدمه: السلفويّة أي النزعة السلفية، والعصروية، أي النزعة العصرية، والتلفيقوية أي النزعة التلفيقية. ويرى أن النزعة التلفيقية قد وقعت في المأزق الذي وقعت فيه النزعتان اللتان تحوّلتا إلى موضوع نقدٍ ونقضٍ لها. ويقرر أن حلّ الإشكالية اكتسى طابعاً زائفاً على المستوى المعرفيّ، في حين أنه مثل موقفاً مشروعاً على الصعيد الأيديولوجي الاجتماعي.. الخ. ويستنتج أن النزعات الثلاث مثلّت موقفاً يحمل مشروعيّته الاجتماعية المشخّصة، أي مشروعيّة عمليّة الإخفاق الكبرى التي ألمت بالفكر العربي النهضوي، حيث يغدو، برأيه، من الخطل المنطقيّ والمنهجيّ ، النظر إليها كما لو كانت مقحمة فيه من مصدر آخر غير الواقع النهضوي المحقّق... الخ(4). بينما يتساءل د. محمد عابد الجابري إن كنّا ما زلنا، نحن العرب في وضعيّة تسمح لنا بالاختيار بين ما نسميّه "النموذج الغربي" وما نحلم به من نموذج "أصيل" نستعيده أو نستوحيه من تراثنا الفكري الحضاري. ويرى أننا لم نكن نملك منذ اصطدامنا بالنموذج الحضاري المعاصر بين أن نأخذ به وأن نتركه، وبخاصة بعد أن فرض نفسه علينا، كنموذج عالميّ. وليست العلاقة بين الصراع الطبقي وإشكالية الأصالة والمعاصرة علاقة سبّبية، برأيه. فالمصالح المتضامنة أو المتصارعة لا تفسّر هذه الإشكاليّة، فهي إشكالية ثقافية محض... ويعتقد أن التحرّر من التبعيّة للآخر لا يمكن أن يتمّ إلا من خلال العمل من أجل التحرر من التبعيّة للماضي... الخ. ويستخلص أن الحاجة تدعو إلى تدشين "عصر تدوين" جديد يبدأ من نقد النماذج كلها!(5). ولكنّه يرى في موضع آخر أن تطبيق الشريعة يتطلّب اليوم إعادة تأصيل الأصول على أساس اعتبار المصلحة الكلية، كما كان يفعل الصحابة، فتطبيق الشريعة، التطبيق الذي يناسب العصر وأحواله وتطوّراته، يتطلّب إعادة بناء مرجعيّة للتطبيق. أما المرجعية التي تعلو على جميع المرجعيات -كما يقرّر- فهو عمل الصحابة(6)... الخ. وكان "عبد الله العروي" قد توقف أمام ثلاث لحظات من الوعي العربي الذي يحاول منذ نهاية القرن الماضي أن يفهم ذاته، وأن يفهم الغرب، فاختصر الحداثة بثلاث شخصيّات أنموذجية: يمثلها (الشيخ) ومثاله محمد عبده، و (السياسيّ الليبرالي) ويمثل له بأحمد لطفي السيّد، و (داعية التقنية) وأنموذجه سلامة موسى... الخ(7). بينما يجد د. "محمد أركون" إن الفكر العربي لم ينتبه -وعليه أن ينتبه فوراً- إلى أن التراث له جوانب أربعة متلازمة: أولاً: جانب ما قد فكَّر فيه، وهو جميع ما وصل إلينا من مؤلفات وآثار ونظم وإنجازات ثقافية ومدنية، وهو ما نقصده عندما ندعو إلى إحياء التراث. وثانياً: جانب ما يمكن التفكير فيه اعتماداً على ما قد فكر فيه. وثالثاً: ما لا يمكن التفكير فيه، وهو قسمان: عالم الغيب الذي لا يدركه الإنسان إلا بالوسائل الفكرية والإدراكية المتوفرة لديه. ثم ما منع المفكر فيه تناوله بالبحث الحرّ وهو مرتبط بالجانب الأيديولوجي مما فكرّ فيه.. ورابعاً ما لم يفكر فيه بعد، وهو نتيجة ما لا يمكن التفكير فيه.. الخ. ويدعو إلى الالتزام بمشروع تاريخي لإحياء التراث لإنقاذ الفكر العربي من قيود الماضي وسجون الحاضر والسلطات الغيبيّة، ويلاحظ أن كلّ من حاول أن يميّز بين الفكر العربي والفكر الإسلاميّ مضطر إلى معالجة مشكلة التراث ويمتدّ مجال الفكر العربيّ، برأيه، إلى ما اكتشفه الفكر الإسلامي من آفاق وأنتجه من آراء ومذاهب وتيّارات فكرية في مرحلة التكوين والتدوين الرسمي، إلا أنّ الفكر العربي يتعدّى حدود الفكر الديني إلى مجالات علمية وعرفانية لا صلة بينها وبين الإسلام كدين. ويقصد بها ما شاع من علوم عقلية تجريبية امتداداً للتراث اليوناني والفارسي والسرياني القديم.. وينبّه إلى نزاع يدلّ على فهمين مختلفين وممارستين متنافستين للتراث، منذ القرن الأوّل الهجريّ، بين أهل الحديث المدافعين عن العلوم الدينية وأهل الرأي والعقل المنفتحين للعلوم العقلية... الخ. وفي هذه الحالة، ربّما كان التراث، الذي يدعو إليه الفكر العربي المعاصر، سلاحاً من أسلحة أيديولوجية الكفاح أكثر منه مفهوماً ثقافياً ذا أبعاد تاريخية معرفية...(8). وفي موضع آخر، يرى أن هناك "إسلامات" بقدر ما هناك من مجتمعات مختلفة وأعراق ذات لغات "مختلفة" وخلفية أنثربولوجية مختلفة... الخ(9). هكذا نمارس، كلّنا، اهتماماً قويّاً بالتراث، وكأن علاقتنا به تدفعنا إلى أن نكون تراثيّين بمعنى ما، سواء أعشنا عليه وفيه أم قطعنا معه، وسواء أكانت وجهة النظر التي تتداوله سلفية أم عصرية، انتقائية أم تلفيقية، دينية أم دنيويّة، نقدية أم غير نقديّة... ويعكس هذا الاهتمام القويّ بالتراث معركة عليه، تتشخّص على حد تعبير د. طيب تيزيني أكثر فأكثر في حقلين اثنين ينتميان إلى قضيّة التراث هما الحقل المنهجيّ النظري والآخر التطبيقي... الخ(10). وسنلاحظ أن نتيجة هذه "المعركة" تعبّر عن اضطراب الخطاب العربي وشقائه بعامة. فقد يستكشف اتجاه "ماركسي" عناصر تقدميّة وديمقراطية في التراث، ويستوعب قيمته النسبيّة وينظر إلى "ابن رشد" -كمثال أو كأنموذج في تطوير الفلسفة المادية والجدلية والهرطقية، بينما ترى وجهة نظر أبستمولوجية في النظرة "الرشدية" للنظام والترتيب في العالم بوصفها تجليات للحكمة والعناية الإلهيّتين ودليلاً عليهما...(11). ويعلي بعضهم من المبادئ الأساسية لفلسفة "إخوان الصفا" التي تحتوي على مضمون اجتماعي يعبّر عن أيديولوجية الفئات المضطهدة. بينما تتصرف مناقشة أبستمولوجية في مناقشة "إخوان الصفا" إلى فضح "الفلسفة المشرقيّة السينويّة"... وتتحوّل هذه الحركة من وجهة نظر عروبية- إسلامية إلى حركة غنوصية استهدفت، تحت اسمها المتناقض مع أهدافها، أن تقضي على وحدة العرب ومقوّمات الإسلام!(12). ويثّمن أكثر من اتجاه فلسفي عربي معاصر وحديث "ابن خلدون" كمؤرّخ ينتسب إلى فلسفة عقلانية، مع أنه ينظر إلى الفلسفة كعلم باطل بحدّ ذاته، ومضرّ في تطبيقه!(13). ويقرّر "أدونيس" مفارقة في صدد الثابت والمتحوّل، هي أن ما يجذبنا في تراثنا هو النتاج المرتبط بمنحى التحوّل. وهو ما رفضه أسلافنا بشكل أو بآخر، بل ما يزال حتى اليوم خارج بنية المجتمع العربي الأساسية...(14). هكذا نعمل على قضيّة التراث كتراثيين لأنه يشرطنا مؤسّسةً وطريقة تفكير وسلوكاً.. ونشتغل على موضوع الحداثة كتراثيين أيضاً، لأننا لم نستطع أن نمتلكها من داخل بل هي تجابهنا من خارج! وينتقل شكلٌ من "نزاع" الأسلاف إلى الحفدة! يقرّر أدونيس استناداً إلى معايير غربيّة أن "ليست الحداثة وحدها غير موجودة في الحياة العربيّة، وإنما الشعر نفسه غير موجود"... الشعر بوصفه رؤيا تأسيسية، وبوصفه فاعلية معرفيّة كشفيّة قائمة بذاتها.. إلخ" ويعلل ذلك بأن الحداثة" تنشأ في خرق ثقافي جذريّ وشامل لما هو سائد... الخ فما يسميّه بعضهم حداثة ليس إلاّ تقليداً للآخر... وليس إلا مرضاً في قلب تاريخنا الذي أنهكته الأمراض... الخ"(15). وكان قد اعتبر أن حداثة الشعر في المجتمع العربي متقدّمة على الحداثة العلميّة والثوريّة(16). ولكنه يبشّر الآن بتلك "الحداثة المضمرة" التي يستعيد العرب مبادئها التي خلّفها بعض أسلافنا الهامشيّين في القرنين التاسع والعاشر"(17). وهي، على ما يبدو، حداثة مضمرة من وجهة نظر شخصية تقرأ التراث وفق تكوينها الثقافي الخاص، وقد تتعارض مع وجهات نظر ترى في هؤلاء الأسلاف الهامشيين خروجاً وزندقة ومروقاً، أو وجهات نظر ترى إليهم كجزء من تراث كبير قوامه التنوع والتعدد والكثرة والاختلاف، في برهة من برهات الحضارة العربية الإسلامية. وقد يشبه تعاطي هذه "الحداثة المضمرة" اصطفاء أمثلة تراثيّة عن عقلانيّة عربيّة إسلامية أسهمت في تحرير الفلسفة، وإن اعتبرت الاتصال بالعقل حكراً على قلة موهوبة، بل كانت صريحة في تحريم النظر العلمي على غير الخاصة، حتى لدى ابن رشد في رسالته "فصل المقال.." وقد يشبه تأمّل نزعات ماديّة في التراث أو إحياء جمهوريّات تراثيّة اقترحتها هذه المرحلة التاريخية أو تلك من تاريخ العرب والإسلام. ولذلك لا بد أن يضاعف النقدُ النقدَ! فمن غير النقد (تتخلّى الحداثة عن نفسها، وتتحول إلى مذهب أو مدرسة أو مؤسّسة) كما يرى علي حرب الذي يقرّر "أننا لن نصبح حديثين ما لم نصبح شركاء في الحداثة. ولن نصير إلا بنقدّ الحداثة بكلّ نماذجها وشعاراتها ومؤسساتها... الخ"(12) ويقترح د. هشام شرابي مفهوم النقد الحضاري الذي يستند إلى تحليل المجتمع البطركي الأبويّ السائد واللغة الأبويّة التي تعكسها السلطة الأبوية. وتتمثّل في رأيه بدايات النقد الحضاري في الفكر النقدي الذي يناهض أيديولوجية الفكر "الثوري" القديم وغيبيّات الفكر الأصولي النامي... الخ(18). ويرى أن معنى الحداثة يتجسّد في اتجاهين: عقلانيّ يتضمّن عقلنة الحضارة، وعلمانيّ يفترض علمنة المجتمع...(19). فإلى أي مدى استطاع مشروع الحداثة العربية أن يشيع الروح النقدية، وينتج عقلانيته، ويعقلن نتاجاته؟ وهل برزت قوى اجتماعية يفترض حضورها علمنة المجتمع؟ وأيّة علمنة تتقبّلها كتلة اجتماعية تحتمي بأسلافها وتشرطها رموزها التراثية في مواقف حياتها الاعتيادية والطارئة، وتلتجئ إلى نصّها القديم ومؤسستها القديمة بين كلّ غمّة ومحنة!. يداور جورج طرابيشي، على حدّ تعبيره، منهج التحليل النفسي في أثناء تمديده الخطاب العربي المعاصر على سرير هذا المنهج. وينظر إلى العصاب العربي كخلل أو اضطراب من طبيعة مرضيّة يصيب الشخصيّة أو قطاعاً منها نتيجة تمحورها حول عقدة نفسيّة(20). ويخضع للتحليل الخطاب العربي الذي بدأ ينتج نفسه، ويعيد إنتاجها منذ هزيمة 1967 كخطاب يتميّز من الخطاب الحديث غداة الحرب العالمية الثانية، ومن الخطاب النهضوي من 1798-1939. ومشروعه "يندرج ضمن المشاريع المتكاثرة في هذه الأيّام لنقد ما بات يسمّى بلا تحفظ بـ "العقل العربي". ولكن العقل المستهدف بهذا النقد عنده "ليس العقل الظاهر بقدر ما هو العقل الباطن... الخ"(21). وقد لاحظ أن الخطاب العربي المعاصر هو من "إفراز الرضّة الحزيرانية بينما الخطاب العربي الحديث أو النهضوي من إفراز الصدمة النابوليونية. والعلاقة التي تجمع بينهما ليست علاقة وصل وتكرار، بل علاقة قطع ونكوص. وقد ورث الأوّل عن سلفه استعدادات مرضية...(22). وتحت عنوان "ازدواجيّة العقل في كتابات حسن حنفي" يتناول حالة تشخيصيّة يستخلص منها أن الحالة العربية عموماً، كما في حالة حسن حنفي خصوصاً، تبدو استعادة السيطرة فيها على الموقف النفسي رهناً بتحولات إيجابيّة على صعيد الواقع "تعيد وضع المجتمع العربي على سكة النهضة والتقدّم كطريق وحيد إلى البرء من الجرح الأنثربولوجي... الخ الخ(23). ولكن! كيف تبدأ هذه التحولات الإيجابية؟ ألا يتطلب ذلك استئناف أسئلة الحداثة أو التقدّم ما دام البديل السحريّ ليس بديلاً، وإنما هو جزء من التأخر! بالإضافة إلى مداورته منهج التحليل النفسي لعصاب جماعي في كتابه "المثقفون العرب والتراث" يميّز جورج طرابيشي في كتاب آخر هو "مذبحة التراث في الثقافة العربية" رغبة مسبقة في تبرئة التراث ورغبة مسبقة في تجريمه. ويلاحظ ضياع الحقيقة بين كلتا الرغبتين!(24). وفي مقاربته التيار الماركسي يلاحظ أن صاحب الرؤية الماركسية لا يتردد في أن يعلن أن "الهدف الأكبر الكامن وراء استراتيجيته الثقافية هو التوظيف النضالي للتراث وللمعرفة التراثية من منطلق استلهام العناصر العقلانية والديمقراطية والثورية في تراثنا... الخ(25). ويشاطر، برأيه، التيار القومي التيار الماركسي في معياريته الأيديولوجية القائمة على ثنائيّة الرجعية والتقدمية، وإن لم يقاسمه نزعته إلى الفرز الطبقي المستنير بضوء أيديولوجيا الطبقة العاملة... ويمثل للتيار القومي العلماني بزكي الأرسوزي الذي يتمثّل دراما الانحطاط أو الانحراف في تحوّل العرب من الجاهلية إلى الإسلام أو من العروبة إلى العجمة بالمعنى العرقي أو اللغوي أساساً... الخ ويمثّل للتيار القومي الإسلامي بمحمّد عمارة الذي ينظر إلى الإسلام كدين مؤسَّس على العقل والعقلانية وكأنموذج يلجأ إلى الربط الماهوي بين العقلانية والقومية كسمتين للحضارة العربية الإسلامية... الخ ويمثل للتيار العلمي بالنموذج العلمي البراغماتي عند د. زكي نجيب محمود، فيرى أن إشكالية الأخذ والترك من التراث تتضمن الأجوبة وتحدّدها سلفاً. وهي أجوبة لا تملك بحكم الصياغة إلا أن تكون سلبية ما دام المدار هو العمل والتطبيق، والمعيار هو العلم العمليّ، والهدف تصريف الآلات، والمؤدّى الوحيد للثقافة هو التقنية. ويستخلص جورج الطرابيشي أن مهمّة الطريق الثالث الذي يتصدّى لها د. زكي نجيب محمود، وهي صنع ثقافة عربية معاصرة، لا يمكن أن تكون إلا بقدر ما تكفّ عن أن تكون عربية... الخ أمّا النموذج العلمي الأبستمولوجي فيمثل له بالدكتور محمد عابد الجابري فيجد أن العقل يرتدّ عنده إلى تعبيره العقلي. وكأن لغة العقل الوحيدة هي لغة النثر العقلي، أو كأن اللا عقل لا يؤلّف جزءاً مقوماً من العقل، فاختزاله العقل إلى العقل العقلي أدّى إلى مأزق معرفي، وجد من خلاله أن العقل العربي يعمل تحت ثلاثة أنظمة هي البيان ويرادفه المعقول الديني والبرهان ويرادفه المعقول العقلي والعرفان الذي يرادف اللامعقول العقلي... ويرى أن الثورة المنهجية الأبستمولوجية، تبعاً لرؤية الجابري، عمّقت الانقسام، وجذّرت الخلاف، وصعدت التنوع إلى تضاد ما هويّ بدلاً من أن تتيح قراءة أركيولوجية نادرة تردّ المنقسم إلى الوحدة والمتنوّع إلى الجذر المشترك... الخ الخ(26). ويستخلص أن قراءة هذا النموذج للتراث أدّت إلى أن "التراث ليس وحده ولا حتى اللغة، بل العقل نفسه كما تقولبه اللغة، يبدو محكوماً عليه بوضعيّة اللا عقل.. الخ"(27). في كتابه الأخير "مفهوم العقل" يذكر عبد الله العروي أن ما كتبه حتى الآن "يمثّل فصولاً من مؤلّف واحد حول مفهوم الحداثة"(28) ويذكر أيضاً أن موضوع كتابه "هو العقل كما يتجسد في سلوك الأفراد والجماعات"(29). ولكنه يقرّر "أن الاختيار العقليّ على مستوى الفكر قد لا يؤدي بالضرورة إلى عقلانيّة المجتمع"(30) ويرى العروي في بعض استنتاجات الخلاصة العامة لكتابه أن الفكر الذي ورثناه عن السلف -أو ما يسميّه بعضهم التراث.. يدور كلّه حول العقل... الخ.. ويجد أن تطبيق ذلك العقل المفترض لدينا يؤدي في الغالب الأعمّ إلى نتائج محبطة... ويتساءل عن ذلك العقل الموروث، العقل الذي نتصوّره بإطلاق، ونعتزّ به، وهو بالذات أصل الإحباط!(31). ويستخلص "أن العقل لا يكون عقلانية، لا يجسّد في السلوك إلا إذا انطلقنا من الفعل، وخضعنا لمنطقه، ثم بعد عملية تجريد وتوضيح وتعقيل أبدلنا به المنطق الموروث، منطق القول والكون، منطق العقل بإطلاق!(32). إن نقد المفهومات يحدّدها، ويعقلنها، وقد يتكامل مع تجارب تحاول نقد العقل العربي أو الإسلامي أو الغربي، أو مع تجارب تحاول تأمّل البيئة الثقافية بعامة... وإذا كان العقل الموروث -على حدّ تعبير العروي- قد تكيّف مع المطلق، فقد اضمرت برهات منه هوامش دنيوية وعقليّة ومضادة بمعنى ما، وذات أفق إنساني متحرّك ومفتوح. وربما عكس النقد المعاصر، عبر إحيائه هذا العقل -جزءاً من قلقه وتوتره وانقسامه. ولكنه لم يستطع أن يؤسس لحظته النقدية الذاتية والمستقلة، ما دام معظم إنتاجاته هو تنويع على كلام الآخر، إن لم يكن تنويعاً تابعاً.. ولتستمر الدعوة إلى النقد، وإلى تحرير العقل من داخل النقد، وبالنقد! ولكن! هل يتحرّر العقل دون تحرير الفعل؟ وكيف نستطيع تحرير الفعل العربي الذي هو جزء من تحرير العقل العربي، يتحرّر به، ويحرّره؟ وأيّة حداثة هي تلك الحداثة التي ينبغي أن ننتقل إلى نقدها، أو نقد عقلها وفكرها، وهي تشرطنا من خارج ومن داخل، نفتتن بها، وننحني لها، ونحتفي بأوثانها وتظاهراتها على نحو تعيد فيه الذات المتأخرة إنتاج تأخرها عبر حداثة مقنّعة! وكيف نقيم علاقة نقدية حديثة معها من داخل عقل يشرطه تأخره الموضوعي؟ ومتى ندخل في تاريخ العقل الذي هو تاريخ الإنسان، بما هو تاريخ الحداثة، قبل أن نخرج من التاريخ! ينفتح أنموذجٌ حديث أو شبه حديث إذاً على الغرب الثقافي والنقديّ والإبداعيّ، ويحاور جزءاً من أصوله النقديّة والإبداعيّة والفلسفيّة بينما ينغلق أنموذجٌ أصوليٌ أو شبه أصولي على جزء من تراثه العربي الإسلامي فيلغي إنتاجه الفلسفي والنقدي! ويستمرُّ اختزال الحداثة إلى شعار ولعبة ورغبة ونيّة! كما يستمر اختزال الهويّة إلى عناصر مغلقة من التراث وإلى مشروع سلطة ووهم... ويبدو أن دعوة الحداثة أو شبه الحداثة لم تمتلك بعد شروطاً مادية تاريخية واجتماعيّة توفّر إمكانيات أنموذج عربي، وتشكل بديلاً للتراكم الذي امتلكه الغرب في لحظة حداثته. كما يبدو أن دعوة الأصول وشبه الأصول تريد لعقارب الساعة أن تعود للوراء! يرى أنموذجٌ أصوليٌ أو شبه أصولي إلى الحداثة كأدوات وأشياء وأزياء يحلّلها أو يحرّم بعضها، و "يكفر" عقلاً ابتكرها! ويتدرّب أنموذج حديث أو شبه حديث في الفكر والنقد والإبداع على توظيف مفهومات ومصطلحات حديثة، وتردّد حقولـه نظريات كانت وديكارت وهيغل وماركس ونيتشه وهيدغر وبرغسن وسارتر وبارت وشتراوس وفوكو ودريدا وغيرهم كثير، فيتشكل فضاءٌ فكريٌّ حديث مستعار أو شبه مستعار! وتشيع أخيراً منهجيّة حفريّة تبحث عن آليات الخطاب في تشكيل المعنى وإنتاج الحقيقة متجاورة مع منهجيّة معرفية تبحث في أنظمة معرفية عقلانية وأخرى غير عقلانيّة بينما تحاول منهجية مادّية جدلية وتاريخية تجديد ذاتها في غسق نهايات القرن العشرين! ويستعير النقد مفهومات بنيوية أو أسلوبية أو سيميائية أو تفكيكية. بل ينتقل في بعض الأحيان إلى مظاهر ما سميّ: ما بعد الحداثة، كثقافة عصر جديد يتحول فيها الوعي الذاتي إلى علامة من علامات النظام، وتختزل العلاقة بين الأفراد وعبر اتصال معلوماتيّ وثقافة استهلاكيّة. ويقترح جزءٌ من النقد المفهوم الكوني كمفهوم رئيس بديل في فهم المناخ العالمي وكأنه يريد أن يغلق أسئلة حداثة أو مشروع حداثة يعانيها العرب منذ نهايات القرن التاسع عشر وحتى الآن! هكذا تؤثّر ثقافة المركز على ثقافة الأطراف وبخاصة بعد أن شاعت تكنولوجيا الألكترونيات الدقيقة وتكنولوجيا فضاء الاتصالات وغيرها، ولم يعد نقل التكنولوجيا غير العقلاني عامل التبعيّة الوحيد! تتآوى أقنعة حداثة وأقنعة هويّةٍ في فضاء الثقافة العربية بعامة. وبين حداثة مقنّعة أو شبه مقنِّعة وهوية مجتزأة وشبه منتهكة، يضاعف النقدُ النقدَ، ويستكمل نقد "العقل العربيّ" بمعنى ما بل يُعلن أن نقد العقل العربيّ لا يكتمل إلاّ بنقد "العقل الغربيّ". هل يفصح المشروع الثقافيُّ أو النقديُّ أو الإبداعي عن هذا الشقاء كلّه؟ وهل يصرّح بهذا اليأس كله؟ ألم يؤسس هذا المشروع لعلاقة مختلفة مع تراثه الفلسفيّ والإبداعيّ والنقديّ؟ ألم يتجاوز حالة الاستهواء والوله بالتراث إلى تجربة تعانيه وتقرؤه وتنقده بعد أن انشغلت مطالع نهضةٍ بإحيائه وبعثه؟ ألا ينتميّ النقد العربيُّ الآن إلى موقف عقلاني وديمقراطي، يدعو إليه، ويكافح من أجله على الرغم من إمكانياته المتواضعة؟ إن حداثة نقديّةً تتدرّب على طرح أسئلتها لا ترى في الحداثة نفياً للهوية ما دامت الحداثة ليست هدفاً في حدّ ذاتها. وربما كانت مساءلة الذات فيها جزءاً من موضوع هوية قابلة للإنجاز دائماً ولا تنفصل عن مساءلة الآخر الذي هو الغرب أو العالم.. ليست الحداثة ظاهرة تاريخية فحسب، وإنما هي ظاهرة كونية الآن، تنتج نمطها الحضاري الذي يمارس قطيعته مع الماضي والسائد ويحطّم أشكالاً تقليدية في المجتمع والاجتماع والعلاقات وفي الأدب والنقد والفن إيقاعاً ومنظوراً وتشكيلاً ولا بد أن يعري روحاً مدرسيّة شائعة بتجلياته المختلفة، المفاجئة والمدهشة! ولم لا يصنع جسده وروحه وزيّه وسلوكه وإيقاعه وتشكيله ورموزه؟ إن مظاهر تقنية حديثة هجمت على الوضع العربي ومسته بعمق، كما مسّت مجتمعات هي في حالة نمو أو تأخر ولم تكن علاقتها مع الحداثة نتيجة تراكم كمثل الغرب! فكيف تؤسس حداثةٌ فضاءها النقديّ والإبداعي عبر مجتمعات ليست حديثة، ولم تتشكل على نحو حديث؟ ألا تدفع وقائع التغير التي تشرط الوضع العربيِّ إلى التكيف مع التأخّر وتكييفه وإن استأنفت نخبة هنا ونخبة هناك إعادة النظر في هذه المنهجيّة أو تلك، أو حاولت التفاعل أكثر فأكثر مع شعارات العقلانية والديمقراطية والعلمانية... ومع ذلك فإن الاختيار العقلانيَّ والديمقراطيّ في المشروع النقدي العربي هو اختيار يفترض ابتكار أنموذج في الحداثة ينتمي إلى مشروعه القومي العربيّ، ويتكيف مع حاجات الجماعة المادية والروحيّة... فهل يستطيع المشروع النقدي أن يكون حديثاً حقاً؟ وهل يستطيع أن يتحرّر من سلطة الحداثة أيضاً؟ يتحوّل خطاب الحداثة، بتفريعاته وتنويعاته، إلى خطاب تراث! نحن تراثيّون إذاً، وإن تكلّمنا على خطاب حداثة أنجزه الغرب. ونحن تراثيون أيضاً ما دمنا نتكلّم على "نقد" أو "وعي" نتوقع له أن يخرج من داخل "جزء" من التراث الذي هو تراثات! وكأن خطاب الحداثة هو، كمثل خطاب التراث، ينتمي إلى التراث أكثر مما ينتمي إلى التاريخ والواقع والعالم! وكأن كلّ "طرف" من أطراف "الخطاب العربي" يختار من التراث ما يدعم سلطته معرفية أو أيديولوجية أو إعلامية. ويتوقف عند "يمين" و "يسار" فيه، أو عند ميول عقلانية وأخرى إشراقية، أو عند إرهاصات علمانية أو ديمقراطية أو ثوريّة، بينما تحتكم الميول الأصولية إلى "أصول" من وجهة نظرها! التراث الذي تنتمي إليه العروبة، أو ينتمي إليه الإسلام، كثير. فهو تراثات في داخل التراث الكبير. وللحقبة الإسلامية -العربية والعربية- الإسلامية ذاكرة كبرى يتدخّل في تشكيلها ظاهر وباطن، قرآن وسنة، شيعة وخوارج ومعتزلة وأشعرية، قدرية وجبرية، كلام وفلسفة، فقه وسياسة، إيمان وإلحاد، شعوب وشعوبية، خلافة وملك، صوفية وتصوّف، شعر ونثر، قوى مختلفة وقوى مؤتلفة... وفيها اتباع وإبداع، وتناقض وتكامل، وتضاد وتداخل... وقد شارك في تأسيس فضائها أكثر من قوم بالإضافة إلى العرب. واقترحت مذاهب ومللاً ونحلاً أعلنت انتسابها إلى الإسلام، بل التزامها به. والجماعة القوميّة تنتمي الآن إلى هذا التراث كلّه، والذي هو تراثات، يتسع فيشمل مواد وعناصر آرامية وكنعانية وسومريّة وفرعونية وفينيقية وقبطية وسريانية ومسيحية ويهودية وغيرها من مواد وعناصر شرقيّة... ولها أن تقبل على هذا التراث كله، وتتقبّله، وتتدرّب على نقده، دون أن تنحاز لهذه المرحلة أو تلك، أو تتعصّب لهذا الإنتاج أو ذاك. ولنتأمّل هذا التراث الغائب. وهو حاضر فينا دائماً... ألا يدل هو على هويّة لم يمتلكها "النقد" بعد؟! وهل ينبغي أن تعكس علاقتنا به، أو معه، توتّراً وانقساماً بدلاً من التنوّع في داخل الوحدة والوحدة في داخل التنوّع!. وكيف تؤدّي حداثة الخطاب إلى حداثة الفعل، أو يكون جزءاً منها؟ يتدّرب الآن خطاب الحداثة على نقد العقل العربي والعقل الإسلامي، بل والعقل الغربيّ. ويفترض هذا التدرّب فضاء نقدياً يفتتح الأسئلة كلها، ويعالج اليقين بالشك بدلاً من أن يكتفي بأجوبة مغلقة تستعيد "فتنة" التراث التي تنبهّها "فتنة" حداثة لم تتم!. وهل هناك مداخل إلى الذاتية والاستقلالية والكونيّة أيضاً سوى "النقد" الذي ينميّه فضول وشك وبحث وتساؤل! وفي النقد اختلاف، وبه نستطيع أن نكون "نحن" الآن أو في المستقبل بدلاً من أن نكون غيرنا، أولا نكون!. وبالنقد ينتهي التقليد والتكرار والترداد. وبه قد نتدّرب على أن نمتلك التراث كلّه بدلاً من أن يمتلكنا بعضه، فنحرّر التراث منا، كما نتحرّر به ومنه! أليس خطاب الحداثة هو خطاب نقد؟ ألم يكن خطاب التراث خطاب نقدٍ أيضاً؟ |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |