|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 11:40 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
مفهوم المشروع النهضوي العربي بين حوار اليأس واختبار الأمل يتجدد الاهتمام الرسمي والشعبي والنخبوي بالموضوع العربي وفقاً لحركة الوقائع والأحداث، ولأشكال المجابهة والمواجهة في الداخل وفي الخارج! ويستمرّ عمل ثقافي ونقدي عربي في تأمل مشروع قومي عربي قيد الإنجاز. ويعالج إخفاق مشروع نهضةٍ عربية سابقة، فيستخلص دروسه، ويعنى بخطابه أو خطاباته، ويستعيد أسئلته وإجاباته، بنجاحاته وإخفاقاته... وإذا كان مشروع دولة "قطرية" قد اكتمل في هذا المكان العربي أو ذاك، بمعنى ما. فإن بعض وجهات النظر الثقافية والنقدية ترى إلى هذه الدولة "القطرية" كمدخل إلى "الدولة القومية" بينما ينظر بعضها الآخر إليها كتكوين "زائف" أو "مصطنع" يشرع للكيان الجزئي، ويطور حالات ما قبل قومية وما قبل حديثة، على الرغم من مظاهر "حداثة" تتكيف "السلطة" القطرية معها، وتكيف أوضاعاً اجتماعية وفقاً لشروطها. ويبقى لتاريخ الاجتماع الإنساني احتمالاته المختلفة، فقد تنتج عوامل "مفترضة" وحدة جماعاتٍ وشعوب ومدنيات وأمم، أو تؤدي إلى تلاشي بعض عناصر قوتها، أو تدفع بها إلى التماهي مع جماعة أقوى، فحضور الأمة هو حضور نسبي يعبر عن هوية قيد الإنجاز غير مطلقة وغير نهائية. وقد يستمر هذا الحضور قائماً بالقوة لا بالفعل، ما دامت عوامل تكوينه التي هي عوامل واقعية وتاريخية لم تتوفر على نحو إيجابي وفعال وحقيقي! وفي مثال "أمة عربية واحدة" يصعد الآن "البديل" "القطري" ليجسد مصلحة قوى طارئة ومؤقتة بالقدر الذي تعمل فيه قوى تاريخية مغايرة على تكوين "بديل قومي" يتوقع منه أن يحقق مصلحة الأمة ووعيها وإرادتها... وتتناول مراجعات نقدية مختلفة مفهوم مشروع نهضوي عربي، يتماثل في بعض جوانبه مع مفهوم ثورة عربية، أو "نظرية" ثورة عربية سبق تداوله، والتفاؤل به، في الفكر القومي العربي... وتعيد هذه المراجعات النظر في اتجاهات وتيارات كبرى تشيع حلماً سياسياً عربياً، وأشاعته بمعنى ما، سواء أكانت تيارات إسلامية أم قومية، ماركسية أم ليبرالية. وتبحث في إمكانية تجددها أو تجديدها، وإن كان بعضهم يرى في إخفاق الأيديولوجيات القومية والماركسية العربية مدخلاً إلى اختيار ليبرالي أو أساساً للاختيار الإسلامي والإسلامي العربي بظواهره الأصولية أو مظاهره السلفية. ويرد بعضهم الآخر "أزمة" المشروع القومي العربي أخيراً إلى هزيمة المشروع الاشتراكي العالمي في الشرق والغرب، بعد أن ردت "أزمة" سابقة إلى هزيمة حزيران. وتتفاءل مراجعات بالأفق الاشتراكي القومي كأفق نهضوي ينفتح لأي مشروع عربي مستقبلي محتمل... ويُعْنى بعضها بتأمل العلاقة المشتركة بين تلك الاتجاهات أو التيارات جمعيها، لعل الأهداف والرموز والمعاني التي تضمرها، أو تفصح عنها، تنفتح على اعتراف وحوار متبادلين.. فما إمكانية اعتراف وحوار بينها، وبخاصة إذا استعانت بسلاح الحوار بدلاً من حوار السلاح؟ وكيف تتكيف مع شعارات "حديثة" في التعدد والتنوع والاختلاف؟ ومتى يتحول الاعتراف والحوار إلى سلوك حقاً؟ وهل يبتدئ مشروعٌ قومي ديمقراطي من خارج نقد الذات، وإعادة بنائها من داخل الخلافات والاختلافات؟ وأية علاقة بين نقد الذات ونقد المجتمع؟ وما العلاقة بين نقد المجتمع ونقد الدولة أو السلطة بعامة؟ وكيف يفتتح النقد "فضاء" حديثاً لخطاب عربي معاصر يتجاوز فيه ما يحرم قوله، أو ما يمنع، وما لا يجوز قوله، وما يسكت عنه؟ وكيف يحرر "منطقة الصمت" دون أن ينحاز إلى حقيقة "مفترضة" يحاول أن ينجزها، فيطور علاقة "حديثة" بين التأمل أو الفكر وبين الفعل أو السلوك إن مشروعاً نهضوياً عربياً سابقاً أو تالياً أو مفترضاً يعبر عن اختيار الأمة ذاتها، ووعيها بذاتها، في محاولة منها لتأسيس وحدتها وتقدمها، هو مشروع المستقبل الذي يوجه الحاضر إذاً، وإن انطلق من معطيات الماضي...(1). وقد ميزت مراجعاتٌ نقدية مشروع نهضة أولى من مشروع نهضة ثانية. ووجدت في "الصدمة الحضارية" للحملة الفرنسية على مصر بخاصة بدايات المشروع الأول، بينما وجدت في "الصدمة القومية" للحملة الصهيونية على فلسطين بدايات المشروع الثاني، إذْ استطاعت نخبات "ثقافية" و"عسكرية" أن تعيد إنتاج "كيانات" قطرية حديثة أو شبه حديثة بعد استقلالات قطرية "ضعيفة، وأعلنت شعاراتها القومية الكبرى، واقترحت برامجها في التقدم تحولات مختلفة في الحياة العربية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. ولكن تجاربها في التغيّر والتغيير والتحول والتحويل عززت مفهوم الدولة القطرية، وأجّلت دولة "الأمة" كلّ الأمة، مادام "الشكل" القطري يلبي بعض متطلبات "فئات" شعبية قليلة أو كثيرة واحتياجات "نخبات" حديثة وشبه حديثة تحالفت، وتتحالف، معها، بينما تعاني "قوى" شعبية من "أحوال" مدمّرة، وتشاركها نخبات قليلة أو كثيرة معاناتها، وتنتبه جمعيها إلى تلاشي الحلم القومي أو الإسلامي أو الاجتماعي! وقد كان ثمة دائماً حلم يصاحب المشروع النهضوي في مراحله المختلفة الحديثة والمعاصرة، إن لم يكن المشروع النهضوي هو تلك "اليوتوبيا" التي احتمت بها قوى وفئات اجتماعية قومية وإسلامية، وتحتمي بها، وما زالت تحتاج إلى الحلم الذي يدفعها إلى الفعل، ويشكل عاملاً في إحياء موقف نقدي يعيد صياغة المشروع النهضوي الذي لم يعد خطابه أو خطاباته وقفاً على هذه الجهة أو تلك، أتماثلت الفرضيات والأفكار والاحتمالات أم تغايرت. وإذا كان المشروع النهضوي هو اختيار الأمة لذاتها أولاً، فهو مشروع المستقبل وإن كان ثمة أكثر من طريق إلى المستقبل، فقد يكون الطريق عند بعضهم عربياً قومياً أو عربياً إسلامياً أو إسلامياً، وقد يكون عند بعضهم اشتراكياً راديكاليا أو ليبراليا، وينصرف إلى الاندماج بتجربة الغرب في الحداثة وما بعد الحداثة.. ولكن هذا المشروع هو مشروع البحث عن الذات التي هي تجربة هوية قيد الإنجاز على أية حال! وربما كان مفهوم المشروع النهضوي العربي الراهن "وريث" مفهوم "ثورة عربية" هي احتمال، وتبقى احتمالاً، على الرغم من أحوال "عولمة" جديدة يشكلها الغرب، والغرب الأمريكي بخاصة، لتطمس هويات، وتبعث هويات أيضاً، وتعيد بناء علاقات كونية قابلة للتأمل والبحث، وقابلة للتحول والتغير أيضاً. ولا بد لمراجعاتنا النقدية أن تتراكم! ولا بد أن يتراكم النقد، فيعيد النظر في مشروعات إصلاح أو يقظة ونهضة أو تنوير وتجديد أو ثورة، وإن تكن قد تآكلت بمعنى ما، وتآكل معها تفاعل نظام عربي مع مفهومي الوحدة والتقدم. وليس ثمة ما يدفعه عاجلاً إلى المبادرة في تكوين عالم عربي موحد وعادل وليس ثمّة ما يسمح له حتى الآن بالمشاركة في تكوين عالم إنساني يمكن أن يكون جزءاً من تاريخه المعاصر. تبتدئ مراجعات نقدية بنقد الموضوع موضوع التجزئة والتأخر والتبعية، أو تبتدئ بنقد الذات، أو نقد المجتمع والأمة والطبقة والنخبة والدولة.. وقد تتحول من نقد الذات إلى نقد الموضوع، ومن نقد الموضوع إلى نقذ الذات! ويرفع بعضها شعارات العقلانية والتعددية والعلمانية والديمقراطية وغيرها، ويجد فيها عوامل مشروع نهضوي تؤسس لمجتمع عربي مدني.. وقد يعقد بعضها الآخر حواراً مع الياس أو حوار مع الأمل، وهي تلاحظ آثار نظام عربي راهن حطّ بالإنسان العربي إلى كائن بيولوجي محض، ودفع بالجماعة القومية إلى هجرة يومية شقية تسيجها الضرورة، وبخاصة بعد أن أنتج ظاهرة "فساد" "سائدة" تنكرت سلوكات قواها للموضوع الوطني وللموضوع القومي، وأسرفت أدوات علام تمتلكها في القطيعة بين الوعي والفعل أو الكلام والسلوك ولم يعد "الفساد" ظاهرة تقتصر على شخص يمكن عزله، أو على جيوب يمكن أن تعالج حالات أفرزتها، وقد تهشمت المعاني الإنسانية في حياة الفرد والجماعة.. تراكمت مراجعات نقدية إذاً، وتتراكم. وقد تحولت الذات إلى موضوع في مرحلة يهزم فيها الحلم القومي واليوتوبيا القومية، وتفترض إعادة بناء المشروع النهضوي بما هو مشروع الأمة، أي مشروع الذات والمصير والمستقبل! من تلك المراجعات النقدية المتشابهة، المختلفة كتاب د. محمد عابد الجابري المشروع النهضوي العربي، مراجعة نقدية)(2) وكتاب د. فهمي جدعان الطريق إلى المستقبل، أفكار -قوى للأزمنة العربية المنظورة)(3) وهما يقدمان صورة من صور معاناتنا الثقافية ورؤى متماثلة ومتغايرة مع الرؤى التي يقترحها النقد النظري والنقد الثقافي في الغسق الأخير من القرن العشرين، فيتفقان في بعض ملاحظاتهما، ويختلفان في بعضها الآخر... يرى د. محمد عابد الجابري في المراجعة النقدية، كما يفهمها، ممارسة معرفية في الماضي من أجل المستقبل، فهي ليست نقداً لموضوع كما هو شأن النقد التاريخي، بل هو نقد للذات، يركز فيه على التاريخ الواقعي الحقيقي الذي نمت فيه الفكرة القومية العربية.. ويتحدد اتجاه المراجعة النقدية بالممكنات التي تشكل برنامجاً للمستقبل ولا تقتصر على طموحات الأمس فحسب.. الخ ص13 المراجعة النقدية أيضاً ضرورة ملحة لاستعادة الأمل واستئناف المسيرة مع التاريخ للمشاركة في صنعه والتأثير في مجراه.. ص15 وفي مدخل كتابه اعتبر القضايا الأساسية التي هي قوام فكر النهضة العربية ما زالت قائمة كطموحات في نهاية القرن العشرين، وما زالت أهدافاً ومطالب تنتظر التحقيق.. ص7 وسيجد في خاتمة كتابه أن أول مهمة تواجه من يريد التفكير في المستقبل العربي هي مهمة إعادة بناء الأهداف، لأن التفكير في المستقبل العربي دون استحضار أهداف واضحة هو تفكير يبتعد عن استراتيجية المستقبل، ولكنه يرى في الوحدة والتقدم هدفين لا يمكن الاستغناء عنهما في أيّ تفكير أو عمل عربي تحركه إرادة المستقبل التي يعني بها إرادة التغيير في اتجاه الأفضل.. الخ ص182- ص183. وفي كتابه (الطريق إلى المستقبل) يرى د. فهمي جدعان أن مبحثه يريد أن يستجيب لنداء الحياة، فهو عمل "تأسيسي" اجتهادي - على حد تعبيره- يقدر أنه يجسد جملة تأمله وفهمه وتقديره للقضايا والمسائل والوجوه التي يعتقد أنها جوهرية ومركزية وحيوية في وجود العرب المعاصر عند نهاية القرن العشرين. وهو لا يزعم أنه يقترح مشروعاً للنهضة أو الحياة برمتها. وإنما يهمه أن يوجه النظر إلى "الطرق المسدودة" وإلى "المسالك النافذة" التي يمكن أن تبعث على الرجاء .. ص8، ص9. وما مهمة المفكر الحقيقي عنده إلا التنوير.. الخ ص11. يلتقي د. الجابري وده جدعان مع غيرهما على ضرورة المراجعة النقدية وأهميتها وعلى نقد العقل ونقد الفعل أيضاً، ولكن د.جدعان يرى أن أحداً من مفكري عصر النهضة العربي لم يدرك أي هدف من الأهداف الحيوية التي حددها غاية لتفكيره أو تأمله أو فعله، ووفقاً لوجهة نظره فإن تيارات الإصلاح الديني الحديثة اهتمت بالمظاهر الخارجية "الشكلانية، ولم تهتم بما هو جوهري، وإن تنبهت إلى الخلل العميق في الوجود الإنساني الإسلامي.. الخ. وكان قد تساءل عن القوى العربية الذاتية التي يمكنها أن تصمد أمام الزحف الساحق لحضارة الحداثة ومتعلقاتها. ويختتم كتابه بفصل حوار مع الياس يدلل فيه على أن "التدخل" العربي في التاريخ لم يكن مغامرة من المغامرات، وإنما كان مشروعاً حقيقياً نال أصحابه من الدنيا حظهم.. وقد عدّل "اللطف الإلهي" من تقصيرهم، ومكّن لهم في الأرض. ولكنهم ساروا في طريق التمرد على الله.. ولن يعود مسوغ لبقاء الأحوال على ما جرت عليه وقد أوصلوا الأمور إلى الحافة موجهين ومتوجهين بقوى ورغبات ومنافع لا رادع لها ولا ضابط.. الخ.. وعلى الرغم من الآمال التي عقدها على إمكانية إحداث تعديلات بنيوية ثقافية في الذات العربية من جهة ما أسماه بالعقلية، أو من جهة ما يدخل في باب الفعل، فإنه يقرر أن البنى الصلبة المتأصلة في هذه الذات ليست مما يسهل تدبر أمرها أو تعديلها أو تغييرها في المدى المنظور.. الخ ص433، ص434، ص435. يتوقع د. جدعان للعالم العربي ولمستقبله مخاطر اقتصادية وسياسية وثقافية حقيقية ما دام ينطلق بأسره في طريق المصالحة التاريخية الكبرى مع الدولة اليهودية في ظروف غير مواتية وأحوال غير مواتية.. وكان قد ميز ثلاث رؤى رئيسة في تفسير التأخر الإسلامي والعربي وإخفاق المسلمين والعرب وردّ اثنتين منها إلى عوامل ذاتية والثالثة إلى عامل خارجي.. الرؤية الأولى أنثربولوجية تستند إلى طبيعة الإنسان العربي من حيث التكوين البيولوجي والتكوين الثقافي، وهو يفرق بين "عقل عربي" أو "عقل إسلامي" بما هو خصائص ذاتية قارة في الطبيعة البيولوجية وبين هذا العقل بما هو عقل ذو خصائص مكونة ثقافياً وتاريخياً.. الخ. الرؤية الثانية تاريخية ترى أننا صنائع تراث لا يأتي من الحقب الإسلامية، وإنما من الحقب الموغلة في القدم.. الخ. الرؤية الثالثة ترد الإخفاق إلى علة فعل "الغير المدمر "المتآمر".. الخ ص23-ص35. ويميز د. الجابري أربعة مشروعات عرفها القرن العشرون هي مشروع الحداثة الأوروبية والمشروع الاشتراكي العالمي والحركة الصهيونية ومشروع النهضة العربية... ويلاحظ أن المشروعات الثلاثة المتزامنة والمنافسة التي عاصرها المشروع النهضوي العربي قد حققت نجاحات لا تنكر، وإن أسفرت عن نتائج تتناقض، أو على الأقل تختلف وتبتعد عن طموحاتها.. الخ المشروع الاشتراكي العالمي أعلن إخفاقه على الرغم من شعاره في إعادة البناء لفترة قصيرة، والمشروع الصهيوني تحقق في مئة عام بعكس المشروع العربي القومي. وإن نجح العمل الشعبي وحتى الرسمي في تحجيم المشروع الصهيوني.. الخ ص53. وإذا كانت عوامل خارجية جعلت المشروع العربي يتعثر ويفشل، فإنها لم تفعل فعلها لولا عوامل داخلية مساعدة.. ص58. ويلاحظ أيضاً أن المشروع النهضوي العربي ارتبط منذ البداية بالأهداف الإنسانية في الحداثة الأوروبية والفكر الاشتراكي العالمي، وطرح المسألة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية.. الخ ص53 ولكنه يتوقف عند الأخطاء التي ارتكبها العرب من حيث النظر إلى الحداثة الأوروبية ببعدها التنويري بدلاً من البعد الذي يعبر عن علاقة السلطة بالمعرفة وانتصار السلطة على المعرفة. ويحدد دعائم الحداثة الأوروبية في القوة التي عبر عنها التوسع الاستعماري، والمنافسة التي ميّزت التنافس الأوروبي، والمعرفة التي هي أساس الفكر التحديثي. ويعلل الدور التخريبي للحداثة الأوروبية في المشروع النهضوي العربي بكونه من جنس علاقة السيد بالعبد، وإذا كان القرن الثامن عشر يمثل أيديولوجيا الأنوار، فإن القرن التاسع عشر تتمثل فيه أيديولوجيا الاستعمار الذي نظر إلى مفهوم أوروبا من حيث عظمتها وتفوقها وقدرتها على الهيمنة، استناداً إلى معطيات تاريخية وعرقية وعلموية تجلت في مبدأ البقاء للأصلح وللأقوى وفي مبدأ الاصطفاء الطبيعي والاجتماعي على نحو تحول فيه الشرق إلى موضوع للمعرفة. سيرى د. الجابري أيضاً أن أيديولوجيا الوحدة والتقدم منذ القرن الماضي وإلى اليوم في تعارض مستمر مع مصالح الحاكمين وإراداتهم.. ويعلل انفصال السياسة عن الأيديولوجيا في دولة الاستقلال القطرية بغياب الديمقراطية بالدرجة الأولى.. فالنخبات كلها تخاف الديمقراطية.. نخبة الدولة الليبرالية والنخبة التقليدية ونخبة الثورة.. ص143، ص145. ولكنه سيجد في الانتماء إلى الأمّة العربية مسألة نهائية، فالفكرة القومية بقيت حية في داخل الدولة القطرية، ووحدة الحاضر العربي في نفوس العرب، وفي رؤى غير العرب، أقوى وأعمق من أي وقت مضى.. الخ ص51-52. إن أسئلة الوحدة والتقدم والعقلانية والديمقراطية ما تزال هي أسئلة المشروع النهضوي العربي السابق والراهن وما تزال أسئلة الحداثة والتأخر من أسئلته الأولى أيضاً، وهي أسئلة تستحضر العلاقة بين الذات والآخر أو العرب والغرب، كما تتطلب تأمل واقع النظام العربي وعلاقته بمشروع الأمة القومي والديمقراطي. يلاحظ د. جدعان في تحديده آلية النظر والتحليل أهمية الواقع المشخص، وإقامة تراسل بين موضوع إرادتنا وبين استطاعتنا على تحقيق هذا الموضوع، فاختياراتنا ترتبط بمفهوم "المناسب" و"الأنسب" على حد تعبيره، ويرتبط المناسب بما هو واقعي، أما "الممكن" فلا يعني إنكار الضروري المطلق... والعقلانية، عنده ليست غير مبدأ موجه من بين مبادئ عدة، قد تكون الحلقة الأضعف في تكوين الإنسان الأنثربولوجي.. الخ ص35-ص45. ويعتبر أن الواقع التاريخي أعلن تمكّن الاختلاف في حياة الناس ومصائرهم وأفكارهم وتغير الأحوال في العصر الحديث. وواقع الاختلاف، برأيه، يوجه إلى واقع جديد هو واقع الحوار الذي هو قبل كل شيء، استعداد ذهني يرتبط بعملية بنائية نقدية للعادات والنظم العقلية السائدة وسلطات الاستبداد.. الخ ولا بد من إضفاء قيمة التواصل على العلاقات الإنسانية المحكومة بمبادئ الصراع ومواقفنا من أنفسنا وأحوالنا ومن الغير لا يمكن أن تستند إلى رؤية "إجماعية" أحادية ومطلقة.. الخ ص50، ص51-ص52. وهو يدعو إلى نقد الفعل بشكل خاص، ما دام إصلاح العقل عبر نقده غير كاف لتوجيه مناشطنا وأفعالنا، ولأن حالة القيم تعاني من اضطرابات سلوكية في مناشط الأفراد تفضي إلى أحوال ارتكاسية شاملة في حالة المجتمع والدولة.. ص95. ولذلك توقف عند معركة النفاق أو "معركة الأقنعة" التي يجب على قوى الإصلاح خوضها ما دام النفاق يحول وجودنا إلى وجود زائف، وما دام العالم السياسي هو أحفل العوالم الاجتماعية بالنفاق.. ص67، ص76 وقد شملت وجوه الوجود الزائف حياتنا.. الخ الخ.. ولا يتحقق خلاص الأمة عند د. جدعان إلا بإنفاذ مشروع إسلامي تتجسد فيه أحكام الدين وقواعده.. ص439 بينما تجسد محور هذا الخلاص قضية الوحدة والتقدم عند د. الجابري وعند سواه أيضاً. ووفقاً لتعبير د. جدعان فإننا سنكون واهمين كل الوهم، إن ظللنا متعلقين تعلقاً مطلقاً بالمفهوم التقليدي للقومية العربية، لأن الواقع تحول تحولا عظيماً عن هذا المفهوم.. ص442 بينما يرى د. الجابري أن الانتماء إلى الأمة العربية مسألة نهائية.. الخ. سيرى د. جدعان أيضاً أن الإخفاق الشامل للأنظمة السياسية الوطنية والقومية والاشتراكية في العالم العربي هو الذي ولد ما أطلقت عليه أجهزة الإعلام الغربية اسم الأصولية.. ص210 ولكنه يتساءل عما إذا كان الإسلام قادراً على أن يكون اليوم وفي المستقبل المنظور بديلاً للمشروع الغربي.. ص240 وقد وجد أن على الإسلام أن يقف موقفاً إيجابياً من واقعة الحداثة وإلا جرفه التيار على غير نظام أو هدى.. ص339. أما أزمة الآفاق المسدودة، على حد تعبيره فقد عززت من عمل الحركات الدينية السياسية الصدامي، وشجعتها على الدعوة إلى بديل راديكالي للأوضاع القائمة وللهيمنة الغربية ولقيم الحداثة.. ص202-213 وبخاصة بعد أن تمثلت أزمة الآفاق المسدودة في فساد الأنظمة السياسية والاجتماعية وفي الأزمة الاقتصادية وفي الانحطاط الأخلاقي.. وهكذا يجد أن حظوظ العالم العربي والأمة العربية من الاندماج والتوحيد باتت أضعف مما كانت عليه في أي وقت مضى. ولن يرد أحوال التحلل والتدهور عن مسارها الكارثي إلا "تحدّ وجودي جديد يضع "المصير" أمام خطر حقيقي داهم.. الخ ص367-368. تتفق أكثر من مراجعة نقدية، ومنها مراجعة د. الجابري ود. جدعان على نجاح مشروع الحداثة الغربي، وعلى نجاح المشروع الصهيوني الذي صعد معه، بينما ترافق إخفاق المشروع القومي العربي مع إخفاق المشروع الاشتراكي العالمي، واتضحت هزيمته مع هزيمة المشروع الاشتراكي العالمي وسقوط الاتحاد السوفياتي ولكن هذه النجاحات وتلك الإخفاقات لا تعني إلغاء الصراع: صراع الطبقات والأيديولوجيات والقوى الاجتماعية بعامة، ولا يعني نهاية الصراع بين شرق وغرب أو شمال وجنوب أو غنى وفقر، ولا يعني أن البشرية انتهى بحثها عن حلول دنيوية وغير دنيوية لعذاباتها ولمشكلاتها. وليست هيمنة الحداثة الغربية إلا مرحلة تاريخية تجلت، وتتجلى في ظواهر ومظاهر مختلفة فهي جزء من مشروع الكائن الإنساني في إنجاز ذاته على هذا الكوكب الأرضي.. وما المشروع النهضوي العربي غير جزء من مشروع إنساني عادل يبحث عن ذاته! يرى د. جدعان أنه لا سبيل للعرب إلا في التفاعل والتواصل، وأننا نحن والغرب في حالة خوف صريحة، لكن خوفنا ينبغي أن يكون أعظم.. ص184. أما الأحوال التي تستدعي مراجعات شاملة وسياسات للعمل موضوعية وفاعلة برأيه فهي إعادة بناء صورة الإسلام الكونية ومحاصرة الصراع واستيعابه وتمثل الوجوه الإيجابية من الحداثة الغربية بالإضافة إلى الوعي بالغرب والحوار معه ومضاهاته وتحرير الذات من عقد النقص وتصميم سياسات "دفاع" اجتماعي حقيقي مشخصة.. الخ الخ ص185. أما الوصف الذي يعبر عن وضع كل من الحداثة الأوروبية والحركة الصهيونية والاشتراكية العالمية في أفق القرن الحادي والعشرين فهو الـ "ما بعد" وفقاً لتحليل د. الجابري أي ما بعد الحداثة، ما بعد الصهيونية، ما بعد الاشتراكية العالمية، ومفهوم الـ "ما بعد" عنده لا يعني وجود فاصل بينه وبين ما هو كائن، بل يعني الاستمرار في شكل جديد عبر منطق تختلف زاوية الانعطاف أو الانحراف" فيه من مكان لآخر ومن زمن لآخر...الخ ص187. ويشير د. الجابري إلى أن فلسطين "القضية" لم تنته بعد فإذا كانت شعارات المشروع النهضوي في الوحدة والتقدم والتحرير لم تنجز بعد، فإن شعار (من النيل إلى الفرات) الذي يحرك فكرة المشروع الصهيوني ما زال بعيداً.. ص188 ما الاحتمالات التي توجه المشروع النهضوي العربي إذاً؟ وكيف تتحرك قواه في مرحلة الـ "ما بعد" عربياً ودولياً؟ وإذا كان هذا المشروع يعبر عن إرادة المستقبل التي هي الإرادة في التغيير، فما القوى التي تؤسس لهذه الإرادة؟ وهل الأمة في مشروعها قادرة على التغيير؟ يتطلب التغيير وفقاً لتعبير د. الجابري الامتلاء بالثقافة العربية الذي هو امتلاء بالهوية. ودونها يكون الانفتاح على الثقافات الأخرى مدعاة للاستلاب والاختراق.. ص177. ولكن كيف تنعكس آثار مرحلة الـ (ما بعد) على الواقع العربي الراهن، وعلى المشروع النهضوي العربي الذي تحركه إرادة المستقبل، أي الإرادة في التغيير في ظل عولمة "ساحقة" وفي ظل سياسات وكيانات "قطرية" تهدف إلى أن تكون مشروعة؟ وكيف يكون "الإسلام" جزءاً من مشروع نهضوي عربي يمتلكه بدلاً من أن يتصالح معه، ويتكامل به بدلاً من أن يتناقض معه أيضاً؟ وأي تناقض بين الهدفين الرئيسين اللذين هما الوحدة والتقدم وبين الإسلام؟ وهل يفترض التغيير إعادة بناء الأهداف الكبرى من داخل علاقة حديثة ومتكاملة بين العروبة والإسلام، بالإضافة إلى العلاقة بين التفكير والعمل؟ ما يزال مفهوم النهضة مفهوماً مركزياً في الثقافة العربية المعاصرة، يتجاور مع مفهوم الحداثة أو يتقاطع معه. وما يزال هاجس النهضة وهاجس الحداثة يحركان المراجعة النقدية والتأمل الفكري في حوارات المثقفين العرب بعامة.. سيرى بعضهم أن النهضة نهضة مزعومة على حد تعبير د. أحمد برقاوي(4) ويمكن تسمية المرحلة بمرحلة نشوء التبعية ص36. ص37 فقد مات عصر النهضة ليبدأ عصر الدولة القطرية.. وما زال عصر الثورة خجولا وفقاً لتعبيره ص125 بينما يفترض د. طيب تيزيني الذي تشتغل اهتماماته الآن على المشروع النهضوي أن سقوط الفكر العربي المعاصر في أحد أوجهه الكبرى هو الذي يمثل الوريث الشرعي لاتجاه الإخفاق في الفكر العربي الحديث النهضوي.. ص13. وسيلاحظ جورج طرابيشي (5) توقف مشروع النهضة التي صادرتها الثورة أكثر مما ورثتها. كما سيلاحظ أن هذا الفشل المزدوج، الثوري والنهضوي معاً، والذي تواقت على كل حال مع الهزيمة العربية الكبرى في حزيران/ يونيو 1967، قد نكأ الجرح النرجسي الذي ما كان اندمل أصلاً.. بل إن الأصولية الإسلامية الراهنة هي، جزئياً على الأقل، من افراز هذا الجرح في الطور الجديد في نزفه.. الخ ص83. هكذا تتجدد المراجعة النقدية وتستمر وقد يصاحبها اعتراف بالهزيمة يتضمن تساؤلاً عما بعد الهزيمة.. فهل دخل التفكير العربي في مرحلة ما بعد الهزيمة؟ وهل توقفت الهزيمة العربية حقاً؟ تستمر المراجعة النقدية إذاً فكيف ندخل في مرحلة ما بعد المراجعة النقدية، أي مرحلة الفعل التي تؤسس لمشروع نهضوي عربي حديث؟(6). قد لا تكون مرحلة المراجعة النقدية سوى مدخل إلى ما بعد المرجعة النقدية، وكلتاهما مدخل إلى الفعل، ما دام التغيير يفترض التفكير والعمل.. وستنتجان الآن أو فيما بعد خطاباً عربياً حديثاً هو جزء من خطاب هوية ينتمي إلى مفهومات عقلانية وديمقراطية وعلمانية وتعددية مهما اختلفت المواقف من هذه المفهومات! وستكون المراجعة النقدية دليل حوار ومشاركة وتواصل بدلاً من أن تكون عامل قطيعة وتناقض وتضاد! فما جدوى أن تلتقي هذه المراجعة أو تلك بهجاء نهضة أو السخرية من حداثة أو التحذير من أصولية ما؟ وأي بديل يقترحه إعلان ما عن سقوط نهضة أو فشل ثورة أو أفول مشروع وتآكل طبقة أو شبه الطبقة؟ وإذا كانت الرهانات السابقة، كلها أو بعضها قد فشلت، فأي رهان تستطيع المراجعة النقدية أن تشتغل عليه سوى رهان الوعي الحر الذي تمتلكه إرادة حرة أيضاً هي إرادة أمة لم تمتلك بعد لحظتها الذاتية ومشروعها التاريخي!(7). وكيف تتجاوز تدريباتنا واختباراتنا النقدية حوار الياس إلى اختبار الأمل؟ |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |