النـَّقــد والخطاب محاولة قراءةٍ في مراجعةٍ نقديّة عربيّةٍ معاصرة - مصطفى خضر

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - دمشق -2001

Updated: Saturday, September 20, 2003 11:40 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفِعْــلُ والكـِتَابـَــةُ:(مفهومُ المقاومةِ في الكتابة العربيّة الحديثة والمعاصرة)

لنفترض أن الخطاب العربيّ الحديث والمعاصر هو خطاب مقاومة بعامّة، ويتضمّن عناصر مجابهة ورفض واحتجاج وتضادّ، ما دام يبحث عن ذاتيته واستقلاليته ومستقبله، ويحاول سؤال هويّة يعيد إنتاجها وامتلاكها، ويتفاعل مع سؤال حداثةٍ، هو في بعض موارده وعناصره سؤال هويّة قيد الإنجاز..‏

وإذا كانت المقاومة في بعض تجلياتها موقفاً من الواقع والحياة والعالم، فهي فعل مضاد ومغاير ومختلف، يفصح عن وعي جديد يوجّه كتابة بعضها قد يسبق الفعل، وبعضها الآخر قد يصاحبه، أو يليه، سواء أكانت المقاومة تواجه قوى وأوضاعاً وعوامل خارجيّة، أم كانت تجابه شروطاً وبنى داخليّة!‏

يؤسّس للمقاومة من داخل صراع خارجيّ أو داخليّ إذاً. وليست المقاومة الثقافية إلاّ شكلاً من أشكال المقاومة التي يشكّل الإنتاج الأدبيّ الإبداعيّ والنقديّ مظهراً من مظاهرها..‏

المقاومة في الأدب جزء من المقاومة الثقافية بعامة. وفي تاريخنا الحديث والمعاصر كان ثمة مقاومة مسلحة دائماً، ترافقها مقاومة ثقافية، ربّما كان أبرزها تلك المقاومة الثقافية في مواجهة الغزو الاستيطاني الصهيونيّ، وهي جزء من مقاومات ثقافيّة مختلفة ومتنوّعة سبقتها، وتلتها في أكثر من مكان عربيّ!‏

وقد كان مفهوم المقاومة، ولم يزل، يمثّل علاقة الجماعة أو الشّعب أو الأمة بالمعنى وبالمصير، فهي فعل يجاهد من أجل الوعي بالذات، وبخاصّة في مرحلةٍ تتحوّل فيها الذات إلى موضوع هيمنةٍ إمبريالية تعزز هيمنة صهيونية، وهيمنة صهيونية تشيع هيمنة إمبريالية..‏

إنّ روح المقاومة تتجلى في الإنتاج الأدبيّ العربيّ، قديمه وحديثه بمعنى ما(1)، فقد كان ثمّة علاقة بين الشعر والتحرّر والتحرير وحالات "التمرّد" المختلفة. واختارت الأعمال الأدبيّة المهمّة الصراع مع قوى التأخّر العربيّ وبناه. وكانت تؤسس لمفهوم التغيير الذي ترافق مع مفهوم التحرير بعامّة، ولم تقتصر على التفاعل مع المقاومات المسلّحة في هذا المكان العربيّ أو ذاك..‏

وإذا كان التحرّر من هيمنة الخارج جزءاً من الموضوع العربيّ في الكتابة العربيّة الحديثة والمعاصرة، فإنّ تغيير علاقات الداخل وتحريرها يشكّل هاجساً من هواجس علاقتها مع سؤال الحداثة..‏

وربّما كان تحرير الفعل الذي هو مقاومة جزءاً من تحرير الكتابة. وربّما كانت المقاومة التي هي فعل تغيّر وتغيير عاملاً من عوامل تغيّر الكتابة العربيّة وتغييرها.‏

وما تحرير الفعل والكتابة سوى تحرير للوعي بالذات!‏

في مشروع نهضة عربيّة أولى حاولت تيارات أو اتجاهات أو ميول فكريّة مختلفة مواجهة "الغرب" بعد أن جابهت "التتريك"، واختارت هويةً إسلاميّة أو إسلاميّة -عربية أو عربيّة إسلامية. واقترحت "جيوب" علمانية توظيف مفهومات الغرب وفرضيّاته وطرائقه وأدواته في إنتاج مجتمع حديث، وبخاصة في مرحلة كان الغرب فيها هو العالم. وكانت مقاومة التأخر في الداخل تعني "التحديث". ولكنّ التحديث لم يستجب دائماً لمتطلبات حياة عربيّة جديدة، إن لم يكن عامل "تغريب"!‏

اشتغلت الكتابة العربيّة في تلك المرحلة على مفهوم الحريّة.. وحاولت موضوعات تحرير الإنسان والعقل والمرأة والمجتمع والعلاقات والطبقات والقوى وغيرها.. وهي موضوعات عني بها خطاب إسلاميّ أو إسلاميّ عربيّ أو عربيّ إسلاميّ، وعني بها خطاب قومي علمانيّ أو ليبراليّ أو راديكاليّ..‏

حاولت الكتابة الشعريّة إحياء "التراث الشعري" أو استعادته، إذ عادت في بعض أنموذجاتها الأولى إلى لغة العصر العباسيّ، واستعادت تشكيل قصيدته وأغراضها واهتماماتها وقيمها ومواقفها وبلاغتها وبيانها، وبخاصة بعد أن طغت "العاميّة"، وتأخرت اللغة العربيّة الفصيحة بين سياسة "تتريك" من قبل وسياسة "تغريب" فيما بعد!‏

وحاولت الكتابة السرديّة رؤية الواقع وتطوّراته، دون أن تتجاهل رؤية وقائع التاريخ ومعطياته، لتقدّم شهادات متنوّعة ومختلفة عن التاريخ والواقع..‏

ولم يكن إحياء "البيان" العربيّ التراثيّ غير مدخل إلى مشروع بيان عربيّ حديث يتفاعل مع هويّته، ويجدّد أدواته من داخل علاقته مع عصره، وانفتاحه على لغة الغرب ومفهوماته الحديثة أيضاً. وقد تدرّب هذا البيان على تكييف عناصره، وعلى تبيئة عناصر غربية تدخلت في تطويره. وتماهى التدريب مع التجريب، واختلط التجريب بالتغريب.‏

وكانت بدايات تحرير الفعل العربي عاملاً من عوامل تحرير الكتابة التي ستبحث دائماً عن أفق مختلف ومغاير وبديل!‏

وربما كان مفهوم الحريّة يتطابق مع مفهوم هويّة اشتغل عليه مشروع نهضة عربية أولى، بما اشتمل عليه من عنوانات تنتمي إلى الأمة أو اللغة القومية أو اليقظة العربية أو التاريخ العربي الإسلامي والإسلامي العربي.. وسيتطابق مفهوم الهوية مع مفهوم الحرية في مقاومة هيمنة إمبريالية تشاركها هيمنة صهيونيّة على المكان العربيّ والجماعة العربيّة...‏

في مشروع نهضة عربيّة ثانية، عبّرت عنها قوى وطنيّة وقومية جديدة كانت "الهويّة العربية" مبدأ تحوّل جديد في الاقتصاد والاجتماع والتربية والثقافة والأدب والفنون.‏

وستشيع بسرعة مفهومات أدب الحياة وأدب المعركة أو الأدب الملتزم والأدب الحضاريّ والأدب الثوريّ وغيرها..‏

وسيتناول النقد الأدبيّ مفهومات البطل القوميّ والبطل الإيجابيّ والبطل الثوري أو العربي الثوريّ وغيرها أيضاً.‏

وستقترح تطورّات مختلفة مفهومات المقاومة في الأدب والأدب المقاوم والفكر المقاوم، إذا اقترحت "نظريات" الكفاح المسلّح والمقاومة الشعبية المسلّحة والانتفاضة الشعبيّة والعمل الفدائيّ وغيرها من مفردات "سياسة" عربيّة تهدف إلى تحرير الفعل العربي في مواجهة "تفوّق" عسكريّ إسرائيلي استيطاني...‏

وربما صاحبت الدعوة إلى تحرير الفعل العربي دعوة إلى تحرير الكتابة العربيّة، أو سبقتها، أو تلتها، أو تجاورت معها. وقد ارتبطت بمدخلات ثقافيّة إبداعيّة ونقديّة، وفكريّة تفاعلت مع مفهوم "نظرية الثورة" أو "نظرية الثورة العربيّة"، وبخاصة بعد أن أنجزت أمكنة عربيّة استقلالاتها القطريّة، وانفجرت انقلابات اجتماعية في أكثر من قطر عربيّ بمبادرة عسكريّة أو شعبيّة متحالفة مع نخبات حزبيّة أو جيوب اجتماعيّة جديدة أعلنت شعاراتها الخاصّة بالمستقبل العربي أو التقدّم الاجتماعي والصراع العربيّ- الصهيوني أو المصير العربيّ..‏

إذا كانت "اليوتوبيا" القوميّة والاجتماعيّة هي موضوع الإنتاج الإبداعيّ والثقافي بعامة، فإن "المأساة" القومية والاجتماعية العربية هي في أساس هذا الموضوع الذي اشتغل عليه سرد وشعر ونقد، وكان مصدر تأمّل وتفكّر ومعاناة ومعاينة في الخطاب العربيّ الذي لن يكون بطله الثوريّ العربي سوى بطله المأساوي بامتياز!‏

وسيعكس إخفاق مشروع النهضة الثانية مقاومات مختلفة للهيمنة في الداخل وفي الخارج، وتحاول الانتاجات الأدبيّة والنقديّة أن تعيد النظر في حداثتها التي لم تستطع أن تنتج وعياً مطابقاً للواقع، ما دامت تعاني من داخلها أزمة تشبه أزمة "نظام" عربيّ لم يمتلك حداثته، لأنه لا يمتلك هويته، فقد تقنعت رهاناته في السياسة بمظاهر حداثة "قطرية" استبعدت المشروع القوميّ العربيّ في الفعل، واكتفت منه بشعارات وإعلانات وألفاظ ومناسبات..‏

واكتفى بعض الإنتاجات الإبداعية والنقدية بـ "أزياء" حداثة أعلنت الرفض أو التضاد أو المقاومة "اللفظية" بديلاً، إذ استبعدت الرهان على هُويّة منجزة أو قيد الانجاز!‏

وستؤرخ هزيمة حزيران في عام 1967 لنهاية مشروع النهضة الثانية، وإن دفعت بجزء من الخطاب العربيّ إلى أن يكون أكثر راديكالية، وجعلت قواه المختلفة تعيد النظر في ذاتها وفي غيرها، ورفعت قوى قوميّة شعارات "العلميّة" و"الثورية" و"العلمانيّة" واعتبرت الماركسيّة مصدراً رئيساً من مصادرها. واندفعت قوى شيوعيّة محليّة إلى إعادة النظر في علاقتها بالمسألة القوميّة والموضوع الفلسطينيّ والعمل الديمقراطيّ... ولاحظت جيوب إسلاميّة شعبيّة وغير شعبيّة علاقة بين محنة العرب أو هزيمتهم وبين تخلّي العرب عن "الدين" أو إلحاد أنظمة عربيّة حديثة.‏

ولكن المقاومة العربية المسلّحة التي أنتجها "وضع" عربيّ مضطرب تحوّلت بإراداتها ورهاناتها إلى فعل استراتيجي.. واستطاعت الإنتاجات الإبداعية والنقديّة أن تدوّن معاني ورموز اً يقترحها هذا الفعل...‏

فهل كانت هزيمة حزيران عاملاً في حضور "نقد ذاتي" يحتفي به الفكر والأدب والفن؟‏

وما الذي يقدمه نقد ذاتي اقتصر على الرفض والاحتجاج والهجاء والتضاد، دون أن يتجاوز هزيمة شاملة هو جزء منها؟ وهل كان النقد شاملاً حقاً؟‏

وإلى أيّ مدى استطاع أن يكون عاملاً من عوامل المقاومة في السياسة والأدب، أو في القصيدة والقصّة والمسرحيّة والرواية والمقالة السياسيّة والدراسة النظريّة والفكريّة والنقديّة؟ وهل استطاعت أشكال المقاومة المسلّحة ومعطيات حرب تشرين في عام 1973 أن تشيع "روح" التفاؤل في الإنتاج الأدبيّ والنقديّ؟‏

وأيّ معنى لتفاؤل مّا، لا تصاحبه مقاومة مستمرة، تعلي من قيم المجابهة والتضحية والشهادة والتحدّي والفداء وغيرها!‏

إن المعنى الذي يقترحه الأنموذج الفدائيّ أو الأنموذج المقاوم سيشيع فضاء كتابة مختلفة في نصّ يتضح ارتباط موضوعه الفلسطيني بفضائه العربيّ. وإن اختلف بعضهم في تساؤله حول فرضيّة تحرير فلسطين كطريق إلى الوحدة العربيّة أو فرضيّة الوحدة العربيّة كطريق إلى تحرير فلسطين، وعلى الرغم من أن تآكل "الأوضاع العربيّة" بعامة، و"الوضع الفلسطيني" منها، قد أدّى إلى اختيار فرضيّة القرار الفلسطينيّ المستقلّ، واختبارها، على نحو أنتجه انهيارُ سياسات عربية وتطوّرات محليّة وإقليميّة وقوميّة ودوليّة وعالمية..‏

وكانت التجربة الأدبيّة أكثر معاناة وعلاقة بمأساة الوضع العربيّ والشرط العربيّ، وأكثر وعياً بالواقع العربي ووقائعه المتكاثرة وتناقضاته المختلفة، تشاركها بحثها واهتماماتها وهواجسها أنموذجات فكرية ونقديّة تنوّعت سجالاتها وخلافاتها واختلافاتها ومراجعاتها، وبخاصّة في مرحلة ما بعد حرب الخليج الثانية..‏

وكان الأنموذج البديل المقاوم أو النقديّ أو الضدّي هو الأنموذج الذي اشتغل عليه الشعر أو السرد، ليعبّر عن العلاقة بين تحرير الكائن العربيّ وتغيير الواقع العربيّ، وكأن "منطق" الأنموذج المقاوم هو منطق التحرير والتغيير..‏

يتضمّن مفهوم المقاومة إذاً مفهوم التحرير الذي يتضمّن فكرة التغيير.‏

ويتحوّل مفهوم المقاومة في الإنتاج الإبداعي والثقافيّ إلى إحدى القيم الإنسانية المطلقة، وبخاصّة في منطقة عربيّة يحاول تاريخها المعاصر أن ينجز ارتباطه وتفاعله مع قيم الهويّة والحداثة والحريّة..‏

وسيعزّز مفهوم المقاومة مفهوم هويّة قابلة للإنجاز، ويستمر إنجازها، لتعزز، بدورها، مفهوم حداثة قيد الإنجاز في الأدب والنقد، وبخاصة بعد مقاومة وطنيّة وقومية صاحبت الاجتياح الإسرائيلي لأرض لبنان وتلته، وبعد هجرات للعمل الفلسطيني انتهت إلى اتفاقية واتفاقيات لم تستطع أن تلغي افتتاح دروس "الانتفاضة" من قبل، أو من بعد!‏

نفترض إذاً أن مفهوم المقاومة ليس مفهوماً مؤقتاً أو طارئاً، بل هو جزء من مفهوم هويّة تعمل على إنجازه، ويمكن أن ينجز، وقد تعامل معه الإنتاج الإبداعي والثقافيّ العربيّ المعاصر كمدخل إلى وعي اللحظة الذاتيّة بعامّة ويلاحظ في هذا الإنتاج تضادّه مع أشكال الهيمنة الخارجيّة بالإضافة إلى تضادّه مع أشكال التأخر العربيّ، أكان قليله أو كثيره ردود فعل على أحداث ووقائع، أم كان قليله أو كثيره دعاوة لفضيلة المقاومة أو إعلاناً عن قيمة إنسانية حديثة وعادلة، أو إعلاماً يحتفي بمرحلة جديدة في حياة الجماعة والأمّة.‏

سنفترض أيضاً أن للمؤسسة الثقافية العربيّة علاقة مّا بالمقاومة وبأدب المقاومة. وقد يعبّر وضعها الراهن عنها بأشكال يتوقّع منها الاحتفاء بفكرة المقاومة وبالعمل المقاوم وإشاعة قيمة المقاومة كإحدى القيم الكبرى..‏

وقد نستطيع أن نذكر أكثر من مثال احتفائي بالمقاومة!‏

أصدر (المجلس الثقافيّ للبنان الجنوبيّ) كتاب (المقاومة في التعبير الأدبيّ) وشارك فيه أكثر من أربعين كاتباً لبنانياً، واقتصر الاختيار على كتابات اللبنانيين دون غيرهم من الأدباء العرب، لعل الناشر يوفق إلى إصدار كتاب آخر يكون وقفاً على المختار من الكتابات العربية..‏

وترى مقدّمة الكتاب أن جذور أدبنا المقاوم تمتدّ عميقاً في تاريخ الأدب العربيّ القديم والحديث.. فكم من إبداع أدبيّ سابق على المقاومة.. بل إنّ كل عمل فني ناجح هو أيضاً عمليّة مقاومة، وإن كانت سمعة الأدب المقاوم في العالم أنّه "أدب مباشر" ..(2)‏

وتضمّن مجلّد (المقاومة في الأدب) الذي أصدره اتحاد الكتّاب العرب في القطر العربيّ السوريّ اثنتين وخمسين مقالة وثلاثاً وثلاثين قصيدة وعشرين قصة من تأليف كتّاب سوريين..‏

وتتوقع مقدّمته أن يقدّم إسهاماً في أدب المقاومة من قبل كتّاب (واكبوا ذلك الجهد السامي الذي يقدّمه أبطال المقاومة اللبنانيّة في جنوب لبنان(...) وهي مختارات من ذلك الإنتاج الذي كتب (...) ليكون ناراً ونوراً.. ناراً تحرق الفساد الذي يصيب الضمائر.. ونوراً يهدي إلى طريق الشهادة، ويضيء صرحها الشامخ في أرضنا العربيّة.. الخ(3).‏

ويقدّم بعضهم إنتاجاً يحتوي على صور من أدب المعتقل‏

ومعسكراته ومعتقل النساء بالإضافة إلى (نفحات أدبيّة خطّها بعض المقاومين والمعتقلين...).. الخ(4).‏

يتفاعل مفهوم المقاومة في الأدب مع مفهوم الثقافة المقاومة.‏

وتعني الثقافة المقاومة عند د. مسعود ضاهر - على سبيل المثال -ثقافة المواجهة، أي ثقافة التغيير التي تتضمّن المواجهة بالتراث وبالحاضر وبالمستقبل. وهو يؤكد الحاجة إلى ثقافة التغيير الجذريّ، وإلى فكر ثقافيّ عربيّ وحدويّ جديد، وإلى أنتلجنسيا عربيّة طليعيّة، وإلى الإبداع المقاوم. ويرى في المجابهة الثقافيّة داخل الأرض المحتلة توكيداً للهويّة الفلسطينيّة وتحدّياً للعنصريّة الصهيونيّة ومجابهة للتحديّات في تهويد القدس والتمسّك بالأرض طريقاً للانتصار.. الخ(5).‏

المقاومة الثقافية إذا جزء من المقاومة القوميّة. ولا بد للخطاب العربيّ أن يمارس فعله الثقافي لإنجاز التحدّي الحضاريّ في مواجهة التحدّي العنصريّ الصهيونيّ الإمبريالي..‏

وليست المقاومة في الأدب سوى حركة من حركات المقاومة الثقافية التي تسبق الفعل المقاوم، وتصاحبه، وتليه..‏

وهل الكتابة المقاومة سوى مدخل إلى وعي مقاوم؟‏

أليست الكتابة المقاومة هي الكتابة المضادة والبديلة؟‏

وهل النزعة القوميّة في الأدب العربيّ سوى نزعة مقاومة، تهدف إلى تأسيس كتابة مغايرة ومختلفة، وتنتمي إلى سؤال أمّة تحاول تحقيق ذاتيتها واستقلاليتها وحداثتها في العالم..‏

يشكّل الموضوع العربيّ، بظواهره ووقائعه وتحوّلاته وتطوّراته، محور الإنتاج الأدبي العربيّ الحديث والمعاصر. وقد تجلّى فيه (معنى) المقاومة أو أضمر على هذا النحو أو ذاك. ولهذا المعنى مضاعفاته ودلالاته وإشاراته ورموزه في الإنتاج الإبداعيّ والنقديّ منذ أعمال الباردوي واليازجي والبستاني والشدياق وشوقي وحافظ إبراهيم والجواهري وجرجي زيدان وفرح أنطون وطه حسين وتوفيق الحكيم وغيرهم كثير، وحتى أعمال نجيب محفوظ وأبو ريشة وسليمان العيسى ومحمود درويش وخليل حاوي وعبد الرحمن منيف وسعد الله ونوس وغيرهم كثير أيضاً...(6).‏

وقد كانت هذه الأعمال، بعضها أو كلّها، موضوع درسٍ كثير. وسيكون بعضها، أو كلّها وغيرها، موضوع درس كثير أيضاً!‏

وربّما كان موضوع المقاومة الذي هو الموضوع القوميّ العربيّ أحد الدروس الكبرى التي يستطيع البحث أو النقد أن يتأمله، ويحلّله فيها..‏

ويستطيع البحث أو النقد أيضاً أن يؤرخ لهذا المنبر أو لتلك الدوريّة بمتطلّبات حركة أدبيّة عربيّة تهدف إلى أن تكون مقاومة. وقد علل بعضهم، مع مطالع مشروع نهضة عربية ثانية، الحاجة إلى أدب ملتزم، يحمل رسالة قومية مثلى، وينبع من حاجة المجتمع العربيّ، ويصبّ فيه!(7).‏

إن الموضوع العربيّ القوميّ ، والموضوع الفلسطيني جزء منه، هو موضوع المقاومة الذي تحاول فيه الأمّة وعيها بذاتها، وتقارب عنوانات تحرّر وتحرير وتغيّر وتغيير وتمدّن ومدنيّة وحضارة وهوّية ومجتمع وحداثة، وتعمل على "بعث" كتابة التراث لغةً وطريقة تعبير وتفكير، بالقدر الذي تعمل فيه على "تأسيس" كتابة مختلفة ومغايرة وحديثة ترى في سؤال الحداثة سؤال هويّة يفترض مجابهة أشكال هيمنة خارجيّة ومواجهة وشروط تأخر داخلية!‏

هكذا اقترحت الدعوة إلى كتابة حديثة فعلاً حديثاً منذ بدايات مشروع النهضة العربيّة الأولى وحتى نهاية مشروع النهضة العربيّة الثانية، وهما المشروعان اللذان لم يسقطا بفعل هيمنة غربيّة وغربية صهيونية فحسب، بل كانت أوضاع التأخر العربي وشروطه مدخلاً إلى هذا السقوط أيضاً.‏

وربّما كانت الكتابة العربية المختلفة الآن تعبّر عن مجابهة هيمنة الغرب الإمبريالية الحديثة التي تصاحبها هيمنة صهيونية حديثة أيضاً. وهي كتابة تتفاعل مع فعل مقاوم وسلوك مقاوم، يعبران عن انتماء إلى هويّة تنجز حداثتها!‏

وإذا كان الفعل المقاوم في هذا المكان العربي أو ذاك يعيد النظر في مشروع نهضة أولى وثانية، فإنه يستعين بمشروع وعي مقاوم ومعاصر، يستعيد سؤال مشروعه النهضوي القوميّ العربيّ، ويعيد إنتاجه، وتشارك في إنتاج هذا الوعي المقاوم إنتاجات أدبية ونقديّة متنوّعة ومختلفة، ما تزال تقترح مراجعاتها، وتستمر في إنجازها.‏

ولا شكّ في أن الكتابة تنتمي إلى واقع مّا، تعبّر عنه، وتطوّر فرضياتها الفنيّة تبعاً لتغيراته، وتقدّم أنموذجها الراهن واللاحق اللذين قد يتميّزان من أنموذج سابق، ما دامت تحمل قراءة مختلفة لأزمة فعل عربيّ هي جزء من أزمة هيمنة وتأخر، وما دامت تتوقّع أن تشكل بالإضافة إلى عوامل أخرى فضاء إنسانيّاً يستطيع أن يعزّز التفكير الحرّ والتعبير الحرّ...‏

قد يكون التبدّل في أنموذج الكتابة بطيئاً أو مفاجئاً أو انتقالياً. وقد يردّد طرائق تعبير سالفة إلى هذا الحدّ أو ذاك، ما دامت اللغة لا ينتجها واقع راهن فحسب، بل تنتمي إلى تراث، بعض نصوصه القديمة، والنصوص التي تستعين بها، وتنطلق منها، ما زالت تثير اهتمام جيوب من الجماعة القوميّة أو النخبة القوميّة!‏

ولن يستطيع أحدّ أن يدّعي أنه يمارس لعبة السّرد خيراً من الجاحظ أو التوحيدي ولعبة الشعر خيراً من المتنبيّ أو المعريّ. ولا نستطيع أن نتجاهل روح المقاومة والتحدّي والتضاد في نصوص تراثية بعيدة أو قريبة..‏

وليس ثمة إمكانية للقطيعة مع تراث هو جزء من مشروع هويّة يحاول أن يمتلك حداثته!‏

إن الفعل المقاوم لا يعني مجابهة هيمنة خارجية فحسب، بل يفترض أن ينتمي إلى تراث يمتلكه، وتحاول كتابةٌ مقاومة امتلاكه، وإعادة إنتاجه على نحو حديث. وقد تستطيع مؤسّسة عربية حديثة أن تمتلك إرادة ثقافيّة توجّه إنتاجاتها بدلاً من إشاعة رطانات مبهمة ورغبات فارغة ورهانات غير هادفة!‏

وسيبقى الفعل المقاوم على علاقة حيّة بذاكرة تاريخيّة هي ذاكرة رموز ورموز ذاكرة تعمل على تشكيلها كتابة حديثة تلبّي حاجة روحيّة، وتوفّر متعة فنيّة أيضاً، دون أن يتجاهل الفعل المقاوم أو الكتابة المقاومة أسئلة واقع تاريخيّ عربي معاصر ومغاير، ويحاول أن يكون جزءاً من تاريخ العالم...‏

هكذا تشارك الكتابةُ المقاومة الفعل المقاوم في البحث عن الذات، وفي تشكيل الوعي باللحظة الذاتية من داخل مرحلة تاريخية، تعصف وقائعها بالوعي العربيّ والوجدان العربيّ.‏

وإذا كانت الكتابة بعامة، والكتابة المقاومة بخاصّة، عملاً إشكالياً، فإن الفعل المقاومة فعل إشكاليّ، ما دام يهدف إلى خلخلة تاريخ واقعيّ من علاقات هيمنة وتأخّر!‏

قد يتوقّف الفعل المقاوم قليلاً، أو ينقطع، أو يضمر. ولكن "روح" المقاومة تبقى مستمرّة وشاملة، بمعنى ما، مضمرة ومعلنة..‏

وقد تنشغل الكتابة المقاومة بمعاناة فرديّة أو ذاتيّة إلى هذا الحد أو ذاك. ولكنّ هذه المعاناة الفرديّة تشف بشكل ما عن معاناة الجماعة!‏

وتبقى "ظاهرة" المقاومة في الكتابة مستمرة وشاملة، من حيث علاقاتها بالوقائع أو بأشكال تعبيرها المحتملة..‏

فهل تتوقّع المراجعة النقديّة من الفعل المقاوم أن يشتغل على ذاته كمشروع قومّي نهضويّ وحضاريّ؟‏

المقاومة في الكتابة العربيّة المعاصرة إذاً بنية من بنى المقاومة الثقافية والحضاريّة بعامّة. وقد تسبق "ظاهرة" المقاومة في العمل الأدبيّ أو الثقافي الفعل المقاوم، أو تصاحبه، أو تلبيه. وقد تكون بسيطة أو مركّبة، مضمرة أو صريحة، إعلاميّة أو مؤسسة، هجائية أو تبجيليّة، مباشرة أو غير مباشرة. وقد يشيع فيها تجريب أو تغريب. ولكنها تشارك الفعل المقاوم في مجابهة هيمنة وتأخر، ما دامت تنتمي إلى مشروعها القومي العربي، الذي هو مشروع مقاومة أولاً!‏

وهل التاريخ العربيّ الحديث والمعاصر سوى تاريخ مقاومة أو مقاومات؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244