النـَّقــد والخطاب محاولة قراءةٍ في مراجعةٍ نقديّة عربيّةٍ معاصرة - مصطفى خضر

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - دمشق -2001

Updated: Saturday, September 20, 2003 11:40 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ملحق 3 :الانتفاضــةُ وإِنْتــاج المَعْــنى

ليست انتفاضة ((الأقصى)) انتفاضةً أولى. ولن تكون انتفاضةً أخيرة، فهي جزء من تاريخ مأساة عربيّة واقعيّة، حديثةٍ ومعاصرة؛ تحاول جماعته القوميّة قوى ونخباً وأفراداً أن تنجز مشروعها النهضويّ العربيّ القوميّ الذي لا تستطيع إلاّ أن تحلم به، وقد اضطهدت، وهُمّشت من داخل ومن خارج!‏

وليست أجزاء ((ديوان)) الطفل الشهيد ((محمّد الدّرة)) الذي يستمرّ إنتاجه، وتكتب صفحاته سوى فصل من موسوعة انتفاضة عربيّة كبرى قيد الإنجاز...‏

إن انتفاضة ((الأقصى)) في عام 2000م تستعيد ذاكرة الانطلاقة العربيّة الفلسطينيّة ضد الاستيطان الصهيونيّ والاستعمار البريطانيّ في عام 1920. وتتفاعل دلالاتها مع ثورة ((البراق)) في 5 آب 1929، وتستخلص قيم ثورة ((عزّ الدين القسام)) التي انطلقت في 19/11/1935 وشعائر ((الثورة الفلسطينية الكبرى)) في أيار 1936 وتقاليد ((الإضراب الكبير)) من نيسان إلى تشرين الأول 1939 ومواجهات 1937-1939. والتاريخ فعل وذاكرة وكلمة!‏

ينتجه آدميّون واقعيّون، وينتجهم!‏

ولا تاريخ للموضوع الفلسطيني من خارج موضوعه العربيّ!‏

ولعل المشروع العربيّ الإبداعيّ: السرديّ والشعريّ أعلن انتماءه إلى المقاومة الجذريّة قبل إعلان الكفاح المسلح في عام 1964. وقدّم تجلّياته حول علاقته بالأرض العربيّة قبل يوم الأرض في 30 آذار 1976 وبعده، وقد مهّد لوعي الانتفاضة الشعبيّة في 21/12/1987. وعكس ((أحزان)) مجزرة الأقصى في 18/10/1990. واحتفى بإشارات انتفاضة 1996.‏

وما يزال ((بياض)) الصحافة الثقافيّة العربيّة يحتشد بإنتاج. ((إبداعيّ)) يدوّن ظاهرة الانتفاضة، فيسجّل وقائعها، ويستكشف مظاهرها، ويحتفل بمواقفها، ويمتدح قيمها، ويعلن رموزها، وإن اختلفت مستويات هذا ((الإنتاج)) الفنيّة، وتنوّعت رؤاه الفكرية.‏

يستمرّ المكان العربيّ الفلسطينيّ في صياغة ((مفهوم)) الانتفاضة الذي اقترحته طريقة أبناء فلسطين أطفالاً وفتياناً في مجابهة أسلحة الصهيونية العنصريّة الحديثة!‏

ولعلّ هذا المفهوم يفترض وعياً ذكيّاً وباهراً وحديثاً بمأساةٍ عربية هي جزء من حياة العرب الحديثة والمعاصرة. وهو يفترض، أيضاً، سلوكاً مختلفاً في البحث عن ((المعنى)) وإنتاجه..‏

وقد حاول المشروع السرديّ والشعريّ اكتناه هذا المعنى واختباره، ويحاوله!‏

وربّما كانت ((الظاهرة الاستشهاديّة)) من عناصره الأولى!‏

فماذا يعني أن يواجه جسدٌ عربيٌّ طفلٌ، برقّته وشفافيته وهشاشته، السلاح الإسرائيلي العنصريّ ((الحديث))!‏

وأيّ قهر واضطهاد وتهميش تحمله ((ذات)) من يمتلك هذا الجسد؟‏

يختبر الجسد العربيّ الطفل علاقةً جديدةً في مقاومة ((السيّد)) العنصريّ وآلته العسكريّة، ويكسر علاقاته قديمة وجديدة...‏

هكذا استطاعت الانتفاضة أن تهشّم ((سلطة)) الإسرائيلي الصهيونيّ. وهشّمت علاقاتٍ تراتبيّة تعكس سلطة ((الكبار)) و((الراشدين)) وسلطة ((قوى)) عربية تتآكل و ((شبكة)) نظام عربي ضعيف ومتأخّر..‏

ألم يكتشف طفلٌ عربيّ أنّ الشهادة هي طريقة في التفكير، وأن التفكير طريقة في التحرير، وأن التحرير يبتدئ بالتحرّر من الجسد، وتحريره، وامتلاك معناه!‏

تدرك بعض أنموذجات شعريّة وسرديّة مهمّتها في إعادة إنتاج المعنى الذي يقترحه ((طفل)) الانتفاضة، وتشتغل على متخيّل يعزّز العلاقة بين الحلم والسياسة، ويتخطّى ((الزيف)) الدنيويّ، ويعيد الاعتبار إلى المبادرة الذاتيّة التي تلغيها سياسات ((نظام)) عربيّ ورهاناته، بعد أن فقد إرادته، واستجاب لشروط ذاتيّة وموضوعيّة تحاصره من داخل ومن خارج!‏

فهل تقترح الانتفاضة على عمل سرديّ وشعريّ عربيّ طرائق جديدةً في امتلاك المعنى، بعد أن دفعت بالمناخ الثقافيّ الإبداعيّ والنقديّ إلى منطقةٍ جديدة في التفكير الحرّ وتحرير التعبير..‏

إن الانتفاضة التي تتجاوز أساليب الصراع التقليديّة تحرّض على أساليب تعبير مختلفة أيضاً، وهي تؤسّس لوجود ذات إنسانيّة حرّة تمثّل الخيّر الجذري في مواجهة الشرّ الجذريّ بمعنى ما!‏

يستعين العمل السرديّ والشعريّ الآن بخطابه السابق القديم والجديد. ويستعيد رموزاً تاريخيّة مختلفة، ويستفيد من ((أشكال)) قديمة وجديدة وانتقاليّة، ويوظّف ((أشكالاً)) تجريبيّة هي قيد الاختبار، ويجاهد في اختبار المعنى المختلف، لعله ينجز مشروعه المختلف!‏

ولكن ((الانتفاضة)) ما زالت في بعض أنموذجاته الناجحة وغير الناجحة ((موضوعاً)) أو ((مناسبة)) يعبّر من خلالهما عن رؤية قوميّة إيجابية أو موقف قوميّ إيجابيّ..‏

تتطابق ((شعرية)) الانتفاضة التي تكتب الآن مع ذاكرة شعريةٍ جاهزةٍ في تمرينات وأعمالٍ شعريّة كثيرة. وتنحاز ((سرديّة)) الانتفاضة أيضاً إلى وعي سابق يشبه وعياً تقدّمه وسائل إعلام مستملكة!‏

ولكن! أليست الانتفاضة مشروعاً؟‏

وهل المعنى الشعريّ والسرديّ الذي يصاحب الانتفاضة سوى مشروع أيضاً يتطلّب ((فعلاً)) أكثر. ويفترض معاناةً ومجاهدةً وتأمّلاً، ليعيد إنتاج المعنى المختلف الذي تنتجه الانتفاضة!‏

أليس هذا المعنى هو المعنى النقيض للمشروع الصهيوني العنصريّ، ولنظام التأخّر العربيّ من حيث السلوك، لا الكلام فحسب!‏

إنّه معنى يجسّد ((أخلاقيات)) مختلفةً هي اختلاقيات الانتفاضة التي يتحوّل فيها الإنسان العربيّ الفلسطينيّ إلى ((فرد)) حقيقيّ، وإلى ((ذات)) حقيقيةّ؛ كأنّه سلاحٌ ماديّ ورمزيّ تلهمه قضيّة الحق بعامة، ويتطابق عبره الفكر مع السلوك، وقد ارتقى الفكر والسلوك إلى فكر وسلوك استشهاديين!‏

وهل الشهادة، التي هي اختيار الموت من أجل المعنى، سوى إحدى أخلاقيّات الانتفاضة؟‏

ولعلّ التاريخ في بعض وقائعه وتجلّياته هو إنتاج للمعنى؟‏

فهل يبتدئ ((طفل)) الانتفاضة في إنتاج تاريخه العربيّ المعاصر، وفي إنتاج معناه الإنسانيّ؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244