علم الدلالـة أصوله ومباحثه في التراث العربي - منقور عبد الجليل

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 10:37 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الباب الأول :مدخل نظري لعلم الدلالة مــدخل عام

إن الإسهامات اللغوية لأسلافنا المفكرين في التراث العربي، لم ينل البحث فيها ما يستحقه من عناية واهتمام، فما زالت مجالات كثيرة في التراث العربي اللغوي بكراً تحتاج إلى نظرة لغوية علمية واعية وإن وجدت هناك أبحاث لغوية ذات قيمة إلا أنها محمولة على الرصيد المعرفي للتراث العربي، وتجتر عطاءً معرفياً لأسلافنا الباحثين، ولم يخرج جهدها إذ ذاك من عملية نقل أو تصنيف دون أن يكون لروح العصر الحديث لمسات على هذا التراث ليبعث فيه التجديد. وفي غمرة الصراع بين دعاة الأصالة وأنصار المعاصرة يضيع البحث اللغوي، ويتجرد من كل خلفية علمية حضارية، فإذا نظرنا إلى المعوَّل عليه عند دعاة الأصالة، فإنه لا يعدو أن يكون جرداً سلبياً رتيباً دون أدنى جهد لخرق تلك الرتابة والولوج داخل التراث المعرفي لبحث بنيته الداخلية لكي يسهم في تحقيق النظرية اللسانية العامة، أما فئة أنصار المعاصرة فإنها أقحمت المعطيات اللسانية الغربية في دراستها للظواهر اللغوية العربية، دون أدنى اعتبار لأصالة وخصوصيات الفكر واللسان العربيين وهذا الخلل المنهجي أحدث قطيعة معرفية بين التراث العربي والاحتياجات العلمية اللغوية للإنسان المعاصر، وكان وراء التخلف في مجال البحث العلمي اللغوي المعاصر عند الدارسين العرب، بينما إذا نظرنا- على سبيل المقارنة- إلى الفكر اللغوي الغربي فإننا لا نلمس تلك القطيعة المعرفية بين تراثه العلمي واللساني، ومتطلبات العصر اللغوية ولذلك جاءت أبحاث الدارسين في الغرب، امتداداً لجهود أسلافهم اللغويين وكانت نظرياتهم تتويجاً لتراكمات معرفية في تراثهم التاريخي.‏

إذا أردنا أن نؤسس فكراً عربياً معاصراً في مجال البحث اللغوي، فإننا ملزمون ضرورة بالقيام بعملية جرد للفكر اللغوي لتراثنا العربي، وتمحيصه وتحديد مجالاته وفرز عطاءاته الإيجابية وسقطاته على مستوى الأسس المعرفية في الموضوع والمنهج، وهذا لا يتم إلا بعودة تقويمية حضارية إلى الفكر العربي بشكل عام، والفكر اللغوي بشكل خاص، وتتم هذه العودة عبر تتبع المسار التطوري للدرس اللغوي عند العرب الأقدمين والبحث عن الأسس المعرفية والفلسفية التي انبنى عليها التراث الفكري العربي، وذلك بربطه بالعلوم الإنسانية المختلفة، فنحفظ أصالة تراثنا المعرفي ونقف على المنهج الفكري الذي كان يشرف على تأطير الأبحاث والدراسات في هذا التراث، وبذلك يتحقق مشروع النظرية اللسانية العربية المعاصرة، ويظهر منهجها في مجال العطاء الفكري الإنساني، وبالتالي تكون شرعية النشأة على المستوى المعرفي. هذا المشروع اللساني العربي لا يستقيم له أمر إلا إذا أخذنا بما حققته النظريات اللسانية الغربية، واستوعبنا مادتها استيعاباً واعياً، وحاولنا تكييف هذه النظريات مع خصوصيات اللسان العربي في المجالات المختلفة، وأجرينا إسقاطات منهجية على التراث اللغوي العربي بعد تقويمه وتمحيصه من أجل بعثه بعثاً جديداً وإعادة صياغته صياغة تدفعه لمواكبة التطور الحضاري للمجتمع البشري، مع ضرورة الأخذ بالمناخ الفكري الذي ساد نشأة وترعرع الفكر اللغوي العربي، "لأن فهم المنهج العربي في أي علم من العلوم العربية التراثية ينبغي أن يلتمس من داخل الحياة العقلية العربية ومن خلال المناخ العقلي العام الذي نشأ وتطور وتأصل في ظل القرآن، فمن المعلوم أن المفكرين المسلمين بدأوا بما هو عملي قبل أن يصلوا إلى وضع "منهج نظري" لكل فرع من فروع البحث، وكانت- مثلاً- قراءة القرآن عن طريق التلقي والعرض أسبق من وضع كتب تحدد منهج القراءات…"(1). فإذا تحققت هذه العملية في إطارها العلمي المنهجي ستؤدي حتماً إلى تفكير لساني حديث تتمخض عنه نظرية لسانية عربية قادرة على تقديم التفسير الكافي لكل مستويات الدراسة اللغوية الصوتية والتركيبية والدلالية، بهذه الطريقة نربط الفكر اللغوي العربي القديم بالفكر اللساني العالمي الحديث، لأن التحول العلمي للنظرية اللسانية في العصر الحديث أضحى يتوخى الشمولية في التعامل العلمي مع الظاهرة اللغوية، بوصفها طبيعية إنسانية. قد تغطي اهتمامات الإنسان المعاصر، إذ لم تعد تعترف بالحدود المعرفية مع انتقال العالم اللساني إلى بحث اللسان البشري بحثاً موضوعياً متخذاً اللغة الإنسانية مادة للتطبيق باعتبارها تخضع لنواميس متجانسة تسمح بوضع منهج لساني عام يشمل كل اللغات، وبمثل هذا التعامل الواعي نحمي تراثنا اللغوي بأن ننفخ فيه من روح العصرنة والحداثة فينبعث ليساير التطور الإنساني في كل مجالات الفكر العلمي، ونعيد الصلة التي انبتّت بين تطلعاتنا الفكرية اللغوية المعاصرة، والجهود النظرية المنهجية التي أغنى بها أسلافنا تراثنا المعرفي.‏

وفي هذا المجال النظري البين المعالم يندرج هذا البحث كخطوة مرحلية نحو معاينة لعطاءات التراث العربي في حقل اللغة، مستحضراً الاهتمام في إسهامات عالم من علماء أصول الفقه، وربما كان ارتباط علم الدلالة- موضوع بحثنا النظري- بعلم أصول الفقه، أقوى من ارتباطه بأي علم آخر من العلوم، ذلك أن علماء الأصول قدموا نماذج متقدمة جداً في تعاملهم مع اللغة كمنظومة من العلامات اللسانية الدالة تخضع في حركيتها الخطابية إلى نواميس متحكمة في أداء وظائفها الدلالية، وساهموا منذ أوّل الآماد المبكرة في معالجة مشكلات لغوية، وما أضفى على نتاجهم المعرفي طابع الدقة والموضوعية هو اتخاذهم القرآن الكريم منطلقاً لاستنباط أحكامهم الفقهية العامة بالاستناد على الأحكام اللغوية التي من أظهر خصوصياتها الدلالة، وقد كان هؤلاء العلماء يحملون وعياً معرفياً أملى عليهم أن يتعاملوا مع القرآن الكريم باعتباره كتاب لغة محكمة يحمل شبكة من النواميس العميقة التي تتحكم في ضبط الدلالة بأدوات وقفوا عليها وحددوا على أساسها أحكاماً وقواعد أضحت فيما بعد مبادئ للتشريع. إذن، فالتناول الدلالي في التراث المعرفي العربي كان ضمن اهتمامات لغوية أخرى، امتزج البحث فيه بضروب معارف مختلفة من غير أن يحمل عنواناً مميزاً، له استقلال في موضوعاته ومعاييره الخاصة. فسعياً منا إلى تحقيق مقاربة علمية بين تراثنا الدلالي المتنوع، والمناهج الغربية الحديثة في ميدان علم السيمياء، حصرنا بحثنا في استنطاق بنية التراث اللغوي الدلالي، عند عالم أصولي يعد مفخرة القرن السادس الهجري بما توافر بين يديه من تراكم معرفي زاخر، أخرجه في كتابه الموسوم "بالإحكام في أصول الأحكام" هذا العالم هو سيف الدين الآمدي الذي نوه بعلمه المؤرخ ابن خلدون وذكره ضمن أربعة علماء متقدمين في علم أصول الفقه..‏

إن منهجنا في عرض بنية التفكير الدلالي عند الآمدي يقوم على أساس تفكيكها، والاطلاع على أسسها العلمية، لنعيد تشكيلها تشكيلاً يحفظ لها طابعها المعرفي الأصيل برؤى تتطلع إلى استفادة تخدم العصر وتحرك فاعلية تلك الأصول التراثية الدلالية وتساعد على تنمية قدراتها في عصرنا، خاصة إذا علمنا أن علم الدلالة حديثاً يلقى من بالغ الاهتمام في عصرنا في كل أنحاء العالم، ما يجعله نقطة التقاء لأنواع من التفكير الإنساني يقول (ليش: Leach) (السيمانتيك نقطة التقاء لأنواع من التفكير والمناهج مثل الفلسفة وعلم النفس وعلم اللغة، وإن اختلفت اهتمامات كلٍّ لاختلاف نقطة البداية(2)."‏

يقع هذا البحث في بابين رئيسيين: باب نظري عام يضم ثلاثة فصول، حاولت أن أبسط فيها معالم الدرس الدلالي الحديث مستهلاً بالبحث عن نشأة علم الدلالة، منذ عهد الهنود الأوائل ثم اليونان فالرومان وصولاً إلى العصر الوسيط فعصر النهضة إلى أن أعلن (بريال) عن ميلاد علم جديد يعتني بدراسة المعنى اصطلح على تسميته "بالسيمانتيك سنة 1883م. ولم يفتني أن أعاين اهتمامات اللغويين والعلماء العرب القدامى بشأن الدلالة، معاينة سريعة ما دمت خصصت لذلك فصلاً كاملاً في الباب الثاني من البحث، كما اجتهدت أن أرسم إطاراً مفهومياً لماهية الدلالة انطلاقاً من قواميس اللغة، وورودها في القرآن الكريم، وأقوال بعض العلماء العرب القدامى وبعض علماء الدلالة المحدثين من الغرب، وقدمت أهم المباحث التي تشكل موضوعات علم الدلالة الحديث، وختمت ذلك بفصل عرضت فيه لمختلف النظريات الدلالية التي أسست الفكر الدلالي الحديث.‏

أما الباب الثاني فهو باب تطبيقي، استهللته بتلخيص للمناخ المعرفي العام الذي وفّر- بدون شك- للآمدي، الجو المناسب لكي يؤسس أفكاره الدلالية في كتابه "الإحكام"، واهتديت إلى أن أمثل لكل قرن معرفي تقريباً بعالم تكون لعطاءاته العلمية أكبر الأثر في عصره، وما بعد عصره، وبدأت ذلك من القرن الثاني الهجري إلى القرن الخامس الهجري.‏

هذا كان في الفصل الأول أما الفصول، الثاني، الثالث والرابع، فقد عرضت فيهم ما تناوله الآمدي من مسائل تخص الدلالة محاولاً أن أبرز جهوده في ضوء ما خلصت إليه البحوث الدلالية الحديثة، وذلك خدمة للأهداف التي أومأنا إليها في المدخل، ولا أدعي أني أتيت على تحقيق تلك الأهداف كلها، فحسبي إثارتي لمسائل لا زالت لم تمتد إليها اهتمامات الباحثين المعاصرين امتداداً ترتد على إثره تلك المسائل، حية فاعلة في التفكير اللساني الحديث، مع اعتقادي أن الدرس اللغوي بمختلف فروعه هو عند غير اللغويين من علمائنا أغزر وأدق مما هو عند اللغويين في تراثنا المعرفي، وهذا ما يشجع- حقيقة- على استثمار جهود أولئك العلماء فيما يخص إرساء نظرية لغوية شاملة..‏

إن مسالك البحث في التراث المعرفي تكتنفها الوعور الصعبة، التي لا تقطعها دون أن تنال منك نيلاً يتبدى- دون شك- في مباحثك. فهناك تعترضك اللغة وهي في كامل عنفوانها ونضجها وسلطتها، لغة تنفق معها- ضرورة- صبراً كبيراً لتصل إلى فك شبكتها والولوج إلى نصوصها، وهذا ما عايشته مع لغة الآمدي المنطقية، العلمية، فضلاً على ذلك فإن الرجوع إلى المصادر التي أفاد منها العالم أو التي ذللت مضان كتابه أمر لا غنى عنه، خاصة وأن الآمدي مزج في كتابه "الإحكام" بين علوم العربية وعلم المنطق وعلم أصول الفقه.‏

ولا يفوتني أن أشيد بصنيع جميع أساتذة معهد الأدب- بوهران- معي فلم يدخروا نصحاً أو ملاحظة دون أن يبدو لي بها، وأخص بالتنويه منهم أستاذي المحترم سليمان عشراتي الذي صاحبني مع نشأة بحثي مرحلة مرحلة، ولطالما كنت محتاجاً إلى دفع معنوي فكان يحثني على المضي قدماً في أطوار بحثي، وإني مدين كذلك للأستاذ المحترم أحمد حساني الذي لقيت عنده كل التشجيع، وكانت لملاحظاته القيمة أكبر الأثر في تدرجي في البحث، وكنت آخذ من وقته القسط الكبير ليشرف على مراجعة ما كنت أدونه من فصول… فلأساتذتي جميعاً مني الشكر والامتنان… والله ولي التوفيق…‏

(1) د.علي سامي النشار- مناهج البحث عند مفكري الإسلام، ص31.‏

(2) Semantics، ص9.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244