|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 10:37 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثاني: مباحث علم الدلالة الحديث تمهـــيد: إن المجال الذي يندرج في إطاره البحث الدلالي، يمكن حصره في دراسة طرفي الفعل الدلالي- الدال والمدلول- وما يتفرع عن ذلك من أبحاث تخص الدال من جهة والمدلول من جهة أخرى والعلاقة التي تجمع بينهما، وبناء على هذه الدراسة حدد موضوع علم الدلالة الذي يضم مباحث لغوية مختلفة ومتباينة لكنها مترابطة ومتكاملة، فبحث موضوع اللغة من جوانب مختلفة، كما تناول الدلاليون مسألة التطور الدلالي فدرسوا أشكاله وأسبابه، ونشأت عن مبحث علاقة الدال بالمدلول مواضيع أخرى كموضوع أنواع الدلالة وأقسامها ومبحث الحقول الدلالية وما توصل إليه اللغويون في هذا المجال من نظريات وآراء علمية، كما برز موضوع المجاز بمفهومه العام وعلاقته بالتعبير الدلالي، وفي هذا السياق سنحدد مباحث علم الدلالة في العصر الحديث لنشاكل بها المباحث الدلالية التي تناولها الأمدي في مجال الدرس الأصولي وهذا من أجل مقاربة علمية بين جانب من مباحث التراث المعرفي والمضامين الدلالية الحديثة لأن المنهج المتوخى في المعارف اللغوية الحديثة يتراوح بين تقديم المضامين اللسانية والبحث عن الأصول الأولية لها من دعائم ذهنية،وضوابط منهجية، ومصادرات استدلالية واستثمارات نفعية.(1) . المبحث الأول: اللغة لقد بحث موضوع اللغة في بداية نشأة علم الدلالة وعلوم الألسنية بوجه عام، من الجانب التاريخي، حيث اتسع مجال البحث في نشأة اللغة، وهي مسألة شغلت اهتمام العلماء قديماً وحديثاً، أما في المرحلة الثانية فقد بحث موضوع اللغة بمنهج وصفي آني وهو منهج يأخذ دراسة اللغة من جانب بنيتها الداخلية باعتبار اللغة نظاماً من الرموز اللسانية أو مجموعة من الأصوات الدالة. كما تناول علماء الدلالة وظائف اللغة والنواميس الخفية التي تتحكم في نظام بنيتها وحركيتها(2) التي وسموها بالتعقيد. يظهر ذلك من اختلافهم في تعريفها. فيعرفها أحدهم بأنها نظام من الرموز والإشارات ويعرفها آخر بأنها مجموعة الأصوات الدالة أو أداة للفكر، بينما يحددها أنيس فريحة بقوله: "الواقع أن اللغة أكثر من مجموعة أصوات، وأكثر من أن تكون أداة للفكر أو تعبيراً عن عاطفة اللغة جزء من كياننا البسيكولوجي الروحي وهي عملية فيزيائية اجتماعية بسيكولوجية على غاية من التعقيد(3) . إن البحث في أصل اللغة من المسائل الفكرية الصعبة التي بقي معها فكر العلماء يدور في حلقة مفرغة، بحيث انقسمت آراؤهم حول تحديد نشأة اللغة، وبرزت في ثلاثة اتجاهات: اتجاه يذهب إلى أن اللغة توقيفية طبيعية، واتجاه يذهب إلى أن اللغة عرفية اصطلاحية واتجاه ثالث يجمع بين الرأيين. وكان جل العلماء اللغويين يأملون التوصل إلى تفسير شامل لهذه المسألة، ولكنه لم يتمكنوا من ذلك وأضحت أبحاثهم لا تقدم لمسألة نشأة اللغة أي حل مقنع قد يفتح المجال أمام جهود الباحثين في هذا الميدان، بل إن المسألة ازدادت تعقيداً، بكثرة الآراء والنظريات التي نشأت حولها مما حدا بالجمعية اللغوية الفرنسية la societe de linguistique) إلى إصدار قانون يمنع إلقاء محاضرات في موضوع نشأة اللغة. إن اعتماد النظريات اللغوية الحديثة على معطيات مبنية على الحدس والافتراض، هو الذي أبعدها من التوصل إلى نتائج علمية دقيقة، ولقيت بعض هذه النظريات اعترافاً علمياً، لأنها استندت في تعليلها لنشأة اللغة على معطيات لغوية ملموسة من ذلك نظرية bow waw) التي تذهب إلى أن أصل اللغة هو محاكاة لأصوات استقاها الإنسان من الطبيعة، تدعم رأيها بوجود ألفاظ مأخوذة من أصوات تصدرها عناصر من الطبيعة كالزقزقة والخرير، والحفيف، والخشخشة، والعواء، والمواء وما إلى ذلك، رأي مماثل تذهب إليه نظرية الأصوات التعجبية العاطفية، وتفيد أن الكلمات الأولى التي نطق بها الإنسان، كانت أصوات تعجبية عاطفية تعبر عن ألم أو دهشة أو فرح من تلك الكلمات "أف" وي "أنين" وغير ذلك(4) . إن المنهج الوصفي الآني، يرمي إلى تحليل البنية الداخلية للغة، وذلك باستنباط الشبكة التنظيمية التي تبدو كنواميس خفية تنتظم في إطارها اللغة. يرى جان بياجي أن اللغة مؤسسة اجتماعية تحكمها نواميس خفية مفروضة على الأفراد، تتناولها الأجيال بضرب من الحتمية التاريخية إذ كل ماضي اللغة –راهنا- إنما هو منقول عن أشكال سابقة، هي الأخرى منحدرة من أنماط أكثر بدائية، وهكذا إلى الأصل الأوحد أو الأصول الأولية المتعددة(5) . هذه القوانين الخفية التي تنتظم في إطارها اللغة، تعود إلى الأصول الأولية للغة الخطاب وهي تشكل النظام اللغوي، وبذلك سعى اللغويون وعلماء الدلالة بوجه خاص، إلى تفكيك بنية هذا النظام لاكتشاف اللغة اكتشافاً علمياً، قد يقدم تفسيراً مقبولاً لمشكلات لغوية، في عالم أصبح يعتمد على اللغة في الاتصال والإعلام في مستويات رفيعة وهامة يقول بيار جيرو: "إنّ اللغة نظام من الإشارات وهي تخدمنا في إيصال الأفكار واستدعاء صور مفاهيم الأشياء التي تكونت في أذهاننا إلى ذهن الآخرين(6) . إن الدرس الدلالي الحديث يهدف أساساً إلى التعرف على القوانين التي تشرف على النظام اللغوي، وذلك بتحليل نصوص لغوية بقصد ضبط المعاني المختلفة بأدوات محددة وفي هذا سعي إلى تنويع التراكيب اللغوية لأداء وظائف دلالية معينة، وهذا التنويع هو الذي يثري اللغة إثراء يحفظ أصول هذه اللغة ولا يكون حاجزاً أمام تطورها وتجددها، ويمكن في خضم هذا البحث على النواميس الخفية "خلق" نواميس لغوية جديدة لتشرف على النظام الكلامي والخطابي بين أفراد المجتمع الواحد، يقول عبد السلام المسدي شارحاً ذلك بتعريفه لدور النحوي: "أما النحوي – نعني فقيه اللغة بالاصطلاح المطرد- فمرامه أن يعي وجود اللسان من خلال وجود الكلام، ويأتي عالم اللسان ليكون همه الوعي باللغة عبر إدراك نواميس السلوك الكلامي(7) وأشارت البحوث الدلالية، في خضم بحثها في موضوع اللغة، إلى أن اكتساب التراكيب اللغوية يخضع إلى التلقائية والعفوية أثناء الحدث الكلامي، غير أن هذه التلقائية تحمل في جوهرها تلك القواعد التي تحدد للغة الخطاب والتواصل إطارها، ويتعرف المجتمع اللغوي على سننها ويتمرس في توظيفها، يوضح عبد السلام المسدي ذلك قائلاً: "إن الحدث الكلامي يكتسب تلقائياً عن طريق التحصيل بالأمومة، غير أن هذا الاكتساب الأمومي، سرعان ما يتحول إلى ضرب من الإدراك الخفي بقوانين تلك اللغة ذلك أن الظاهرة اللسانية من شروطها الأولية، أنها عقد جماعي يلتزم به الفرد ضمنياً بعد أن يحذق استخدام ما تنص عليه بنوده الصوتية والنحوية والمعجمية والدلالية"(8) . وإلى هذه السنن اللغوية ذاتها أشار نوام تشومسكي في سياق حديثه عن البنية السطحية والبنية العميقة للغة، محدداً مسألة الأداء الكلامي والكفاية اللغوية التي تتيح للفرد التوصل إلى نسج جمل كثيرة وجديدة، بواسطة ما يحمل ذهنه من قواعد وسنن لغوية. يشرح ريمون طحان هذه العملية اللغوية بكيفية مفصلة فيقول: "إن البنى السطحية نتيجة آلية وميكانيكية لبني كانت في الأعماق ودفعتها اللغة إلى السطح، ويبدو أن البنى العميقة هي أسس التفكير وهي التي تستوعب المفاهيم، وأن البنى السطحية تقوم فقط بصوغ المفهوم على شكل جملة أصولية، ويبدو أن هناك تماثل بين هياكل اللغة وهياكل الذهن، وتصبح البنى الفكرية الخفية، قوالب لغوية بارزة واللسان مرآة صادقة تعكس صورة الفكر"(9) . إن تعميق البحث العلمي في اللغة، مكن من تجاوز البنى السطحية لهذه اللغة إلى بنى عميقة تكشف عن الشبكة الداخلية التي تصنف الأداءات اللغوية وتستمر معها عملية التواصل والإبلاغ إذ، "ليس للساني من مهمة في خاتمة المطاف، سوى استنباط الشبكة التصنيفية التي تقوم عليها الظاهرة اللغوية مما يتيح له استطلاع مقومات الانتظام الداخلي عبر اكتشاف النواميس المحددة لبنية اللغة والمحركة لوظيفتها في آن معاً"(10) . إن اللغة تشكل مجموعة الخبرات اللغوية للمجتمع والتي تراكمت عبر مراحل التاريخ، وهي لهذا نظام كامل لا يمكن أن يوجد لدى فرد واحد. وقد عبر أفلاطون عن ذلك بقوله: "إن الإنسان لن يجرؤ على أن يعبر باللغة على كل ما يدور بخلده من أفكار وأشياء"(11) ولذلك تقف اللغة عاجزة عن الإلمام بكل ما يريد أن يفصح عنه الإنسان، من أفكار ومشاعر، ومع ذلك تبقى اللغة الأداة الأساسية للتعبير ولتمييز اللغة كنظام واستخدام الإنسان لهذا النظام قسم سوسير دراسة اللغة إلى قسمين: 1- دراسة جوهرية موضوعها اللغة المعنية التي هي اجتماعية في جوهرها ومتكاملة في نظامها. 2- دراسة تتناول الاستخدام الفردي للغة باعتباره تطبيقاً علمياً لنظام اللغة المتكامل الذي هو عبارة عن مجموعة من العلامات المختزنة في العقل الجمعي، ولا تنطق لأنها ليست فردية(12) . يشرح سوسير بكيفية مفصلة التقابل الذي تشكله اللغة بنظامها، والأداء الفردي لهذا النظام مشبها اللغة بالقاموس الذي توجد فيه الكلمات صامتة غير منطوقة، صالحة للنطق والاستعمال، وإنما يستخرج منه الفرد بحسب الحاجة إليها وبحسب الاختيار وهي القاسم المشترك بين أفراد المجتمع اللغوي وتوجد في حاصل جمع عقولهم جميعاً وإذا استطعنا أن نستخرج الصور الكلامية المختزنة في عقول جميع الأفراد في مجتمع لغوي واحد، فإننا سنلمس تلك الرابطة الاجتماعية التي تربطهم جميعاً وهي ما يسمى "باللغة المعينة" وهي لا تمكن أن تكون كاملة في ذهن أي فرد بعينه، بل لا تكتمل إلا في الوعي الجمعي وتمثلها هذه المعادلة الحسابية: (13) 1+1+1+1+1=1 وما يلاحظ على المناهج التي تناولت اللغة كمادة للبحث، أنها تختلف من مرحلة لأخرى لاختلاف النمط الفكري والعلمي السائدين في العصر، فيمكن أن نذكر المنهج السلوكي، الذي يعتبر اللغة مجموعة عادات صوتية يكيفها حافز البيئة، ويفترض أصحاب هذا المنهج حصول الاستجابة الكلامية للحافز على نحو شبيه في الواقع إلى حد كبير بما يحصل عند الحيوان. وهناك المنهج العقلي المستمد أساساً من فلسفة ديكارت، وينظر هذا المنهج إلى الأداء الكلامي، كونه يخفي وراءه معرفة ضمنية بقواعد معينة، ويحرص العقلانيون على تبيان السنن القاعدية في النظام اللغوي، بغية التوصل إلى إدراك الآلية العقلية المحركة لعمل اللغة(14) . هذا التناول اللغوي الموسوم بالتحليل العميق لبنية اللغة الداخلية، يبين المدى الذين توصلت إليه الدراسات اللسانية والدلالية في العصر الحديث، فلم تعد الدراسة تكتفي بالوصف السطحي للظاهرة اللغوية فحسب، وإنما تلاقح العلوم الحديثة من فلسفية ونفسية واجتماعية، أثرى المنهج اللغوي المعتمد في استنباطات سنن اللغة وقواعد نظامها، وتمكن العلماء معه إلى تحديد وظائف اللغة حسب العملية التواصلية، حيث يميز رومان جاكسون في الحديث اللساني ست وظائف هي(15) 1- الوظيفة المرجعية referentielle): وهي تعني إشارة اللغة إلى محتوى معين لإيصاله إلى أذهان الآخرين وتبادل الرأي معهم. 2- الوظيفة التعبيرية أو الانفعالية emotive): وهي التي تشير فيها اللغة إلى موقف المرسل من مختلف القضايا التي يتحدث عنها. 3- الوظيفة الإنشائية conative): تظهر في اللغة التي يتوجه بها إلى المخاطب قصد لفت انتباهه إلى أمر أو طلب منه القيام بعمل معين. 4- الوظيفة الورألسنية Metalinguistique): وهي تعكس شعور المعبّر بنظام التواصل وتتمحور حول اللغة نفسها. 5- وظيفة الاتصال phatique): وهي تقوم على تعابير تتيح للمرسل إقامة الاتصال أو قطعه . 6- الوظيفة الشعرية poetique): وهي تتمحور حول اللغة باعتبارها تحمل ظلالاً من المعاني والقيم الدلالية. هذه الوظائف الست هي التي تتمحور في إطارها العملية الإبلاغية التي تتخذ اللغة كخطاب يؤدي الدلالات المقصودة في الأحوال العادية، وهي تشير إلى مدى العمق العلمي التحليلي الذي سارت عليه الدراسات اللغوية الحديثة، من أجل إبراز القيم الجوهرية في اللغة باعتبارها أهم نظام للتواصل. يقول سوسير: "إن اللغة هي نظام من العلامات المعبرة عن أفكار، وبهذا ومقارنة بالأنظمة التواصلية الأخرى كنظام لغة الصم البكم أو نظام الطقوس والشعائر أو الإشارات العسكرية، وما إلى ذلك تبقى اللغة الأهم من هذه الأنظمة"(16) . ويدعم هذه الفكرة الدكتور أحمد مختار عمر بقوله: "ورغم اهتمام علم الدلالة بدراسة الرموز وأنظمتها حتى ما كان منها خارج نطاق اللغة، فإنه يركز على اللغة من بين أنظمة الرموز باعتبارها ذات أهمية خاصة بالنسبة للإنسان.(17) . هذه الجوانب من مبحث اللغة كما تناولته الدراسات الألسنية والدلالية الحديثة، والتي كانت ترمي إلى تأسيس رؤية علمية شاملة، تبرز الدور الوظيفة الأساسي للغة، وذلك بتفكيك بنيتها الداخلية للتعرف على الشبكة التنظيمية التي تشرف على عملية التواصل والإبلاغ، وهو ما دأب عليه علماء اللسانيات والدلالة في دراسات مستفيضة، استعانت بمناهج علمية مختلفة أحدثت في مبحث اللغة نقلة نوعية، وأنتجت نظريات – رغم قدمها- ما زالت تعتمد كمراجع في البحث اللغوي المعاصر. المبحث الثاني: الدال والمدلول: من أهم القضايا الدلالية التي تناولها علماء الألسنية والدلالة، مسألة الدال والمدلول والعلاقة بينهما، كانت القضية في بداية طرحها في الدرس اللغوي، تقتصر على اللفظ والمعنى وباتساع مجال علم الدلالة أضحت المسألة تتعلق بالدال والمدلول سواء أكان الدال لفظاً أو غير لفظ، واللغة في الأخير ما هي إلا علاقات تربط دالا بمدلوله، ضمن شبكة تنظيمية، ذلك أن الدال لا يحمل دلالته في ذاته إنما منبع الدلالة هي تلك التقابلات الثنائية التي تتم على مستوى الرصيد اللغوي، يقول في ذلك د. عبد السلام المسدي: "اللغة هي مجموعة من العلاقات الثنائية القائمة بين جملة العلامات المكونة لرصيد اللغة ذاتها، وعندئذ نستسيغ أيضاً ما دأب عليه اللسانيون من تعريف العلامة بأنها تشكل لا يستمد قيمته ولا دلالته من ذاته، وإنما يستمدهما من طبيعة العلاقات القائمة بينه وبين سائر العلامات الأخرى"(18) . وقد خصص سوسير حيزاً واسعاً لدراسة مسألة الدال والمدلول، وأطلق مصطلح الدليل اللساني على وجهي العملية الدلالية الدال والمدلول) فالدال هو القيمة الصوتية أو الصورة الأكوستيكية، أما المدلول فهو المحتوى الذهني أو الفكري(19) . إن علم الدلالة، يقوم على أساس تحديد العلاقة بين الدال والمدلول وهي علاقة لا يمكن ضبطها إلا إذا تعرفنا على طبيعة كل من الدال والمدلول وخواصهما، وفي هذا الإطار فإن الدال اللغوي لا يمكن بحال من الأحوال أن يحيلنا على الشيء الذي يعنيه في العالم الخارجي مباشرة، وإنما مرورا بالمدلول أو المحتوى الذهني الذي يرجعنا إلى الشيء الذي تشير إليه العلامة اللسانية، فالعلامات اللسانية حسب النموذج السوسيري تقتضي توفر ثلاثة شروط: أ-أن تكون العلامة اللسانية دالة على المعنى. ب-أن تكون مستعملة في مجتمع لساني يفهمها. ج-أن تنتمي إلى نظام من العلامات اللغوية. ويمكن تقديم علاقة العلامة اللسانية بالمدلول والموجود في الأعيان على النحو التالي: Signfieالمدلول Signe الدليل الرمز) Referent المرجع) فالمرجع يعني الشيء الخارجي الذي يحيلنا عليه الدليل اللساني، وهو عالم غير لغوي، وهو لا يحدد فقط بالأشياء المادية المحسوسة، فكثير من المراجع لا توجد إلا في إطار الخطاب اللغوي فمثلاً "حب" أو "صداقة" تسجل في الخطاب اللساني، ولكن لا نجد قيمتها الدلالية الحقيقية إلا داخل المجتمع اللغوي. وهذا المثلث، الذي يوضح العلاقات التي يقيمها الرمز اللغوي مع الدال والمدلول والمرجع، يبرز أن العلاقة بين الدال والمرجع هي منقطه وذلك للدلالة على أن استحضار المرجع يمر غالباً عبر المدلول، وتترك حالات قليلة يمكن أن يستحضر فيها المرجع بواسطة الدال وذلك مثلاً في الأسماء الأعلام(20) . واتخذ منحى دراسة الدليل اللساني في المباحث الدلالية، عدة أبعاد ترمي إلى تعميق الدراسة لرصد العلاقة التي تجمع الدال بالمدلول، وأخذ علم الدلالة بالمبادئ اللسانية التي كتب لها النجاح في علم الأصوات الوظيفي، ورسم العلماء منهجاً لدراسة طرفي الفعل الدلالي، أو الدليل اللساني بمصطلح سوسير وحددوا جانبين رئيسيين لهذه الدراسة: 1-التحليل الداخلي للدليل وذلك بتحليل المدلول بأساليب مختلفة برده واختزاله إلى صفاته الدلالية. 2-التحليل الخارجي للدليل، أي تحليل علاقات الدليل ببقية المعجم في إطار الحقول الدلالية(21) وتفرعت المباحث الدلالية في العصر الحديث لتشمل عناصر الدلالة الثلاث: الدال والمدلول والمرجع، وحرص العلماء على التأكيد أن علم الدلالة يختص بدراسة المدلول محدداً في سبيل ذلك معايير علمية "فالمدلول يتحدد بواسطة الوحدات المجاورة له، وكل تغير يصيب وحدة ما من وحدات النظام يمكن أن ينعكس على مجموع أو جزء من هذا النظام…) فقيمة وحدة ما هي ذات طبيعية علائقية relationnel) وهذا لا ينفي على كل حال الوجود الإيجابي للمدلول كوحدة معجمية"(22) . ويمكن أن تجمع عناصر الدلالة، في دراسة متكاملة تدخل ضمن مباحث الحقول الدلالية، التي تنتظم وفقاً للمنهج التصنيفي التنظيمي في دراسة الأدلة ومحتوياتها، لأن الدراسة التي تناولها الدال تنسحب بالضرورة لتتناول المدلول ومن ثم المرجع. فتقسيم الدراسة العلمية لمؤلفات الدلالة الثلاثة ليس سوى تيسير منهجي، يعتمد في تفكيك البنية الواحدة ذات المكونات المتحدة ليعيد تركيبها مرة أخرى لتكون الدراسة ذات طابع شمولي متكامل. إذا كانت اللسانيات تركز اهتمامها على دراسة "الدال" من جوانبه المختلفة، فإن علم الدلالة- كما أسلفنا- يعني، بالأخص، بالجانب المفهومي "للدال" فيتناول ضمن مباحثه العلاقة التي يقيمها "المدلول" مع الأشياء، وعلاقته ببقية المدلولات داخل السياق اللغوي، يوضح موريس أبو ناضر ذلك بقوله: "يعرف علم المعاني أو علم الدلالة بأنه العلم الذي يعنى بدراسة الدلالات الألسنية، وعلى الأخص الجانب المعنوي من هذه الدلالات، أي المدلول، والمدلول يدرس على ضوء هذا العلم من عدة جوانب: أ-الجانب الأول: يتمثل في العلاقات التي يقيمها المدلول مع الأشياء التي يومئ إليها أو يعبر عنها المفاهيم – العواطف- معطيات العالم الخارجي). ب-الجانب الثاني: يتمثل في العلاقات التي يقيمها المدلول مع غيره من المدلولات. ج-الجانب الثالث: يتمثل في العلاقات التي تنشأ بين السمات الأساسية التي تتكون منها المدلولات(23) فقد يكون للدال أكثر من مدلول يتحدد وفق السياق اللغوي، ومن ثم قد يكون المعنى أساسياً أو ثانوياً تصريحياً أو إيمائياً، وقد يحمل الدال قيماً دلالية تسمى القيم التعبيرية أو الأسلوبية يذهب بيار جيرو إلى التأكيد أن للكلمة أكثر من معنى تصريحي وآخر إيمائي، نظراً للتداعيات التي يمكن أن تحدثها أثناء الاستعمال، فأي كلمة قد تستدعي قيماً اجتماعية أو ثقافية أو حتى قيماً انفعالية، تعكس صورة قائلها وتحدد بعض ملامح الجانب النفسي فيه (24) . وتوصل علماء الدلالة في العصر الحديث، إلى تصنيف للمدلولات بالاعتماد على عدة طرق، حددها الدكتور موريس أبو ناضر منها. 1-الطريقة الشكلية: وهي تعني تصنيف المدلولات وفقاً للشكل الذي يجمعها في بنية واحدة بتفرعها عن أصل واحد يبرز القرابة بينها مثل: علم- يعلم- تعليم- معلم.. 2-الطريقة السياقية: وتفيد أن المدلولات تصنف باعتبار المعنى الذي ترد من خلاله في السياقات المختلفة. 3-الطريقة الموضعية: وهي تعني أن المدلول يتحدد من خلال الموضع والموقف الذي يكون فيهما المتكلم. 4-الحقول الدلالية: وهي تكشف عن القرابة المعنوية بين المدلولات. 5-التحليل المؤلفاتي: وهو يفيد أن المدلول يعيّن انطلاقاً من مؤلفات الكلمة الأساسية أو ما يطلق عليه باللكسيم "مثل لكسيم" امرأة يحوي المؤلفات التالية: أنثى +بالغ +بشر(25) . أما دراسة المرجع) عند علماء الدلالة فإنها لم تحسم ذلك الجدل الدائر حول تحديد الموجودات في عالم الأعيان، بحيث أن المرجع الذي يحدّد في السياق اللغوي أو في الصيغة المعجمية لا يمكنه أن يحيل إلى الشيء المعين في العالم الخارجي إحالة دقيقة، ذلك أن الموجودات في العالم الخارجي، تتميز بالتصنيف المتعدد والمتداخل حتى داخل الحقل الواحد الذي يضم موجودات متماثلة، ذلك "أن التحديد المرجعي يقع في الخطأ اعتبار علاقة: دال- مدلول علاقة تسمية …) في حين يتعين علينا أولا عند إقدامنا على وصف المدلول، استنباط الصفات المشتركة التي تلازم المراجع) التي قد ينطبق عليها دليل) ما فكوننا قد شاهدنا كرسياً واحداً، لا يخبرنا بالخصائص الفيزيائية والوظيفية) اللصيقة بمجموعة لا متناهية من الأشياء التي تكوّن جنس الكرسي"(26) وإلى الفكرة ذاتها يشير كولردج بقوله: "ولا يتضمن" معنى "اللفظة في رأيي مجرد الموضوع الذي يقابلها بل يشمل أيضاً جميع الارتباطات التي تبعثها اللفظة في أذهاننا"(27) . ويبقى تحديد الشيء الخارجي في عالم الموجودات بكيفية لا تعيق عملية الإبلاغ والتواصل، من المسائل التي ما زالت تشغل اهتمام علماء الدلالة في العصر الحديث، خاصة وأنهم توصلوا إلى تنظيم دلالي في هذا المجال مفاده أن معرفة شيء من الأشياء، ينبغي فيه اعتباره جميع مستلزمات هذا الشيء بحيث يتميز عن غيره ولا يلتبس في تحديده أو تعيينه. أما المسألة الأخرى في المبحث الدلالي والتي كانت مدار الدارس اللغوي في التراث المعرفي إحدى أسس الدرس اللساني الحديث، فهي العلاقة بين الدال والمدلول أهي عرفية اصطلاحية أم اعتباطية لا تخضع لأية معيارية قسرية تخلو من العلل؟ وأثارت قضية اعتباطية الدليل اللساني أو عرفيته – منذ سوسير –كثيرا من الجدل، وكان دوسوسير أول من وضع نظرية لسانية تنم عن فهم عميق لطبيعة العلاقة بين العلامة اللسانية ومدلولها، حيث يقول توليودومورو tullio de mauro) وهو يعاين هذه المسألة في كتاب سوسير "محاضرات في اللسانيات العامة": "إن سوسير وجد في مبدأ اعتباطية العلامة اللساني، ما كان يصبو إليه من أجل إرساء نظرية لسانية، إضافة إلى أن سوسير في سياق حديثه عن اعتباطية العلاقة بين الدال والمدلول – في بدء إلقاء دروسه على تلاميذه- لم ينته سوى من الخطوة الأولى في طريق الفهم العميق لمبدأ الاعتباطية. هذا يعني أن المفهوم العميق لهذا المبدأ عند سوسير، لا ينبغي تحديده انطلاقاً من الصفحتين 101-102 من الكتاب لكن من قراءته كله"(28) . إن الاعتباطية في الاقتران العرضي بين الدال والمدلول، تعتبر الخلية الحيوية التي تشرف على عملية التوالد الداخلي في اللغة، إذ يتم استحداث تراكيب وصيغ لغوية جديدة في صلب اللغة وابتكار مدلولات لها ذلك أن الألفاظ تمتلك من المرونة ما يمكنها من عبور المجالات الدلالية باعتماد معيار النقل الدلالي، أو تغيير مجال الاستعمال، وإن المدلولات تستطيع كذلك أن تجتاز سلسلة من الأدلة مرتدية بعضها مكان البعض الآخر، وذلك إذا اعتمدت في سياقات معينة يحددها الموقف المعين. يشرح ذلك الدكتور عبد السلام المسدي بقوله: "إن التوالد المستمر في رصيد اللغة سببه سمة العرضية في حصول الألفاظ دوال على المعاني، وبهذا يتسنى الجرم بطواعية الألفاظ على عبور المجالات الدلالية واحداً بعد آخر وبطواعية المدلولات على ارتداء الألفاظ بعضها مكان بعض، كما تسنى البت- بحكم علاقة الإنسان باللغة وموقعه الفاعل منها – في أمر استحداث المركبات الدلالية أصلاً بابتكار المدلول الذي لم يكن، ثم صناعة دال له فيلتحمان، ومن التحامهما يتكون مثلث دلالي جديد"(29) . ولا تتوفر للغة هذه الحركية المتجددة في بنيتها، إذا لم تخضع علاقة الدال بالمدلول إلى معيار) الاعتباطية الذي لا يقيد دالا بمدلوله، وإنما يكسب اللغة مرونة وقدرة على تجديدها كلها بابتكار مكونات أخرى. وتعميق البحث اللغوي في مسألة العلاقة بين طرفي الفعل الدلالي، أدى إلى الاعتقاد بأن اتصال الدال بمدلوله لم يبن علىمعيار) الاعتباطية إنما الذي يوحي بوجود هذا المبدأ، هو قدم العلة التي ربطت الدال بمدلوله، حتى ليخال إلينا أنه لا وجود لعلة تجمع بينهما. يوضح بيار جيرو ذلك بقوله: "إن كل الكلمات تحتوي على العلة في البداية وتحتفظ غالبيتها بها زمناً طويلاً إلى حد ما. وعلى هذا فإن العلة تكون إذن إحدى السمات الرئيسية للإشارة اللسانية"(30) . إن معيار) الاعتباطية في العلاقة الدلالية المعتمد في النظام اللغوي، تتحدد على أساسه العملية الإبلاغية والتواصلية، ذلك أنه كلما تحققت العلاقة الاعتباطية بكثافة في لغة الخطاب، كلما بلغ النظام التواصلي مداه وانتهى الجهاز الإبلاغي إلى حده الأوفى. ويدل ذلك على الطاقة التعبيرية الكبيرة التي تتوفر عليها اللغة المبينة علاقتها الدلالية على أساس الاقتران العرضي أو التعسفي، يبيّن المسدي ذلك بقوله: "إن مقبولية العلاقة بين الدال والمدلول في كل نظام تواصلي على أساس الاقتران المنطقي، تتناسب تناسباً عكسياً مع طاقة ذلك النظام المعتمد في الإبلاغ…) فكلما ثقلت كثافة التعسف الاقتراني في أي نظام إخباري، نزع نسقه الدلالي إلى طاقته القصوى. فالشحنة الاعتباطية في كل واقعة تواصلية هي المولد الدائم لسعة القدرة الإبلاغية التي تلتئم فيها"(31) . فالدلالة تكون قابلة للاتساع، كلما كانت العلة مختفية غير معروفة ذلك أن الارتباط القسري الذي جمع الدال بمدلوله، كان في البدء عن طريق علة جوهرية هي التي أعطت لهذا الارتباط مرونته، بحيث يحدث امتداد في المجال الدلالي للفظ، "فيجب على العلة أن تختفي إذن لمصلحة المعنى أما إذا حدث العكس فإنها ستقلص المعنى وتهدمه" (32) . هذه – مجملة- هي المباحث الدلالية التي تناولت في مجالها الدراسي مسألة الدال والمدلول، وما تفرع عنها من مسائل أخرى، أضحت مواد الدرس الدلالي الحديث الذي اعتمد منهج التحليل والتفكيك لبنية النظام اللغوي، وإظهار مكوناته الأساسية قصد بحثها، وإيجاد العلائق التي تجمع بينها. المبحث الثالث: أقسام الدلالة من المباحث اللغوية التي أثارها الدرس الدلالي، بناء على العلاقات التي تجمع الدال بمدلوله، مبحث أقسام الدلالة وأنواع المعنى. فإذا كان تحديد معنى الكلمة يتم بالرجوع إلى القاموس اللغوي، فإن ذلك لا يمكن أن ينسحب على جميع الكلمات التي ترد مفردة أو في السياق، ولذلك ميز اللغويون بين معان كثيرة أهمها: 1-المعنى الأساسي أو التصوري: وهو المعنى الذي تحمله الوحدة المعجمية حينما ترد مفردة . 2-المعنى الإضافي أو الثانوي: وهو معنى زائد على المعنى الأساسي يدرك من خلال سياق الجملة . 3-المعنى الأسلوبي: وهو الذي يحدد قيم تعبيرية تخص الثقافة أو الاجتماع. 4-المعنى النفسي: وهو الذي يعكس الدلالات النفسية للفرد المتكلم. 5-المعنى الإيحائي: وهو ذلك النوع من المعنى الذي يتصل بالكلمات ذات القدرة على الإيحاء نظراً لشفافيتها(33) . وتقسيم المعنى في علم الدلالة يخضع لمبدأ عام ملخصه أن القيمة الدلالية للوحدة المعجمية لا يمكن اعتبارها دلالة قارة، إنما يخضع تحديد تلك القيمة لمجموع استعمالات هذه الصيغة في السياقات المختلفة، ولقد قسم العلماء الدلالات اعتمادا على معايير أخرى ترتكز على الإدراك لطبيعة العلاقة بين قطبي الفعل الدلالي، وهو لا يخرج عن ثلاث: اعتبار العرف، أو اعتبار الطبيعة أو اعتبار العقل، وعلى ذلك فالدلالة إما عرفية أو طبيعية أو عقلية. وأخضع علماء الدلالة تصنيف الدلالات بناء على أداء السياق للمعنى، "فالكلام إما أن يساق ليدل على تمام معناه، وإما أن يساق ليدل على بعض معناه، وإما أن يساق ليدل على معنى آخر خارج عن معناه إلا أنه لازم له عقلا أو عرفا"(34) واستناداً إلى ذلك فالدلالات ثلاثة أصناف. دلالة المطابقة ودلالة التضمن ودلالة الالتزام، وهذه الدلالات الثلاثة تندرج ضمن دلالة عامة هي الدلالة الوضعية التي هي قسم من الأقسام الدلالة اللفظية، وبناء على ذلك فأقسام الدلالة في العصر الحديث تتفرع إلى ستة أصناف يمكن تمثيلها في الترسيمة التالية: الدلالة لفظية غير لفظية وضعية عقلية طبيعية وضعية عقلية طبيعية مطابقة تضمن التزام ويمكن تحديد مفاهيم هذه الأصناف الدلالية، كما درج على تعريفها علماء الدلالة. فالدلالة اللفظية العرفية لا تنعقد إلا بتوفر ثلاثة أركان: "اللفظ، وهو نوع من الكيفيات المسموعة، والمعنى الذي جعل اللفظ بإزائه، وإضافة عارضة بينهما هي الوضع، أي جعل اللفظ بإزاء المعنى، على أن المخترع قال: إذا أطلق هذا اللفظ فافهموا هذا المعنى"(35) فالدلالة الوضعية، هي الدلالة العرفية أو الاصطلاحية، حيث يتواضع الناس في اصطلاحهم على دلالة شيء ما، وبعد ذلك فالدلالة الوضعية يقتضي لإدراكها العلم المسبق بطبيعة الارتباط بين الدال ومدلوله، ففي الدلالة العرفية يقول المسدي: "لا يتسنى للعقل البشري من تلقاء مكوناته الفطرية ولا الثقافية أن يهتدي إلى إدراك فعل الدلالة إلا إذا ألم سلفاً بمفاتيح الربط بين ما هو دال وما هو مدلول، وهذا الإلمام ليس بفعل الطبيعة ولا هو من مقومات العقل الخالص ولكنه من المواضعات التي يصطنعها المجتمع"(36) . أما الدلالة العقلية وتسمى كذلك الدلالة المنطقية، فهي التي يكون فيها العقل أمر إدراك طبيعة العلاقة التي تربط الدال بمدلوله، ويمثل لتعريفها عادة بدلالة الدخان على النار إذ يتم استحضار الدلالة الغائبة بحقيقة حاضرة والذي يربط بين الأمرين هو العقل وعلى هذا سميت الدلالة المستحضرة بالدلالة العقلية، يحدد المسدي هذه الدلالة وطرق إدراكها بقوله: "وفيها أي الدلالة العقلية) يتحول الفكر من الحقائق الحاضرة إلى حقيقة غائبة عن طريق المسالك العقلية بمختلف أنواعها"(37) هذه المسالك المعتمد عليها في رصد الدلالة المنطقية تتحدد في ثلاثة: 1-مسلك البرهان القاطع: وهو الذي يتقيد بقيود المنطق العقلي، فإذا سألت عن جنس الحاضرين فأجبت بأن بعضهم ذكور عرفت أن بينهم إناث. 2-مسلك القرائن الراجحة: وهو الذي يفضي إلى تسليم ظني يأخذ في البدء بمعطيات هي في منزلة "العلامات الدالة" وبواسطة القرائن المنطقية يستكشف "مدلول" تلك العلامات. 3-مسلك الاستدلال الرياضي: وهو يعني الانتقال من المعلوم فرضاً إلى المجهول تقديراً(38) أما الدلالة الثالثة فهي الدلالة الطبيعية، التي يعتمد في إدراكها على علاقة طبيعية يتم على أساسها الانتقال من الدال إلى المدلول، يقول عادل الفاخوري في تعريفها: "هي الدلالة، يجد العقل بين الدال والمدلول علاقة طبيعية ينتقل لأجلها منه إليه، كدلالة الحمرة على الخجل والصفرة على الوجل"(39) . فالدلالة الطبيعية – إذن- فيها ربط بين حقيقة ظاهرة وحقيقة غائبة يتم على أساسها اقتران الدال بمدلوله اقتراناً طبيعياً وهذا الاقتران الطبيعي "يتمثل في الرابطة التي تكوّن ما يقع عليه الحس الإنساني وبين تفسير الإنسان لهذا المحسوس، فأعراض الأمراض محسوسات يفسرها الطبيب تغيرات تربط بين كل منها وبين مرض معين" (40) ويعزى وجود هذا الإرتباط بين الدال والمدلول إلى السنن الكونية التي تسير وفقها الطبيعة، فالحدث الطبيعي إذا تكرر أمكن للعقل المدرك أن يعقد بينه وبين الشيء الذي أحدثه، وبناء على ذلك "فالدلالة الطبيعية هي التي ليس بين الملزوم واللازم فيها ارتباط عقلي، إلا أن النظام الذي وضعه الله في الطبيعة قد أوجد هذا الترابط فإذا سألنا العقل المجرد عن ملاحظة النظام الموجود في الطبيعة لم يجد تعليلاً عقلياً له غير أن الإختيار المتكرر للأحداث الطبيعية، قد نبه على وجود هذا الترابط في الواقع" (41) . أما الدلالة من حيث المفهوم فإنها تصنف كذلك إلى ثلاثة أصناف –أشرنا إليها سابقاً- هي التي تمثل الأقسام الثلاثة للدلالة الوضعية اللفظية وهي: دلالة المطابقة ودلالة التضمن ودلالة الالتزام "فدلالة اللفظ على تمام معناه الحقيقي والمجازي هي دلالة المطابقة ودلالة اللفظ على بعض معناه الحقيقي أو المجازي هي دلالة التضمن، ودلالة اللفظ على معنى آخر خارج عن معناه لازم له عقلا أو عرفا هي دلالة الالتزام، واللفظ الدال يحمل مقومات تمثل مؤلفاته التمييزية فلكسيم "إنسان" يحمل المقومات التمييزية التالية: "الجسم الحي، الحساس، الناطق". وعليه تكون دلالة المطابقة، دلالة اللفظ الكلّي على مجموع هذه المقومات التي تؤلف الذات أو الكنه، وتكون دلالة التضمن دلالته على بعض هذه المقومات لا كلّها. فهكذا كلمة "إنسان" تدل بالمطابقة على الحيوان الناطق، وبالتضمن على الجسم مثلاً أو على الناطق أو على الجسم الحي"(42) أما دلالة الالتزام فإنها تكون خارج اللكسيم ذاته بشيء يلزمه، وعلى ذلك" فدلالة الالتزام تكون دلالة جزء على الجزء المجاور له ضمن مجموعة مرتبة من الأجزاء كدلالة الحاجب على العين"(43) . وبما أن العلاقة بين الدال والمدلول تخضع أساساً لفعل الإدراك لطبيعة هذه العلاقة، وبناء على ذلك تتحدد الأنساق الدلالية، فإن للسياق اللغوي إضافات نوعية على مستوى تحديد الأصناف الدلالية، فتتميز بذلك الدلالة العامة من الدلالة الخاصة، والدلالة الظاهرة من الدلالة الخفية اللتان يتحكم فيهما التصريف المزدوج لاستعمال اللغة وهو ما يمكن أن يدرج تحت ما يسمى بالدلالة الأصلية والدلالة المحولة، فالتراكيب السياقية هي التي تشرف أساساً على تحديد الدلالة المعينة للصيغة "فإذا استطاع اسم من الأسماء أن تكون له معان عديدة فيجب أن نعلم أنها معان محتملة وأن أحد هذه المعاني يتحدد ضمن سياق معين"(44) إن الدلالة السياقية، تشير إلى ذلك الترابط العضوي بين عناصر الجملة وهو ما يشكل بنية اللغة، بل إن مفهوم الدلالة السياقية يتسع ليشمل مجموع الجمل التي تكون النص يوضح ستيفن أولمان ذلك قائلاً: "إن السياق، ينبغي أن يشمل – لا الكلمات والجمل الحقيقية السابقة والملاحقة –فحسب- بل والقطعة كلها والكتاب كله – كما ينبغي أن يشمل بوجه من الوجوه كل ما يتصل بالكلمة من ظروف وملابسات"(45) . إن الجملة التي تؤدي قيما دلالية، يفترض أن تكون ذات وحدة بنيوية ووظائفية، وهو ما يكرّس مبدأ التركيب السياقي ودوره الأدائي، وقد تستقل الجملة بدلالتها داخل النسيج الدلالي للخطاب وهذا لا يعني نفي أية صلة بينها وبين السياق العام للنص بحكم انتمائها إلى نفس المجال الدلالي للجمل الأخرى داخل النص الواحد. يبيّن عبد السلام المسدي ذلك بقوله: "إن استقلال التركيب لا يعزل وجود ارتباط معنوي، فالنص بأكمله مجال دلالي واحد، والجمل من النص تقوم على تسلسل معنوي عام بحكم انتمائها إلى نفس المجال الدلالي"(46) . وإضافة إلى الدلالة السياقية، يشير الدرس الدلالي الحديث إلى دلالة أخرى تتحدد وفق موقع الصيغة من السياق، ووفق تركيب عناصر الجملة وترتيبها، وهو ما اصطلح على تسميتها بالدلالة الموقعية، فقد تتكون الجملتان من نفس الوحدات لكن ترتيبها في كل جملة يختلف فتتميز الدلالة تبعاً لذلك، إن السياق اللغوي قد يحيل إلى دلالات مختلفة تتحدد بضوابط خاصة من ذلك المعاني الحافة الاجتماعية والفردية، وهي عبارة عن قيم عاطفية إضافية تسمى القيم التعبيرية أو الأسلوبية والتي أضحت من مباحث علم الأسلوب الذي يهدف إلى الإجابة على التساؤل التالي: "ما الذي يجعل الخطاب الأدبي الفني مزدوج الوظيفة والغاية يؤدي ما يؤديه الكلام عادة وهو إبلاغ الرسالة الدلالية، ويسلط مع ذلك على المتقبل تأثيراً ضاغطاً به ينفعل للرسالة المبلغة انفعالاً ما" (47) . وشبيهة بالقيم الأسلوبية، تلك الدلالة التي أطلق عليها مصطلح الدلالة النحوية وهي تجمع بين المعنى الموقعي والمعنى فوق الدلالي أو التعبيري، فالكلمة في سياق الجملة وفي موقع إعرابي معين تشير إلى دلالة معينة. يشرح ذلك فايز الداية بقوله: "وأما الإضافة الثانية فهي الدلالة النحوية أي أن الكلمة تكتسب تحديداً وتبرز جزءاً من الحياة الاجتماعية والفكرية، عندما تحل في موقع نحوي معين في التركيب الاسنادي وعلاقاته الوظيفية: الفاعلية، المفعولية، النعتية، الإضافة، التمييز، الطرفية، فمثلاً: "خاطبت الطحان في شأن تحسين عمله وزيادة مقدار إنتاجه فكلمة "طحان" في موقع المفعول به تبرز في جهة من العلاقة الاجتماعية هي موقع المحاسبة والمسؤولية وهناك من يحاسبها أو يسألها"(48) . هذه هي مختلف الأبحاث الدلالية التي دارت حول محور دراسة طرفي الدلالة- الدال والمدلول- تناولت طبيعة كل منهما كما عاينت العلائق المختلفة التي تنشأ من اتحاد الدال بمدلوله والتي أنتجت أقساماً وأنواعاً للدلالة. (1) عبد السلام المسدي، اللسانيات وأسسها المعرفية. ص7 (2) أطلق عليها سوسير مصطلح "ميكانيزم" محاضرات في اللسانيات العامة ص177. (3) أنيس فريحة نظريات في اللغة ص11 (4) أنيس فريحة نظريات في اللغة ص17-18 (5) عبد السلام المسدي اللسانيات وأسسها المعرفية، ص161. (6) بيار جيرو، ترجمة د. منذر عياشي علم الدلالة – ص51 (7) عبد السلام المسدي: اللسانيات وأسسها المعرفية، ص104. (8) المرجع السابق ص31. (9) ريمون طحان : الألسنية العربية ص144. (10) عبد السلام المسدي: اللسانيات وأسسها المعرفية، ص30. (11) ستيفن أولمان ترجمة ك مسلم كمال بشر: دور الكلمة في اللغة ص6. (12) 38-37: p cours de linguistique generale f. de saussure (13) المرجع السابق ص37-38 . (14) د. ميشال زكريا: الألسنية علم اللغة الحديث) المبادئ والأعلام ص73-74. (15) انظر المرجع السابق ص54 وكتاب intiation aux problemes des lingustiques contemporaires c. fuchs et p. le goffi c. p. 115-116 (16) cours de linguistiques generale f .de sausure (17) علم الدلالة ص12. (18) عبد السلام المسدي: اللسانيات وأسسها المعرفية، ص30. (19) cours de linguistiques generale f. de saussure p. 99 (20) linguistique francaises, intiation a la problematique structurale tomel j. L. chiss. J. filliolet, d p. 118-119 maigueneau (21) سالم شاكر ترجمة محمد يحياتين مدخل إلىعلم الدلالة، ص21 (22) المرجع السابق ص18. (23) انظر مقال: مدخل إلى علم الدلالة الألسني د. موريس أبو ناضر، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 18-19، السنة 1982، ص34. (24) بيار جيرو، انظر علم الدلالة، ترجمة د. منذر عياشي ص61-62-63. (25) مقال: مدخل إلى علم الدلالة الأنسي. موريس أو ناضر: مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 18/19، السنة 1982، ص34-35. (26) سالم شاكر: ترجمة محمد جباني، مدخل إلى علم الدلالة، ص23. يحياتين. (27) محمد مضطفى: بدوي كولردج ص97 (28) notes bio – graphiques et critiques de cours de hnguistique generale p. 343 (29) اللسانيات وأسسها المعرفية، ص95. (30) بيار جيرو علم الدلالة – ترجمة د. منذر عياشي ص46. (31) اللسانيات وأسسها المعرفية: ص74 (32) بيار جيرو علم الدلالة – ترجمة د. منذر عياشي، ص50 (33) د.أحمد مختار عمر: علم الدلالة، ص 36-37-38-39. (34) عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة ص27 (35) شرح مطالع الأنوار: التحتاطي ص28. نقلة عادل الفاخوري في كتابه علم الدلالة عند العرب، ص16. (36) اللسانيات وأسسها المعرفية، ص52. (37) المرجع السابق، ص47 (38) المرجع نفسه، ص50-51 (39) عادل الفاخوري علم الدلالة، ص42 (40) د. تمام حسان- الأصول- دراسة إبستيمولوجية للفكر اللغوي عند العرب، ص319. (41) عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، ضوابط المعرفة وأصول المناظرة والاستدلال، ص26 (42) عادل الفاخوري علم الدلالة عند الغرب – دراسة مقارنة مع السيمياء الحديثة –ص43 (43) المرجع السابق، ص43 (44) بيار جيرو علم الدلالة، ترجمة د. منذر عياشي، ص56 (45) ترجمة دور الكلمة في اللغة ستيفن أولمان د. كمال محمد بشر، ص62 (46) الدكتور عبد السلام المسدي، اللسانيات وأسسها المعرفية: ص153 (47) د.محيي الدين صبحي، نظرية النقد العربي وتطورها إلى عصرنا، ص194 (48) فايز الداية علم الدلالة العربي- النظرية والتطبيق- ص21. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |