علم الدلالـة أصوله ومباحثه في التراث العربي - منقور عبد الجليل

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 10:37 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المبحث الرابع: التطور الدلالي

لقد كان اهتمام علماء الدلالة بمسألة التطور الدلالي، منذ أوائل القرن التاسع عشر، حاولوا خلاله تأطير تغير المعنى بقواعد وقوانين، فبحثوا في هذا المجال أسباب تغير الدلالة وأشكاله وصوره، وقد أدركوا أن التطور الدلالي، هو تغيير الألفاظ لمعانيها، ذلك أن الألفاظ ترتبط بدلالتها ضمن علاقة متبادلة فيحدث التطور الدلالي كلما حدث تغير في هذه العلاقة، ولا يكون التطور في مفهوم علم الدلالة في اتجاه متصاعد دائماً إنما قد يحدث وأن يضيف المعنى أو يخصص، كما يتسع أو يعمم، فيكون الانتقال من المعنى الضيق أو الخاص إلى المعنى الاتساعي أو العام وقد يحدث العكس، ولذلك يفضل بعض علماء اللغة المحدثين مصطلح تغير المعنى عوض مصطلح التطور الدلالي يقول المسدي في ذلك: "إن الحقيقة العلمية التي لامراء فيها اليوم هي أن كل الألسنة البشرية ما دامت تتداول فإنها تتطور، ومفهوم التطور هنا لا يحمل شحنة معيارية لا إيجاباً ولا سلباً وإنما هو مأخوذ في معنى أنها تتغير إذ يطرأ على بعض أجزائها تبدل نسبي في الأصوات والتركيب من جهة ثم في الدلالة على وجه الخصوص ولكن هذا التغير هو من البطء بحيث يخفى عن الحس الفردي المباشر"(1) .‏

إن التغير الدلالي ظاهرة طبيعية، يمكن رصدها بوعي لغوي لحركية النظام اللغوي المرن، إذ تنتقل العلامة اللغوية من مجال دلالي معين إلى مجال دلالي آخر، وهو ما يمكن أن يدرس في مباحث المجاز، وفي حركية اللغة الدائبة قد تتخلف الدلالة الأساسية للكلمة فاسحة مكانها للدلالة السياقية أو لقيمة تعبيرية أو أسلوبية، وبذلك تغدو الكلمة ذات مفهوم أساسي جديد وقد يحدث أن ينزاح هذا المفهوم بدوره ليحل مكانه مفهوم آخر، وهكذا يستمر التطور الدلالي في حركة لا متناهية تتميز بالبطء والخفاء. يشرح بيار جيرو ذلك بقوله: "يتغير المعنى لأننا نعطي اسماً عن عمد لمفهوم ما من أجل غايات ادراكية أو تعبيرية، إننا نسمي الأشياء ويتغير المعنى لأن إحدى المشتركات الثانوية معنى سياقي، قيمة تعبيرية، قيمة اجتماعية) تنزلق تدريجياً إلى المعنى الأساسي وتحل محله فيتطور المعنى"(2)

إن التغيير الذي يطرأ على بنية اللغة، لا يحدث إلا إذا توفرت عوامل موضوعية وأخرى ذاتية تدفع العناصر اللغوية إلى تغيير دلالاتها، وقد حصر علماء الدلالة هذه العوامل في ثلاثة: عوامل اجتماعية ثقافية، عوامل نفسية، وعوامل لغوية، وقد توجد غير هذه العوامل تتحكم في التطور الدلالي. يوضح ذلك ستيفن أولمن بقوله: "هذه الأنواع الثلاثة مجتمعة تستطيع فيما بينها أن توضح حالات كثيرة من تغير المعنى، ولكنها مع ذلك ليست جامعة بحال من الأحوال"(3) وأهم عوامل التطور الدلالي:‏

1-العامل الاجتماعي الثقافي:‏

حيث يتم الانتقال من الدلالة الحسية إلى الدلالة التجريدية، نتيجة لرقي العقل الإنساني ويكون ذلك تدريجياً، ثم قد تندثر الدلالة الحسية فاسحة مجالها للدلالة التجريدية، وقد تظل مستعملة جنباً إلى جنب مع الدلالة التجريدية لفترة من الزمن(4) فالنمو اللغوي لدى الإنسان الأول، عرف في بداية تسمية العالم الخارجي الدلالة الحسية فحسب، ومع تطور العقل الإنساني إنزوت تلك الدلالات الحسية وحلت محلها الدلالات التجريدية.‏

وقد يحدث أن تضيق الدلالة بعد أن كانت متسعة أو عامة، ويمكن تمثل ذلك في الدلالات التي كانت مستعملة قبل الإسلام مثل الصلاة والزكاة والحج، ثم بعد الإسلام مالت دلالات هذه الصيغ اللغوية نحو التخصيص وهذه سنن لغوية تنسحب على كل عناصر النظام اللغوي، وقد تتسع الدلالة بعد أن كانت ضيقة مثال ذلك يذكر اللغويون ألفاظاً مثل: "الدلو، و"القصعة" و"السفينة" وغيرها إذ كانت تدل هذه الكلمات على أشياء مصنوعة من مادة الخشب أو الطين ولكن رغم التغير الذي حصل في شكل ومادة هذه الأشياء في العصر الحديث، إلا أن هذه الألفاظ ما زالت دلالاتها القديمة تشملها ضمن مجالها الدلالي.‏

2-العامل النفسي:‏

قد تعدل اللغة بإشراف المجتمع عن استعمال بعض الكلمات لما لها من دلالات مكروهة، أو يمجها الذوق الإنساني وهو ما يعرف باللامساس، ويخضع ذلك لثقافة المجتمع ونمط تفكيره وحسه التربوي، فيلجأ المجتمع اللغوي إلى تغيير ذلك اللفظ ذي الدلالة المكروهة والممجوجة بلفظ آخر ذي دلالة يستحسنها الذوق، فكأن اللامساس يؤدي إلى تحايل في التعبير أو ما يسمى بالتلطف، وهو في حقيقته إبدال الكلمة الحادة بالكلمة الأقل حدة، وهذا النزوع نحو التماس التلطف في استعمال الدلالات اللغوية هو السبب في تغير المعنى(5) .‏

3-العامل اللغوي:‏

قد يحدث في صلب اللغة فجوات معجمية لا تجد معها اللفظ الذي يعبر عن الدلالة الجديدة فيلجأ اللغويون إلى سدها عن طريق الاقتراض اللغوي أو الاشتقاق، وقد يتجه المجتمع اللغوي نحو المجاز فيتم ابتداع دلالة جديدة أو يحصل نقل لدلالة من حقل دلالي إلى آخر، وأمثلة ذلك كثيرة في اللغة العربية كقولنا: أسنان المشط فدلالة "الأسنان" تم نقلها من مجال دلالي يخص الكائن الحي بوجه عام إلى مجال آخر يبدو بعيداً ويخص "المشط" ومثل ذلك قولنا: "أرجل الكرسي" و"ظهر السيف" و"كبد السماء" وغيرها من التراكيب اللغوية. إن الكلمة قد تقترض معنى جديدا ضمن الخطاب اللغوي فنصبح ذات دلالة إضافية متداولة مع مجموع المتخاطبين يشرح ذلك بيارجيرو بقوله: "إني لا أرى بأساً من التكرار فأقول مجدداً إني أعتقد –مع سوسير- بضرورة وجود مفهومين للقيمة البنيوية والمضمون الدلالي، ولا تنفي هاتان القيمتان بعضها بعضا بل تتكاملان، فالكلمة من جهة أولى منفتحة على إمكانات من العلاقة تعدها بنية النظام اللساني، ولكن من جهة أخرى كلما تحققت العلاقات الافتراضية ضمن الخطاب وعرفها المتكلمون، نجد أن أثر المعنى الناتج عنها يتخزن في الذاكرة وانطلاقاً من هذه اللحظة يتعلق المعنى بالإشارة ويعطيها مضمونا(6) .‏

هذه الأسباب تعد أهم العوامل التي تتحكم في التطور الدلالي أو تغيّر المعنى وقد عقد إبراهيم أنيس فصلاً في كتابه "دلالة الألفاظ" وضح فيه أسباب تغيّر المعنى ومظاهره، والتي شبهها بمظاهر وأعراض المرض وحصرها في خمس مظاهر هي: تخصيص الدلالة، تعميم الدلالة، انحطاط الدلالة، رقي الدلالة، وتغيير مجال الاستعمال المجاز)(7) .‏

وتخصيص الدلالة، يعني تحويل الدلالة من المعنى الكلي، إلى المعنى الجزئي أو تضييق مجال استعمالها، أما تعميم الدلالة فمعناها أن يصبح عدد ما تشير إليه الكلمة أكثر من السابق، أو يصبح مجال استعمالها أوسع من قبل. أما رقي الدلالة وانحطاطها فيدرجه علماء الدلالة تحت مصطلح "نقل المعنى" إذ قد تتردد الكلمة بين الرقي والانحطاط في سلم الاستعمال الاجتماعي، بل قد تصعد الكلمة الواحدة إلى القمة وتهبط إلى الحضيض في وقت قصير، فكانت دلالة طول اليد كناية عن السخاء والكرم وهي قيمة عليا لكنها أضحت وصفاً للسارق إذ يقال له: هو طويل اليد، أما تغيير مجال الاستعمال بنقل الدلالة من مجالها الحقيقي إلى مجال المجاز فيمثلون لها بكلمة "رسول" التي كانت تطلق على الشخص الذي يرسل لأداء مهمة ما.‏

فحوّل مجال استعمالها الدلالي فأضحت تطلق على شخص "النبي" بحيث تتبادر إلى الذهن كلما استعملت ضمن الخطاب اللغوي العادي(8) .‏

هذه التبدلات التي تحدثت في صلب النظام اللغوي هي من التعقيد والبطء بحيث لا يمكن رصد ذلك إلا بوعي علمي، متمكن صاحبه من أدوات رصد التطور أو التغير الدلالي، ثم إن اللغة ما دامت تخضع علاقتها الدلالية لمعيار الاعتباطية، فإنها تتطور وتتغير وتنزع نحو احتواء التغيرات الاجتماعية والثقافية التي تحدث في المجتمع اللغوي، فما اللغة إلا انعكاس للمجتمع بكل مكوناته وعناصره وإن المجتمع يؤثر في اللغة سلباً وإيجاباً وعلى ذلك فمسألة التطور أو التغير الدلالي تأخذ في مجالها كل هذه الاعتبارات الاجتماعية والفكرية واللغوية والنفسية التي تخص المجتمع اللغوي.‏

المبحث الخامس: الحقيقة والمجاز:‏

يوصف الرصيد اللغوي باللامتناهي بناء على تداخل البنى التعبيرية بين حقوله الدلالية وتتراوح هذه البنى عند الاستعمال في مد وجزر بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي، ذلك أن مرونة النظام اللغوي تسمح بوجود هذا التداخل المستمر حتى لتغدو الدلالة المجازية بالاستعمال المتداول دلالة حقيقة تعايش الدلالة الأصلية القديمة فتخرج من مجالها "الاستثنائي" إلى مجال الاستعمال الحقيقي يوضح الدكتور عبد السلام المسدي ذلك بقوله: "فاستعمال اللغة يقتضي تصريفا مزدوجاً للألفاظ بين دلالة بالوضع الأول وهي الدلالة الحقيقية ودلالة بالوضع الطارئ وهي الدلالة المجازية التي تعتبر دلالة منقولة ومحوّلة، فكلمات اللغة في وظيفتها الدلالية متعددة الأبعاد تبعاً لموقعها من البنى التركيبية ومن وراء ذلك الموقع موقف يتخذه المتكلم من أدواته التعبيرية وهو ما يجعل رصيد اللغة لا متناهياً في دلالته بحكم حركة المد والجزر الواقعة بين حقولها المعنوية طبقاً لما تستوعبه الدوال"(9) .‏

إن هذا المد والجزر الواقع بين الحقول الدلالية تقتضيه بنية اللغة التي تنزع إلى التجدد والتطور "والعبارات كلما كثر دورانها على الألسن بدأت مفهوماتها المحددة تتسع وقد تنحرف إلى مدلولات مغايرة من بعض الوجوه لمدلولها القديم"(10) إن صورة الدلالة الجديدة، تحمل سمات الدلالة القديمة بحكم أنها كانت دلالة أصلية حلت مكانها الدلالة المجازية التي قد تنزاح أمام حكم الاستعمال اللغوي لتنقل إلى مجال دلالي آخر، وقد تعود تلك الدلالة الأصلية القديمة إلى مكانها الأول يقول السيد أحمد خليل في سياق حديثه عن هذا التداخل بين الحقيقة والمجاز: "وحتى ذلك اللفظ المجاز لا يظل مجازاً على طول الزمن وإنما يعرض له أن يكون حقيقة متعارفاً عليها في بيئة من البيئات أو لهجة من اللهجات، ومتى استقر في البيئة مدلوله وتحدد معناه إلى ما كان عليه أولاً من تسميته بالحقيقة مقيدة بعرف هذه البيئة وتواضعها"(11) .‏

تملك اللغة –إذن القدرة على وضع أنظمة إبلاغية جديدة داخل النظام اللغوي العام، وذلك بوصفها نظاماً من العلائق الدلالية وتبقى الصلة – مع ذلك- قائمة بين مختلف أنظمتها اللغوية، فدلالة المجاز لا يمكن أن نتصورها على أنها دلالة جديدة تنفصم كلياً عن الدلالة الأصلية، وإنما يبقى المجال الدلالي للفظ المجاز يحتفظ بخيط- مهما دقّ- يربطه بالمجال الدلالي للفظ الحقيقي "فكل التحولات داخل نظام اللغة تبقى معقودة بنمط تواصلي يفسر ما إذا كان المجاز يراد به المستعار بعد أن تجوز عن وضعه أم يراد به ما يقتضي الحقيقة"(12) .‏

إن العلاقة التي تربط الدلالة الحقيقية بالدلالة المجازية، لا تخرج عن تلك الأنساق الدلالية العامة التي تربط الدال بمدلوله، فالبحث في دلالة المجاز هو بحث في معنى المعنى. إذ أن مدلولاً أولاً وهو الدلالة الحقيقية) يقود إلى مدلول ثان وهو الدلالة المجازية) والأنساق الدلالية التي حددها علماء الدلالة ثلاثة: دلالة المطابقة ودلالة التضمن ودلالة الالتزام. ويمكن أن نلمس هذه الأصناف من الدلالات في المجاز بأنواعه وهو يشمل كل لفظ أو تركيب حوّل عن معناه الأصلي وبقيت تربطه معه علاقات تحدد عن طريق قرائن ذكرها علماء البيان والبلاغة، فالمعنى الذي تفيده "الكناية" كصورة بيانية يمكن أن يؤخذ بدلالته الأصلية أو دلالته المجازية فالمدلول الأول الأصلي مقصود مع المدلول الثاني المجازي، فالدلالة بناء على ذلك دلالة مطابقة، فالكناية في عرف البلاغيين هي استعمال اللفظ والتركيب اللغوي في غير ما وضعا له أصلاً مع إمكان إيراد المعنى الحقيقي.‏

أما دلالة المجاز، ذي العلاقة الجزئية حيث يذكر المعنى الجزئي ويراد به المعنى الكلي، فهو يعبر عن دلالة التضمن الذي يكون فيها المدلول الأول وهو الدلالة الأصلية المذكورة في السياق – محتوى ومتضمن في المدلول الثاني- وهو الدلالة المجازية المرادة من السياق مثال ذلك قوله تعالى: "والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسّا ذلكم توعظون به، والله بما تعملون خبير"(13) فاستعمل لفظ "رقبة" وأريد به "العبد الذي يعيش الرق" والرقبة هي جزء من الجسم وعلى ذلك فدلالتها متضمنة في دلالة الجسم. وإذا كان المجاز ذا علاقة كلية بحيث يعبر بالكل ويراد به الجزء فهو إشارة كذلك إلى دلالة التضمن ولكن في اتجاه عكسي ذلك أن المدلول الثاني –الدلالة المجازية المرادة- تكون محتواة ومتضمنة في المدلول الأول – الدلالة الحقيقية المذكورة.‏

وإذا كان بين الدلالة الأصلية والدلالة المجازية علاقة تشابه وهي ما تفيده "الاستعارة"، إذ تشير هذه الصورة البيانية إلى اشتراك في صفة أو أكثر بين مدلول أول ومدلول ثان، فعلاقة المدلول الأول بالصفة أو الصفات التي تجمعه بالمدلول الثاني هي علاقة تضمن. أما علاقة الصفة ذاتها أو الصفات بالمدلول الثاني فهي علاقة التزام ومثال ذلك قولنا: "رأيت أسداً في المعركة "فعلاقة الأسد" "بالشجاعة"- وهي الدلالة المرادة- هي علاقة تضمن من جهة، وهي علاقة إلتزام من جهة أخرى إذ اعتبرت الشجاعة أحد المقومات الأساسية "للأسد" أما علاقة "الشجاعة بالرجل المشبه بالأسد فهي علاقة التزام أيضاً باعتبار "الشجاعة" ليست صفة ثابتة في الرجل ومقوم أساسي له إنما هي صفة عرضية. يشرح عادل الفاخوري علاقة الدلالة المجازية بالدلالة الحقيقة بمنهج نظري فيقول: "بما أن مدلول الألفاظ عامة يؤلف مجموعة من الصفات من حيث المفهوم أو مجموعة من الأجزاء من جهة كونه أمراً خارجياً، كان من البديهي لتعيين العلاقة بين المدلول الأصلي والمدلول المجازي أن ينطلق علم البيان من النسب القائمة بين أية مجموعتين من الصفات أو من الأجزاء"(14) .‏

إن المجاز يعد مبحثا خصبا لعلم الدلالة، إذ فيه تتجلى مرونة النظام اللغوي وانفتاحه على كل تغير للمعنى، وهو يؤكد من جانب آخر على مطاوعة اللغة لأساليب التعبير التي يفرضها الموقف ويتم في صلب النظام اللغوي استحداث أنظمة إبلاغية جديدة تحافظ على نقل الرسالة الإبلاغية، وهي غاية ما يرمي إليه أي نظام لغوي.‏

المبحث السادس: الحقول الدلالية:‏

يعد مبحث الحقول الدلالية من المباحث التي لم تتبلور فيها نظرية دلالية جامعة رغم الجهود اللغوية لعلماء الألسنية والدلالة، والتي أنتجت رؤى مختلفة حول تصور للحقول الدلالية، فقد أشار سوسير في مجال حديثه عن اللسانيات الوصفية في باب العلاقات الترابطية les rapports associatifs) أن الدليل اللساني بإمكانه أن يخضع إلى نوعين من العلاقات:‏

1-علاقة مبنية على معايير صورية مثل كلمة "تعليم" توحي بكلمات أخرى مشتقة منها وتنتمي إلى نفس المجال الدلالي مثل: علم، نعلم.‏

2-علاقة مبنية على المعايير الدلالية فكلمة "تعليم" توحي بكلمات أخرى مثل: تربية، تعلم، تكوين.(15) وبذلك وضع سوسير الإطار العام الذي يمكن أن تدرس فيه الأدلة اللغوية، وذلك ببحث العلاقات التي تجمعها وتصنفها ضمن حقول دلالية، وبرزت بعد نظرية سوسير عدة نظريات رائدة في مجال استنباط العلاقات الأساسية بين الأدلة واضعة معايير مختلفة من ذلك:‏

أ-بناء حقول دلالية باعتبار العلاقات التراتبية بين الأدلة اللغوية كنسبة الفرد إلى الجنس، خضوع الجزء للكل، خضوع الخاص للعام من أمثلة ذلك: رأس /جسم، جسم/ يد، زيد/ رجال.‏

ب-وضع حقول دلالية بناء على علاقة التقابل أو التضاد مثال ذلك: نهار /ليل، موت/ حياة.‏

ج-وضع حقول دلالية بناء على علاقة البدء بالعاقبة مثال ذلك: تعلم /معرفة، علاج/ شفاء، سافر/ وصول.‏

د-حقول دلالية باعتبار علاقة التدرج أو التعاقب مثال ذلك: غال –دافئ- مائل للبرودة –بارد –قارس- متجمد(16) .‏

هـ-وضع حقول دلالية بناء على علاقة الترادف: يتحقق الترادف حين يوجد تضمن من الجانبين يكون أ) وب) مترادفين إذا كان أ) يتضمن ب) ، وب) يتضمن أ) كما في كلمة "أم" و"والدة(17) .‏

و-وضع حقول دلالية بناء على علاقة الاشتمال: تختلف هذه العلاقة عن علاقة الترادف في أنه تضمن من طرف واحد يكون أ) مشتملاً على ب) حين يكون ب) أعلى في التقسيم التصنيفي أو التفريعي Taxonomic) مثل "فرس" الذي ينتمي إلى فصيلة أعلى "حيوان" وعلى هذا فمعنى "فرس" يتضمن معنى "حيوان"(18)

فالحقول الدلالية بناءً على ذلك هي –مجموعة من الكلمات ترتبط دلالتها وتوضع عادة تحت لفظ عام يجمعها"(19)

وانتهى علم الدلالة إلى تصنيف للحقول الدلالية باعتبار ما تتضمن من الأدلة اللغوية، وما تحيله عليه في عالم الأعيان والأذهان، وهو لا يخرج عن جنسين من المدلولات: مدلولات محسوسة ومدلولات تجريدية.‏

والمدلولات المحسوسة تتفرع إلى قسمين: محسوسات متصلة ومحسوسات منفصلة وبناءً على ذلك توصل أولمان إلى تقسيم الحقول الدلالية إلى أنواع ثلاثة هي:‏

1-الحقول المحسوسة المتصلة مثل التي تشتمل على الألوان.‏

2-الحقول المحسوسة المنفصلة مثل التي تشتمل على الأُسر‏

3-الحقول التجريدية وهي تضم عالم الأفكار المجردة(20) .‏

إن نظرية الحقول الدلالية، قد أسهمت بشكل بارز في إيجاد حلول لمشكلات لغوية كانت تعتبر إلى زمن قريب- مستعصية، وتتسم بالتعقيد ومن جملة تلك الحلول الكشف عن الفجوات المعجمية التي توجد داخل الحقل الدلالي، وتسمى هذه بالفجوة الوظيفية أي عدم وجود الكلمات المناسبة لشرح فكرة معينة أو التعبير عن شيء ما، كذلك إيجاد التقابلات وأوجه الشبه والاختلاف بين الأدلة اللغوية داخل الحقل الدلالي الواحد، وعلاقتها باللفظ الأعم الذي يجمعها ويمكن بناء على ذلك إيجاد تقارب بين عدة حقول معجمية. كما تتمثل أهمية الحقول الدلالية في تجميع المفردات اللغوية بحسب السمات التمييزية لكل صيغة لغوية، مما يرفع ذلك اللبس الذي كان يعيق المتكلم أو الكاتب في استعمال المفردات التي تبدو مترادفة أو متقاربة في المعنى، وتوفر له معجماً من الألفاظ الدقيقة الدلالة التي تقوم بالدور الأساسي في أداء الرسالة الإبلاغية أحسن الأداء(21) .‏

هذه التفريعات التي بحثها العلماء، تعتبر أسس الدراسة في مبحث الحقول الدلالية الذي برز في شكله الأولي في صورة المعاجم اللغوية التي صنفت الأشياء الموجودة في عالم الأعيان، ونتيجة لتقدم العلوم وتشعب المعارف، احتاج الإنسان إلى تصنيف علمي جديد يؤطر معارفه ويمنع عنه اللبس المصاحب لاستعمال اللغة التي هي أداة المعرفة والعلم، فتوصل إلى وضع معاجم لغوية جامعة ومصنفة لمفردات اللغة بشكل دقيق، اصطلح على تسميتها –نظراً لسيادة النظرة الطبيعية العلمية في ذلك العصر- بالحقول الدلالية.‏

الخلاصة:‏

هذه المباحث التي أجملناها، تمثل مجال الدراسة الدلالية التي تهتم بالمعنى وما يتعلق به، فهي تتناوله في صيغته الافرادية كما تتناوله في صيغته التركيبية. وأوّل ما بحث الدرس الدلالي، مسألة اللغة باعتبارها نظام من الرموز اللغوية، فتناولها –في البدء- من الجانب التاريخي كما تناولها الأقدمون من العلماء، وبقيت النتائج التي أحرزها العلماء في هذا المجال مجرد افتراضات تفتقد إلى الدقة العلمية لأنها تكشف عن عالم للغة لا تتوفر حوله معطيات كثيرة إنما هو أشبه بالبحث في مسألة ميتافزقية، ولذلك تعددت النظريات حول نشأة اللغة وإن كانت تعود إلى أحد الاتجاهين التاليين:‏

-اتجاه يقول بعرفية اللغة ومواضعة الناس حول تسمية عالم الأشياء .‏

-اتجاه يذهب إلى أن اللغة توقيفية طبيعية في الإنسان.‏

وداخل كل اتجاه، توجد آراء مختلفة ومتباينة مما حدا ببعض الهيئات العلمية إلى منع إلقاء محاضرات، أو إجراء بحوث تخص النشأة التاريخية للغة.‏

وتناول البحث الدلالي والأنسني بصفة عامة جوهر العملية الدلالية باعتبارها أساس التواصل والإبلاغ، وبما أن موضوع علم الدلالة المعنى، فإنه كان لزاماً على الباحثين الدلاليين أن يتناولوا طبيعة الدال، كما تناولوا طبيعة المدلول. ولقد أطلق سوسير- اختصارا- على الدال والمدلول باعتبارهما وجهين لعملة واحدة مصطلح الدليل اللساني، وفي مجال هذا التناول الدلالي اهتم علماء الدلالة بالعلاقة التي تربط طرفي العملية الدلالية- الدال والمدلول – وبرزت على أساس ذلك، نظريات أرادت تأسيس رؤية موحدة تُظهر من خلالها القوانين اللغوية التي تنتظم الدليل اللساني، فظهر في هذا المجال مبحث العلاقات الدلالية والتي قسمها العلماء إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي: العلاقة الوضعية، والعلاقة الطبيعية، والعلاقة العقلية.‏

إن دراسة طبيعة المدلول، أوحى للعلماء تقسيما آخر للدلالة بالاعتماد على معايير معينة فإذا كان الدال في صيغته الإفرادية فالدلالة –إذن- دلالة معجمية وسماها علماء الدلالة المعنى المركزي أو التصوري أو المفهومي أو الإدراكي، أما إذا كان الدال في صيغته التركيبية فالدلالة سياقية، وقد أكد كثير من علماء الدلالة أن معنى الكلمة هو حصيلة مجموع استعمالاتها في السياقات اللغوية، وعلى هذا الأساس فتكون الدلالة موحية لمعان نفسية أو اجتماعية، أو ثقافية، وقد يفيد السياق معانياً فوق دلالية اصطلح على تسميتها بالقيم تمييزاً لها عن الدلالة وهي القيم الأسلوبية أو التعبيرية، وقد اعتمدت معايير أخرى في تقسيم الدلالة على أساس المفهوم من جهة، وعلى أساس المجزوء من جهة أخرى، وبناء على ذلك، فالدلالة تتوزع إلى ثلاثة أقسام: دلالة مطابقة ودلالة تضمن ودلالة التزام.‏

ودرس علم الدلالة في جملة مباحثه، مسألة التطور الدلالي وهو مبحث اتخذ المنهج التاريخي الوصفي أسلوباً في الدراسة والتحليل، يتتبع الصيغة في مراحلها المختلفة دارساً تغيرها الدلالي واقفاً في هذا المجال على أسباب هذا التغير وأشكاله وانحصرت هذه العوامل في: العامل الاجتماعي الثقافي، العامل اللغوي، والعامل النفسي كما بين الدرس الدلالي الحديث، مظاهر هذا التغير في المعنى منها: التخصيص والتعميم، وانحطاط ورقي المعنى، وتغير مجال الاستعمال وهو ما يسمى بمبحث المجاز الذي يعد مبحثاً خاصاً من مباحث علم الدلالة، وذلك لاعتماده في التخاطب والتواصل اللغوي، فالتعبير اللغوي إما أن يكون ذا دلالة أصلية أو دلالة مجازية، وعلى هذا الأساس فدرس المجاز والحقيقة تنتظم فيه معظم مباحث علم الدلالة، ففيه تبرز طبيعة العلاقة بين الدال والمدلول، وانتقال المدلول لأن يكون دالاً لمدلول آخر وبناء على ذلك فمبحث المجاز هو دراسة لمعنى المعنى، ويمكن أن نلمس في هذا المبحث مختلف الأنساق الدلالية من دلالة المطابقة والتضمن والالتزام، ومن الدلالة العرفية والطبيعية والعقلية، كما يتناول درس المجاز مسألة التطور الدلالي باعتبار أن وظيفة المجاز تتمثل في توسيع المعنى أو تضييقه، أو نقله من مجال دلالي إلى مجال دلالي آخر.‏

وتمثل نظرية الحقول الدلالية "الطريقة الأكثر حداثة في علم الدلالة فهي لا تسعى إلى تحديد البنية الداخلية لمدلول المونمات [الكلمات] فحسب، وإنما إلى الكشف عن بنية أخرى تسمح لنا بالتأكيد أن هناك قرابة دلالية بين مدلولات عدد معين من المونمات،(22) . فتصنيف المدلولات إلى قوائم تشكل كل قائمة حقلاً دلالياً يتيح استعمال أمثل لمفردات اللغة، وفي سبيل ذلك اتخذت معايير معينة منها استنباط العلاقات الأساسية بين الأدلة اللغوية، فقد تكون هذه العلاقة مبنية على أساس التضاد أو التقابل، أو على أساس التماثل أو الترادف أو على أساس التدرج أو التعاقب، أو غير ذلك من العلاقات التي يتشكل على أساسها الحقل الدلالي وميّز علماء الدلالة بين ثلاثة أنواع من الحقول الدلالية.‏

الحقول الدلالية المحسوسة المنفصلة، والحقول الدلالية المحسوسة المتصلة، والحقول الدلالية التجريدية.‏

وجملة القول، فإن هذه المباحث –مجتمعة- تشكل مادة لعلم الدلالة، ومن أجل تأسيس نظرة علمية شاملة تؤطر هذه المادة، وضع علماء الدلالة نظريات مختلفة تباينت نظرتها إلى المعنى لتباين المناهج المعتمدة في البحث والدراسة، إذ تأثرت هذه النظريات بالمنحى العلمي والعقلي السائد في العصر، فأخذ بعضها بالمنهج النفسي السلوكي في تفسير الظاهرة الدلالية وأخذ البعض الآخر بالمنهج العقلي التصوري، كما انبنت نظريات أخرى على أسس فكرية وفلسفية مختلفة.‏

والفصل التالي فيه عرض لمختلف هذه النظريات التي تناولت مسألة الدلالة من جوانبها المتعددة، إذ سنبرز فيه أهم النظريات الأوربية من جهة والنظريات الأمريكية من جهة أخرى. وسنرسم الأسس العامة التي ارتكزت عليها هذه النظريات بما فيها المنهج العلمي المعتمد في التحليل والدراسة الدلالية.‏

(1) اللسانيات وأسسها المعرفية، ص38.‏

(2) علم الدلالة: ترجمة منذر عياشي، ص99.‏

(3) دور الكلمة في اللغة: ترجمة كمال محمد بشر، ص157.‏

(4) د. إبراهيم أنيس، دلالة الألفاظ، ص161-162.‏

(5) د. أحمد مختار عمر، علم الدلالة، ص240.‏

(6) علم الدلالة، ترجمة منذر عياش، ص43.‏

(7) إبراهيم أنيس، دلالة الألفاظ، ص152- إلى ص167.‏

(8) د. أحمد مختار عمر، انظر علم الدلالة، ص243-245-248.‏

(9) اللسانيات وأسسها المعرفية: ص96.‏

(10) د. عز الدين إسماعيل، الأسس الجمالية في النقد العربي، ص378‏

(11) دراسات في القرآن: ص31.‏

(12) د. عبد السلام المسدي، اللسانيات وأسسها المعرفية، ص97.‏

(13) سورة المجادلة الآية 3.‏

(14) علم الدلالة عند العرب- دراسة مقارنة مع السيمياء الحديثة – ص53.‏

(15) Cours linguistiques generale f. de saussure p. 173-174‏

(16) سالم شاكر، انظر مدخل إلى علم الدلالة، ترجمة محمد يحياتين ص44.‏

(17) د. أحمد مختار عمر، علم الدلالة، ص98.‏

(18) المرجع السابق ص99.‏

(19) المرجع نفسه ص79.‏

(20) s. ullman meaming and style p. 27-31‏

(21) د. أحمد مختار عمر، انظر في ذلك علم الأدلة، ص110-111-112‏

(22) د. موريس أبو ناصر. مدخل إلى علم الدلالة الألسني، ص35. مجلة الفكر العربي المعاصر العدد 18/19 السنة 1982.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244