علم الدلالـة أصوله ومباحثه في التراث العربي - منقور عبد الجليل

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 10:37 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الباب الثاني :الدلالـــة عند الآمــدي الفصل الأول: جهود العرب القدامى في الدراسات الدلالية

تمهيد:‏

مما يكاد يجمع حوله جل علماء اللغة والأدب المحدثين أنه لا يمكن عزل النص عن سياقه الحيوي الذي نشأ في أجوائه وتأثر بمناخه المعرفي، بل لولوج فضاء النص العام وتفكيك بنيتة تفكيكاً يبرز الأصول التي تتحكم في نتاج العصر المعرفي والإضافات التي جاء النص بها وأبعادها الفلسفية، وجب مراعاة الروافد المعرفية التي أفاد النص منها أو اتخذ موقفاً إزاءها يقول مطاع الصفدي: "لا يمكن تأويل نص إلا باسترجاع السياق اللغوي والبيئي والانثربولوجي العام الذي نما وترعرع النص فيه"(1) ، ثم إن مفهوم التراث المعرفي لا ينحصر زمانياً في الماضي، وإنما المفهوم الحديث الذي بلوره غادامير Hans – Gorg Gadamer) هو امتزاج التراث مع ذاتية الباحث عنه والملتمس لأسس بنائه، وهذا التراث الحاصل كل مشكل من جدلية الحاضر مع الماضي، فلا وجود لتراث ساكن لأنه لا جدوى منه وإنما الفهم المعاصر المتوافق وكينونتنا الراهنة هو الذي يعطي للتراث أبعاده وذلك بما يتحدد على أساسه من رواسب ثقافية محمولة في وعاء لغوي، ومعنى ذلك أن مساءلتنا للتراث العربي تقوم على أساس من الحوار العادل إذ يتحول التراث إلى ذات محاورة تمتلك رواسبها الثقافية ذات أبعاد معرفية وفلسفية، وتقوم ذاتنا المحملة بمعارف مسبقة تشتمل كل خصائص الوجود الثقافي العلمي الراهن وبذلك ينتفي أي تسلط من أي طرف، وتتغير نظرتنا إلى اللغة الحاملة للفكر التراثي عن كونها كومة رموز خالية من أي عمق دلالي ذلك: "إن إرجاع النص إلى مجرد كومة رموز لاعمق دلالي وراءها هو منهج مادي ساذج، يريد أن يناقض المنهج التجريدي الساذج كذلك الذي يجرد عالم الدلالات بمعزل عن النص وسياقه الحيوي الذي قيل أو خط ضمن إطاره(2) ، وفي هذا الإطار النظري العام تأتي ضرورة تحديد المناخ المعرفي الذي أنتج فيه الآمدي كتابه "الإحكام في أصول الأحكام"، بما اشتمل عليه من مفاهيم دلالية ولسانية تستند ـ بالطبع ـ إلى منهج يملك رؤية معينة في التعامل مع النصوص اللغوية وتأويل دلالتها بما يتوافق والوعي بعمق الحدث اللغوي مكتوباً أو منطوقاً أو مسموعاً، خاصة إذا علمنا أن الآمدي عاش في عصر الملخصات للنتاج التراثي المتقدم الذي تأثر بحركة النقل في القرنين الثاني والثالث الهجريين واللذين شهدا ترجمة لعلوم وآداب اليونان والفرس وغيرهما من الأقوام، وظهر جلياً أثر الفلسفة اليونانية عامة والمنطق الأرسطوطاليسي خاصة في مؤلفات علماء الأصول من المتكلمين(3) . فضلاً عن الفلاسفة المسلمين الذين اتخذوا مواقف متباينة من المنطق اليوناني، فحرصاً منا لمقاربة المنهج المعرفي الذي اعتمده الآمدي في تقديم قراءاته التأويلية لبنية الخطاب اللغوي في القرآن الكريم، عجنا نسائل مجموعة من العلماء الذين افتخر بهم عصرهم، وذلك بما قدموه من عطاءات أسهمت بشكل بارز وواضح في بلورة العلوم الإنسانية في شتى مجالاتها في العصر الحديث، وقد اعتمدنا في سبيل ذلك التدرج الزمني بدءاً بالقرن الثاني الهجري وانتهاءً إلى القرن الذي سبق الآمدي، وحددنا مجالات معرفية تتباين من قرن لآخر، ففي مجال علم أصول الفقه اخترنا الشافعي ـ رضي الله عنه ـ لكونه أول من سن قواعد عامة لاستنباط الأحكام والدلالات من القرآن الكريم، معتمداً أساساً على القياس والفهم العميق لمعاني اللغة العربية، وقد كان اعتمادنا لإبراز إسهامات الشافعي في مجال الدلالة على كتابه "الرسالة" خاصة، وملخصه كتاب: "أحكام القرآن" وبما أن البلاغة وفن النظم لها صلة أساسية بعلاقة اللفظ بالمعنى والتركيب بالدلالة السياقية، أبرزنا إسهامات علماء البلاغة ملخصة في كتابي الجاحظ "البيان والتبيين"، خاصة وكتاب "الحيوان" إلا أن القرن الخامس الهجري قد شهد بروز عالم فذ له حس لغوي نافذ في مجال النظم وهو عبد القاهر الجرجاني في كتابه "دلائل الإعجاز"، ولم نكتف بالجاحظ كمسهم في إرساء نظرية بلاغية ذات أهمية بالغة لكون عبد القاهر قد تخطى المفاهيم الأولية التي كانت معروفة بها البلاغة العربية إلى مفاهيم جديدة لا زالت أحكامها نافذة إلى يومنا هذا رغم تقادم الأزمان وبعد المسافة بيننا وبين صاحبها ـ الجرجاني ـ… وقبل الجرجاني توقفنا عند صاحب كتاب "الخصائص" لنجليَ فيه بعض الأحكام اللغوية التي أضحت سنناً مطردة في فن الإنشاء والتعبير اللغويين، ولا تخفى على أي مطلع على التراث اللغوي العربي مكانة ابن جني في التأسيس لبنية الخطاب اللغوي، بما أرساه من نظريات في اللغة انبنت بطول المعاينة لآلياتها في التشكيل الحرفي واللفظي والسياقي، تنم عن امتلاك حقيقي لأدوات المساءلة اللغوية لسنن العرب في كلامها، وآخر ما ختمنا به رسم الأجواء المعرفية التي ولا شك أفاد منها الآمدي ـ هو الشيخ الرئيس ابن سينا فرصدنا عطاءاته التي تخص الدلالة في كتبه: "منطق المشرقين"، وكتابه "العبارة"، و"الشفاء" ثم كتابه "الإشارات والتنبيهات".. وقد حاولنا في كل ذلك أن نقدم مجمل الإسهامات في مجال الدرس اللغوي عامة والدلالي على وجه الخصوص التي يكون علي بن محمد الآمدي قد أفاد منها إفادة تدل على النضج المنهجي الذي وسم أبحاثه في كتابه الإحكام، وقد اكتفينا عند بعض المتقدمين ـ ممن وقع عليهم اختيارنا كنماذج لقرن معرفي معين ـ ببعض كتبهم عن البعض الآخر وذلك خاضع للبرنامج الذي سطرناه حيث لا ينبغي أن نخوض في مباحث الدلالة عند عالم من هؤلاء المتقدمين خوضاً شاملاً وعميقاً وكأنه موضوع البحث الذي عكفنا فيه على تجلية جهود الآمدي اللسانية والدلالية، واضعين مقاربة علمية نحاول من خلالها ممارسة فعل الحفر والبناء في عطاءات الآمدي اللغوية بناء لا يسلب التراث اللغوي خصائصه وسماته وأبعاده المعرفية، كما لا يقدم تقديماً مشوهاً ومزيفاً نتيجة لتلك الأدوات النظرية الحديثة التي عقدنا من خلالها جدلاً معرفياً لغوياً نراعي فيه شروط المثاقفة التي تتنافى وشروط المشاكلة، فيغدو كتاب الآمدي مشروعاً ثقافياً متجدد الفعالية يطلب قراءة لغوية تتماشى وسنن الكلام والكتابة آنذاك وبذلك نكون قد وصلنا بين حلقات المعرفة اللغوية، وإن لم نعرض لكل فعاليات التراث اللغوي قبل عصر الآمدي، ولكن حسبنا أن نثير مسائل تخص حقل الدلالة المعرفي عند بعض العلماء، الذين اعتبروا كمقدمات مهمة لم تتضح معالم نتائجها إلا في القرون التالية لها، وخاصة مع الآمدي الذي تعد أبحاثه وأفكاره حلقة مهمة لا يمكن إسقاطها في عطاءات القرنين السادس والسابع الهجريين…‏

1 ـ الجهود الدلالية عند الشافعي 150 هـ 204هـ):‏

من خلال كتابه "الرسالة".‏

يعد الإمام الشافعي أول من وضع الأبواب الأولى لعلم أصول الفقه، بحيث بيّن العام من الألفاظ والخاص، كما أشار إلى طرق تخصيص الدلالة وتعميمها باعتماد القرائن اللفظية والعقلية، وكيفية استنباط الأحكام بالاعتماد على التحليل المستند على النقل، يقول الشافعي: و"رسول الله عربي اللسان والدار، فقد يقول القول عاماً يريد به العام، وعاماً يريد به الخاص".(4)

وأقدم ما وصلنا مكتوباً في علم أصول الفقه هو كتاب "الرسالة" للشافعي يُجمع على ذلك العلماء المحدثون والأقدمون على السواء، وكان الكتاب محاولة لوضع قواعد لفهم النصوص القرآنية وتحديد الدلالة المقصودة وفق منهج أظهر مافيه هو القياس الفقهي. يقول الدكتور علي سامي النشار:"يجمع مؤرخو "علم الأصول" على أن أول محاولة لوضع مباحث الأصول كعلم نجدها عند الشافعي، وأنه لم يكن قبل هذا العهد ثمة محاولات لوضع منهج أصولي عام يحدد للفقيه الطرائق التي يجب أن يسلكها في استنباط الأحكام" ولم ينفرد المحدثون من باحثي المسلمين أو من المستشرقين بهذا القول وحدهم. بل إن علماء المسلمين الأقدمين شاركوا فيه بحيث نرى إماماً عظيماً كابن حنبل 214 هـ ـ 285هـ)، يقول: "لم نكن نعرف العموم والخصوص حتى ورد الشافعي"، كما يقول الجويني شارح ممتاز من شراح الرسالة): "أنه لم يسبق الشافعي أحد في تصنيف الأصول ومعرفتها"، كما يقول ابن رشد: "النظر في القياس الفقهي وأنواعه هو شيء استنبط بعد الصدر الأول(5) تلك المصطلحات التي أعطاها الشافعي أبعاده الدلالية، وأضحت معروفة الحدود في علم أصول الفقه إلى يومنا هذا، لا يمكن أن نعطيها قدرها من الإبداع العلمي، إلا إذا أخذناها في عصرنا الأول الذي ظهرت فيه، ذلك أنه ليس من اليسير أن يتوصل عالم إلى حصر أدوات علمه النظرية في بداية تشكل بنية العقل العربي، وخاصة وأن فقه القرآن وتأويل معانيه الراجحة، كانت آنذاك تعتمد على النقل والأثر لقرب عهدها بعصر الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وقد طرح هذا النضج المبكر لدى الشافعي بمعرفته طرق تحديد الدلالات عدة أسئلة تحاول إيجاد التحليل الكافي لذلك النضج المعرفي المبكر، وتقف على أصول منهج الشافعي وروافده المعرفية، فمن المحققين من رد تلك القواعد الفقهية التي استنبطها الشافعي إلى تلك الإرهاصات الأولية التي تمظهرت في تعامل جمهور الصحابة العلماء مع المسائل المستجدة بعد وفاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، يقول ابن خلدون:"ثم نظرنا في طرق استدلال الصحابة والسلف بالكتاب والسنة فإذا هم يقايسون الأشباه منها بالأشباه، ويناظرون الأمثال بالأمثال بإجماع منهم …)، فإن كثيراً من الواقعات بعده ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ لم تندرج في النصوص الثابتة فقايسوه بما ثبت وألحقوها بما نص عليه، بشروط في ذلك الإلحاق، تصحح تلك المساواة بين الشبيهين أو المثلين …) واتفق جمهور العلماء على أن هذه هي "أصول الأدلة"(6) ويكاد يجمع المؤرخون أن مناهج العلماء المسلمين مدينة بشكل بارز إلى منهج الشافعين بل إن من تلا الشافعي ما وسعه إلا أن يقتفي أثر منهجه ويسير على سنن القواعد الأصولية، التي أرساها والتي يكون قد أخذها، أو استوحاها ممن سبقه من العلماء الأحناف ومن جمهور الصحابة الفقهاء، يقول الدكتور سامي النشار:"… وفي الحقيقة إن تاريخ وضع المنهج الأصولي يذهب إلى حد أبعد من عصر الشافعي بكثير، بحيث لا يجب أن نلتمسه فقط عند العلماء الأحناف في السنوات التي تسبق عصر الشافعي، بل في عصر الصحابة أنفسهم ولدى الكثير من فقهائهم، وعن هؤلاء الفقهاء أخذت معظم القوانين التي يحتاج إليها في استفادة الأحكام"(7) ونشير في هذا المجال إلى تلك الأبحاث التي أثارها المتكلمون معتمدين على المنهج العقلاني في تحليل الأحكام وتأويل النصوص، ولاشك أن علماء الأصول بدءاً من الشافعي قد أفادوا من طرق المتكلمين في استنباط الأحكام ومقايسة الأشباه وإلحاق الأمثال ببعضها لتشكيل القانون المنطقي المطرد، وقد أخذ العلماء الأحناف بالقياس العقلي حيث كانوا يلحقون الأصول بالفروع على نقيض الشافعي الذي سوف يطلع فيما بعد بمنهج يقيم فيه الفروع على الأصول(8) ويتجاوز القياس الحنفي إلى نظرية للمعرفة تعتمد أساساً على النصوص المنقولة وعلى علاقة الألفاظ بالمعاني يقول فخر الدين الرازي: "كان الناس قبل الشافعي يتكلمون في مسائل أصول الفقه ويستدلون ويعترضون، ولكن ماكان لهم قانون كلي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفية معارضتها وترجيحها، فاستنبط الشافعي علم أصول الفقه ووضع للخلق قانوناً كلياً يرجع في معرفة مراتب أدلة الشرع إليه.(9)

بينما يذهب بعض المؤرخين إلى إلحاق فكر الشافعي في استنباط الأحكام وتحديد القواعد الأصولية، بفكر اليونان ويسوقون لذلك عللا وأدلة ترجح ذلك، منها أن كتب اليونان في المنطق والفلسفة كانت قد نقلت إلى اللغة العربية قبل الشافعي، فضلاً على ذلك كان الإمام ـ كما يذكر هؤلاء المؤرخون ـ على معرفة باللغة اليونانية. كما ذهب ابن القيم إلى أن الشافعي في قوله بالقياس الأصولي يشارك أرسطو في قوله بالتمثيل ظنياً(10) ، أي كلا من قياس الشافعي وتمثيل أرسطو لا يفضيان إلى اليقين. غير أن هذه العلل والأدلة وغيرها مما ذكره المتقدمون أو المتأخرون من المؤرخين لا تثبت إثباتاً قطعياً تأثر الشافعي بالمنطق الأرسطي خاصة إذا علمنا أن الشافعي في طرق الاستدلال لا يعتمد على العقل إلا لمما، بل إن اعتماده يكاد يقتصر كلياً على النقل، ومقارنة النصوص ببعضها، وإسناد بعضها ببعض في إثبات الدلالة يقول مصطفى عبد الرازق وهو يصف منهج الشافعي في كتابه "الرسالة": "الاتجاه المنطقي إلى وضع الحدود والتعاريف أولاً ثم الأخذ في التقسيم مع التمثيل والاستشهاد لكل قسم، وقد يعرض الشافعي لسرد التعاريف المختلفة ليقارن بينها، وينتهي به التمحيص إلى تخيير ما يقتضيه منها ـ ومنها أسلوبه في الحوار الجدلي المشبع بصور المنطق ومعانيه، حتى لتكاد تحسبه لما فيه من دقة البحث ولطف الفهم وحسن التصرف في الاستدلال والنقض ومراعاة النظام المنطقي حواراً فلسفياً على رغم اعتماده على النقل أولاً وبالذات واتصاله بأمور شرعية خالصة".(11) وما هو ثابت لدى المحققين في حياة الشافعي العلمية، أنه كان يدعو إلى ضرورة الإلمام الشامل بفنون اللغة العربية، لأن فهم النصوص لا يتأتى بغير ذلك، فأصحاب العربية أخلق بتأويل وفهم معاني القرآن والسنة، ينقل معروف الدواليبي إشادة الشافعي بأهل العربية فيقول: "أصحاب العربية جن الإنس يبصرون ما لا يبصر غيرهم"(12) .. ومصطلح "العربية" كان يطلق عصرئذٍ على علوم العربية كالنحو والبلاغة، ويعني ذلك أن الشافعي كان ذا اطلاع واسع بعلم العربية، وطرق تأدية المعاني من غير لبس، وظاهر ذلك من المباحث اللسانية والدلالية التي أثارها في كتابه "الرسالة"، وملخصه كتاب:"أحكام القرآن"، لقد عقد الإمام الشافعي باباً عن الاختلاف بين الأحاديث في رسالته مثبتاً أن اتفاق العبارات لا يعني اتفاق المدلولات. يقول الشافعي موضحاً وكاشفاً أسرار بلاغة الحديث الشريف: "ويسن بلفظ مخرجه عام جملة بتحريم شيء أو بتحليله ويسن في غيره خلاف الجملة فيستدل على أنه لم يرد بما حرم ما أحل ولا بما أحل ما حرم"(13) .. إن هذا الفهم العميق لمقاصد الكلام ينم عن امتلاك الشافعي لحس لغوي، مطّلع على سنن القول ودلالاته، ومراس طويل للفصيح من لسان العرب، بل إن رصف الألفاظ وحسن وقوعها في سياق الجملة، مما يبين عن دلالة اللفظ الذي كان مبهماً في صيغته المعجمية، وهي إشارة إلى فضل تسييق اللفظ من أجل تحديد دلالته، وهو ما نادت به النظرية السياقية Theorie Contextuelle) حيث استقر لدى أصحابها من علماء الدلالة، أنْ ليس للفظ من دلالة إلا دلالته السياقية، يقول الشافعي في إشارته إلى معنى اللفظ السياقي عند العرب في كلامها: "وتبتدئ الشيء من كلامها يبين أول لفظها فيه عن آخره، وتبتدئ الشيء يبين آخر لفظها منه عن أوله(14) ، وتأكيداً لذلك يضع الإمام عنواناً لباب سماه:"الصنف الذي يبين سياقه معناه"(15) .. ويمكن أن نلمس نظرية الشافعي المعرفية بعرض السبل التي يدرك بها الإنسان معنى السياق وقد حصرها الإمام في النصوص الدينية وفي اللغة العربية وسنن العرب في كلامها فضلاً عن الحس السليم في تمييز الخاص والعام والظاهر والخفي الدلالة ونظرية المعرفة تعني الطرق المنطقية التي توصلنا إلى إدراك ماهية الأمور المعقولة والمحسوسة وهي نظرية أسقطت من تناولها البحث في ذات الله تعالى، وفي الفضاء والقدر الجبر والاختيار)، وفي الخلود بعد الموت) كما قال بذلك كبار الفلاسفة(16) ، ومن تمام المعرفة اللغوية التي ينص عليها الشافعي، هو العلم بمعاني اللغة واتساع لسانها، وهي الإشارة إلى وجود المجاز الذي عدّ عند أهل العربية القدامى من طرق توسيع المعنى، وكذلك ينبه الشافعي إلا أن الكلام قد يخرج عن ظاهره كما يخرج عن عمومه وطريق معرفة ذلك هي القرينة اللفظية، يقول موضحاً ذلك كله، ومحدداً طرق المعرفة والاستدلال: "فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها، وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها، وأن فطرته أن يخاطب بالشيء منه عاماً ظاهراً يراد به العام الظاهر ويستغني بأول هذا منه عن آخره، وعاماً ظاهراً يراد به العام ويدخله الخاص، فيستدل على هذا ببعض ما خوطب به فيه وعاماً ظاهراً يراد به الخاص، وظاهراً يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهرة(17) ، إن هذا التعيين الدقيق لمنافذ المعرفة، وهذا التقسيم الواضح لأصناف اللفظ والدلالة، يؤكد أن الشافعي في الصدر الأول كان ذا وعي لغوي كبير بمستويات الكلام، وهو ما جعله حقيقة في طليعة العلماء الذين وضعوا منهجاً بيّنا في استنباط الأحكام، وحصر الدلالات المختلفة، بالنظر الدقيق لظاهر الخطاب اللغوي وباطنه، ثم إن المادة اللغوية التي كان الشافعي يرتكز عليها أساساً لإصدار السنن الدلالية المطردة هو نصوص القرآن الكريم وما صح من الحديث الشريف، وهذا ما يعطي لتلك الأحكام مكانتها من الدقة وصيرورتها لأن تكون شاملة لكلام العرب، وسننها في فن القول والكتابة، ويكفي أن نعرض لعناوين بعض الأبواب التي بحثها الشافعي لنستشف عمق التقسيم لمستويات الكلام عنده، يقول:"باب بيان ما أنزل من الكتاب عاماً يراد به العام ويدخله الخصوص"، "باب ما أنزل من الكتاب عام الظاهر وهو يجمع العام والخصوص"،"باب مانزل من الكتاب عام الظاهر يراد به كله الخاص(18) ، وغيرها من الأبواب، إن أحاديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي أدنى مستوى من الفصاحة وحسن التأليف من القرآن الكريم تكتسي عند الشافعي مقاماً رفيعاً وهي أقرب إلى كلام العرب الفصحاء، مستوى من القرآن الكريم الذي يبقى من أعلى مستويات الكلام على الإطلاق. وفي ذلك مايجيز سحب تلك القوانين التي خصها الشافعي أحاديث النبي على كلام العرب. والقصد من ذلك تبيين معالم المشروع اللساني الذي يهدف اللغويون إلى وضعه في العصر الحديث، بحيث تكتسب تلك القواعد الأصولية التي شملت نصوص القرآن والحديث الشريف طابع الشمولية لكل أقسام الكلام في اللغة العربية، وقد ربط الشافعي تحليله لبنية الخطاب على أساس موقعه من المتلقي الذي يتخذ منه موقفاً من محموله، وذلك ظاهر في أن الخطاب يحمل تأليفاً لمدلولاته ليس غريباً عما اعتاد سماعه المتلقي الذي يقوم بعملية تفكيك لبنية الخطاب بعد حصر مدلولاته، والوقوف على مقاصد صاحب الخطاب. ويقول الشافعي مبيناً موقف المسلمين الفقهاء من الحديث النبوي الذي التبست دلالاته فلم يعرف أظاهر عام هو أم باطن خاص: "…. وهكذا غير هذا من حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو على الظاهر من العام حتى تأتي الدلالة عنه كما وصفت [بطرق تحديد الدلالة لفظياً] أو بإجماع المسلمين: أنه على باطن دون ظاهر، وخاص دون عام، فيجعلونه بما جاءت عليه الدلالة ويطيعونه في الأمرين جميعاً".(19)

كما كان للشافعي رؤية دلائلية للعلامة غير اللغوية إذ في معرض تفسيره للفظ "العلامات" الوارد في القرآن الكريم. استند في تحديد مدلولها على العقل، يقول الله تعالى: "وعلامات وبالنجم هم يهتدون"(20) قال الشافعي: "فخلق الله لهم أي للمسلمين) علامات ونصب لهم المسجد الحرام، وأمرهم أن يتوجهوا إليه. إنما توجههم إليه بالعلامات التي خلق لهم، والعقول التي ركبها فيهم التي استدلوا بها على معرفة العلامات(21) وأثار الشافعي مسألة الترادف في اللغة وقد أثبته في معرض بحثه عن دلالة لفظ "شطر" الوارد ذكره في قوله تعالى مخاطباً نبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام"(22) ، لقد أحصى الشافعي ألفاظاً تناظر لفظ "شطر" في الدلالة منها: وجهة ـ قصد ـ تلقاء.‏

ثم قال: "وكلها بمعنى واحد وإن كانت بألفاظ مختلفة"(23) وقد أُدرج موضوع "الترادف" ضمن مباحث الدلالة في العصر الحديث، لكونه له ارتباط بتأدية المعنى بأشكال لغوية مختلفة وهي مسألة أضحت مدار جدل كبير بين علماء اللغة المحدثين أثبتها البعض وأنكرها البعض الآخر، كما ناقشها الأقدمون وانقسموا إلى قسمين: مثبت للترادف ومنكر لوجوده في اللغة، وقد ألف هؤلاء كتباً عديدة للتدليل على صحة زعمهم، نذكر من بينهم الرّماني صاحب كتاب "الألفاظ المترادفة"، وكراع النمل صاحب كتاب "المنتخب" والفيروز آبادي الذي ألف كتاباً أسماه "الروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف". أما المنكرون لوجود الترادف من الأقدمين فنذكر منهم: ابن فارس في كتابه "الصاحبي" وأبو هلال العسكري في كتابه "الفروق في اللغة"..‏

أما المحدثون فقد وسعوا من دائرة الجدل اللغوي حول مسألة الترادف، وساق كل فريق دلائل تثبت أو تنكر وجود الترادف في اللغة الإنسانية كلها، فقال المثبتون أنه لا خلاف في وجود الترادف بأقسامه: المتقارب دلالياً ـ شبه الترادف ـ الترجمة ـ التفسير)(24) وإنما الخلاف في وجود الترادف الكامل بين لفظين أو أكثر ذلك أن هذا النوع يقتضي التطابق التام بين المكونات الأساسية لجميع الألفاظ التي تبدو مترادفة فضلاً عن التناظر التام بين سماتها الدلالية، أما المنكرون فقد استندوا على نفي الترادف، لكون الاختلاف الفونولوجي بين الألفاظ يقتضي اختلافاً في المعنى(25) ويبدو أن ما قدمه المثبتون من العلل ومن التقسيم لأصناف الترادف في اللغة، هو أرجح وأقوى مما قدمه المنكرون، وذلك هو ما مال إليه الشافعي بعد معاينته لتلك العلاقات التي تربط الألفاظ ببعضها في القرآن الكريم، ولا يفوتنا أن نسجل كذلك إثارة الشافعي لمسألة المشترك اللفظي في لسان العرب ففي تفسيره لقوله تعالى في حق نبيه الكريم: "وأزواجه أمهاتهم"(26) حيث يقول: "مثل ما وصفت: من اتساع لسان العرب وأن الكلمة الواحدة تجمع معان مختلفة"(27) وبذلك غدا الشافعي بما خطه من القواعد ووضعه من السنن، مصدر إلهام لجميع علماء الأصول، بحيث اتخذت "رسالته" كأساس لأي استنباط دلالي من القرآن الكريم، والحديث الشريف، وغدت أبوابها معروفة لدى علماء الدين الذين عكفوا عليها شرحاً وتمحيصاً. يقول الدكتور سامي النشار: "واستمرت رسالة الشافعي سنوات طويلة تسيطر على المناهج الأصولية في العالم الإسلامي. ولم يبدأ التحقيق والتمحيص فيها إلا بعد أكثر من قرن حين بدأ الإمام محمد بن عبد الله أبو بكر الصيرفي 320هـ ـ 932) يضع شرحه عليها. وقد حفظ لنا التاريخ أسماء تسعة(28) من شراح الرسالة"(29) ، وكما أثبت المؤرخون إفادة الشافعي من تلك الحركة العلمية التي قام بها المتكلمون، فقد أعطى الشافعي دفعاً قوياً لعلم الكلام، وذلك أن أضحى بفضله صنف من الأصوليين يمزجون بين طريقة المتكلمين وطريقة الفقهاء في الاستدلال آخذين بالمنهج الذي أرسى أطره الشافعي، من ذلك تجريد القواعد العامة من المسائل الفقهية، كما صنع صاحب الإحكام في أصول الأحكام.‏

2 ـ الجهود الدلالية عند الجاحظ 160 هـ ـ 255هـ):‏

من خلال كتابيه البيان والتبيين والحيوان):‏

إن الجاحظ في علم البلاغة والجمال، يضاهي مكانة الشافعي في علم أصول الفقه، فهو أول من فتق أبواب البيان، وأبان عن مكامن اللغة العربية الجمالية، آخذاً في ذلك جمع الصور اللفظية وغير اللفظية التي تحتضن الفكر و تعبر عن الدلالات والمعاني المختلفة. كما عكف على الدراسة الصوتية للحرف واللفظ لكون ذلك يفضي إلى استقامة البيان وحصول الإبلاغ، بحيث يراعي فيه حسن التأليف بين الحرف والكلمة، وقد أشار الجاحظ في هذا المجال إلى تلك الأمراض النطقية التي تؤدي إلى اختلال في آلة التعبير خاصة في مخارج الأصوات وعدّ منها الكثير(30) . وقد أضحى ذلك في العصر الحديث فرعاً من اللسانيات وقد التمس له العلماء أسباباً فوجدوها عصبية نفسية تؤدي إلى اضطراب أساسي في بنى اللغة وأطلقوا على ذلك المبحث العصب السني Neurolinguistique)(31) تناول الجاحظ في كتابيه: "البيان والتبيين" وكتاب "الحيوان". مباحث لها ارتباط وثيق بموضوع الدلالة، وعلاقتها بطرق تأديتها فلقد قسم العلاقة إلى أصناف، كما وقف على وظائف الكلام، لأن ذلك هو جوهر البيان وفي إطاره تناول الدلالة السياقية، واختيار المكان والمقام الملائمين لموقع اللفظ والمعنى، كما خاض الجاحظ في ذلك الجدل الذي دار حول نشأة اللغة: أتوفيقية هي أم اصطلاحية توفيقية؟… تلك بعض الأبحاث التي تناولها الجاحظ ضمن مباحث البيان، نحاول أن نعبر إليها بغية اقتناص ما نستطيع أن نعثر عليه من مفاهيم لسانية، ودلالية…‏

أ ـ حسن التأليف بين الحروف والألفاظ:‏

إن دراسة أصوات اللغة في الدرس اللساني الحديث تتم ضمن نمطين اثنين..‏

1 ـ الدراسة الصوتية النطقية Articulation التي تتوخى وصف كيفية إنتاج أصوات الكلام، ووصف مخارج الحروف التي تشكل الصوت اللغوي الصحيح بحيث لا تتنافر الحروف مراعاة ليسر النطق وثبات الصوت في الاستعمال إذ تأكد لدى علماء اللغة أن الكلمات المندثرة كان أغلبها مؤلفاً من حروف صعبة التجاور.‏

2 ـ أما النمط الثاني فهي الدراسة الصوتية السمعية Acoustique التي تدرس الخصائص الفيزيائية للصوت اللغوي المنطوق، يقول الجاحظ وهو يعرض صفات الحروف التي تتوافق لتشكل لفظاً صحيحاً والحروف المتنافرة التي تجتمع ليس في لسان العرب فحسب، بل وفي ألسنة العجم من الفرس والأجناس غير العربية(32) : "فأما في اقتران الحروف فإن الجيم لا تقارن الظاء ولا القاف ولا الطاء ولا الغين، بتقديم ولا بتأخير، والزاي لا تقارن الظاء ولا السين ولا الضاد ولا الذال بتقديم ولا بتأخير"(33) . إن الجاحظ بهذا التحليل لطبيعة الحروف يحاول وضع أسس للصوت بحسب قوته من الجهر أو الهمس، فالحروف التي تختلف في السمات الصوتية تكون أقرب إلى المجاورة من الحروف التي تتفق في ذلك، فالجيم صوت مجهور لا يقع مجاوراً لصوت الظاء أو القاف أو الطاء ولا الغين لكون هذه الحروف لها سمات الجهر كذلك، وهو ما استخلصته الألسنية الحديثة التي صنفت الحروف إلى مخارج وتأكد استحالة تأليف لفظ من حروف تنتمي لذات المخرج النطقي وإنما اللفظ الذي تتوفر فيه سمات النطق الصحيح هو المؤلف من حروف متباعدة المخارج مختلفة السمات الصوتية..‏

والبيان ـ عند الجاحظ ـ يقتضي عدم التنافر بين مجموع الألفاظ التي تؤلف الجملة حتى أنه ينقل قول الشاعر:‏

وقبر حرب بمكان قفر‏

وليس قرب قبر حرب قبر.‏

ولصعوبة إنشاده ثلاث مرات متتالية ظن البعض من اللغويين أنه من أشعار الجن، وذلك لما بين كلماته من تنافر يعسر نطقها مجتمعة في سياق واحد، ولما في إنشادها من الاستكراه والنبو، والبلاغة عند الجاحظ ليس إلا أن تؤلف في نسق صحيح بين كلمات أو بين حروف اللفظ ثم تراعي حسن موقع المعنى من ذلك لتقذفه إلى سمع المتكلم فإذا هو يعيَه ويستوعبه يقول الجاحظ: "لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه ولفظه معناه، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك"(34) ، ثم إن القدر المساوي بين اللفظ والمعنى يقتضي أن يصرف المتكلم كلامه على وجه لا إطناب فيه، ولا حشو لأن تآليف الكلام سليمة واقتضاؤها للمعنى صحيح يقول الجاحظ: "وإنما الألفاظ على أقدار المعاني فكثيرها لكثيرها وقليلها لقليلها، وشريفها لشريفها، وسخيفها لسخيفها، والمعاني المصغرة البائنة بصورها وجهاتها تحتاج من الألفاظ إلى أقل ما تحتاج إليه المعاني المشتركة والجهات الملتبسة"(35) فعلى قدر المعاني تأتي الألفاظ، فقد تكفي الإشارة الحقيقية للمعنى الظاهر البعيد عن اللبس وقد تتطلب المعاني الخفية التي تحتمل دلالات كثيرة إلى ألفاظ كثيرة قصد إجلاء الدلالات المشتركة والإبانة عن المعنى المراد. وإن إدراك الجاحظ إلى أن اللفظ هو عبارة عن مقاطع صوتية تنتج عنها حروف وأصوات، ليعبر عن القدرة التي أوتيها في معاينة اللغة يضاهي في ذلك ما أشار إليه أندري مارتينه في قوله بالتلفظ المزدوج Double articulation يقول الجاحظ: "الصوت وهو آلة اللفظ والجوهر الذي يقوم به التقطيع وبه يوجد التأليف… ولا تكون الحروف كلاماً إلا بالتقطيع والتأليف"(36)

ب ـ أصناف العلامة عند الجاحظ:‏

إن الدلالة كامنة مستترة لا ظهور لها دون العلامة التي تجسدها وتحققها في الواقع اللغوي، هذه العلامة عند الجاحظ تشمل كل الوسائل التعبيرية الممكنة، اللغوية وغير اللغوية، وبذلك يكون قد أوضح المسألة الدلالية في بعدها الكلي وهو ما أضحى يعرف بعلم الرموز semiologie)، فقد عدَّ الجاحظ خمسة أصناف من العلامة هي: اللفظ والإشارة والعقد والخط والحال أو النصبة. يقول الجاحظ موضحاً أدوات البيان الخمس: "وجميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ. خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد: أولها اللفظ، ثم الإشارة، ثم العقد، ثم الخط، ثم الحال، التي تسمى نصبة….)، ولكل واحد من هذه الخمسة صورة بائنة من صورة صاحبتها، وحيلة مخالفة لحيلة أختها، وهي التي تكشف لك عن أعيان المعاني في الجملة، ثم عن حقائقها في التفسير…"(37) وكان الجاحظ قد أشار إلى أن هذه التقسيم لأدوات البيان كان من الأحسن أن يكون في أول الكتاب،(38) ، وذلك لشمولية تلك الأدوات لكل مرامي البيان، ومستويات الكلام البليغ.‏

إن الأداة الأولى للبيان هو اللفظ اللغوي ـ كما ينص على ذلك الجاحظ ـ وذلك لأن اللغة تبقى في إمبراطورية العلامات، تهيمن على كل الأنظمة الإبلاغية، وقد خصَّ الجاحظ اللفظ الدال بجملة سمات تعني بنيته الدلالية وبنيته الصورية يقول الجاحظ: "ثم إن حكم المعاني خلاف حكم الألفاظ، لأن المعاني مبسوطة إلى غير نهاية وممتدة إلى غير نهاية، وأسماء المعاني مقصورة معدودة ومحصلة محدودة"(39) . إن تصوراً لإنفصالية العلاقة بين اللفظ والمعنى يكرسه تعريف الجاحظ للفظ أو للمعنى فهما ـ كما أشار إلى ذلك دو سوسوسير ـ أشبه بوجهي الورقة الواحدة أو العملة الواحدة، فنرى الجاحظ في كتبه يبرزهما دائماً في شكل ثنائية تقابلية، إن الألفاظ ـ على نقيض المعاني ـ متناهية، محدودة، لأنها مشكلة من أصوات، والصوت محدود معدود، ولذلك كانت المعاني مما يتوصل إليها بأشكال مختلفة من الألفاظ، فاللغة قاصرة على أن تحيط بعالم المتكلم أو بالعوالم الدلالية كما سماها "غريماس".‏

أما الإشارة فهي علامة غير لغوية تشمل التعبير عن حالات نفسية وبيولوجية مختلفة، وتكون بأعضاء الإنسان كاليد والرأس أو بأشياء أخرى خارجة عن أعضائه كالثوب والسيف. والحقيقة أن الجاحظ قد استطاع أن يحصر الإشارة غير اللفظية حصراً يتجاوز به عصره الذي نشأ فيه إلى عصر انبثاق علم الرموز. يقول الجاحظ: "فأما الإشارة فباليد وبالرأس وبالعين والحاجب والمنكب إذا تباعد الشخصان وبالثوب وبالسيف، وقد يتهدد رافع السيف أو السوط فيكون ذلك زاجراً ومانعاً رادعاً ويكون وعيداً وتحذيراً".(40) أما علاقة الإشارة باللفظ فهي تفصح عن مدلوله وقد تنوب عنه في الدلالة عليه، كما تعتبر الإشارة إيجازاً أو حذفاً أستغني فيه اللفظ في موضع لا يختل فيه البيان بالإشارة. يقول الجاحظ: "والإشارة واللفظ شريكان. ونعم العون هي له ونعم الترجمان هي عنه وما أكثر ما تنوب عن اللفظ وما تغني عن الخط… ولولا الإشارة لم يتفاهم الناس معنى خاص الخاص:(41) إن للإشارة مجالها الوظيفي قد لا يلجه اللفظ، وهو الدلالة على "معنى خاص الخاص"، ويقصد به الجاحظ المعنى الموجز إيجازاً، لا يكون إلا بالإشارة دون غيرها من أدوات البيان الخمس، وقد يكون اللفظ ناقصاً في الدلالة على المعنى لا يرفع عنه النقص إلا بمصاحبة الإشارة له. يوضح الجاحظ ذلك بقوله: "وحسن الإشارة باليد والرأس من تمام حسن البيان باللسان"(42) ، أما الدلالة بالعقد أو الحساب فهي كذلك من شمول أصناف البيان الخمس، فالرقم الحسابي الذي تضمنته آيات القرآن الكريم يحمل دلالات ومنافع جليلة، بل إن دلالة الرقم الرياضي هي من الدلالات المنطقية، فسواء كانت مفردة أو أضيفت لبعضها البعض فإنما هي دوال تهدي إلى مدلولات، إذ تُتخذ مدرجاً يُرتقى به من المعلوم فرضاً إلى المجهول تقديراً. يقول الجاحظ، مؤكداً على قيمة دلالة العقد ضمن أنظمة الإبلاغ الأخرى: ".. والحساب يشمل على معانٍ كثيرة، ومنافع جليلة، ولولا معرفة العباد بمعنى الحساب في الدنيا لما فهموا عن الله ـ عز وجلَّ ـ معنى الحساب في الآخرة، وفي عدم اللفظ وفساد الخط، والجهل بالعقد فساد جل النعم وفقدان جمهور المنافع واختلال كل ما جعله الله ـ عزَّ وجلَّ ـ لنا قواماً ومصلحة ونظاماً"(43) ..‏

أما الدلالة بالنصبة أو الحال، فهي في حقيقتها امتداد للدلالة بالإشارة لأنها دلالة كل صامت أو ماكان في حكمه من جماد أو إنسان أو حيوان، فصورته المرئية أو المسموعة تحمل مدلولات ترتبط بشكل علائقي مع دوالها. وبذلك يكون الجاحظ قد نظر إلى عالم الإشارة نظرة شاملة وهو في ذلك يستلهم أحكامه من القرآن الكريم، الذي جعل الله فيه كل شيء هو آية أو علامة من علامات الكون الفسيح ودليل من دلائلية ألوهيته وربوبيته ـ عزَّ وجلَّ ـ يقول الجاحظ: "وأما النصبة فهي الحال الناطقة بغير اللفظ والمشيرة بغير اليد، وذلك ظاهر في خلق السموات والأرض، وفي كل صامت وناطق، وجامد ونام ومقيم، وظاعن وزائد وناقص. فالدلالة التي في الموت الجامد. كالدلالة التي في الحيوان الناطق. فالصامت ناطق من جهة الدلالة والعجماء معربة من جهة البرهان"(44) . إن البلاغة عند الجاحظ ـ إذن ـ تهدف إلى تحقيق غاية من الكلام البشري تتلخص في حسن الإبلاغ بوسائل مختلفة ذات نسق تنظيمي محكم، وهو بذلك يؤسس لمفاهيم لسانية ودلالية تتوخى الشمولية في التناول، منطلقاتها شروط توصيل الدلالة كما يقصد إليها المتكلم مع وعي دقيق بأوضاع المستمع المتلقي، وأجوائه النفسية والحالية العامة. يقول الجاحظ ملخصاً ذلك كله: "وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة وحسن الاختصار ودقة المدخل يكون إطار المعنى"(45) .. ويحصل ثمة الإبلاغ بتوافر سمات تعود إلى الإشارة وإلى طريق تأديتها من دقة الاختيار وتناسبها مع المعنى المؤدي، دون النظر إلى أداة ذلك من أدوات البيان الخمس. وقد أورد الجاحظ تلخيص هذه الأدوات في كتاب الحيوان إلا أنه لم يشر صراحة إلى أداة النصبة أو الحال وذلك لكون الكتاب كان قد ألفه قبل كتاب البيان والتبيين الذي وردت فيه الأدوات خمساً مفصلة ومحددة، يقول الجاحظ: "وجعل [الله] آلة البيان التي بها يتعارفون الناس) معانيهم والترجمان الذي إليه يرجعون عند اختلافهم في أربعة أشياء، وفي خصلة خامسة وإن نقصت عن بلوغ هذه الأربعة في جهاتها، فقد نزل بجنسها الذي وضعت له، وصرفت إليه. وهذه الخصال هي: اللفظ والخط والإشارة والعقد، والخصلة الخامسة ما أوجد من صحة الدلالة، وصدق الشهادة ووضوح البرهان، في الأجرام الجامدة والصامتة والساكنة"(46) ..‏

ج ـ وظائف الكلام عند الجاحظ:‏

لقد أوضح "رومان جاكبسون R.Jackobson)" الوظائف التي يؤديها الخطاب اللغوي انطلاقاً من فحوى مضمونه الذي يحدد قصد المتكلم، وغايته من إعلام السامع، الذي بدوره يتخذ أشكالاً عدة من ردود الفعل تجاه الخطاب اللغوي الذي استفزَّه وأثاره، هذه الوظائف هي : الوظيفة المرجعية، والوظيفة الانفعالية، أو التعبيرية، والوظيفة الإنشائية، ووظيفة إقامة الاتصال، والوظيفة الشعرية، والوظيفة ما بعد الألسنية….(47) بعض هذه الوظائف يمكن مقاربتها بوظائف أشار إليها الجاحظ في معرض حديثه عن البيان. يقول: "لا يعرف الإنسان ضمير صاحبه ولا حاجة أخيه وخليطه ولا معنى شريكه المعاون له على أموره وعلى ما لا يبلغه من حاجات نفسه إلا بغيره، وإنما يحيي تلك المعاني ذكرهم لها وإخبارهم عنها واستعمالهم إياها"(48) … وذلك أن المعاني كامنة مستترة لا يمكن أن يعلمها الآخر) إلا إذا تمظهرت في أنماط مقولية، بها يطلع على ما في ضمير مخاطبه، ولا ينعقد الاتصال الإعلامي بينهما حتى يفصح أحدهما عما في نفسه من الحاجات للآخر، فكأن تلك المعاني كانت ميتة فأحييت بالذكر والأخبار والاستعمال، وهذا مايكاد جاكبسون) يعنيه من الوظيفتين المرجعية referentielle) والوظيفة التعبيرية أو الانفعالية emotive) إذ الأولى تعني التخاطب بهدف الإشارة إلى محتوى معين نرغب في إيصاله إلى الآخرين وتبادل الآراء معهم، أما الثانية فهي تتمحور حول إبراز موقف المتكلم ـ خاصة ـ من مختلف القضايا موضوع حديثه.(49)

وكان الجاحظ في كتابه "البيان والتبيين " يسوق نصوصاً وأخباراً تخص بعض البلغاء وبعض الذين استشهد بكلامهم، قصد تعليل رؤيته اللغوية حول قضية من قضايا اللغة، ويمكن أن نلتمس وظيفة الاتصال Phatique) في حوار أقامه مع صديق له يقول الجاحظ: "فقلت له ـ أي للعتابي ـ قد عرفت الإعادة والحبسة [وهما من عيوب النطق] فما الاستعانة؟ قال: أما تراه إذا تحدث قال عند مقاطع كلامه: يا هناه، ويا هذا ويه هيه، واسمع مني واستمع إليَّ، وافهم عني أو لست تفهم أو لست تعقل…".(50) فالجاحظ يرصد هاهنا بعض "المداخل" اللغوية التي كانت توظف لإعادة إقامة الاتصال الذي قد يتعرض لاضطراب في قناته. فتأتي هذه "المداخل" لتضمن وتؤمن للاتصال استمراريته. هذه بعض الوظائف التي رصدناها من خلال معاينة ما أورده الجاحظ في كتابه، وهي تعبر بصدق عن امتلاك قوي وكبير لناصية اللغة وآلياتها في الإبلاغ والتواصل..‏

د ـ أصل اللغة عند الجاحظ :‏

يذهب الجاحظ في البحث عن أصل اللغة مذهب القائلين بالتوقيف لا التوفيق، ويقدم لصحة مذهبه أدلة وحجج منها كلام عيسى ـ عليه السلام ـ بالحكمة وهو صبي، كما أن آدم وحواء كانا محتاجين للغة، للتفاهم والتحاور والتشاور فأخذ الله بأيديهم وألهمهم لغة، وحياً من عنده، ثم إن القرآن الكريم قد أتى بألفاظ لم يعرفها العرب في جاهليتهم وذكر الجاحظ بعضاً منها كتسمية كتاب الله قرآن، والتيمم مسح على التراب، والقذف فسق، إن ذلك كله لم يكن في لغة أهل الجاهلية.(51) ومع ذلك أقر الجاحظ بوجود ألفاظ جديدة كانت ثمرة للتواضع والاصطلاح بين أهل اللغة استدعتها ظروف مستجدة، وعلوم فرضت مصطلحات جديدة حتى غدا لجمهور الفقهاء وعلماء أصول الفقه وأهل اللغة والأدب، لكل معجمه الخاص، فكان ذلك اصطلاح على نظام علامي داخل نظام علامي عام. فالجاحظ كان يميل إلى القول بأن اللغة إلهام في الأصل إلا أنه يقول بالاصطلاح كذلك لأن المعاني غير متناهية، والعالم الدلالي غير محصور ولذلك قد يلجأ المتكلم إلى الاحتيال على نفسه وعلى اللغة، وذلك ليغطي عن قصوره وقصورها، لأنه لا يستطيع أن يحيط بعالم المعنى كما أن اللغة لا يمكنها أن تعبر عن كل ما يشكل عالمه الدلالي، فيلجأ عندئذٍ إلى اختراع أنظمة جديدة للتواصل يكون للاصطلاح فيها المحل الأول ولكنها ـ هذه الأنظمة الجديدة ـ تعيش داخل نظام كلي عام هو اللغة الأصلية الأولى.‏

هـ ـ الدلالة السياقية عند الجاحظ :‏

إن مفهوم الجاحظ للمعنى ينبني على رصد موقعه من جملة المعاني ومقابلته باللفظ، فيحدد المعنى بأنه مدلول الكلمة من الأشياء والأفكار والمشاعر(52) ، كما أن طبيعة المعنى تخالف طبيعة اللفظ، فالمعنى مستتر خفي واللفظ هو المستخدم لبيانه وظهوره وعلى ذلك فالمعاني محلها النفس وصورتها في الذهن، كما أن الفكر هو الذي يشكلها ويحدثها. يقول الجاحظ : "قال بعض جهابذة الألفاظ ونقاد المعاني: المعاني القائمة في صدور الناس المتصورة في أذهانهم والمختلجة في نفوسهم والمتصلة بخواطرهم والحادثة عن فكرهم"(53) هذه هي مواصفات المعنى عند الجاحظ يضاف إليها لا محدوديتها ولا نهائيتها مقابل لمحدودية الألفاظ ونهائيتها. يقول الجاحظ في ذلك:"ثم إن حكم المعاني خلاف حكم الألفاظ، لأن المعاني مبسوطة وممتدة إلى غير نهاية وأسماء المعاني مقصورة معدودة ومحصلة محدودة"(54) .‏

وبعد أن أوضح الجاحظ مقام المعاني بالنسبة للألفاظ ومقامها في ذهن المتكلم إذ هي أقدار وأحوال وليست على درجة واحدة من الاستعمال، فما يصلح لهذا المقام والحال قد لا يصلح لمقام وحال آخرين، وهذا ما عنته النظرية المقامية، يقول الجاحظ كاشفاً عن الدلالة المقامية أنه ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين وحالاتهم، فيجعل لكل طبقة منهم كلاماً يخصهم به حتى يقسم بالتساوي أقدار الكلام على أقدار المعاني ويقسم المعاني على أقدار المقامات التي هم عليها المستمعون وحالاتهم(55) . فالمعاني إذن تصنف وترتب بحسب أصناف الناس في المجتمع وتباين مقاماتهم وأحوالهم. وتلك رؤية علمية في غاية الدِّقة لطبيعة وجوهر العملية الإبلاغية، التي يراعى فيها الشروط الموضوعية الخارجية) والشروط الذاتية التي يتصف بها الخطاب وصاحبه وهو ما تنادي به بعض المدارس اللسانية الحديثة التي تدعو إلى ضرورة الإحاطة بوضع المتلقي النفسي والاجتماعي حتى لا يقع المعنى في انسداد دلالي. وتلك إشارة إلى وجوب التوفيق عند المتكلم بين خطابه ومقام المستمع المتلقي، ويعني ذلك أن المتكلم كان قد قام بمطابقات تركيبية تشمل المطابقة النحوية التأليف على سمت كلام العرب)، والمطابقة البلاغية معرفية الفصل من الوصل) فضلاً على المطابقة بين اللفظ والمعنى وحسن موقع الكلمة من السياق، وهو ما تشير إليه نظرية الوقوع أو الرصف collocational theory) حيث يعرف ستيفن أولمان الوقوع أو الرصف بقوله: "هو الارتباط الاعتيادي لكلمة ما في لغة ما بكلمات أخرى معينة".(56) ثم إن عرض الجاحظ لموضوع التنافر الحادث بين الكلمات يقدم التقدير الكافي لمنع الوقوع أو الرصف في بعض السياقات، وقد أكدت دراسات دلالية تالية في النظرية السياقية، أن الجملة لا تعتبر كاملة المعنى إلا إذا صيغت طبقاً لقواعد النحو، وراعت توافق الوقوع بين مفردات الجملة وتقبلها أبناء اللغة بحيث يعطونها تفسيراً ملائماً وهو ما سمي باسم التقبلية(57) Acceptability)، كما اتضح في الدرس الدلالي الحديث أنه كلما كان المتلقي على علم مسبق بفحوى الخطاب، كلما كان استيعابه للدلالة أكثر، واتخذ الخطاب نمط الإيجاز والاقتصاد، أما إذا كان المتلقي ممن لا يستوعب الخطاب إلا إذا كان كاملاً مفصلاً لاعتبارات شتى، فإنّ ذلك يقتضي التبسيط في بنيته ولذلك يقول الجاحظ: "رأينا الله تبارك وتعالى إذا خاطب العرب والأعراب، أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي والحذف، وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم جعله مبسوطاً وزاد في الكلام"(58) . وقد يبلغ الحذف تمامه في الإضراب حيث يزول كل شيء وتبقى المعاني عارية "غفلاً غير موسومة"(59) .‏

إن المقام ومحدودية الدراسة، لا تسمح لنا أن نفيض في المباحث اللغوية التي أثارها الجاحظ، ولو استرسلنا في عرض عطاءات الجاحظ اللسانية والدلالية لضاق بنا المجال ولاحتاج ذلك لدراسة مستقلة، تحاول أن تقارب بين ما أبدعه الجاحظ وما قررته الدراسات اللغوية الحديثة. وحسب الجاحظ –من خلال ما قدمناه من عرض مقتضب- أنه كرّس رؤية علمية شاملة، إذ نظر إلى بنية اللغة نظرة كلية آخذاً في ذلك بمبدأ أن الدلالة لا تتحقق إلا بتفاعل الأنساق اللغوية المختلفة، منها ما يخص المرسل ومنها ما يخص المتلقي من أهل اللغة، كما لم يغفل نسق المحتوى والمضمون فضلاً على قناة الإرسال وعنى بها التركيب وسماته الصورية من تآلف الكلم وفق قواعد التركيب والنحو، وما أظهره الجاحظ هو مرونة النظام اللغوي، وقابلية الشكل والمحتوى إلى التغيير في ظل معطيات الإبلاغ والتواصل، وأقرب تمثيل لذلك هو الانزياح الدلالي المعبر عنه بالمجاز.‏

(1) استراتيجية التسمية، التأويل وسؤال التراث ـ مجلة الفكر العربي المعاصر ص 4 ـ عدد 30/31ـ 1984.‏

(2) مطاع الصفدي، المرجع السابق، ص 4-5.‏

(3) سنعرض لهذه الفكرة في مبحثنا حول الشافعي ، وطرق الاستدلال عنده، والآمدي في كتابه "الأحكام في أصول الأحكام".‏

(4) الرسالة ـ ص 213.‏

(5) فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال ـ ص 15.‏

(6) المقدمة ـ ص 551.‏

(7) منهج البحث عند مفكري الإسلام ـ ص 81.‏

(8) المرجع السابق ـ ص 82.‏

(9) مناقب الشافعي ـ ص 98-102 ـ نقله د. سامي النشار في كتابه منهج البحث عند مفكري الإسلام ـ ص 83.‏

(10) مفتاح السعادة ـ ج 2 ـ ص 232.‏

(11) تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية ـ ص 245.‏

(12) المدخل وإلى علم أصول الفقه ـ ص 76.‏

(13) كتاب الرسالة ـ ص 214.‏

(14) المصدر السابق، ص 52.‏

(15) المصدر نفسه، ص 62.‏

(16) بحوث ومقارنات في تاريخ العلم وتاريخ الفلسفة في الإسلام، ص 107.‏

(17) كتاب "الرسالة"، ص 52.‏

(18) المصدر السابق، ص 53-56-58.‏

(19) المصدر نفسه، ص 322.‏

(20) سورة النحل، الآية 16.‏

(21) كتاب "أحكام القرآن"، ص 70.‏

(22) سورة البقرة، الآية 150.‏

(23) كتاب الأحكام، ص 68-69.‏

(24) د.أحمد مختار عمر، انظر علم الدلالة، ص 220-221-223.‏

(25) المرجع السابق، ص 224.‏

(26) سورة الأحزاب، الآية 06.‏

(27) أحكام القرآن، ص 167.‏

(28) هؤلاء التسعة هم: الصيرفي : النيسابوري. حسان بن محمد. القفال محمد بن علي، الحافظ أبو بكر الجورفي، أبو زيد الجروي، يوسف بن عمر . جمال الدين الفهمسي أو ابن الفاكهاني وأبو قاسم عيسى بن ناجي.‏

(29) منهج البحث عند مفكري الإسلام، ص 87.‏

(30) من هذه الآفات التي تصيب النطق: التعتع، التمتمة ـ الحبسة ـ العقدة ـ العقلة… انظر البيان والتبيين باب عيوب البيان، ص 27.‏

(31) د.ميشال زكريا، انظر ذلك في كتاب: "الألسنة، علم اللغة الحديث ـ ص 70.‏

(32) البيان والتبيين، ج1، ص 51.‏

(33) المصدر السابق، ج1، ص 77.‏

(34) المصدر نفسه، ج1، ص 81.‏

(35) الحيوان، ج6، ص 08.‏

(36) البيان والتبيين، ج1 ص، 84.‏

(37) المصدر السابق، ج1، ص 82.‏

(38) المصدر نفسه، ج1، ص 82.‏

(39) المصدر نفسه، ج1، ص 81.‏

(40) المصدر نفسه، ج1، ص 83.‏

(41) المصدر نفسه، ج1، ص 83.‏

(42) المصدر نفسه، ج1، ص 84.‏

(43) المصدر نفسه، ج1، ص 85.‏

(44) المصدر نفسه، ص 86.‏

(45) المصدر نفسه، ص 89.‏

(46) الحيوان، ج1، ص 40.‏

(47) Essais de linguistique generale. p. 98. ـ وانظر شرح ذلك في الباب الأول: مبحث اللغة، ص 37.‏

(48) البيان والتبيين، ج1، ص 81.‏

(49) د.ميشال زكريا : "الألسنية، علم اللغة الحديث" ص 54.‏

(50) البيان والتبيين، ج1، ص 112.‏

(51) انظر الحيوان، ج1، ص 280-281.‏

(52) د.ميشال عاصي، مفاهيم الجمالية والنقد في أدب الجاحظ، ص 166.‏

(53) البيان والتبيين، ج1، ص 81.‏

(54) المصدر نفسه، ج1، ص 131.‏

(55) المرجع السابق، ج1، ص81.‏

(56) Meaning and style… p.. 10‏

(57) انظر علم الدلالة،د.احمد مختار عمر، ص77.‏

(58) الحيوان،ج1،ص94.‏

(59) محمد الصغير بناني، النظريات اللسانية والبلاغية والأدبية عند الجاحظ –من خلال البيان والتبيين، ص270.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244