|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 10:37 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثالث: الخـــطاب الإبلاغـــــــي وحداته ومقوماته عند الآمدي 1-وحدات الخطاب اللغوي: إن الثنائية التقابلية التي وضعها سوسير، اللغة/الكلام، كانت الأرضية التي تأسست عليها رؤى مختلفة حول مفهوم الخطاب le discoure) وما يقابله وهو المنطوق Penonce) وقد أفضى ذلك إلى التمييز بين ما هو أساسي، وما هو عرضي. يشرح ذلك العالم اللساني جسبن L. Guespin) معرفاً الخطاب بقوله: "هو تعبير يخضع لآليات وشروط متحكمة، فإذا ما رمنا الدراسة اللسانية لشروط إنتاج نص ما كنا بصدد دراسة خطابه، وإذا ما ألقينا نظرة على ذلك النص من وجهة نظر تركيبه أو بنائه اللغوي كنا بصدد دراسة منطوقة".(1) وقد عرض الآمدي لوحدات الخطاب اللغوي وهي: الحرف والفعل والإسم. أ-الحرف: فالخطاب اللغوي عند الآمدي يضطلع بتوفير الآليات التعبيرية التي تبدأ من أدنى صيغة إلى أكبر تركيب، فالتفريع الدلالي للحرف يمثل إحدى أهم الأدوات في الخطاب الشرعي لدى الآمدي فضلاً عن الركن الإسمي والركن الفعلي. ولذلك نجد الآمدي في كتابه الإحكام يقيم للحروف جدولاً تفريعياً من زاوية وظيفته الدلالية، فالحرف ما دل على معنى في غيره وهو أصناف منها حرف الإضافة، وهو ما يفضي بمعاني الأفعال إلى الأسماء وهو ثلاثة أقسام، لكل منها دلالات معينة مقيدة بضوابط محكمة، فمن الحروف مالا يكون إلا حرفاً كمِنْ) التي تؤدي دلالة التبعيض ودلالة بيان الجنس وبداية الغاية وما إلى ذلك، ومنها مالا يكون حرفاً وإسماً معاً كعَنْ) التي تؤدي دلالة المباعدة، وقد تكون إسماً مجروراً بإحدى أدوات الجر، ومن الحروف ما يكون حرفاً وفعلاً -كخلا وحاشا-) اللتين تفيدان الإستثناء،(2) ويمكن توضح ذلك الرسم التفريعي الآتي الدلالة الحرفية التفريغ الدلالي للحرف الدلالة الإسمية الدلالة الفعلية ويقف الآمدي وقفة طويلة في مبحث حروف العطف، ويعرض لآراء العلماء في ذلك ثم ينقضها. وقد حصل الاختلاف في دلالة الواو) أهي للجمع المطلق، أم للترتيب فيشترك إذن مع الفاء) وثم). فهناك من العلماء- ممن عارض الآمدي رأيهم- يذهب إلى حمل الواو) على دلالة الترتيب مجازاً لأنه يتعذر حملها على ذلك في بعض التراكيب الخالية من القرائن، ففي قول السيد في خطابه لعبده: أيت بزيد وعمرو) أنه كان يجب على العب الترتيب، يرد الآمدي على هذا الرأي قائلاً: "أنه لم يجب على العبد الترتيب نظراً إلى قرينة الحال المقتضية لإرادة جهة التجوز، حتى لو أنه فرض عدم القرينة لقد كان ذلك موجباً للترتيب.(3) فالسند الذي اعتمده الآمدي في تصريف دلالة ذلك الخطاب من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية، هو "قرينة الحال" وذلك ما درسه البحث الدلالي واللساني الحديث فيما سمي بالدلالة المقامية، ويقابل الآمدي مقابلة علائقية بين الواو) التي تدل على الجمع المطلق أصلاً، وبين الفاء) وثم) اللتين تدلان على الترتيب، فتكون دلالة مطابقة بين الواو) وبين دلالة الجمع المطلق، ودلالة تضمن والتزام بين الواو) وبين دلالة الترتيب المشترك، وتبعاً لذلك كانت الواو) دالة حقيقة وأصلاً على معنى الجمع المطلق بحيث يشترك المعطوف والمعطوف عليه في القضية والحكم. وتدل الواو) كذلك من جهة التجوز فتقيد الترتيب، يشرح ذلك الآمدي فيقول: فنحن إنما نجعل الواو) في الترتيب المطلق المشترك بين الفاء) وثم) وذلك مما تدل عليه الفاء) وثم) دلالة مطابقة، بل أما بجهة التضمن أو الإلتزام، وكما أنها تدل على الترتيب المشترك بدلالة التضمن أو الإلتزام، فتدل على الجمع المطلق هذه الدلالة، وعند ذلك فليس إخلاء الترتيب المشترك عن لفظ يطابقه أولى من إخلاء الجمع المطلق.(4) ويورد الآمدي أمثلة تطبيقية تميز بين حروف العطف ثم، الفاء، حتى) التي تشترك في الدلالة على الترتيب، ولكنها تحدها دلالات هامشية ضرورية لمقتضى الحال وسياق الخطاب، وإن مرد ذلك إلى الدلالة الزمانية التي تكون محل اختلاف وتفاوت بين كل حدث وآخر مما تشرف عليه هذه الحروف الثلاثة، وتسهم في تحديده وتأويل مدلوله، يقول الآمدي في ذلك. "وأما الفاء وثم وحتى، فإنها تقتضي الترتيب وتختلف من جهات أخرى، فأما الفاء، فمقتضاها إيجاب الثاني بعد الأول من غير مهلة…) وأما ثم، فإنها توجب الثاني بعد الأول بمهلة… وقيل أنها ترد بمعنى الواو، وأما حتى، فموجبه لكون المعطوف جزءاً من المعطوف عليه نحو قولك: مات الناس حتى الأنبياء…. وثلاثة منها تشترك في تعليق الحكم بأحد المذكورين وهي: أو، إما، وأم… وثلاثة منها تشترك في أن المعطوف مخالف للمعطوف عليه في حكمه وهي: لا، بل، ولكن،(5) ويربط الآمدي التفريع الدلالي للحروف بما يتعلق به من سمات تمييزية في الجملة، فالحرف حتى) يؤدي دلالة تميز بين المعطوف والمعطوف عليه بكون المعطوف جزءاً من المعطوف عليه، ويكون عادة المعطوف مقدم في الأفضلية على المعطوف عليه بناء على عملية الإسناد. أما الحروف أو، أما، أم) وإن كانت تشترك في أداء دلالة التخيير إلا أنها تتمايز بسمات ذاتية تتمثل في تلك الهوامش الدلالية التي تتحدد مع نسق الخطاب ونوعه فـأما) و أو)، مع نسق الخطاب الخبري فتفيد دلالة الشك في أحد الأمرين أما مع نسق خطاب الأمر، فإنهما يفيدان التخيير مطلقاً والإباحة، أما أم)، فتفيد دلالة الشك في تعيين الأمرين معاً مع اليقين في وجود أحدهما(6) . إن هذا التفريع المتميز للحروف ينبني عن وعي معرفي متقدم، وسبر عميق لجوهر حقيقة البنية الدلالية وذلك من أجل حصر الخصائص والسمات التي أُخذت كمعايير دلالية تنتظم وفقها الحروف التي غدت في تراثنا المعرفي حقلاً ألسنياً يغطي مجالات شتى من المفاهيم تتعلق بصيغة الحدث وبزمانه وهيأته، كما تتعلق بالمسند إليه وبدلالة الخطاب بحسب نسقه. ولذلك انبرى نفر غير قليل إلى تخصيص مؤلفات تتناول حقل الحروف، ومنهم من ساقها في مدخل كتابه كوحدات أساسية في بناء الخطاب اللغوي إذ تأخذ مع الفعل والاسم مسارها الإبلاغي وفق النمط التأليفي، الذي يستمد أصوله من النظام القواعدي للسان ما(7) . وقد شهد العلماء والأدباء قديماً وحديثاً، اختلافات قد امتدت عبر الزمان والمكان حول تأويل آية أو حديث أو بيت شعر أو جملة نثر، وذلك لاختلافهم في تحديد القيمة الدلالية المرجعية لحرف أو لقصورهم عن إدراك الانزياح الدلالي الحاصل للحرف لضرورة إبلاغية اقتضاها السياق الخطابي فخرج بدلالة الحرف عن المألوف. إن إقرار الأمدي بوجود قواعد كلية مشتركة بين الوحدات التعبيرية للخطاب، ليعطي للحرف قيمته التأسيسية في بنية الخطاب اللغوي في رحاب عملية التشكل المتجدد لمكوناته الدلالية. ب-الفعل: إن التفريع الدلالي للفعل له وجود متميز في كتاب الآمدي، فبعد تمييزه بين الماضي والمضارع والأمر تمييزاً صورياً وزمانياً، يقف الآمدي على التمييز بين رؤية النحاة ورؤية المناطقة للفعل، فالبنية الشكلية لصيغة الفعل لها دلالتها التمييزية ضمن المقولات النحوية، فالنحاة يرون أن الفعل كلمة مفردة سواء أكان هذا الفعل ماضياً أو مضارعاً أو أمراً، أما المناطقة فيرون أن الفعل المفرد هو الماضي دون المضارع، فالمفرد هو الذي يدل على شيء مخصوص ولا جزء له يدل على شيء أصلاً، بخلاف غير المفرد وهو الذي يدل على شيء مخصوص، وله جزء يدل على شيء مخصوص كذلك. يقول الآمدي: "والفعل وإن كان كلمة مفردة عند النحاة مطلقاً فعند الحكماء، المفرد منه إنما هو الماضي دون المضارع وذلك لأن حرف المضارعة في المضارع هو الدال على الموضوع، معيناً كان أو غير معين، والمفرد هو الدال الذي لا جزء له يدل على شيء أصلاً …) وهو بخلاف الماضي، فإنه وإن دل على الفعل وعلى موضوعه. فليس فيه حرف يدل على الموضوع فكان مفرداً"(8) . لقد بحث يمسلف Hjelmslev) الدلالة التي قد تؤديها أجزاء من الكلمة، فكل لغة تكمن في نظام من العلامات يعني ذلك نظام من الوحدات التعبيرية التي تتصل بمحتوى المعنى)، فالكلمات هي بالطبع علامات لكن أجزاء من الكلمات قد تكون علامات كذلك(9) ، فاللغة تفرض سننها في التركيب والبناء، تظل مطردة مع كل تشكيل متجدد لبنيتها، تنتظم معها عملية الوقوع أو الرصف بين عناصر الكلمة الواحدة، أو عناصر التركيب، قد يكون للكلمات المركبة دلالة لعناصرها وقد لا تكون لها دلالة، وهو ما سماه يمسلاف) بالعلامات الدالة les signes) والمقاطع غير الدالة les syllabes) يقول يشرح ذلك: "هناك في بنية اللغة قواعد خاصة لانتظام المقاطع(10) . فالفعل الماضي عند الآمدي كلمة مفردة باعتبارها لا جزء لها، أما الفعل المضارع فأجزاؤه حروف المضارعة كضمير الغائب وضمير المتكلم، فإنها تدل على صاحب الحدث فضلاً عن دلالة الفعل على الحدث المقترن بزمن الحال أو المستقبل، وقد أفضى التفريع الدلالي للفعل عند الآمدي أن عدّ المضارع الذي لا يدل حرفه على شيء مخصوص، مفرداً كالماضي الذي لا جزء له ولكن الاختلاف بيّن كما يوضح ذلك قوله: "وقد ألحق بعضهم ما كان من المضارع الذي في أوله الياء بالماضي في الإفراد دون غيره لاشتراكهما في الدلالة على الفعل، وعلى موضوع له غير معيّن، وليس بحق، فإنهما وإن اشتركا في هذا المعنى، فمفترقان من جهة دلالة الياء على الموضوع الذي ليس معيّناً، بخلاف الماضي حيث أنه لم يوجد منه حرف يدل على الموضوع كما سبق"(11) . وقد يتوضح السبيل أكثر إذا ما اعتمدنا الشكل التالي لتوضيح ما نحن بشأنه. دلالة على الحدث بحسب السمات الدلالية المميزة له). -الدلالة التفريعية للفعل الماضي دلالة على الزمن. فاعله غير معيّن. -دلالة على الحدث بحسب السمات الدلالية المميزة له) -الدلالة التفريعية للفعل المضارع -دلالة على الزمن. فاعله معيّن في إطار حقل مفهومي. إن الفعل الماضي مرّ) على سبيل المثال وإن كان يدل على حدث المرور في زمن معين فإنه لا يدل على السمات الانتقائية لفاعله الذي يبقى مجهولاً في دائرة من الأسماء قد لا تقع تحت حصر، خاصة في ظل الانزياح الدلالي مع بروز الدلالات المجازية، وإذا صغنا من هذا الفعل مر) فعلاً مضارعاً يمر) أو نمر)، فإن الفعل عندئذ يستدعي سمات انتقائية لفاعله يمكن إبرازها في: +مفرد، + جمع، +حركة + لازم+ حالة عارضة. إن البنية المورفولوجية للفعل المضارع في النظام الألسني العربي، وما توفره من سمات انتقائية إضافية تعد البنية التأسيسية الرئيسية التي تنشئ تلك العلائق التي ينتظم وفقها الخطاب، فهو يحدث إحالة مرجعية يقتضيها موضوع الفعل اقتضاء، تقوم على أساس الفرز الاستبدالي لفئات الكلم، كما يسميه الأستاذ أحمد حساني الذي حدد أهمية التفريع الدلالي للفعل وحصر سماته الانتقائية إذ يخوّل لنا ذلك بقياس توارد الفعل في اللسان العربي توارداً يمنع اللبس والإبهام(12) وإن كانت السمات الانتقائية في الخطاب اللغوي الحديث قد تعرضت لنوع من التشتيت) فغدت في بعض الأحيان غير قادرة على ضبط محكم لفئات الكلم التي ترد في رصف مع الفعل بحسب سماته الدلالية وذلك راجع لحركية العلامة اللغوية في محيط سيميائي، قد شكل فيه الانزياح الدلالي أنماطاً تعبيرية جديدة، أعادت النظر في تلك العلائق الدلالية التي ترتد إلى العرف اللغوي، الذي لم يعد يلائم الخريطة الجديدة للنظام العلائقي للعلامات اللغوية. ج-الاسم: يقيم الآمدي تقسيمات المفرد على تفريع دلالي يأخذ كمعيار دلالته الإخبارية أو عدم حمله لهذه الدلالة. فالاسم هو الذي يصلح لبناء الجمل الخبرية من جنسه خلافاً للفعل الذي لا يصح منه ذلك. يقول الآمدي في ماهية الاسم المفرد "هو إما أن يصح جعله أحد جزئي القضية الخبرية التي هي ذات جزءين فقط أو لا يصح فإن كان الأول فإما أن يصبح تركيب القضية الخبرية من جنسه أو لا يصبح، فإن كان الأول فهو الاسم وإن كان الثاني فهو الفعل، وأما قسيم القسم الأول فهو الحرف"،(13) وقد احتاط الآمدي في الحد الذي عرف به الاسم، وذلك بأن أخرج منه الأسماء الناقصة والمضمرة التي لا تدل على معين معلوم في عالم الدلالة، بحيث يتعذر بناء قضية خبرية ذات محتوى دلالي من أسماء مبهمة أو ناقصة يقول شارحاً ذلك: "ولا يلزم على ما ذكرناه في الاسم)، الأسماء النواقص كالذي والتي، والمضمرات كهو وهي، حيث إنه لا يمكن جعلها أحد جزْءَي القضية الخبرية عند تجردها ولا تركب القضية الخبرية منها"(14) . فالاسم عنصر أساسي في أي سياق لغوي، تقتضي دلالته إرجاعاً في عالم الأعيان أو الأذهان بوصفه شيئاً له مميزات خاصة، ينقل بيار لورة Pierre Lerat) تعريف أرسطو: "الذي أجمل مدونة أجزاء الخطاب وعرف الاسم كالآتي: هو مقطع صوتي يقصد به دلالة متعارف عليها، خال من أي مرجع إلى الزمن ولا يدل كل جزء منه على دلالة عندما يؤخذ مستقلاً"(15) إن ماهية الاسم عند الآمدي تكاد تنحصر في اسم العلم، إذ يحيل اسم العلم مباشرة على مفهومه الذهني بحيث إذا سمع اسم تبادر إلى الذهن مسماه، على خلاف الأسماء العادية التي لا يخضع حقلها المفهومي إلى حصر أو تعيين. وفي معرض تفريع الاسم تفريعاً، يعتمد معيار الإفراد والتركيب في إحداث أنساق من الحقول المفهومية، يقول الآمدي: "ثم لا يخلو إما أن يكون الاسم واحداً، أو متعدداً، فإن كان واحداً فمسماه إما أن يكون واحداً، أو متعدداً، فإن كان واحداً فمفهومه منقسم على وجوه: القسمة الأولى: أنه إما أن يكون بحيث يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون، أو لا يصح فإن كان الأول فهو كلي، وسواء وقعت فيه الشركة بالفعل، ما بين أشخاص متناهية كاسم الكوكب أو غير متناهية كاسم الإنسان أو لم تقع إما لمانع من خارج كاسم العالم بفتح اللام) والشمس والقمر أو بحكم الاتفاق كاسم عنقاء مغرب، أو جبل من ذهب"(16) . بهذا التحديد المتناهي، يرسم الآمدي معالم تصلح لأن تتخذ لبناء حقول دلالية ينتظم وفقها اللسان العربي، وهو ينم عن كسب منهجي أحرزه الدرس التراثي العربي. فالحقل المفهومي العام يحدد في الاسم قسمين اثنين: الاسم المفرد والاسم المركب أو المؤلف(17) ، فالمفرد قد يدل دلالة مفردة، أو قد يدل دلالات متعددة، وهو ما يندرج تحت مصطلح المشترك اللفظي، فالاسم ذو الدلالة المفردة أو المتعددة يضم قسمين بارزين هما اللفظ الكلي واللفظ الجزئي وهما يتفرعان إلى أصناف. إن اللفظ الكلي كما حدده الآمدي، هو ما يسمى في السيمائتيك الحديث بالكلمة الغطاء التي تشرف على حقل دلالي، معلومة عناصره أو غير محددة من ذلك كلمة إنسان) فهي تضم مجموعة من العناصر البشرية تصح أن يطلق على كل منها لفظ إنسان) وهي عناصر، غير متناهية، فحقلها الدلالي ذو مجال مغلق من جهة ومفتوح من جهة ثانية على الشكل التالي: إنسان [عدد لا متناه من البشر…] وقد يكون الحقل الدلالي محدد العناصر متناهي الأجزاء كأيام الأسبوع أو شهور السنة أو رتب الترقية عند الجند وما إلى ذلك، فكلمة أسبوع على سبيل المثال لفظ كلي يغطي حقلاً معينة عناصره ومغلق مجاله من الجهتين على الشكل التالي: أسبوع [السبت-الأحد – الإثنين- الثلاثاء- الأربعاء- الخميس- الجمعة]. لقد أحصى الآمدي أصنافاً للفظ الكلي بناء على مجالها الإجرائي أو مجالها النظري، إذ الكلمة الغطاء تحوي أسماء مشكلة حقلاً دلالياً لا شركة بينها بالفعل إنما بالفعل كاسم العالم أو الكون، وأسماء واقعة موقع اللفظ الكلي بفعل التواضع والاصطلاح كاسم العنقاء فرغم أنه اسم وهمي إلا أن له عناصر تنضوي تحته ليس بالفعل والإجراء وإنما بالعقل والنظر، إن هذا التحديد الدقيق لحقول الأدلة يعد ضرورة لغوية ملحة ترسم لعالم اللغة إطاراً واضحاً للتعامل بوعي مع حقيقة المصطلح، وذلك من أجل الولوج إلى مقاربة وظيفية لاستنباط الأحكام من النص، فلا عجب إذن أن نرى الآمدي يخوض في تقسيمات الاسم فيذكر الاسم المتواطئ والاسم المشكك(18) وهما يقابلان على التوالي اسم الذات واسم المعنى، فالمتواطئ ما تواضع حول دلالته المجتمع اللغوي بحيث لا اختلاف في تعيين إرجاعه في عالم الأعيان، أما المشكك فهو على نقيض المتواطئ بحيث لم يقع حوله تواضع عام بين أهل اللغة فمدلوله غير موحد الدلالة كلفظ الوجود والأبيض وما إلى ذلك، وهو إشارة إلى ضرورة أخذ الحيطة العلمية في التعامل مع الاسم بتفريعاته، خاصة إذا تعلق الأمر باستنباط دلالات الأحكام من نصوص القرآن الكريم. أما القسم الثاني المفرد فهو الاسم المركب أو المؤلف، ويدرج تحت الاسم المفرد الجزئي وهو يشكل أحد عناصر الاسم المفرد الكلي الذي سبق الحديث عنه. يقول الآمدي في ذلك: "وإما أن يكون مفهوم الاسم) غير صالح لاشتراك كثيرين فيه فهو الجزئي وهو إما أن لا يكون فيه تأليف أو فيه"(19) . إن اللفظ الجزئي في عرف المناطقة يثير في الذهن الصورة التي يعرفها محددة في عالم الأعيان وهو قد يكون مشتقاً من اسم أو فعل أو صوت وهو المسمى الاسم المنقول، أو لا يكون كذلك فهو الاسم المرتجل الذي ليس بينه وبين ما نقل عنه مناسبة، وهو ما يقابله في الدرس النحوي الاسم المشتق والاسم الجامد على التوالي، كما أشار الآمدي في الاسم إلى المؤلف الجزئي يقول في ذلك، وإن كان الاسم الجزئي) مؤلفاً فإما من اسمين مضافين كعبد الله أو غير مضافين، وأحدهما عامل في الآخر أو غير عامل والأول كتسمية بعض الناس زيد منطلق، والثاني كبعلبك وحضرموت وإما من فعلين كقام وقعد وإما من حرفين كتسميته إنما، وإما من اسم وفعل نحو تأبط شراً، وإما من حرف واسم كتسميته بزيد وإما من فعل وحرف كتسميته قام على وبهذ يكون الآمدي بحث فيه حصر عام لاسماء في مركبات اسمية وفعلية وحرفية، على النحو الآتي: الاسم مفرد مؤلف مركب) كلي جزئي متواطئ مشكك مرتجل منقول اسم ذات اسم معنى اسم جامد اسم مشتق إن الآمدي كما نلاحظ، لا يؤسس أحكامه اللغوية النظرية انطلاقاً من الواقع اللغوي الإجرائي فحسب، بل إنه يرسم قواعد كلية تتموضع فيها تراكيب اللغة وعناصرها المعجمية في إطار مشروع لغوي لا يتفاعل بالواقع فحسب بل ويفعل في الواقع، وهو ما نكاد نلمسه في المباحث اللغوية في التراث المعرفي عند علماء اللغة كسيبويه والمبّرد والفّراء وغيرهم فقد يتعاملون مع تركيب زيد منطلق) كركن اسمي مع انتفاء هذا الاسم في واقع اللغة ويبنون عليه قواعد نظرية تخص أنحاء اللغة. 2-مقومات الخطاب الإبلاغي: هذه الوحدات أو عناصر الخطاب(20) ، سوف تضطلع بمهمة تمثيل البنية الدلالية على مستوى التركيب اللغوي، إذ يقول الآمدي "ومن اختلاف تركيبات المقاطع الصوتية حدثت الدلائل الكلامية والعبارات اللغوية"(21) ، فاللغة بناء على هذا المفهوم تقوم على أساسين أو مستويين: المستوى الأول هو المستوى الفونولوجي، بحيث يحدث التلفظ الأول لمقاطع صوتية تكون ذات دلالة إذا ما كان تركيبها مختلفة أصواته، أما المستوى الثاني فهو المستوى التركيبي حيث يتم إنشاء دلائل كلامية وعبارات لغوية، إن هذا التفصيل في تشكيل الصوت العربي الذي يدخل مع أصوات أخرى مختلفة ليحدُث المقطع، ينم حقيقة عن إلمام عميق بآليات الكلام في اللغة العربية، فهي تتشكل من مقاطع كلامية سميت في الدرس اللساني بالمورفامات المشكَّلة هي الأخرى من أصوات مفردة سميت بالفونامات، وإلى ذات التقسيم اهتدى أندريه مارتينه إلى ما سماه بالتلفظ المزدوج Double articulation) وهو تحليل يسير باتجاه معاكس لتحليل الآمدي، إذ يقرر مارتينه أن "كلاً من الوحدات الكلامية الحاصلة وفق تلفظ أول هي بدورها ملفوظة بواسطة وحدات من نوع آخر"(22) ، فمارتينه ينطلق في نظريته من المستوى التركيبي التلفظ الأول) لينتقل إلى المستوى الفونولوجي التلفظ الثاني) بينما يرى الآمدي أن المقاطع الصوتية واختلاف تركيبات أصواتها تحدث عنه الدلائل الكلامية المورفامات) والعبارات الصوتية التركيب اللغوي). أ-الخبر وأبعاده الدلالية: إن التركيب اللغوي لا يشكل خطاباً لغوياً إلا ضمن لائحة من الشروط الذاتية والموضوعية وضعها الآمدي في إطار معيارية لقياس محمول الخطاب اللغوي وهو الخبر، ففي باب حقيقة الخبر وأقسامه "يطرح الآمدي قضية القراءة العميقة لبنية الخبر، يقول في ذلك: "أما حقيقة الخبر، فاعلم أولاً أن اسم الخبر يطلق على الإشارات الحالية والدلائل المعنوية، كما في قولهم: عيناك تخبرني بكذا، والغراب يخبر بكذا"(23) . إن الآمدي لا يكتفي بالقراءة المورفولوجية للجملة بل يعرضها عرضاً سيميائياً ظاهراً، فجملة عيناك تخبرني بكذا) يقع فيها الركن الأسمي عيناك) كرمز سيميولوجي لدلالة خفية تقوم بدلالة الخبر وقد سمي الآمدي ذلك "إشارة حالية" أو "دليل معنوي" وهو بذلك ينص على أنّ تلك الإشارة السيميولوجية تعد الملمح الأساس الذي يتمظهر فيه انفعال المتكلم. وقد اعتمد "كاسيير Kassirer) الرمز السيميولوجي لاستبطان دواخل الإنسان المتكلم حيث ذهب إلى أن الإنسان حيوان رامز، يتمظهر واقعه الدلالي في لائحة من الرموز والدوال"(24) ، وقد زحفت إمبراطورية) الرموز والعلامات شيئاً فشيئاً باسطة سلطتها على عالم الأشياء، فأضحينا نحمل في أذهاننا أشياء كثيرة من العالم الخارجي في شكل علامات لغوية، وقد اعتبر "روبنز R.H. Robins) ، اللغة الموهبة الأكثر نوعية التي مُنِحَها الإنسان الذي سعى باحثاً عبر تاريخه الفكري الطويل عن بلوغ أفضل معرفة بذاته(25) بواسطة اللغة. يميز الآمدي في تحديده لمفهوم الخطاب بين التركيب الخبري والتركيب الكلامي، فالخبر متعلق بالعملية الإسنادية سلباً أو إيجاباً، أما الكلام فمتعلق بقيمة الإفادة ذلك لارتباطه بالإبلاغ، يقول الآمدي معرفاً الخبر: "الخبر عبارة عن اللفظ الدال بالوضع على نسبة معلوم إلى معلوم أو سلبها على وجه يحسن السكوت عليه من غير حاجة إلى إتمام، مع قصد المتكلم به الدلالة على النسبة أو سلبها"(26) ، فالمسألة التي كانت مدار خلاف بين العلماء في عصر الآمدي هي حول تحديد مفهوم الخبر، فكان شائعاً عصرئذ التعريف القائل: الخبر ما احتمل الصدق أو الكذب ولكن بعض العلماء ومنهم الآمدي خالف هذا التعريف لوجود جمل خبرية ولكن لا يمكن أن توصف بالصدق أو الكذب كقول أحدهم: "محمد ومسيلمة صادقان في دعوة النبوة" فلا يدخله الصدق وإلا كان مسيلمة صادقاً(27) كذلك الناقل للجملة الخبرية في حاجة إلى تصديق لأن ذلك متوقف على الصدق في الإسناد إسناد المسند إليه)، فالخبر عند الآمدي إذن تواضع مؤسَّس على النسبة وقصد المتكلم في إثباتها أو سلبها. إن الاحتكام إلى معيار الصدق والكذب في تحديد قيمة الخبر لا يمكن أن نفصل في جدواه إذا لم نتبين واضحاً مفهوم الصدق والكذب، ولذلك يخصص الآمدي حيزاً مهماً في سبيل تعيين مفهومها يقول في ذلك" إن الخبر ينقسم إلى صادق وكاذب لأنه لا يخلو إما أن يكون مطابقاً للمخبر به أو غير مطابق فإن كان الأول، فهو الصادق وإن كان الثاني فهو الكاذب"(28) ، ويعترض الآمدي بناء على ذلك على الجاحظ في تقسيمه الخبر إلى ثلاثة أقسام: صادق وكاذب وما ليس بصادق ولا كاذب، ويؤسس الآمدي اعتراضه على عنصر "القصد" في الخبر". فإذا انتفى هذا العنصر لا يمكن أن نسمي سياقاً ما خبراً، أما إذا وجد القصد واعتقد المتلقي كذب محتوى الخبر، كان الخبر كاذباً(29) ولذلك لا يخرج السياق الخبري من أمرين لا ثالث لهما: إما أن يكون الخبر صادقاً أو كاذباً بناء على معايير موضوعية تخضع للواقع اللغوي، أو لا يكون السياق خبراً لافتقاده لمقومات وخصائص السياق الخبري منها وعي المتكلم بفحوى الخبر، وقصده من ورائه. وبذلك يكون الآمدي قد أدرك أهمية سلامة البنية التركيبية وعلاقتها بالكفاية الذاتية التي يمتلكها المتكلم، بحيث يموقع فيها وعيه الكامل بمضمون الخبر الذي ينقله، إذ لا معنى لعدم وضوح الدلالة في بنية الخبر أنه يصح وصفه بالكذب، إذ الخبر قد يخرج من دلالته الحقيقية إلى دلالة مجازية، كما هو عليه بعض آيات القرآن الكريم، فمتعلق ذلك بقصد المتكلم. يشرح ذلك الآمدي بقوله: "وصرف اللفظ عن أحد مدلوليه إلى الآخر لا يكون كاذباً، وسواء كان ذلك اللفظ من قبيل الألفاظ المشتركة أو المجازية ولهذا: فإن من أخبر بلفظ مشترك وأراد به بعض مدلولاته دون البعض كما قال رأيت عيناً) وأراد به العين الجارية دون الباصرة والعكس فإنه لا يعد كاذباً، وكذلك من أخبر بلفظ هو حقيقة في شيء ومجاز في شيء وأراد جهة المجاز دون الحقيقة، فإنه لا يعد كاذباً وذلك كما لو قال رأيت أسداً) وأراد به المجمل المجازي دون الحقيقي وهو الإنسان"(30) . إلاّ أن ثنائية الصدق والكذب كمعيارية للحكم على فحوى الخبر، لا تلبث عند الآمدي أن تتحول إلى ثلاثية كان قد انتقضها وعارضها عند الجاحظ، وإن كان ذلك مرتبط بالخبر الشرعي ولكن ينسحب على كل خبر لغوي توافرت فيه شروط تعود إلى متنه ومضمونه وإلى ناقله بالخصوص ومتلقيه والمقام العام الذي يصرف فيه ويبث، يطلعنا الآمدي بتقسيم جديد للخبر فيقول: "إن الخبر ينقسم إلى ما يعلم صدقه وإلى ما يعلم كذبه وإلى ما لا يعلم صدقه ولا كذبه"(31) ، والشيء الذي يعتمد في تعيين إثبات أو سلب المضمون الخبري هو طبيعة ناقل الخبر أساساً، والحقيقة أن الإحاطة بعالم ناقل الخبر أو المتكلم أمر لا زال محل بحث عند علماء الدلالة المحدثين، لأن قيمة دلالة التركيب الخبري تضطلع بتحصيلها عدة عوامل تخص التركيب نفسه من سلامة بُناه، وحسن رصف عناصره، وتوظيف متمكن لقواعد سلامة الإسقاط، ثم، وهو أمر مهم، موقع المرسل والمرسل إليه، فناقل الخبر هو المنتج أو المركب للخبر مبنى ومعنى مع وعي ملازم أثناء عملية الإبلاغ. إن أهم ما قررته الدراسات اللسانية الحديثة في مبحث قيمة الرسالة الإبلاغية، هو وجود مستمع أو متلق مثالي مستعد لاستقبال الرسالة الإبلاغية خال ذهنه من فحواها مسبقاً، وإلى ذات الفكرة يشير الآمدي في حديثه عن الخبر فيقول: "وأما ما يرجع إلى المستمعين، فأن يكون المستمع متأهلاً لقبول العلم بما أخبر به، غير عالم به قبل ذلك وإلا كان فيه تحصيل الحاصل"(32) ، وقد نصت النظرية السياقية والمقامية إلى ذلك التطور الحاصل في مفهوم السياق(33) إذ لم يعد الاقتصار على الجانب اللغوي في إيضاح الدلالة وإنما وجدت جوانب أخرى تنحسم معها الدلالة المقصودة كالوضع والمقام الذي يحيط بالتواصل والحالات السيكولوجية التي تطبع وضع المتلقي خاصة، لقد ذهب بعض العلماء في عصر الآمدي وقبله إلى تحديد معيار العلم بالخبر، إلى تساوي المستمعين في فهم دلالته، إلا أن الآمدي يعترض على ذلك مؤكداً على ضرورة الأخذ بمقام المتلقي وأحواله النفسية، إذ الفعل الدلالي لا ينتج بمعزل عن محيطه النفسي والاجتماعي، إذ لا بد من مراعاة كل ذلك. يقول الآمدي: "ذهب القاضي أبو بكر وأبو الحسين البصري إلى أن كل عدد وقع العلم بخبره في واقعة لشخص، لا بد أن يكون مفيداً للعلم بغير تلك الواقعة لغير ذلك الشخص إذا سمعه، وهذا إنما يصح على إطلاقه إذا كان العلم قد حصل من نفس خبر ذلك العدد مجرداً كما صنف به من القرائن العائدة إلى أخبار المخبرين، وأحوالهم واستقراء السامعين في قوة السماع للخبر والفهم لمداوله مع فرض التساوي في القرائن"(34) ، ولكن ذلك غير ممكن فالاستعدادات الذاتية بين جمهور المتلقين متفاوتة وغير متجانسة، يشرح الآمدي ذلك بقوله: "كما اختص به من القرائن التي لا وجود لها في غيره وبتقدير اتحاد الواقعة وقرائنها لا يلزم من حصول العلم بذلك العدد لبعض الأشخاص حصوله لشخص آخر"(35) . ومرد ذلك الاختلاف، إلى مقام كل مستمع النفسي والاجتماعي والثقافي، فالخبر تحيط بهم قيم حافة هامشية ترتد إلى الفرد أو المجتمع وثقافته، وهو ما سمي في النظرية السياقية بالقيم الأسلوبية أو التعبيرية، فالتفاوت الحاصل بين الأشخاص على فهم الخبر يرجع إلى قوة الإدراك والفهم للقرائن، إذ التفاوت فيما بين الناس في ذلك ظاهر جداً، حتى إن منهم من له قوة فهم أدق المعاني وأغمضها في أدنى دقيقة من غير كدّ أو تعب، ومنهم من انتهى في البلادة إلى حد لا قدرة له على فهم أظهر ما يكون من المعاني مع الجد والاجتهاد في ذلك، ومنهم من حاله متوسطة بين الدرجتين وهذا أمر واضح لا مراء فيه"(36) . وما الفهم المتمكن من دلالة الخطاب الخبري إلا تعبير من المتلقي على قوة إدراكه لمختلف القرائن المصاحبة للخبر، ووقوع ذلك موقعاً مجانساً لواقعه النفسي والثقافي والاجتماعي، أما الذي تلكأ في إدراك دلالة ذلك الخطاب مع وضوح قرائنه، فلوجود هوامش في الخطاب لم تكن للمتلقي المرجعية الكافية لفك رموزها والتقاط دلالتها، وبذلك نفسر ميل الآمدي إلى الأخذ بتأويلات الصحابي الراوي لحديث نبوي فيه ألفاظ مجملة وذلك لعلمه أنه ممن أطلعوا على المقام الذي أنتج فيه ذلك الحديث النبوي والقيم الهامشية التي حفت به، يبين الآمدي هذه المسألة فيقول: "فلا نعرف خلافاً في وجوب حمل الخبر على ما حمله الراوي عليه، لأن الظاهر من حال النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا ينطق باللفظ المجمل لقصد التشريع وتعريف الأحكام ويخليه عن قرينة حالية أو مقالية تعين المقصود من الكلام، والصحابي الراوي المشاهد للحال أعرف بذلك من غيره"(37) . وفي معرض تحديده ماهية الخطاب الشرعي، يومئ الآمدي إلى وجوب تكييف الخطاب اللغوي بما يجعل المتلقي يتهيأ لفهم دلالته، ولا يرى الآمدي التعريف القائل بأن الخطاب "هو الكلام الذي يفهم المستمع منه شيئاً"(38) تعريفاً صائباً لكونه أهمل موقع المستمع من هذا الخطاب فهو بذلك يفتقر إلى الإحاطة الشمولية بماهية الخبر الذي يتمظهر في شكل "محمول" يتموقع في بنية الخطاب الدلالية، فنحن إذن إزاء عملية تواصل وإبلاغ وجب توفير كل آلياتها حتى يتم فيها نقل الدلالة إلى السامع من غير لبس في المعنى ولا إبهام، وليحيط السامع بحيثيات الخبر المنقول إليه وما يتصل بناقله لأن ذلك مشمول في احتواء الدلالة الكاملة. يقول عبد السلام المسدي في ذلك: "على أن السامع إذ يقارن بين نظامه الخاص ونظام محدثه يتسنى له الاستدلال على أصل مخاطبه وعلى درجة ثقافته وعلى انتمائه الاجتماعي، كما أن مميزات صوته الطبيعية تعرفه على جنسه وسنه وفصيلته على المستوى الفيزيولوجي النفساني"(39) . وإلى ذات الفكرة يذهب الآمدي مستنداً على أساسين هما قوام كل خطاب موضوع لخبر، ويعني بهما: القصد عند الباث، والاستعداد والتهيؤ عند المتلقي وإذا انتفى أحد هذين الأساسين فقد الخبر قيمته الإبلاغية. يقول الآمدي موضحاً ماهية الخطاب: "والحق أنه اللفظ المتواضع عليه المقصود به إفهام من هو متهيئ لفهمه، فاللفظ) احتراز عما وقعت المواضعة عليه من الحركات والإشارات المفهمة والمتواضع عليه) احتراز عن الألفاظ المهملة، والمقصود بها الإفهام) احتراز عما ورد على الحد الأول"(40) . إن هذا التعريف بماهية الخطاب اللغوي عند الآمدي ينسجم مع الأداء الوظيفي الذي يقوم به من الفهم والإفهام، وإن أهم وسيلة لتحقيق ذلك هي الألفاظ المنتظمة في سياقات لغوية سليمة، ثم إن إشارة الآمدي إلى اللغة السيميولوجية وهي الإشارة والرموز والحركات ذات دلالات) دليل قوي على الاهتمام بالمنحى السيميائي العام، والرؤية الشمولية التي كانت تطبع الدرس التراثي عند الآمدي ومعاصريه، إذ تناولوا "اللغة" تناولاً كلياً تحدده قنوات التواصل المتعددة. ب-الكلام وقيمته الإبلاغية: لقد ميز البحث الدلالي الحديث بين مفاهيم ثلاثة عدت أسساً في الدراسة المنهجية الحديثة، على نقيض الدرس اللغوي التراثي الذي كان غالباً ما يخلط بينها في الاستعمال وهذه المفاهيم الثلاثة هي: اللغة واللسان والكلام، فاللغة مفهوم كلي عام واللسان مفهوم نمطي نوعي أما الكلام فمفهوم فردي إجرائي، أو كما يشرح ذلك المسدي بقوله: "فمتصور اللغة يجسم صورة القانون ولسان الجماعة يشكل نموذج العرف أما كلام الأفراد فيشخص مثال السلوك(41) ، وهو التمثيل الفردي للغة وقد شرح ذلك دي سوسير في كتابه "دروس في اللسانيات العامة" ضمن تلك الثنائيات التي عقدها بين مجموعة من المفاهيم منها: اللغة والكلام، أما نظرة الآمدي إلى الكلام فتتمثل في كونه مركب من الألفاظ وله مظهران: مظهر لساني ومظهر نفسي يقول مبيناً ذلك تحت عنوان: "في تحقيق مفهوم المركب من مفردات الألفاظ، وهو الكلام: اعلم أن اسم الكلام قد يطلق على العبارات الدالة بالوضع تارة، وعلى مدلولها القائم بالنفس تارة، والمقصود ها هنا إنما هو معنى الكلام اللساني دون النفساني"(42) . وظاهر أن الآمدي يميز، ها هنا بين الصيغة في حالتها الإفرادية والصيغة في حالتها التركيبية والتي تتشكل في "الكلام" وبذلك تتضح لدى الآمدي رؤية لسانية متقدمة، في نصّه على القيمة الدلالية التي تكتسبها الألفاظ ضمن "الكلام" وهو ما تؤكده الدراسات الدلالية الحديثة واللسانية بصفة عامة، حيث أشار سوسير إلى أن القيمة اللغوية للكلمة تكمن في صلتها ببقية الكلمات الأخرى باعتبار السياق الكلامي نسيج متشعب من العناصر والصور، كما يتبدى تمييز الآمدي بين الصورة السمعية والأثر السيكولوجي لها، وذلك بإشارته إلى المدلول القائم بالنفس وعلى أساس ذلك يكون الآمدي قد أشار ضمنياً إلى المثلث اللساني لريشاردز وأوجدن الذي يحدد الجوانب الثلاثة بما سماه دي سوسير "الدليل اللساني Le signe linguistigue) وهي: الدال الصورة السمعية)- المدلول الشيء الخارجي) – الأثر السيكولوجي المحتوى الفكري). إن الكلام النفساني عند الآمدي، ينحصر في تلك المعاني المترددة في النفس، فهي تشكل عوامل دلالية تتمظهر في أشكال لغوية متعددة لسانية وغير لسانية، وإن المقاطع الصوتية التي تدخل في تشكيلها الحروف هي التي تكوّن الكلام اللساني، وإذا انتظمت هذه المقاطع بحيث كانت لها ولأصواتها دلالة كان للكلام قيمة وظيفية أما إذا لم تخضع تلك المقاطع إلى نظام تتشكل وفقه أصواتها كان الكلام تركيباً خالياً من الدلالة، "فالكلام اللساني قد يطلق تارة على ما ألف من الحروف والأصوات من غير دلالة على شيء يسمى مهملاً وإلى ما يدل"(43) . إن مصطلح "الكلام" في التراث المعرفي العربي، كان قد حدد بصورة علمية قد لا تختلف عن تلك التي حددها علماء اللسانيات المحدثون، وظاهر ذلك من خلال تلك الآراء والأفكار التي عرضها الآمدي لعلماء عصره الذين اختلفوا في حصر دقيق لماهية الكلام، فمنهم من عد الكلمة الواحدة المؤلفة من حرفين فصاعداً كلاماً، كما اعتبر بعضهم الكلام هو الأصوات المسموعة الدالة وذلك احتراز من حروف الكتابة فإنها ليست كلاماً، كما تباينت الآراء في اعتبار التركيب غير المنتظم العناصر، كلام، فذهب بعض العلماء إلى أنه كلام لأن عناصره في حالتها الإفرادية ذات دلالة بينما رفض البعض الآخر أن تعد كلاماً لأن السياق العام لا يؤدي دلالة، يقدم الآمدي رأي الأصوليين في ذلك فيقول: "فذهب أكثر الأصوليين إلى أن الكلمة الواحدة، إذا كانت مركبة من حرفين فصاعداً كلام، ولا جرم، قالوا في حده: هو ما انتظم من الحروف المسموعة المميزة المتواضع على استعمالها الصادرة عن مختار واحد"(44) . وفي مقام تصويبه للتراكيب الكلامية، يعتمد الآمدي معيارية الإفادة في ضرورة وجود قواعد ضابطة تجعل الكلام مفيداً، وهو في ذلك يسوق تعريف الزمخشري للكلام حيث يقول: "الكلام هو المركب من كلمتين أسندت إحداهما إلى الأخرى"(45) . وعلى أساس ذلك يقتضي السياق الكلامي مستويين: * المستوى الأول: مستوى البنية النحوية التي تتمثل في وجود عملية الإسناد. * المستوى الثاني: هو مستوى البنية الإبلاغية والتي تتحدد بتوافر عنصر الفائدة في الكلام. فنلاحظ إذا من خلال قول الآمدي تقاطع علاقتين في إنشاء الكلام: - علاقة ذهنية عقلية في ترتيب عناصر العملية الإسنادية بحسب التأليف بين طرفي الإسناد ومراعاة قواعد السلامة النحوية. - وعلاقة منطقية في محمول عملية الإسناد، إذ الفائدة الدلالية شرط في عملية الإبلاغ التي يضطلع بها الكلام. فالآمدي يؤسس نظريته حول الكلام على عنصري الإفادة وحسن الإسناد، فإذا انتفت الإفادة مع وجود الإسناد لا يسمى التركيب كلاماً، وهو ما يؤكد شمولية الاهتمام –عند الآمدي- بالوظيفة الأساسية للكلام وهي الإبلاغ، فالنظم الحسن ينشئ الكلام(46) المفيد، يقول الآمدي: "الكلام ما تألف من كلمتين تأليفاً يحسن السكوت عليه"(47) . إن معيار الكلام المؤلف تأليفاً سليماً يتمظهر في القناة السليمة، التي يتم عبرها نقل الرسالة الدلالية ليحصل الإبلاغ، ويتحقق التواصل حيث يكون مقياس ذلك هو سكوت المتخاطبين عن لغة الرسالة، وقواعدها، وآلياتها، تعبيراً منهم أن التأليف صحيح في تركيبه واتساق عناصره. ج- الخطاب الإبلاغي وأنماطه: لم يتناول الآمدي الخطاب اللغوي من زاوية دلالته الآنية عندما يوظف للاتصال والإبلاغ، وإنما كذلك من زاوية دلالته الزمانية. وإن ذلك متعلق بالكلام المكتوب وفي هذا السياق قدم الآمدي خطاب النهي على أنه لا يفيد التكرار والدوام وإنما يفيد الدلالة على المرة الواحدة في حالته العادية أما إذا دل على الدوام كان ذلك لوجود قرينة يقول في ذلك: "النهي حيث ورد غير مراد به الدوام، يجب أن يكون ذلك لقرينه"(48) . وقد تدخل الخطاب اللغوي عناصر تعدل في دلالته العامة التي تتعرض للتخصيص بفعل أدوات لفظية، كالاستثناء والشرط والصفة، وقد دار جدال بين جمهور العلماء في مسائل تتعلق بتخصيص الخطاب بإحدى أدوات التخصيص، هل يكون العموم في المخصص حقيقة أو مجازاً؟ بمعنى هل اللفظ العام المستغرق للجنس يجوز حمله على البعض؟ بعدما يعرض الآمدي آراء العلماء في هذه المسألة يتقدم برأيه فيقول: "والمختار تفريعاً على القول بالعموم أنه يكون مجازاً في المستبقى واحداً كان أو جماعة، وسواء كان المخصص متصلاً أو منفصلاً، عقلياً أو لفظياً، باستثناء أو شرط أو تقييد بصفة"(49) ، إن فعل "التخصيص" لا يتحقق إلا في خطاب يتصور فيه العموم أما الخطاب الخالي من العموم فلا يمكن تخصيصه" لأن التخصيص على ما عرف، صرف اللفظ عن جهة العموم إلى جهة الخصوص وما لا عموم فيه لا يتصور فيه هذا الصرف وأما ما يتصور فيه الشمول والعموم فيتصور فيه التخصيص"(50) . وقد خصص علماء اللغة المحدثون مباحث هامة تناولوا من خلالها موضوع تغير الدلالة وعاينوا مظاهرها كالانحطاط والرقي، والتضييق والتوسيع وغير ذلك من المظاهر(51) ، إلا أن علماء الأصول كانوا أعمق في تناول تغير الدلالة، ذلك أن من مظاهر الخطاب اللغوي الأكثر وروداً في التوظيف اللغوي العام هو الوعي بالآليات المحددة لشمولية الدلالة أو لخصوصيتها، فإذا كان حمل اللفظ على جميع محامله في الخطاب اللغوي يستند إلى خلو الخطاب من أدوات التخصيص، فإن تعيين محمول مخصوص يرجع إلى وجود إحدى هذه الأدوات، ولذلك انبرى الآمدي يعرف هذه الأدوات مستنداً في ذلك على تقديم الأمثلة ومناقشتها فيقول في الاستثناء: "الاستثناء، عبارة عن لفظ متصل بجملة لا يستقل بنفسه دال بحرف إلا) أو أخواتها، على أن مدلوله غير مراد مما اتصل به ليس بشرط ولا صفة ولا غاية"(52) ، فالاستثناء طريق من طرق التخصيص في اللفظ العام، ونحوياً يعرف بأنه إخراج حكم ما بعد إلا وأخواتها عن حكم ما قبلها، وبذلك تتضح دلالة الخطاب اللغوي اعتماداً على هذا الوعي ببنية التركيب، ومن طرق تضييق الدلالة كذلك الشرط وله طرائق ثلاث: الشرط العقلي والشرط الشرعي والشرط اللغوي، فتحقيق دلالة التركيب الشرطي مرتبط بدلالة التزام بين الشرط والمشروط يقول الآمدي محدداً أقسام الشرط: "وهو منقسم أي الشرط) إلى شرط عقلي كالحياة للعلم والإرادة وإلى شرعي كالطهارة للصلاة والإحصان للرجم وإلى لغوي وصيغه كثيرة وهي: إن الخفيفة وإذا ومن وما ومهما وحيثما وأينما وإذما"(53) . إن السياق الذي يتضمن التركيب الشرطي يحمل دلالات إضافية لا يكون المتلقي على علم بها، لولا وجود الشرط، ولذلك يسوق الآمدي مثالاً ينص على أن التخصيص بالشرط قد أخرج من الدلالة العامة دلالة خاصة، ولولاه لأدى الخطاب دلالة الشمول والتعميم، يقول الآمدي في ذلك: "إنه أي الشرط) يخرج منه ما لا يعلم خروجه دونه كقوله: أكرم بَنِي تميم إن دخلوا الدار) فإنه يخرج منه حالة عدم دخول الدار، ولولا الشرط لعم الإكرام جميع الأحوال، ولم يكن العلم بعدم الإكراه حالة عدم دخول الدار حاصلاً لنا فكان مخصصاً للعموم"(54) . ومثل الشرط هناك طريق التخصيص بالصفة وهي تأتي بعد اللفظ العام فتخصصه، وتخرج الدلالة الخاصة من الدلالة العامة، كما تعد الغاية) إحدى أدوات التخصيص وتضييق دلالة الخطاب العامة وصيغها معلومة في اللغة وهي: إلى وحتى وما كان في معناهما من الحروف والأدوات، وأثر الغاية في دلالة التركيب أنها تحد الحكم ولا تتركه مطلقاً، والغاية نوعان: غاية زمانية وغاية مكانية يقول الآمدي: "قولـه" أكرم ببني تميم أبداً إلى أن يدخلوا الدار"، فإن دخول الدار يقتضي اختصاص الإكرام بما قيل الدخول وإخراج ما بعد الدخول عن عموم اللفظ ولولا ذلك لعم الإكرام حالة ما بعد الدخول"(55) . بهذا الوعي العميق لآليات تضييق الخطاب يحلل الآمدي مفهوم الحدث الإبلاغي الذي تتحكم فيه شبكة شديدة التركيب من العناصر والأدوات والصيغ والقواعد. إن أدوات التخصيص الأربعة الاستثناء – الشرط- الصفة- الغاية) تعد إحدى الطرق المنهجية الدقيقة التي وظفها الآمدي في تعامله مع النص القرآني، ومن ثمة أضحى الخطاب اللغوي يخضع لقيود شكلية تتحكم في سياقه المضموني فبدت تلك القيود معايير تعتمد لاستنباط الحكم الصحيح، ولا يمكن أن نسعى إلى تأسيس وعي دلالي ما لم نكن على دراية عميقة بمقتضيات التواصل والإبلاغ، ومع كل إنتاج كلامي للباث توضع قواعد للتركيب وأخرى للدلالة، لا تخلق خلقاً بل تنقل من حيز القوة إلى حيز الفعل، إن المشكِّل للخطاب اللغوي الباث) يعد المركز الذي تجمع إليه كل فعاليات الحدث الإبلاغي، فله القدرة على "استفزاز" المتلقي أو السامع، وحمله على الدخول في عالمه الدلالي الذي هو مصدر تشكل الخطاب بأنساقه وأنماطه وصيغه، يقول ميشال فوكو، إن المؤلف ليس هو الذي يتحدث أو ينطق أو يكتب نصاً بل المؤلف كمبدأ تجميع الخطاب، كوحدة وأصل لدلالات الخطاب، وكبؤرة لتناسقها"(56) . إن تشكيل الخطاب اللغوي بمراعاة تشابك عناصره الداخلية والخارجية، يقتضي أن يقوم الباث أو المؤلف باختيار ألفاظه ثم يركبها وفق معيار النحو والبيان آخذاً لحظة إبداعه للخطاب، مقتضى حال المخاطب وقدرته ليس على فهم الرسالة الإبلاغية فحسب، بل وعلى تبني مضمونها بفك أنماطها الذاتية وسننها العلامية، وقد أشار الآمدي في مبحث تخصيص الخطاب، إلى أدوات التخصيص غير اللفظية وعنى بها الدليل العقلي والدليل الحسي وهي من الأدلة المنفصلة كونها أدلة خارجة عن بنية الخطاب وترتد إلى استعداد المتلقي المثالي، على إخراج بعض الدلالات الخاصة من دلالات الخطاب العامة بقدرته العقلية والحسية…(57) . ومن ضمن أنماط الخطاب الإبلاغي يشير الآمدي إلى خطاب "الأمر" وهو يتعلق بالدلالة التركيبية التي يشرف على تعيينها السياق، وعدّ قسماً من أقسام الكلام سواء في نمطه الفونولوجي أو نمطه الخطي، إن صيغة الأمر لا تنعقد دلالتها إلا بتوافر قرائن منها ما يعود للآمر وهي تشمل القصد في إحداث الأمر، ومنها ما يعود إلى المأمور(58) وهو الامتثال للأمر إلا أن الآمدي لا يرى شرط الامتثال للأمر قرينة محددة لصيغه، فالمأمور قد يتخذ من خطاب الأمر موقفاً إيجابياً وقد يكون موقفه سلبياً، بعدم الامتثال، وتحديد الآمدي لهذه المسألة ينم عن وعي كبير بجوهر العملية الإبلاغية والتواصلية يقول شارحاً ذلك: "إن الأمر الذي هو مدلول الصيغة إما أن يكون هو الصيغة أو غير الصيغة، فإن كان هو نفس الصيغة، كان الكلام متهافتاً من حيث إن حاصله يرجع إلى أن الصيغة دالة على الصيغة، والدال غير المدلول، وإن كان هو غير الصيغة، فيمتنع أن يكون الأمر هو الصيغة"(59) . إن الآمدي يحصر الأمر في الطلب على جهة الاستعلاء، ويعترض على تفسيره بالصيغة والإرادة لأن ذلك أدخل في تعريف الأمر، بما هو أخفى منه، ومع ذلك لم يحسم الآمدي الخلاف حول حد الأمر واكتفى بحصر ما اتفق العلماء بشأنه من كون الأمر قسماً من كلام العرب، أما ما بقي فهو محل نزاع لفظي، وقد ارتأى الآمدي إنهاء هذا الخلاف العلمي بهذا الشكل، لأن الأمر إذا أدى دلالته من غير لبس أو غموض بناء على توافر عناصره، فقد استوفى حده. يقول مبيناً هذا الأمر: "إجماع العقلاء منعقد على أن الأمر قسم من أقسام الكلام وأنه واقع موجود لا ريب فيه، وقد بينا امتناع تفسيره بالصيغة والإرادة بما سبق. فما وراء ذلك هو المعنى بالطلب، والنزاع في تسميته بالطلب بعد الموافقة على وجوده، فأيل إلى خلاف لفظي(60) ، وواضح أن الآمدي وظيفي في تحليله، فهو يعتمد أساساً على معيار الاستعمال الوظيفي(61) ولا يكتفي بالتنظير المجرد، فهو يرى أن الأمر يدل دلالة الحقيقة على الطلب حتى ولو كان مجرداً من القرائن الدالة على ذلك، وقد يتعلل البعض على صرف دلالته من الحقيقة إلى وجود عرف لغوي استثنائي) من هذا الانزلاق الدلالي للأمر من الطلب إلى دلالات أخرى كالإباحة والتعجيز والتهديد وما إلى ذلك مما هو ميسر في كتب البلاغة العربية، فبعد أن بين الآمدي أن صيغة افعل) إذا وردت في الخطاب وجاءت قرائن تدل على أنها للطلب، كانت كذلك، ولا يمكن أن نصرفها إلى دلالات أخرى، يرد على العلماء الذين ذهبوا إلى أن الأمر قد يخرج لدلالات أخرى لعرف طارئ فيقول: "فإن قيل: يحتمل أن يكون ذلك بناء على عرف طارئ على الوضع اللغوي، كما في لفظ الدابة والغائط قلنا جواب الأول أن الأصل عدم العرف الطارئ، وبقاء الوضع الأصلي على حاله"(62) . إن خطاب الأمر هو شكل من أشكال العقد الواعي بين الباث والمتلقي، فالباث للرسالة الدلالية التي يحملها خطاب الأمر يستجيب لمنبهات تحمله إلى صوغ أسلوب إبلاغي يحاول من خلاله أن يدفع المتلقي لا إلى فهم الرسالة الإبلاغية، بل وإلى تقمص مضمونها والاستجابة لخطابها بكيفية إيجابية، هذا ما تقرَّر في الدرس الدلالي الحديث حول نظام الإبلاغ في الخطاب، وفي هذا المجال يربط الآمدي دلالة الأمر بالاستجابة لصيغتها فتلك هي مفهومها مطلقاً أما الدلالة على الترك واتخاذ الموقف السلبي من فحواها فله أسلوبه الخاص وهو خطاب النهي، كما لا يمكن أن نتصور أن المتلقي سيرضخ لسلطة الخطاب الأمري وإنما سيتحرك في مساحة من الاختيار فيها الندب والواجب، إذ قد يماشي المتلقي الباث للخطاب في أمره وقد يخالفه. يشرح ذلك الآمدي بقولـه: "إن المكلف إذا نظر فظهر لـه أن الأمر للندب فقد أمن من الضرر وحصل مقصود الأمر"، إن تحقق مضمون خطاب الأمر يستدعي معرفة عميقة بآليات صياغته، خاصة وأن المتلقي مدعو إلى إحداث نقلة نوعية لهذا الخطاب تدل على استيعاب سليم لدلالته بعد تحليل لنظامه العلامي، ولذلك طرحت قديماً مسألة وجود القرائن التي تعيّن الدلالة في أسلوب الأمر، وبالتالي اقتضاء الأمر التكرار والدوام أو المرة الواحدة، فالآمدي يميل إلى دلالة الأمر على المرة الواحدة إذا كان الأسلوب عرياً من القرائن الصارفة واحتمال التكرار في وجود القرائن. يقول موضحاً ذلك: "والمختار أن المرة الواحدة لا بد منها في الامتثال وهو معلوم قطعاً، والتكرار محتمل فإن اقترن به قرينة أشعرت بإرادة المتكلم التكرار حمل عليه، وإلا كان الاقتصار على المرة الواحدة كافياً"(63) ، كما يذهب الآمدي إلى أن سياق خطاب الأمر ينبغي أن يراعى فيه الاستغراق الزمني، لأن عليه يتوقف تحديد دلالة الأمر على التكرار أو المرة الواحدة، معنى ذلك أن الاستغراق في الأمر مجاله الزمني لا متناهٍ بينما المرة الواحدة مجالها الزمني ضيق محدد بفترة معينة، ويقابل ذلك الآمدي بين دلالة الفور ودلالة التراخي في خطاب الأمر، وهي مسألة من الأهمية بمكان خاصّة وأنها ذات صلة بالتعامل اللغوي الإنساني(64) ، إن دلالة الأمر على الفور والتحقيق الآني لمضمونها متعلق بوجود قرينة أو أكثر دالة على ذلك في الخطاب، أما دلالة التراخي فلا تحتاج إلى قرينة. يحدد ذلك الآمدي بقوله: "فمن قال بالتراخي لا يحتاج إلى دليل آخر، لأن مقتضى الأمر المطلق عند تخيير المأمور في إيقاع الفعل في أي وقت شاء من ذلك الوقت، ومن قال بالفور فلا بد له من دليل ثاني الحال"(65) . إن أهم ما انصب حوله اهتمام علماء اللغة المحدثون، هو البحث في كل مستويات الحدث اللغوي من مرحلة ميلاده إلى مرحلة بلوغه وظيفته ثم بتحقيق مردوده عندما يولّد رد الفعل المنشود وبذلك تناولوا اللغة في مظاهرها الثلاثة: المظهر الأدائي والمظهر الإبلاغي ثم المظهر التواصلي، وفي إطار ذلك بحثوا طواعية الرمز اللغوي لكي يكون له معادل موضوعي في واقع الاستعمال اللغوي، وأكدوا أن لا انفصال في الزمن بين قيام الرمز وحصول دلالته عند متقبله(66) . إلا أن الآمدي كان أعمق تحليلاً في نصه على عامل الزمن، في تحقيق دلالة خطاب الأمر الذي هو نمط من أنماط المنظومة اللسانية، التي تتكون من رموز لغوية دالة، ومن ذلك فإن خفيت القرينة المحددة للدلالة الزمنية لخطاب الأمر وألبس على المتلقي تحديد الغاية، كان مخيراً بين الفور والتراخي. يشير إلى ذلك الآمدي فيقول: "قولهم بالتعجيل أحوط للمكلف يعني القول بالفور) قلنا الاحتياط إنما هو بإتباع المكلف ما أوجبه ظنه، فإن ظن الفور، وجب عليه إتباعه، وإن ظن التراخي وجب عليه إتباعه"(67) . إن اللفظ الغطاء الذي يشرف على مدلولات جزئية تشكل حقلاً دلالياً يخضع لروابط علائقية تشترك في الدلالة الكلية التي لا تتموقع في عالم الأعيان وإنما محلها عالم الأذهان، فمثلاً لفظ البيع) هو لفظ ينضوي تحته حقل من المدلولات الجزئية كالبيع بالتقسيط، والبيع الغرر وما إلى ذلك من أشكال البيوع المشروعة أو المحرمة، فإذا نص خطاب الأمر على اللفظ الكلي فهل إتيان المأمور لمعنى جزئي منه هو تحقيق للخطاب أم لا؟ لقد أسس الآمدي بناء على هذه الرؤية نظرته للتدليل على أن طلب وقوع فعل الأمر لا يكون إلا بالجزئيات، الواقعة في عالم الأعيان، ولا يكون بالدلالة الكلية لأنه لا وجود لها إلا في عالم الأذهان، فإذا ورد سياق الأمر مجرداً من قرينة صارفة لدلالته وكان فهم المتلقي لدلالته المطلقة، صح الفهم وصدق الموقف وهي رؤية تبناها بعض علماء الدلالة المحدثين وتفرعت عندهم إلى مسائل مختلفة من ذلك افتراض وجود دلالة العوالم الممكنة عند فريجة Possible world semantics) وإن كان قد قوبل بالانتقاد الشديد من قبل علماء عصره(68) ، وهذه الفكرة تبلورت عند غريمارس في ذلك التشاكل الحاصل بين السمات المعنوية الصغرى Semes) والسمات الصوتية الصغرى(69) Phemes) في هذا النحو يقدم الآمدي مثالاً توضيحياً حول اقتضاء الأمر للدلالة الجزئية، فيقول: "وإن سلم أن الأمر متعلق بالمعنى الكلي المشترك وهو المسمى بالبيع، فإذا أتى المأمور ببعض الجزئيات كالبيع بالغبن الفاحش، فقد أتى بما هو مسمى البيع المأمور به الموكل فيه، فوجب أن يصح نظر إلى مقتضى صيغة الأمر المطلق بالبيع، وإن قيل بالبطلان، فلا يكون ذلك لعدم دلالة الأمر به، بل لدليل معارض"(70) . والحقيقة أن هذه الرؤية الآمدية تعد ذات أهمية بالغة لمستوى التواصل بين باث ينتظم الخطاب في ذهنه قبل انتظامه في ألفاظه وبين متلقٍ له مرجعيته الذاتية يستطيع وفقها تفكيك الخطاب وإدراك دلالته، إلا أن الآمدي- كما هو شأن معظم علماء الدلالة واللسانيات المحدثين- يركز على ناقل الخطاب الباث) الذي يملك وعياً لغوياً يجعله يكيف خطابه الإبلاغي حسب أصناف الناس المتلقين للخطاب، ومع ذلك يتحمل نسبة كبيرة مما قد تتعرض له رسالته الإبلاغية من تحويل أو تحوير في فهم مضمونها الدلالي. إن الحدث الإبلاغي بتجلياته على مستوى التركيب والتنسيق وعلى مستوى النمط التنظيمي لعناصره شكل في كتاب "الإحكام" المحور الأساسي الذي انتظمت في دائرته تلك الأحكام اللغوية التي أجراها الآمدي مجرى السنن والقوانين المتحكمة في أي إنتاج كلامي، وقد أبان ذلك التحليل المستوفي لجوانب الخطاب قدرة النظام اللغوي العربي على احتواء التنظيمات الخاصة بصرف الدلالات إلى أوجهها الصحيحة. كما أوضح الآمدي أن لا مناص لعالم الأصول المشتغل في حقل الفقه من أدوات لغوية دقيقة تقع من حقله هذا، موقع المنطق من الفلسفة.. ونحن على يقين أن دراسة النظام الإبلاغي كما حدده الآمدي بكل آلياته ومتعلقاته، يستحق مجالاً خاصاً تستجلى من خلاله تلك القواعد العميقة المجردة التي تقف وراء هذا التناسق المعياري الدقيق لمنظومة الخطاب. (1) Initiation aux methodes de l,analyse du discours D. Maingueneau P.11 (2) الإحكام في أصول الأحكام، ج1، ص61. (3) الإحكام في أصول الأحكام، ج1، ص64. (4) المصدر السابق، ج1، ص56-66. (5) المصدر نفسه ج1 ص69. (6) المصدر نفسه ج1 ص 69. (7) الأستاذ أحمد حساني، المكون الدلالي للفعل في لسان العربي ص 124. (8) الإحكام في أصول، الأحكام ج1، ص 60-61. (9) Louis Hjelmslev P. 55 Le language. (10) المرجع السابق، ص 58. (11) الإحكام في أصول الأحكام، ج1، ص 61. (12) الأستاذ أحمد حساني، المكون الدلالي للفعل في اللسان العربي، ص 135. (13) الإحكام في أصول الأحكام، ج1، ص 16. (14) المصدر السابق ج1 ص 16. (15) Semantique descriptive P. 40. (16) الإحكام في أصول الأحكام، ج1، ص16. (17) لقد وضع الفارابي ت 339هـ) علماً خاصاً سماه علم الألفاظ بحثَ فيه بإسهاب تفريعات الألفاظ المفردة والمركبة- انظر الفصل الخاص بجهود الفارابي في تحديد ماهية الدلالة في القديم، ص 16. (18) الإحكام في أصول الأحكام، ج1، ص 17. (19) المصدر السابق، ج 1، ص18. (20) يعني: الاسم والفعل والحرف. (21) المصدر نفسه، ج1، ص 19. (22) ميشان زكريا، الألسنية، علم اللغة الحديث، ص 32. (23) الإحكام في أصول الأحكام، ج2، ص 3. (24) د. عبد القادر الفاسي القهري، اللسانيات واللغة العربية، ص 381. (25) Breve histoire de la linguistique de platon a chomsky P. 249-250. (26) الإحكام في أصول الأحكام، ج2، ص 9. (27) المصدر السابق، ج2، ص 6. (28) المصدر نفسه، ج2، ص10. (29) انظر نظرية الوضعية المنطقية ومذهب شليك) في الحكم على صدق القضية الجملة) وربطه بالتحقيق التجريبي في فصل النظريات الدلالية الحديثة) ص 78. (30) المصدر السابق، ج2، ص11-12. (31) المصدر نفسه، ج2، ص 12. (32) المصدر نفسه، ج2، ص 25. (33) انظر النظرية السياقية في مبحث النظريات الدلالية الحديثة، ص 70. (34) المصدر نفسه، ج2، ص 30-31. (35) المصدر نفسه، ج2، ص32. (36) المصدر نفسه والصفحة نفسها. (37) المصدر نفسه، ج2، ص 115. (38) المصدر نفسه، ج 2، ص 95. (39) اللسانيات وأسسها المعرفية، ص 75-76. (40) الإحكام في أصول الأحكام، ج1، ص 95. (41) اللسانيات وأسسها المعرفية، ص 86. (42) الإحكام في أصول الأحكام، ج1، ص 71. (43) المصدر السابق،. ج1، ص 71. (44) المصدر نفسه، ج1، ص 72. (45) المصدر نفسه، ج1، ص 72. (46) انظر في ذلك في الفصل السابق، نظرية النظم عند الجرجاني، ص 119. (47) المصدر نفسه، ج1، ص 73. (48) المصدر نفسه، ج 2، ص 194. (49) المصدر نفسه، ج2، ص 228. (50) المصدر نفسه، ج2، ص 287. (51) إبراهيم أنيس، انظر ذلك في كتاب دلالة الألفاظ، ص 152 إلى 167. (52) الإحكام في أصول الأحكام، ج2، ص 287. (53) المصدر السابق، ج 2، ص 309. (54) المصدر نفسه، ج2، ص 10. (55) المصدر نفسه، ج2، ص 313. (56) ميشال فوكو، نظام الخطاب، ص 19. (57) انظر الإحكام، ج2، ص 315. (58) انظر في ذلك النظرية السياقية التي أعطت للمتلقي دوراً في ربط الخطاب بالمقام، فالقول البحث عن مقامه غالباً ما يستعصي عن التأويل، ص 70. (59) المصدر السابق، ج2، ص 140. (60) المصدر نفسه، ج2، ص 145. (61) وهذا ما يؤكده رائد المدرسة التجريدية "إدوارد ساميير" في كتابه –اللغة- ص 34-37. (62) الإحكام في أصول الأحكام، ج2، ص 144. (63) المصدر نفسه، ج 2، ص 155. (64) د. كمال محمد بشر، انظر دور الكلمة في اللغة في المقدمة، ص 6 من كتاب ستيفن أولمن). (65) الإحكام في أصول الأحكام، ج2، ص 159. (66) د. عبد السلام المسدي، انظر في ذلك اللسانيات وأسسها المعرفية، ص 64، ص 81. (67) الإحكام في أصول الأحكام، ج2، ص 169. (68) انظر اللسانيات واللغة العربية د. الفاسي، ص 381. (69) انظر فصل ماهية الدلالة عند المحدثين غريمارس)، ص 30. (70) الإحكام في أصول الأحكام، ج 2، ص 184. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |