علم الدلالـة أصوله ومباحثه في التراث العربي - منقور عبد الجليل

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 10:37 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الرابع: الحقيقة والمجاز عند الآمدي

تمهيد:‏

إن المنظومة اللغوية تنزع نحو التمدد والتغير اللازمين لتغطية مجمل الحاجات اللغوية التي يقتضيها الخطاب الإبلاغي في الأحوال المختلفة، ولذلك استقر في أذهان اللغويين المحدثين أن محاولة الإبقاء على معنى قار دون أن يخضع لعوامل التغيير الدلالي هو ضرب من النمطية التي يرفضها النظام اللغوي المتجدد.‏

ولعل أبرز العوامل التي تنتظم التغيّر الدلالي هو الطابع الاجتماعي للغة، الذي يلقي بتأثيره على الطابع الذهني والفكري لدى أهل هذه اللغة إذ تغدو المنظومة اللغوية حاملة للقيم الاجتماعية والفكرية المستجدة. وفي ضوء ذلك نفسر مذهب "رونالد بارت Roland Barthes) ،" واتباع نظرية سيمولوجية الدلالة الذين اعتبروا المعنى المعجمي معنى مشوشاً دائماً لأنه معرض للتغيير والتطور بفعل الاستعمال الاجتماعي للرمز الدلالي(1) إذ يفتح أمامه إمكانية تغيير المجال الدلالي وهو ما بحث مظاهره اللغويون محددين مستويات مختلفة منها: مستوى النقل ومستوى التغيير الانحطاطي أو المتسامي، وذلك بتخصيص الدلالة أو تعميمها(2) ، ثم مستوى الحذف والتعويض وذلك بملء الفجوة الدلالية التي تركها اللفظ المندثر بدلالة جديدة تستدعيها الظروف اللغوية، وقد يحدث أن يعاد اللفظ القديم المندثر) ليحمل دلالة جديدة تلائم الحاجة اللغوية المستجدة، هذه الحركية أو الدينامية التي تميز العناصر اللغوية داخل النظام اللساني، يمكن حصرها في تقاطع حقلين رئيسيين على جميع مستويات التغيير الدلالي هما: حقل الحقيقة وحقل المجاز، حقل الدلالة الأصلية، وحقل الدلالة المحوّلة ولما كان المجاز يعد الجسر اللغوي الذي تنتقل عبره الدوال إلى المدلولات الجديدة أو العكس، كان ذلك مظهراً على قوة الطاقة التعبيرية في اللغة ولا أدل على ذلك أن ظاهرة المجاز ظاهرة عامة لكل الألسنة يلجأ إليها المجتمع اللغوي لتوليد المعاني الضرورية خاصة في إغناء الرصيد المصطلحاتي الخاص بالتواصل العلمي المعرفي، فهو إذن ضرب من العقلنة في باطن منظومة أساسها ومنطلقها الاعتباط المحض، لأن مبعثه هو الاقتران العرفي الذي لا يلبث أن يتحول إلى إطراد معقول يأخذ اللغة من الحاجة إلى الكفاف ومن التوحد الدلالي إلى طواعية التكاثر فيصبح هذا التولّد المستمر ينبوعاً في اللغة لا ينضب(3) . إذن فمهمة المجاز تقوم على أساس التحديد المفهومي للحقل الدلالي إذ تستوعب اللغة المدلولات المستحدثة بتفجير طاقاتها التعبيرية الكامنة القادرة على موازاة ما طرأ من جديد في عالم المفاهيم أو عالم الأشياء. يقول عبد السلام المسدي في ذلك: "[المجاز] هو محرك الطاقة التعبيرية في ازدواجها بين تصريحية وإيحائية، بين طاقة موضوعة جدولية، وطاقة سياقية جافة فمكمن المجاز استعداد اللغة لإنجاز تحولات دلالية بين أجزائها، يتحرك الدال فينزاح عن مدلوله ليلابس مدلولاً قائماً أو مستحدثاً، وهكذا يصبح المجاز جسر العبور تمتطيه الدوال بين الحقول المفهومية"(4) . بهذا التنظير العلمي تنكشف طبيعة النظام اللغوي وتتضح حركيته التي تغدو بعد حين تلقائية مطردة.‏

لقد كان هذا الوعي المعرفي الذي بلورته الأبحاث اللغوية الحديثة، أس تعامل علمائنا القدامى مع جميع صنوف البحث الذي يتخذ اللغة العربية مادة أو وسيلة للدراسة، , ولا عجب أن يطالعنا ابن رشد بمصطلح "التأويل" شارحاً أبعاده بقوله: "ومعنى التأويل، هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية، من غير أن يخل في ذلك بعادة لسان العرب في التجوز من تسمية الشيء بشبيهه أو بسببه أو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء التي عددت في تعريف أصناف الكلام المجازي"(5) .‏

ويزداد اهتمام العلماء بدقة البحث مع اهتمام بحسن التأويل كما شرحه ابن رشد، كلما تعلق الأمر بالقرآن الكريم واستنباط أحكامه وذلك لكمال نظامه اللغوي وانطوائه على النواميس المصرفة للكلام، وفي هذا المجال يبرز جمهور الأصوليين وقد امتلكوا وعياً معرفياً لغوياً يحدوهم لأن يتعاملوا مع نصوص القرآن الكريم تعاملاً حذراً، آخذين في سبيل تأويل دلالاته كل الأدوات المناسبة وفي مقدمتها اللغة وطاقاتها التعبيرية. وسننها في الإنشاء والقول، وتصانيف الكلام التي من ضمنها: الحقيقة والمجاز وما يتعلق بهما من أقسام، ومعايير ضابطة لطبيعتها. وعلاقة كل منهما بالآخر وغير ذلك مما هو مبسوط الكلام حوله في مداخل كتب الأصوليين وفي ثناياها ومنها كتاب "الإحكام" للآمدي، إذ فصل فيه القول حول ماهية الحقيقة والمجاز، وأقسامها، والمعايير المميزة لكل قسم وقد جر ذلك الآمدي إلى الحديث عن بداءة الأسماء الشرعية هل هي حقيقة أم مجاز؟. وعلاقة الجزء بالكل وهل تكون الدلالة الشرعية، عندئذ، شاملة؟ وغير ذلك مما سنبرزه في موضعه من هذا المبحث.‏

1-ماهية الحقيقة وأقسامها:‏

يؤسس الآمدي تعريفه للحقيقة باعتبار مفهومها اللغوي، ذلك أنه بين المفهوم اللغوي لها والمفهوم الإصطلاحي علاقة ظاهرة، إذ الحقيقة في المفهوم العام تعني الصورة الثابتة للشيء في أذهان الناس، يجمع كلهم أو السواد الأعظم منهم على أنها الحقيقة وهي نقيض الباطل أو الزيف وقولنا عن اللفظ أنه حقيقة يعني دلالته أصلية فيه، ثابتة بالوضع اللغوي الأول يوضح الآمدي هذه المسألة بقوله: أما الحقيقة) فهي في اللغة مأخوذة من الحق، والحق هو الثابت اللازم، وهو نقيض الباطل، ومنه يقال حق الشيء حقه، ويقال حقيقة الشيء أي ذاته الثابتة اللازمة ومنه قوله تعالى: ولكن حقّت كلمة العذاب على الكافرين) أي وجبت، وكذلك قوله تعالى: حقيق علي أن لا أقول) أي واجب عليّ"(6) . أما مفهوم "الحقيقة" الاصطلاحي فيؤسسه الآمدي على اعتبار الوضع أو الاقتران العرفي بين الدال والمدلول، ولذلك فالحقيقة كمبحث في اللغة هي من عوارض الألفاظ التي تخضع دلالاتها لتواضع عام "أوّلي" يخرج من حيز القوة إلى حيز الفعل. يشرح ذلك الآمدي بقوله: "والحق في ذلك أن يقال: هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولاً في اللغة، كالأسد المستعمل في الحيوان الشجاع العريض الأعالي، والإنسان في الحيوان الناطق"(7) . وواضح أن الآمدي قد وقف من تعريفات الأصوليين واللغويين للحقيقة في عصره، موقف المتحفظ متخذاً بناء على ذلك تقسيمات للحقيقة الوضعية إلى ثلاثة أنواع وهي موضّحة فيما يأتي:‏

الحقيقة الوضعية‏

الحقيقة اللغوية الحقيقة العرفية الحقيقة الشرعية‏

ويخضع كل قسم حسب رأي الآمدي إلى طبيعة الواضع، فإذا كان صاحب الوضع هو اللغوي كانت الحقيقة لغوية وإذا تعارف الناس واصطلحوا حول اقتران دال بمدلول كانت الحقيقة عرفية أما إذا كان الواضع هو الشارع فإن الحقيقة هي حقيقة شرعية، وقد يخضع كل قسم إلى تفريع داخلي من ذلك تخصيص الحقيقة العرفية العامة ويتم بتحويل دلالة اللفظ من العموم إلى الخصوص، مثل ذلك لفظ الدابة) كان في وضعه الأول يدل على كل ما يدب على الأرض فحصل تخصيص محل دلالته بأن أضحى يدل على ذوات الأربع عرفاً. يقول الآمدي معرفاً ذلك: "أن يكون الاسم قد وضع لمعنى عام ثم يخصص بعرف استعمال أهل اللغة ببعض مسمياته، كاختصاص لفظ الدابة بذوات الأربع عرفاً وإن كان في أصل اللغة لكل ما دب وذلك إما لسرعة دبيبه أو كثرة مشاهدته أو كثرة استعماله أو غير ذلك"(8) . وأطلق على هذا النوع من التغيّر الدلالي "بتضيق المعنى" وذلك بتحويل اللفظ من الدلالة الكلية إلى الدلالة الجزئية، أو من العموم إلى الخصوص، ثم هناك التحول في الدلالة الناشئ عن ظاهرة اللا مساس أو التلطف في التعبير Taboo) فيحصل انزياح دلالي للمعنى إذ يخضع إلى تعبير في مجاله مراعاة لمقتضى العرف الاجتماعي. يوضح الآمدي ذلك فيقول: "أن يكون الاسم في أصل اللغة بمعنى، ثم يشتهر في عرف استعمالهم بالمجاز الخارج عن الموضوع اللغوي، بحيث أنه لا يفهم من اللفظ عند إطلاقه غيره، كاسم الغائط، فإنه وإن كان في أصل اللغة للموضع المطمئن من الأرض، غير أنه قد اشتهر في عرفهم بالخارج المستقذر من الإنسان، حتى أنه لا يفهم من ذلك اللفظ عند اطلاقه غيره، ويمكن أن يكون شهرة استعمال لفظ الغائط في الخارج المستقذر من الإنسان، لكثرة مباشرته وغلبة التخاطب به مع الاستنكاف من ذكر الاسم الخاص به، لنفرة الطباع عنه، فكنوا عنه بلازمه أو بمعنى آخر"(9) .‏

إن التغير الدلالي الذي يمس اللفظ بنقل دلالته من مجال دلالي إلى آخر أو بتقييدها، هل ذلك يخص اللفظ أم الدلالة أم العلاقة بينهما؟ إن ذلك التغير الذي تنقل معه الدلالة أو تضيق أو توسع، يمس أساساً البنية الدلالية وتبقى البنية اللسانية الصوتية تحتفظ بنمطها الصوري مع حصول تعديل في ماهية الدليل، ذلك أن العلاقة بين الدال والمدلول تخضع لنمطية أخرى تناظر التحول الناشئ في ماهية المرجع، فينشأ متكلم اللغة على نمطية جديدة في تصريف الخطاب اللغوي وفق معايير قد تكون خفية فيبدو النظام اللغوي أصيلاً في عناصره، وإن كان قد اعتراه تغيير في عوالمه الدلالية مع بقاء معجم الأدلة دون تغيير.‏

هذه الحركية المستمرة التي تتسم بها المنظومة اللغوية، تنم عن الطابع الوظيفي الاجتماعي للغة حيث يبقى المتحكم في آليات الاستعمال للمعجم اللغوي هو العرف الاجتماعي الذي هو خلاصة لتراكمات نفسية وثقافية متشابكة، وهذا ما يتضح من تأكيد الآمدي على الصلة الوثيقة بين النظام اللغوي والعرف الاجتماعي وذلك في تحديد ماهية الدلالة الحقيقية العرفية.‏

ويصل الآمدي إلى تعيين الدلالة الشرعية بالاعتماد على معيار التحول الدلالي الناشئ عن نقل دلالة اللفظ من المجال اللغوي إلى المجال الشرعي، وتعني دلالة الاسم التي وضعت أولاً في الشرع وقد خصها الشارع بمحتوى دلالي أضحى يشكل صيغتها المعجمية إن سمعت أو قرأت تبادر إلى الذهن تلك الدلالة الشرعية دون سواها يقول الآمدي: "وأما الحقيقة الشرعية فهي استعمال الاسم الشرعي فيما كان موضوعاً له أو لا في الشرع"(10) . وإشارة الآمدي إلى الدلالة الشرعية يقود إلى الاهتمام بالتطور الدلالي الحاصل في بنية النظام اللغوي، إذ الحقيقة الشرعية ما هي إلا تكريس لعرف لغوي سائد أو خلاصة لتراكمات لغوية دلالية استقرت الصيغة اللغوية بعدها على دلالة خاصة، فلا يمكن إذن أن نسلم بالوضع اللغوي الأول للحقيقة الشرعية ولذلك يستطرد الآمدي ليقف على تحديد دقيق لماهية الوضع الشرعي الأول، خاصة وأنه استقر لدى كثير من أهل اللغة أن الدلالة الشرعية ما هي إلا امتداد محور لدلالة سابقة وليست دلالة بالوضع الأول، يفصل الآمدي الكلام في ذلك بقوله: "وسواء كان الاسم الشرعي ومسماه لا يعرفهما أهل اللغة، أو هما معروفان لهم، غير أنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى، أو عرفوا المعنى ولم يعرفوا الاسم أو عرفوا الاسم ولم يعرفوا ذلك المعنى، كاسم الصلاة…"(11) هذه حالة أولى ذكرها الآمدي معللاً نشأة الحقيقة الشرعية، فقد يكون الدال ومدلوله مجهولين لدى أهل اللغة أصلاً، أو يكون الدال مشهوراً بمدلول فيأتي الشارع ليقيد له مدلولاً جديداً أو يكون المدلول معروفاً بدون دال أو العكس، وبهذا الوصف تكون الدلالة الحقيقية الشرعية دلالة أصلية بالوضع الأول، فالاقتران بين الدال ومدلوله كان باعتبار الواضع وهو الشارع…‏

أما الحالة الثانية التي يحدّدها الأصوليون لنشأة الحقيقة الشرعية، فتبدو الدلالة فيها محوّلة منقولة عن وضع لغوي أول، وذلك على اعتبار أن يكون أهل اللغة قد عرفوا الحقيقة الشرعية بمعرفة اللفظ والمعنى إلا أنهم عرفوا اللفظ بمفرده دون معناه الشرعي، أو عرفوا المعنى الشرعي دون لفظه الأصلي، وتعد الحقيقة الشرعية بهذا الوصف من قسم المنقول الذي قال عنه العلماء الأصول أنه المعنى اللغوي الذي نقل إلى المعنى الشرعي أو العرفي. وبعد هذه التفريعات التي أقام على أساسها الآمدي تقسيم "الحقيقة" يخلص إلى تعريف جامع مانع للدلالة الحقيقية ويربطها بالفعل الإجرائي المتمثل في الاستعمال لقصد التخاطب فيقول: "وإن شئت أن تجد الحقيقة على وجه يعم جميع هذه الاعتبارات قلت: "الحقيقة هي اللفظة المستعملة فيما وضع له أولاً في الاصطلاح الذي به التخاطب". فإنه جامع مانع"(12) .‏

2-ماهية المجاز‏

يستهل الآمدي مبحثه حول المجاز بالتعريف اللغوي الذي يعنى الانتقال من حال إلى حال، أي تجوز اللفظ لدلالته الأصلية إلى دلالة جديدة، فالدلالة الأولى هي الدلالة الحقيقية والدلالة الثانية هي الدلالة المجازية. فيقول الآمدي: "وأما المجاز فمأخوذ في اللغة من الجواز، وهو الانتقال من حال إلى حال ومنه يقال جاز فلان من جهة إلى جهة كذا"(13) . ولما كان المجاز تابعاً للحقيقة وكانت الحقيقة تقسّم إلى لغوية وعرفية ووضعية وشرعية، كان المجاز في التقسيم تابعاً كذلك للحقيقة، ولا تنفصم عرى الاتصال بين دلالة اللفظ الحقيقية ودلالته المجازية بل يبقى رباط خفي دقيق يصل الدلالتين ولذلك لا يتسنى لمتكلم أن يستعير لفظاً هو جار مجرى المجاز، في الحقل الذي يريد اقتراضه منه فمستعار المستعار متعذر ولا سبب لتعذره إلا كونه فاصماً لذلك السلك المعقود الضامن لوصول الرسالة الدلالية من طرف باث إلى طرق متقبل(14) ، فالتعلق كما يسميه الآمدي أساس الاستعمال اللغوي السليم للمجاز وهو الجسر الصلب الذي يتم عبره النقل الدلالي، دونما لبس أو تعقيد. يشرح الآمدي هذه المسألة فيقول: "وعند هذا نقول: من اعتقد كون المجاز وضعياً، قال في حد المجاز في اللغة الوضعية: "هو اللفظ المتواضع على استعماله من غير ما وضع له أولاً في اللغة، لما بينهما من التعلق، ومن لم يعتقد كونه وضعياً، أبقى الحد بحاله وأبدل المتواضع عليه بالمستعمل"(15) . ثم يحدد الآمدي وضعين مختلفين للمجاز، أولهما أن اللفظ المجاز يتواضع على استعماله أهل اللغة فيجرونه بينهم ويدخلونه في نظام تعاملهم اللغوي، وثاني الوضعين هو استعمال اللفظ في مجال دلالي جديد بمعنى نقل دلالة اللفظ الأصلية إلى دلالة مجازية إما بالعرف العام أو بالعرف الخاص. ويؤكد الآمدي على الوظيفة الدلالية التي يناط بها اللفظ المجاز وهي وظيفة التواصل والإبلاغ فيقول في تعريف المجاز: "هو اللفظ المتواضع على استعماله أو المستعمل في غير ما وضع له أولاً في الاصطلاح الذي به المخاطبة لما بينهما من التعلق"(16) . فالمجاز من وجهة نظر الآمدي طريق من طرق التوليد في النظام اللغوي، فما دام اللفظ الحقيقة لا يمكنه التعبير عن كل أغراض المجتمع احتيج إلى هذا التوليد المتمثل في الدلالة المجازية، ثم إن نظام اللغة يتمدد عبر المكان المقام) والزمان الحال) ليوائم كل التحولات والتغيرات التي تطرأ على بنية المجتمع فيعبر عن حاجاته اللغوية أو النفسية أو الاجتماعية الثقافية، وذلك بخلق أنظمة إبلاغية جديدة ما تلبث أن تصبح محل تعارف واصطلاح بين أفراد المجتمع اللغوي.‏

وقد تقادم الاستعمال المجازي حتى ينسى أصل دلالته الحقيقية ويعامل معاملة اللفظ الحقيقة، ولذلك قد يلتبس في أمر دلالة اللفظ أمجازية هي أم حقيقية؟ فينبري الآمدي أمام انتقاص مخالفيه للحد الذي عرف به المجاز، ويحاول أن يعطي لتعريفه طابع الشمولية، إذ اعتبر بعض اللغويين ألفاظاً مجازاً عدها الآمدي حقيقة أو العكس من ذلك ما قال به أهل اللغة في لفظ الدابة) الذي حصل في دلالته تضييق حيث خصص للدلالة على ذوات الأربع فعد مجازاً مع أنه مستعمل في ما وضع له أولاً –كما قال الآمدي- لدخول ذوات الأربع في الدلالة الأصلية، فيردّ الآمدي على هذا الزّعم بتمييزه بين الدلالة المطلقة للفظ والدلالة المقيدة فيقول: "فإن كان لفظ الدابة حقيقة في مطلق دابة، فاستعماله في الدابة المقيدة على الخصوص يكون استعمالاً له في غير ما وضع له أولاً"(17) .‏

3-معايير الحقيقة والمجاز‏

يتخذ الآمدي، من مؤاخذات العلماء له، في حدّه المجاز لإرساء معايير تمييزية بين الدلالة الحقيقية للفظ والدلالة المجازية، فما لا يمكن نفيه من الاسم فهو حقيقة فيه أما ما يمكن نفيه فهو مجاز يقول الآمدي: "والحقيقة العرفية وإن كانت حقيقة بالنظر إلى تواضع أهل العرف عليها فلا تخرج عن كونها مجازاً بالنسبة إلى استعمال اللفظ في غير ما وضع له أولاً، ولا تناقض، وإذا عرف معنى الحقيقة والمجاز، فمهما ورد لفظ المعنى، وتردد بين القسمين، فقد يعرف كونه مجازاً بصحة نفيه في نفس الأمر ويعرف حقيقة بعدم ذلك"(18) . وتلك إشارة إلى الصعوبة اللغوية التي تكتنف عملية التخاطب على مستوى الصوت أو مستوى الكتابة، بحيث قد يتواضع أهل اللغة على الدلالة الحقيقية للفظ ثم يستعمل هذا اللفظ للدلالة على غير ما وضع له أولاً، إما توسيعاً في الدلالة الأصلية، أو تضييقاً فيها، أو نقلاً لدلالة مجازية لها صلة بالدلالة الأصلية. ويمثل الآمدي لذلك بقوله: "ولهذا فإنه يصح أن يقال لمن يسمى من الناس حماراً لبلاذته أنه ليس بحمار. ولا يصح أن يقال ليس بإنسان في نفس الأمر لما كان حقيقة فيه"(19) . إن التعلق بين الدلالة الحقيقية والدلالة المجازية للفظ، تحفظ دوماً طبيعة الوضع الاستثنائي) الذي اتخذته اللغة، لأن قيمة الدلالة المجازية في كل الأحوال ليست في نفس مرتبة قيمة الدلالة الحقيقية خاصة ما تعلق منها بنصوص مقدسة كنصوص القرآن الكريم. وإذا ما حدث أن أنبتت الصلة بين الدلالة الحقيقية والدلالة المجازية، كان وضع الدلالة المجازية ابتداءً أي وضعاً مستحدثاً يلحق بالمشترك اللفظي.‏

يقول الآمدي شارحاً ذلك: "وبقولنا: "لما بينهما من التعلق" لأنه لو لم يكن كذلك. كان ذلك الاستعمال ابتداء وضع آخر، وكان اللفظ مشتركاً لا مجازاً"(20) . إن سيرورة الحركة الجدلية في استعمال اللغة تجعل المجاز يعرف تحولات على مستوى الحقل المفهومي وعلى مستوى البنية العامة فيتم تحويل اللفظ المجاز مع تعاقب الاستعمال إلى لفظ ذي دلالة حقيقية، قابل لأن يدخل هو الآخر في مفاعلات اللغة بقصد إفراز وتوليد دلالات مجازية، وقد اشتهر ابن جني بقوله في شأن المجاز أن أكثر اللغة مجاز لا حقيقة، يقول عبد السلام المسدي: "فالمجاز يتفاعل مع الاستعمال على مر الزمن فيؤول إلى تواتر بحيث إذا اقترن المجاز مع عامل الزمن اضمحلت الصيغة المجازية منه وحلت محلها الصيغة المصطلحية"(21) .‏

فضلاً على معيار الإثبات والنفي الذي اعتمد عليه الآمدي في تفسير الإشكال الناشئ من صعوبة التمييز بين الدلالة الحقيقية والدلالة المجازية، يضيف الآمدي معايير أخرى منها، معيار الانتشار لدلالة اللفظ الحقيقية، بحيث إذا ما أطلق اللفظ تبادرت إلى الفهم دلالته وأبعدت الدلالة المجازية، يوضح الآمدي ذلك بقوله: "ومنها أن يكون المدلول مما يتبادر إلى الفهم من إطلاق اللفظ من غير قرينة مع عدم العلم بكونه مجازاً، بخلاف غيره من المولدات، فالمتبادر إلى الفهم هو الحقيقة، وغيره هو المجاز(22) ". ويفهم من قول الآمدي أن اللفظ المجاز قد يأخذ حكم الحقيقة إذا شاع استعماله، وجرى في الألسنة، لأن النظام اللغوي نظام متجدد متغير لا تثبت فيه إلا النواميس والمعايير الخفية أما المادة اللغوية ودلالاتها فهي آيلة مع مرور الزمن للتغيير والتطور وهذه سمة في كل اللغات.‏

ويورد الآمدي معياراً آخر للتمييز بين دلالة اللفظ الحقيقية ودلالته المجازية، ويحصره في "عدم الإطراد في مدلول اللفظ" وانحصاره في دائرة ضيقة من الاستعمال يقول في ذلك: "ومنها أن يكون اللفظ مطرداً في مدلوله، مع عدم ورود المنع من أهل اللغة والشارع من الإطراد، وذلك كتسمية الطويل نخلة إذ هو غير مطرد في كل طويل"(23) .‏

والآمدي لا يرى أن الإطراد في دلالة اللفظ هو بالضرورة مدلول حقيقي بل إن عدم الإطراد هو الملمح على أن مدلول اللفظ مجازي، ولقد انبرى الآمدي يفند بعض الإشكالات التي أثارها بعض اللغويين مدعين أن حد الآمدي لمعيار الإطراد ليس شاملاً لكل الصيغ التعبيرية في اللغة العربية، فقد وجد أن اسم السخي) حقيقة في القرآن الكريم وهذا المدلول موجود في حق الله تعالى ولا يقال له سخي، كما أن القارورة سميت كذلك لاستقرار المائعات فيها ومع أن الجرة والكوز تستعمل لذلك ولكن لا تسمى قارورة. ولكن الآمدي كان قد وضع ضوابط في كلامه عن "الإطراد" الذي هو ملمح الدلالة الحقيقية للفظ وأشار إليها بقوله: "مع عدم ورود المنع من أهل اللغة والشارع من الإطراد(24) ".‏

أما المعيار الرابع الذي اعتمده الآمدي لتمييز الحقيقة من المجاز في دلالة اللفظ هو معيار صوري يستند على البنية الصرفية للفظ، فاللفظ المجاز جمعه مخالف لجمع اللفظ الحقيقية مع حصول تعارف بين أهل اللغة يفضي إلى كون اللفظ حقيقة في غير المدلول المذكور. يقول الآمدي: "ومنها أن يكون الاسم قد اتفق على كونه حقيقة في غير المسمى المذكور. يقول الآمدي: "ومنها أن يكون الاسم قد اتفق على كونه حقيقة في غير المسمى المذكور وجمعه مخالف لجمع المسمى المذكور فنعلم أنه مجاز فيه". من ذلك لفظ أمر فإن جمعه على جهة الحقيقة أوامر) ومن جهة الفعل المجاز) أمور)، لكن هذا القيد قد يكون سبباً لإشكالات تعبيرية خاصة وأن اللغة مفتوحة دوماً على أنظمة إبلاغية جديدة، قد تأسست على ظاهر لغوية مختلفة كالنقل والحذف والتعويض والاختصار وما إلى ذلك، فكان اعتماد معيار الجمع) عند الآمدي للتفريق بين الدلالة الحقيقية للفظ ودلالته المجازية، لا يرتقي إلى الأداة العلمية الدقيقة التي لا تتعطل معها حركية اللغة بتفاعلها مع المقام والحال. أما المعيار الخامس فيؤسسه الآمدي على اعتبار وجود القرينة المانعة من إيراد الدلالة الحقيقية، فالأصل في اللفظ الإطلاق وهو ملمح على دلالته الحقيقية. يشرح الآمدي هذا الأمر بقوله: "ومنها أن يكون قد ألِف من أهل اللغة أنهم إذا استعملوا لفظاً بإزاء معنى أطلقوه إطلاقاً، وإذا استعمله بإزاء غيره قرنوا به قرينة فيدل ذلك على كونه حقيقة فيما أطلقوه مجازاً في الغير(25) .‏

ومن مظاهر الحيوية والحركية في النظام اللغوي، القدرة على الاختزال في الطاقة التعبيرية دون إخلال بالوظيفة الإبلاغية، وينشأ ذلك من إقصاء بعض عناصر التعبير مع الإبقاء على أدائهم الإسنادي وهذا ما يدخل في الاقتصاد اللغوي) الذي يرمي إليه كل نظام لغوي، والمجاز يؤدي وظيفة أساسية في تكريس مبدأ الاختزال اللغوي، إذ تُعرف الدلالة المجازية للفظ إذا أسندت إليه الصفة أو الحكم إسناداً، يفهم من خلاله أنه لمتعلق آخر علاقته بالصفة أو الحكم علاقة حقيقية من ذلك قولنا الرحمة تغمر أهل الجنة) فللرحمة متعلق آخر هو الله تعالى، الرحمن، فكانت دلالة الرحمة ها هنا دلالة مجازية يقول الآمدي موضحاً هذه الفكرة، ومشيراً إلى معيار آخر لتمييز الدلالة الحقيقية من الدلالة المجازية: "ومنها أنه كان اللفظ حقيقة في معنى ولذلك المعنى متعلق، فإطلاقه بإزاء ما ليس له ذلك المتعلق يدل على كونه مجازاً فيه، كإطلاق اسم القدرة على الصفة المؤثرة في الإيجاد. فإن لها مقدور"(26) .‏

وإذا عدنا إلى أصل الوضع الأول لنقف على مبدأ تطور اللفظ مع دلالته، أيمكن أن نسمي ذلك اللفظ حقيقة أو مجازاً؟ يرسي الآمدي في تفسير هذا الإشكال اللغوي قاعدة عامة في مبحث الحقيقة والمجاز، وذلك بالوقوف على ماهية اللفظ قبل الوضع حيث تنتفي عنه صفة الحقيقة وبالتالي صفة المجاز، ويعني ذلك أن اللفظ لا يزال خاماً) ولم يدخل في تفاعل حركي مع النظام اللغوي المفتوح على حاجات أهل اللغة المتجددة، فأسماء الأعلام، وآلات أرباب الحرف المخترعة، وأدوات أهل الصناعة والزراعة المستحدثة وغيرها، لا يمكن أن تكون ذات دلالات حقيقية لأنها لم تَلِج بعد مجال الاستعمال اللغوي.‏

يوضح الآمدي هذه المسألة بقوله: "فالألفاظ الموضوعة أولاً في ابتداء الوضع في اللغة لا توصف بكونها حقيقة ولا مجازاً، وإلا كانت موضوعة قبل الوضع وهو خلاف العرض وكذلك كل وضع ابتدائي حتى الأسماء المخترعة لأرباب الحرف والصناعات لأدواتهم وآلاتهم وإنما تصير حقيقة ومجازاً باستعمالها بعد ذلك"(27) . ويلحق بذلك أسماء الأعلام، لأن الحقيقة هي استعمال اللفظ في ما وضع له أولاً، والمجاز في غير ما وضع له أولاً، ويقتضي ذلك أن الألفاظ قبل التواضع ليست حقيقة ولا مجازاً، يقول الآمدي في ذلك: "وتشترك الحقيقة والمجاز في امتناع اتصاف أسماء الأعلام بها: كزيد وعمرو"(28) . إذن فأساس التصنيف الذي يقوم عليه بناء الحقل المفهومي للحقيقة من جهة وللمجاز من جهة ثانية، هو الاستعمال الذي هو نقطة تقاطع القدرة الإبلاغية مع القدرة الإنشائية الإبداعية في اللغة لتحصل معهما الوظيفة التوليدية، ومع تواتر الدلالة الوليدة) مع عرف الاستعمال اللغوي تكتسب صفة الحقيقي التي تكون مؤهلة هي الأخرى للتوليد مع مراعاة شروط التواضع والاصطلاح، فلا تكفي العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي في إطلاق الاسم على جهة المجاز، وإنما يؤكد الآمدي على ضرورة حصول تعارف أهل اللغة على صحة نقل الدلالة من مجال الحقيقة إلى مجال المجاز، وتكون حينئذ دلالة المجاز عرفية، يقول الآمدي في وجوب حدوث تواضع لنقل الدلالة: "وهو أن تنص العرب نصاً كلياً على جواز إطلاق الاسم الحقيقي على كل ما كان بينه وبينه علاقة منصوص عليها من قبلهم، كما بيناه، ولا معنى للمجاز إلا هذا، وهو غير خارج عن لغتهم"(29) . ويعطي الآمدي لمبدأ التواضع اللغوي، صفة المعيار الذي يسمح عن طريقه انتقال اللفظ إلى المعجم العربي، ذلك أن اللفظ قبل أن يتواضع عليه أهل اللغة العربية لم يكن عربياً وإنما أضحى كذلك بحصول التواضع فألصقت به دلالات عربية. يوضح ذلك الآمدي فيقول: "وذلك لأن كون اللفظ عربياً ليس لذاته وصورته بل لدلالته على ما وضعه أهل اللغة بإزائه. وإلا كانت جميع ألفاظهم قبل التواضع عليها عربية وهو ممتنع"(30) . فاللفظ إذن لا يكتسب عربيته بالنظر إلى بنيته المعجمية فحسب وإنما كذلك بالنظر إلى دلالته، وتلك إشارة من الآمدي إلى أن النظام اللغوي نظام قوامه الدلالة التي تصرف بحسب تواضع أهل اللغة، وهي إشارة لها قيمتها المعرفية خاصة إذا عرفنا أن الاهتمام بشأن الدلالة في اللغة لم ينشأ إلا حديثاً، ذلك أن المشتغلين في الحقل اللساني أعطوا جل اهتمامهم للجانب الفونولوجي والمورفولوجي للغة وكانت الدلالة في أبحاثهم تمثل الجانب الهزيل، وقد يستبد ببعض اللغويين رأيهم وهم عاجزون على تصريف أنماط الكلام العربي تصريفاً لا يلغي بعضه البعض، فقد يذهبون إلى الدعوة إلى الاستغناء عن المجاز ويستصغرون قيمته لأنه لا يفيد معنى إلا مع وجود قرينة صارفة.‏

وهم لا يريدون أنهم بدعوتهم تلك يسعون إلى أن تكون اللغة العربية عقيماً عاجزة عن الإبداع والتوليد الدلالي، يغضون الطرف عن الفوائد الكثيرة التي يحققها المجاز يوضح الآمدي تلك الفوائد فيقول:‏

"إن الفائدة في استعمال اللفظ المجازي دون الحقيقي، قد تكون لاختصاصه بالخفة على اللّسان، أو لمساعدته في وزن الكلام نظماً ونثراً، والمطابقة، والمجانسة والسجع، وقصد التعظيم والعدول عن الحقيقي للتحقير إلى غير ذلك من المقاصد المطلوبة في الكلام"(31) . ويمكن إيجاز تلك الفوائد التي نص عليها الآمدي في: الفوائد الصوتية، والفوائد الجمالية، والفوائد الدلالية. ومن تلك الفوائد التي تتحقق مع المجاز اللغوي هو الإيجاز في الكلام فقد يعبر بالجزء ويراد به الكل، أو العكس صحيح أيضاً، ومدار الجمع بين الكل والجزء في الكلام مع إضمار أحدهما في التعبير أساسه المشاركة في المعنى، أما إذا انتفت المشاركة انتفت العلاقة بين الدلالة الحقيقية للفظ والدلالة المجازية، وكان كل وضع للفظ ابتداء. يشرح ذلك الآمدي فيقول: "فإن جزء الشيء إذا شارك كله في معناه كان مشارك له في اسمه، ولهذا يقال إن بعض اللحم لحم وبعض العظم عظم وبعض الماء ماء، لاشتراك الكل والبعض في المعنى المسمى بذلك الاسم، وإنما يمتنع ذلك فيما كان البعض فيه غير مشارك للكل في المعنى المسمى بذلك الاسم، ولهذا لا يقال: بعض العشرة عشرة وبعض المائة مائة وبعض الرغيف رغيف، وبعض الدار دار إلى غير ذلك"(32) . وهذه المسألة ذات أهمية كبيرة إذا نظرنا إليها من زاوية إجراء الحكم على جميع عناصر اللفظ الكلي، كما إذا أطلقنا على القرآن الكريم صفة "العربي" كما سماه الله تعالى مع أنه تضمن ألفاظاً غير عربية فسمى ذلك الآمدي "تخصيص الاسم ببعض مسمياته في اللغة" وقال بأن إطلاق الاسم العربي على القرآن الكريم مجازاً لا حقيقة، وإن كان بعض اللغويين والفقهاء قد خالفوا الآمدي في رأيه معتبرين أن القرآن الكريم قد أجرى الصيغ الدخيلة مجرى الصيغ العربية فكانت بذلك عربية، وأزال أعجميتها.‏

وبنظرية عامة يفصح الآمدي عن الإمكانية المطلقة لإثراء الرصيد اللغوي، ذلك أن اعتباطية العلاقة بين الدال والمدلول، تنسحب على ظاهرة المجاز، لأن ذلك يعد اصطلاحاً داخل اصطلاح كما أنه اعتباط داخل اعتباط وهو ما يسمح عن طواعية، بالاقتران العرفي بين اللفظ ودلالته المجازية فضلاً عن دلالته الحقيقية، يقول الآمدي في ذلك: "فإن دلالات الأسماء على المعاني ليس لذواتها، ولا الاسم واجب للمعنى، بدليل انتفاء الاسم قبل التسمية، وجواز إبدال اسم البياض بالسواد في ابتداء الوضع، وكما في أسماء الأعلام، والأسماء الموضوعة لأرباب الحرف والصناعات لأدواتهم وآلاتهم"(33) . فالدال لا يستمد معناه وقيمته الدلالية من بنيته الصوتية، وإنما العوالم الدلالية مفتوحة على العوالم اللسانية، مما يفسر إمكانية تحريك الطاقة التعبيرية في اللغة، لإنشاء أنماط كلامية تكون مبنية على أساس الاقتران التعسفي، وهو أمر جار في المجاز باعتباره امتداداً في الدلالة لحقل الحقيقة. يقول عبد السلام المسدي: "يمد المجاز أمام ألفاظ اللغة جسوراً وقتية تتحول عليها من دلالة الوضع الأول، إلى دلالة الوضع الطارئ، ولكن الذهاب والإياب قد يبلغان حداً من التواتر يستقر به اللفظ في الحقل الجديد فيقطع عليه طريق الرجوع"(34) .‏

ويدخل اللفظ بعد ذلك في حقل الحقيقة وبواسطة تواتر الاستعمال يتقادم ذلك الخيط الذي كان يصله بوضعه الأول ويمد هو جسراً ليعقد علاقة تنتقل عبرها دلالته إلى حقل المجاز، ليبرز من خلال هذا التشكل المستمر، الطابع الوظائفي للغة في تزاوج نظامها التواصلي وطبيعة مكوناتها الدلالية القائمة على مبدأ الاستيعاب والتماثل لصنوف الأنساق الكلامية التي يقتضيها الموقف الخطابي.‏

إن الاقتران التعسفي بين الدال والمدلول كما قررته الأبحاث اللسانية الحديثة –وأشار إليه الآمدي قبل ذلك-، يعطي للنظام اللغوي طابع المرونة والتمدد قصد احتواء ما جدّ من أنساق دلالية، وفي الوقت ذاته يجعل من حصول الاقتران العرفي الذي يشرف عليه أهل اللغة يمتد عبر زمن ليحصل التواتر اللازم، وفي ضوء هذه الفكرة يرد الآمدي على الذين أنكروا حداثة الأسماء الشرعية وبذاءة دلالتها، متعللين بعدم حصول الفهم من قبل المكلفين، ذلك لأن الشارع لم يطلعهم على حيثيات النقل الذي تم به تغيير في دلالة الأسماء الشرعية. يقول الآمدي: "قوله التفهيم، إنما يكون بالنقل لا نسلم، وما المانع أن يكون تفهيمهم بالتكرير والقرائن المتضافرة مرة بعد مرة، كما يفعل الوالدان بالولد الصغير، والأخرس في تعريفه لما في ضميره لغيره بالإشارة"(35) . وفي ذلك اهتمام من الآمدي بخصوص استحداث الألفاظ وتعليقها بدلالة قديمة أو العكس، أو توليد صيغ جديدة بدلالاتها، فالاقتران العرفي يتخذ أشكالاً من التواضع منها التكرار وهو ما اصطلح على تسميته بتواتر الاستعمال، إذ يقذف اللفظ الجديد ليدخل في تفاعل مع عناصر النظام اللغوي حتى يشيع استعماله وتثبت دلالته في الأذهان. ثم هناك القرائن المتضافرة التي تأخذ تعليم اللفظ الجديد وتوسيع دائرة استعماله عن طريق المشابهة والمجاورة والمشاكلة والتمثيل، وهي أساليب تُعتمد في تلقين الأطفال الأصول الأولى للكلام القائم على التدريج والتدريب. والأمر الذي يجدر بيانه في هذا المقام هو طبيعة القناة الإبلاغية التي يتخذها الأخرس قصد تواصله مع المجتمع اللغوي، وقد اختصرت لغته في نظام علامي يقوم على أساس الرمز والإشارة. ويكون الآمدي قد تجاوز في اهتماماته اللغوية المنحى الدلالي الذي يخص العلامة اللسانية إلى منحى أشمل يعنى بالعلامة في مفهومها الواسع، لسانية كانت أم غير لسانية وهو ما أضحى يعرف في الدراسات اللغوية الحديثة" بالسيمياء la semiologie) ، وإذا أردنا أن نعطي لحديث الآمدي عن لغة الأخرس أبعاداً لسانية لألفيناها تصب في مبحث لساني حديث تناول ضمنه الألسنيون الإعاقات الكلامية التي تحول دون تشكيل المقول الدلالي في بنى كلامية، والتي ترجع بسبب ذلك إلى أمراض عصبية ذات تأثير لساني اصطلح على تسميتها بالعصب- ألسني) Neurolinguistique)، والخلل يكمن في الأداء الكلامي مع وجود الكفاية اللغوية وهي المعرفة الضمنية بقواعد ونظام اللغة، وهو ما يجعل الأخرس أو الذي يعاني أمراضاً في النطق يهتدي إلى أنساق دلالية يبلغها عن طريق الكتابة أو الإشارة، قد لا يهتدي إليها من أوتي نطقاً صحيحاً وقادراً على الأداء الكلامي السليم.‏

وجملة القول أن مبحث الحقيقة والمجاز عند الآمدي، يمثل جانباً خصباً في جهوده الدلالية، وقد أبان من خلاله عن منهج مكتمل في بلورة مفاهيمه النظرية في تشكل أنماط إجرائية تبرز المنظومة اللغوية من خلاله ذات طاقة تعبيرية لا متناهية قادرة على التوليد لتشاكل الأنساق الدلالية المستحدثة. وبوضعه للمعايير المميزة للحقل المفهومي لكل من الحقيقة والمجاز يكون الآمدي من اللغويين النوادر الذين حاولوا أن يؤطروا التحولات الحاصلة في صلب النظام اللغوي حتى يبقى مظهراً على سلامة البنى النسقية التي تتمثل في سعة الكفاية الضمنية في اللغة وطاقاتها الاستيعابية لمجمل الحاجات اللغوية، وبقدر ما يؤدي المجاز من وظائف هامة في المنظومة اللغوية، له من الفوائد كذلك ما يجعله يقترن باستحداث سمات نوعية على مستوى الكلام، لخصها الآمدي في الوظيفة الجمالية الفنية التي عندها يصبح المجاز أداة بيد الإنسان في خلق البنية الفنية انطلاقاً من بنية لغوية مشاعة بين أهل اللغة، ثم هناك الوظيفة الصوتية المتمثلة في النزوع نحو خفة النطق مع البحث عن الاقتصاد في الكلام، أما الوظيفة الدلالية فهي أساس ما يضطلع به المجاز وهو صنو الوظيفة الإبلاغية التواصلية مع زيادة في السمة النوعية على مستوى الخطاب اللغوي.‏

إن أهمية ما تقدم به الآمدي في هذا المبحث، يكمن في إرساء قواعد علمية تخص مبدأ التولد الدلالي، ويمكن استثمار ذلك في وضع المصطلحات العلمية، وفي تلقين ما استحدث في نظام اللغة من عناصر وعلامات لسانية لأهل اللغة، توسيعاً لنطاق التخاطب وإذاعة للمفاهيم الجديدة.‏

خاتمة البحث:‏

ليس من المبالغة في شيء، إذا جزمنا أن الآمدي في كتابه "الإحكام" قد أرسى نظرية علمية بينة المعالم، واضحة المقاصد، تتناول اللغة في شموليتها وأبعاد دلالاتها. وقد ساهمت آراؤه في بلورة مفاهيم دلالية لم نطلع عليها إلا في المدارس اللسانية الغربية، مع أنها وردت بارزة في مضان تراثنا المعرفي، تحمل طابع الشمولية في التنظير للسان البشري، ويكفي أن نقارب حديث الآمدي في مبدأ اعتباطية الدليل اللساني وما انتهى إليه علماء الألسنية المحدثون وفي مقدمتهم العالم دوسوسير، وما استقر لدى نوام تشومسكي في بحثه الدؤوب حول القواعد التوليدية والتحويلية ليخلص إلى وجود ما سماه "بالكفاية اللغوية"، ويتمظهر في البنية اللغوية العميقة للجملة أو التركيب، وما تقدم به الآمدي في تفسيره للآية الكريمة: "وعلم آدم الأسماء كلها". ليستخلص أن "التعليم" الوارد في الآية له بعد "الإقدار على اللغات" بحيث ركبت في الإنسان القدرة على توليد الصيغ التعبيرية والتواضع عليها بين أهل اللغة. وما هو قمين بالإشارة إليه هو نص الآمدي في مقومات الخطاب الإبلاغي على وجوب توافر عنصر "القصد" في الإبلاغ والتواصل لدى الباث، وعنصر الاستعداد والتهيؤ لدى المتلقي، وهما عنصران كانا مدار علم الألسنية الحديث في تناوله لوظائف الخطاب اللغوي، كما أقام الآمدي تفريعات لعناصر الكلام الصغرى، وأفاض البحث فيها، وقدم الدلالة في أنساق مختلفة تتأسس بالنظر إلى طبيعة الخطاب وعناصره المشكلة له، وبالنظر كذلك لقصد المتكلم، وهي أنساق دلالية شاملة لمختلف أنماط الكلام، لم يضف إليها البحث الدلالي الحديث إضافات ذات قيمة، عدا عمق التحليل الذي أرفق به تلك الأنساق في سياق تناول مسائل الإرجاع والتعيين والتضمين، في تحديده لدلالة المطابقة ودلالة التضمن ودلالة الالتزام، والنسب الموجودة بينها.‏

وما يثير الباحث في كتاب الإحكام للآمدي، هو إحساسه بعمق المنتهى المعرفي الذي سعى إلى تحقيقه هذا العالم الأًصولي، فقد ينقل آراء مخالفيه حول مسألة من المسائل الأصولية أو اللغوية، ليس ليفندها، ويظهر جوانب النقص فيها، وإنما ليعمق البحث في تلك المسألة أو يزيد التعريف الذي حد به مصطلحاً أصولياً أو لغوياً أو منطقياً، شمولاً أكثر وإحاطة أعم.‏

إذن فمجمل المباحث التي أثارها الدرس الدلالي الحديث لها وجود في كتاب الآمدي بدءاً بالعلامة اللسانية وغير اللسانية، وما تعلق بها من مباحث كطبيعة العلاقة الدلالية وبين وجهي العلامة، وأنماط تلك العلامة وأصنافها، وكذلك بالنسبة لأقسام الدلالة وأنواعها، كما نجد الآمدي يضع نموذجاً لبناء الحقول الدلالية، قائماً على نسب مختلفة كالاشتراك اللفظي، والعموم والخصوص والتنافر والتباين، والترادف والتواطؤ وغير ذلك، مما يسمح بوضع رؤية علمية لغوية تفضي إلى تعميق البحث في ما تقدم به الآمدي في مجال الحقول الدلالية، وبالقيمة ذاتها تؤخذ آراء الآمدي في إرسائه لقواعد تخص الدلالة الحقيقية والدلالة المجازية، وبيانه بصفة دقيقة المعايير الموضوعية التي تعتمد في التمييز بين الدلالتين في سياق الخطاب اللغوي ذي النسيج المتشعب من العناصر والصور. ونرى مبحث المجاز يغدو عند الآمدي مجالاً خصباً في تنمية قدرات اللغة الكامنة، في التعبير وتشكيل صور مختلفة من الصيغ الكلامية، لها فوائدها البينة على مستوى التخاطب والتواصل بل وحتى على المستوى الجمالي الفني وعلى المستوى الفونولوجي كما يؤكد ذلك الآمدي.‏

إن كتاباً واحداً يشع بهذه المعارف اللسانية والدلالية وهو كتاب "الإحكام" للآمدي، ينم على غزارة التفكير المعرفي لدى هذا العالم، فما بالنا بجميع كتبه التي طبعت والتي لم تطبع بعد، بل إن دراسة واحدة لا تكفي حتى كتاب "الإحكام" من أجل بلورة كل أفكاره ومسائله، وقراءتها قراءة عصرية جديدة تأخذ في اعتبارها المنطلقات الفكرية للاهتمام اللساني والدلالي الحديث. فلا يزال الكتاب المذكور يحتفظ بثراء معرفي ذي قيمة كبيرة يغتني به الدارسون والباحثون الذين يسعون إلى إحداث وثبة فكرية راقية، تحرك فاعلية الأصول التراثية لتدخل في جدل معرفي مع المتطلبات اللغوية والعلمية والفكرية للإنسان المعاصر، لتربط الماضي بالحاضر في توأمة منهجية دقيقة.‏

(1) Introduction à la sémiologie, P 21. Dalila Morsly, Francois chevaldonne et autres…‏

(2) انظر ذلك في كتاب: دور الكلمة في اللغة: ستيفن أولمن، ترجمة كمال بشر، ص 161. وكتاب: علم اللغة: د. محمود السعران ص 388-401. وكتاب: دلالة الألفاظ. إبراهيم أنيس، ص 148-155.‏

(3) د. عبد السلام المسدي، اللسانيات وأسسها المعرفية، ص 96-97.‏

(4) عبد السلام المسدي: النواميس اللغوية والظاهرة الإصطلاحية، ص 23، مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد 30-31، سنة 1984.‏

(5) فصل المقام فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال: ص 19-20.‏

(6) الإحكام في أصول الأحكام، ج1، ص 26.‏

(7) المصدر السابق،. ج1،. ص 27.‏

(8) المصدر نفسه، ج1، ص 27.‏

(9) المصدر نفسه، ج1، ص 27.‏

(10) المصدر نفسه ج1، ص 27.‏

(11) المصدر نفسه، ج1، ص 27.‏

(12) المصدر نفسه، ج1، ص 28.‏

(13) المصدر نفسه، ج1، ص 28.‏

(14) د. عبد السلام المسدي… اللسانيات وأسسها المعرفية، ص 97.‏

(15) الإحكام في أصول الأحكام ج1. ص 28.‏

(16) المصدر نفسه، ج1 ص 28.‏

(17) المصدر نفسه، ج1، ص 29.‏

(18) المصدر نفسه، ج1، ص 30.‏

(19) المصدر نفسه، ج1، ص 30.‏

(20) المصدر نفسه، ج1، ص 29.‏

(21) النواميس الشعرية والظاهرة الاصطلاحية، ص 23، مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد 30-31/ 1984.‏

(22) الإحكام في أصول الأحكام، ج 1، ص 30.‏

(23) المصدر السابق، ج1، ص31.‏

(24) المصدر نفسه، ج1، ص32.‏

(25) المصدر نفسه، ج1، ص 33.‏

(26) المصدر نفسه، ج1، ص 33.‏

(27) المصدر نفسه، ج1، ص34.‏

(28) المصدر نفسه ج1، ص 33.‏

(29) المصدر نفسه، ج1، ص 53.‏

(30) المصدر نفسه، ج1، ص 36.‏

(31) المصدر نفسه، ج1، ص 46.‏

(32) المصدر نفسه، ج1، ص 37.‏

(33) المصدر نفسه، ج1، ص 39.‏

(34) النواميس اللغوية والظاهرة الاصطلاحية، ص 23، مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد 30/31 سنة 1984.‏

(35) الإحكام في أصول الأحكام، ج1، ص36.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244